طلال حسن : الرحلة الثامنة (رواية للفتيان) (1)

talal hasan  ”   1   ”
ــــــــــــــــــــــ

استيقظ سندباد على ديكهم ، يرج البيت بصوته المرتفع ، وتلفت حوله مدمدماً ، بادي الغضب والانزعاج ، وفوجىء فوق ذلك ، بعدم وجود هندباد في فراشه ، فنهض مؤملاً أن يكون مع أمه ، التي تعد طعام الفطور في المطبخ ، وأسرع إلى الفناء ، منادياً :هندباد .
وخرجت ابنته ريحانة من المطبخ ، وحيته قائلة : عمت صباحاً يا أبي .
ورد سندباد متلفتاً : عمت صباحاً .
ثم تساءل : أين هندباد ؟
وضحكت ريحانة ، وقالت : وأين عساه يكون حفيد السندباد البحري ؟
وهزّ سندباد رأسه ، وقال : أعدي الفطور ، ريثما أذهب ، وأعود به .
فردت ريحانة قائلة : لا تتأخر ، يا أبي ، الفطور معدّ تقريباً   .
واتجه سندباد إلى الخارج ، وقبل أن يفتح الباب ، رج الديك البيت ثانية بصوته المرتفع ، وكتمت ريحانة ضحكتها وهي تسمع أباها يدمدم : لن أرتاح في هذا البيت إذا لم أذبح الديك.
ورغم شيخوخته ، التي سرّعت بها رحلاته السبع ، مضى سندباد بشيء من السرعة ، إلى شاطىء النهر ، الذي لا يبعد كثيراً عن بيته .
ولاح هندباد ، يجلس كعادته ، فوق مرتفع يطل على الشاطىء ، متأملاً القوارب والاكلاك والسفن الشراعية .وارتقى سندباد المرتفع ، وجلس إلى جانب هندباد ، دون أن يتفوه بكلمة ، فالتفت هندباد إليه ، وقال : جدي !
ونظر سندباد إلى السفن الراسية قرب الشاطىء ، وقال : ليتني أعرف ما الذي تريده بجلوسك في هذا المكان ، يا هندباد .
sindbadفرد هندباد قائلاً : أنت تعرف ما أريده ، يا جدي .
وقال سندباد بنبرة عتاب : هندباد .
وتابع هندباد : أريد .. الرحلة الثامنة .
ونهض سندباد ، وقال : هذا محال يا هندباد ، أنا الآن رجل عجوز .
ونهض هندباد بدوره ، ورد قائلاً : لا تقل هذا يا جدي ، أنت السندباد البحري .
وتنهد سندباد ، وقال : هندباد ، إنني أخاف عليك من حكايات أمك عني .
ورد هندباد : إن هذه الحكايات الملاحم هي ما نعتز به أنا وأمي .
ولاذ سندباد بالصمت ، فلا فائدة من الحديث مع هندباد ، في هذا الموضوع ، والتفت هندباد ، ونظر إلى سفينة ترسو بعيداً عن السفن الأخرى ، وقال : جدي ، لقد رست سفينة جديدة صباح اليوم .
ونهض سندباد ، وهمّ بالسير ، والعودة إلى البيت ، وهو يقول : هذا الأمر ليس جديداً ، فالسفن ترسو هنا وتقلع كلّ يوم .
فرد هندباد بصوت يوحي بالخطورة : إنها سفينة غريبة يا جدي ، أنظر إليها .
وتوقف سندباد ، والتفت على مضض ، وأشار هندباد إلى السفينة ، وقال : تلك هي ..
وما إن وقع نظر سندباد على السفينة، حتى اربدت سحنته ، وقال بصوت مضطرب ، وكأنه يحدث نفسه : همام .
وسرعان ما استدار ، ومضى مسرعاً ، وهو يقول : هيا يا هندباد ، هيا ، هيا .
ولحق هندباد به متسائلاً : ما الأمر يا جدي ؟
فرد سندباد ، دون أن يتوقف : لا شيء يا بنيّ ، هيا ، إن أمك تنتظرنا على الفطور .

    ”   2   “
ــــــــــــــــــــــــــ

ظلّ هندباد ، يحوم طويلاً حول جده ، لعله يعرف شيئاً عما يشغله ، دون جدوى ، وقد رآه ، أكثر من مرة ، يوارب النافذة ، ويختلس النظر إلى السفن ، ثم يغلقها بضيق ، التي ترسوا متقاربة ، في شط العرب .
وطرق الباب قبيل الظهر ، فخرج سندباد من الغرفة قلقاً ، فأطلت ريحانة من المطبخ ، ومعها أطل هندباد ، وتطلعت  إلى أبيها مندهشة ، وتساءلت : ما الأمر ، يا أبي ؟
ولم يلتفت سندباد إليها ، وإنما أشار إلى هندباد ، وقال بصوت خافت : هندباد .
وأسرع هندباد إليه ، وقال : نعم جدي .
فقال سندباد بصوته الهامس : أنظر من بالباب .
ونظر هندباد إليه ، وقال : أظنه صديقي .. ياسر.
فقال سندباد نافد الصبر : اذهب ، يا هندباد .
وأسرع هندباد ، وفتح الباب ، ثم التفت إلى جده سندباد  وقال : إنه صديقي ، ياسر .
ورمقت ريحانة أباها بنظرة خاطفة ، ثم قالت لهندباد : اذهب ، يا بني ، والعب معه .
وبصوت مضطرب ، سارع سندباد إلى القول : لا ، لا يا هندباد ، أغلق الباب ، وتعال .
ووقف هندباد حائراً ، فخاطبته أمه قائلة : أغلق الباب ، يا بنيّ ، وتعال أجلس إلى جانبي في المطبخ ، سأعد لك ما تحبه من الطعام .
وأغلق هندباد الباب ، ورمق سندباد بنظرة سريعة ، ثم دخل مع أمه إلى المطبخ ، وقفل سندباد عائداً إلى غرفته قائلاً : أريد شيئاً من الماء.
وهم هندباد بتلبية ما أراده جده ، فاستوقفته ريحانة ، وقالت : ابق في المطبخ ، ياهندباد ، أنا سآخذ الماء إلى جدك .
وملأت ريحانة القدح ماء من الحب ، ومضت به إلى الغرفة ، وقدمته لسندباد ، وقالت وهي ترمقه بنظرة سريعة : تفضل ، يا أبي .
وأخذ سندباد القدح ، وشرب ما فيه من ماء ، ثم أعاده إلى ريحانة ، وقال : أشكرك .
وجلست ريحانة إلى جانبه ، ممسكة بالقدح الفارغ ، ثم قالت ، بعد أن اطمأنت ، إلى أن هندباد لا يسمعها : طمئني ، يا أبي ، ما الأمر ؟
وهزّ سندباد رأسه ، دون أن يتطلع إليها ، وقال : لا شيء ، يا ابنتي ، لا شيء .
فردت ريحانة قائلة : هذه أول مرة تمنع فيها هندباد من الخروج ، واللعب مع ياسر .
وتمدد سندباد في فراشه ، ثم قال : لست مرتاحاً هذا اليوم ، وأريد أن يبقى هندباد إلى جانبي .
وتطلعت ريحانة إليه ملياً ، ثم تساءلت : هل تشكو من شيء ، يا أبي ؟
فرد سندباد قائلاً : اطمئني ، إنني بخير .
ثم ابتسم لها ، وقال : اذهبي ، وأعدي لنا غداء طيباً ، وسترين أباك .
ونهضت ريحانة مبتسمة ، وقالت وهي تهمّ بالخروج : سأعد غداء يعجبك ، ويعجب هندباد أيضاً .
   ”   3   “
ـــــــــــــــــــــــ

جلس هندباد ، بعد العشاء ، إلى جانب أمه ، ورمق جده بنظرة خاطفة ، وقال : أمي .
وأدركت ريحانة من نبرة صوته أنه يريد أن يمازح جده كالعادة ، فابتسمت قائلة : نعم ، هندباد .
وتابع هندباد قائلاً : ليتك تحكين لي حكاية ” رحلة جدي الثامنة “.
وهز سندباد رأسه ، دون أن يبتسم ، وضحكت ريحانة ، وقالت :لكن جدك ، يا هندباد ، حسب علمي ، لم يقم إلا بسبع رحلات .
ورمق هندباد جده ثانية ، وقال : لعلمك إذن ، إنني رأيت جدي البارحة يقوم بالرحلة الثامنة .
وضحكت ريحانة قائلة : في المنام .
وتمدد سندباد في فراشه ، وقال : هذه أضغاث أحلام ، والأحلام غيمة تبددها هبة ريح .
فرد هندباد قائلاً : لكن الغيوم تمطر أحياناً ، يا جدي ، ومن يدري ، فقد تمطر هذه الغيمة ، وتقوم برحلتك الثامنة .
وغطى سندباد رأسه بالفراش ، وقال : أنصحك ، يا هندباد ، أن تتغطى حين تنام .
وضحكت ريحانة ، وهم هندباد أن يرد ، وإذا الباب يطرق ، فأعتدل سندباد ، وقد ضاقت أنفاسه ، وتساءلت ريحانة : ترى من الطارق ؟
وهب هندباد ، منطلقاً إلى الخارج ، دون أن يسمع جده يقول بصوت مضطرب : تمهل ، يا هندباد .
وفتح الباب ، وفوجئ برجل ضخم ، أشيب اللحية ، ينحني عليه ، ويقول : أنت هندباد .
ولم ينطق هندباد بكلمة ، وقد تملكته الدهشة ، فأبتسم الرجل الضخم ، وقال : هذا واضح ، فأنت تشبه جدك ، السندباد البحري .
وأبتسم هندباد فرحاً ، وقال : أمي أيضاً تقول ، إنني أشبهه .
وأعتدل الرجل الضخم ، وقال : وآمل أنك تشبهه أيضاً في حبك للأسفار .
وهزّ هندباد رأسه موافقاً ، فقال الرجل الضخم : حسن ، سنأخذك ، إذا وافق جدك سندباد ، على متن سفينتي ، الإعصار ، ونرحل معاً إلى …..
وهنا ارتفع صوت سندباد منفعلاً : هندباد ، اذهب إلى أمك .
وتطلع هندباد إلى الرجل الضخم ، فأبتسم له هذا ، وقال : اذهب ، يا هندباد .
وتراجع هندباد ، وهو مازال يتطلع إلى الرجل الضخم ، ثم استدار ، ومضى مسرعاً إلى الداخل ،
وحدق الرجل الضخم في سندباد ، ثم قال : هذه ليست مقابلة صديق ، يا سندباد .
وبدل أن يرد سندباد على عتابه ، قال : لقد رأيت الإعصار صباح اليوم ، راسية بعيداً عن السفن ، وتوقعت أن أراك ، يا همام .
وصمت همام لحظة ، ثم قال : حسن ، الحديث قد يطول ، لنتمش قرب الشاطئ .
وأغلق سندباد الباب ، ومضى مع همام باتجاه الشاطئ ، وقال : أعرف ما تريد الحديث فيه ، وقد أخبرتك سابقاً برأيي .
وقال همام بصوت هادئ : سندباد ، نحن الآن على أعتاب النهاية .
فعلق سندباد قائلاً : أنت محق ، فأترك كل شيء ، واركن مثلي إلى الهدوء .
وقال همام : هذا ما سأفعله ، بعد أن ننجز هذه المهمة ، أنا وأنت .
فرد سندباد : مستحيل .
وقال همام متحمساً : ليس هذا من أجلي أو من أجلك ، فكر في حفيدك هندباد ، كما أفكر أنا في ابنتي ياسمين .
وتوقف سندباد ، وقال : لو كنت تفكر حقاً في ياسمين ، لتركت البحار ، وبحارة السوء ، وعشت في البصرة مثلما أعيش .
فرد همام قائلاً : من أجل حفيدتي  وسعادتها ، ورفاهها ، سأذهب إلى آخر الدنيا .
وحدق سندباد فيه برهة ، ثم قفل راجعاً ، وهو يقول : اذهب .. حيثما تريد .. وحدك .
وصاح همام بنبرة الواثق : لن أذهب وحدي ، يا سندباد ، بل ستأتي أنت معي ، مهما كلفني الأمر ، فالمهمة تقتضي أن نكون معاً

    ”  4   ”   
ـــــــــــــــــــــــ

هبّ سندباد مستيقظاً ، ليس على صياح الديك هذه المرة ، بل على يد مرعوبة ، تهزه وتهيب به أن : انهض .
وفتح عينيه ، لا أحد في الغرفة ، لابد أنه يحلم ، وإذ لم يجد هندباد في فراشه ، نهض على عجل ، وانطلق إلى الفناء يصيح : ريحانة .
وأقبلت ريحانة مسرعة من المطبخ ، تمسح يديها المبللتين بطرف ثوبها ، وقالت : ها أنا ذي ، يا أبي ، ما ..
وقاطعها سندباد متسائلاً : أين هندباد ؟
فردت ريحانة مبتسمة : عند الشاطئ طبعاً .
وشهق سندباد : عند الشاطئ !
واقتربت ريحانة منه ، وقالت : أبي ، لا داعي للقلق ، هذه ليست المرة ..
وقاطعها ثانية ، مزيحاً إياها عن طريقه ، وانطلق إلى الخارج ، وهو يقول : ابتعدي ، يا ريحانة ، أنتِ لا تعرفين ما يجري .
ووقفت ريحانة مذهولة ، لا تدري ماذا تفعل ، وسرعان ما مضت إلى المطبخ صائحة : يا ويلي ، الطعام يحترق على النار .
ونسي سندباد شيخوخته ، وأخذ يركض نحو الشاطئ ، وتملكه القلق ، حين لم يجد هندباد في مكانه المعهود ، فوق المرتفع المطل على نهر شط العرب .
ووقف فوق المرتفع ، متقطع الأنفاس ، يبحث بعينيه القلقتين، المتوجستين ، عن سفينة همام ” الإعصار ” ، لكنه لم يعثر لها على أثر ، ولم يصدق عينيه ، أول الأمر ، فانحدر عن المرتفع ، وأخذ يسير بمحاذاة الشاطئ ، مفتشاً بين السفن الراسية ، دون جدوى .
وتسمر في مكانه ، حين سمع أحدهم يهتف باسمه : سندباد .
وتمتم سندباد ، قبل أن يلتفت ويواجهه  : قرش !
وكشر قرش عن أسنانه المصفرة ، وقال : نعم ، يا سندباد ، قرش .
وأشار إلى عينه ، التي تغطيها عصابة متسخة ، وقال : أتذكرها؟
فرد سندباد قائلاً : لم أنسها ..
وقال قرش من بين أسنانه : وكذلك أنا .
وحدق سندباد فيه ، وقال : أنت تستحق ما جرى لك ، يا قرش .
وكشر قرش عن أسنانه المصفرة ثانية ، وقال : وأنت تستحق ما سيجري لك .
واستأنف سندباد سيره ، وقال : إنني لم أخف يوماً من أي قرش .
فصاح قرش : ستخاف هذه المرة .
وتوقف سندباد ، والتفت إليه ، ثم قال : أنصحك أن تمضي، فلن أكتفي بقلع عينك الأخرى ، إذا رأيتك هنا ثانية .
وضحك قرش قائلاً : ستراني كثيراً يا سندباد ، ولكن ليس هنا .
واستأنف سندباد سيره ثانية ، لكنه سرعان ما تسمر في مكانه ، حين سمع قرش يقول : مهلاً ، لن تجد ما تبحث عنه .
والتفت سندباد إليه ، وكشر قرش عن أسنانه المصفرة ، وقال : هذا ما جئت ألقاك من أجله .
وتقدم سندباد منه ، وقال مهدداً : ستدفعون الثمن غالياً ، لو مسستم شعرة من هندباد .
وابتسم قرش بخبث ، وقال : اطمئن ، إنه بين يدي صديقك .. همام .
وانحدر نحو قارب قرب الشاطىء ، وصعد إليه ، وقال : تعال معي ، وسترى هندباد .
وصمت لحظة ، ثم أضاف قائلاً : هندباد فوق السفينة ، سآخذك إليه ، إنها في مكان قريب ، وراء ذلك المنحنى .
وجلس في القارب ، وأمسك بالمجذافين ، وقال : هيا ، إن همام ينتظرك .
وأسرع سندباد بالصعود إلى القارب ، دون أن يتفوه بكلمة ، وعلى الفور ، حرك قرش المجذافين ، وابتعد بالقارب عن الشاطىء ،وراح يجذف باتجاه منحنى النهر ، ومن وراء إحدى الأشجار ، أطل بحار فتيّ ، وسرعان ما مضى باتجاه سفينة ترسو وسط السفن الشراعية .

    ”   5   “
ـــــــــــــــــــــــــ

استيقظت ياسمين ، عند منتصف النهار كالعادة ، ونهضت متثائبة من فراشها ، وعبثاً حاولت أن تفتح باب القمرة ، فقد كان مقفلاً من الخارج ، واستدارت متذمرة ، ووقفت أمام الكوة ، المطلة على شط العرب ، وراحت تتطلع إلى البعيد ، منشغلة عن القوارب والسفن والشمس المعلقة فوق أشجار النخيل .
وهنا طرق باب القمرة ، وعرفت ياسمين الطارق ، إنه الطباخ العجوز ، فالتفتت قائلة : أدخل .
وسمعت الباب يفتح من الخرج ، ثم أطل الطباخ العجوز ، بوجهه الطيب المترهل ، وقال : بنيتي ، الفطور جاهز .
وعلى غير عادتها ، خرجت ياسمين من القمرة ، دون أن تحييه ، ورأت أباها يجلس إلى المائدة ، وجلست قبالته عابسة ، ثم قالت دون أن تنظر إليه : عمت صباحاً ، يا أبي .
ورد همام محاكياً لهجتها : عمت صباحاً .
ثم ابتسم ، وقال : الصباح اليوم جميل ، ولعل ابتسامة منك تجعله أكثر جمالاً .
وتناولت ياسمين رغيف خبز ساخن ، وقطعت منه كسرة ، فقال همام : كلي من هذه القشطة اللذيذة ، وبعدها ستبتسمين.
ووضعت ياسمين كسرة الخبز جانباً ، ونظرت إلى أبيها ، وقالت : سمعت صباح اليوم ، صوت صبي في عمري ، فوق ظهر سفينتنا العاصفة .
ورمق همام الطباخ العجوز بنظرة خاطفة ، وقال : أنت واهمة ، كلي .
لم تنصع ياسمين لأبيها ، وإنما قالت : وقمت من فراشي لأخرج ، وأعرف ماذا يجري ، لكن باب قمرتي كان مغلقاً من الخارج .
وصمتت لحظة ، ثم تساءلت : أخبرني يا أبي ، ماذا يجري هنا ؟
فرد همام قائلاً : لا شيء .
وهنا فتح الباب ، وأقبل بحار ، وقل مخاطباً همام : سيدي ، جاء قرش .
وهب همام من مكانه ، وسار متقدماً البحار ، وهو يتساءل بصوت خافت : أهو وحده ؟
فرد البحار بصوت لا يكاد يسمع : لا يا سيدي ، ليس وحده .
وخرج همام والبحار مسرعين ، فرفعت ياسمين عينيها إلى الطباخ العجوز متسائلة : ماذا يجري ؟ أخبرني .
وتشاغل الطباخ العجوز برفع بعض الأواني عن المائدة ، وقال : لقد قالها أبوك يا عزيزتي ، لا شيء .
وسار همام بخطوات واسعة ، فوق ظهر السفينة ، والبحار يهرول في أثره ، وتساءل بصوت مرتفع : أين القرش ؟
وأسرع مساعده إليه ، ورد قائلاً : إنه يصعد السلم مع سندباد يا سيدي .
وقال همام ، وقد بدا الارتياح عليه : تهيأ ، فقد نقلع بعد قليل .
وقبل أن يعود إلى مكانه وراء الدفة ، قال المساعد : سنقلع حالما تأمر سيدي .
وبرز سندباد مرتقياً الحاجز ، وصعد إلى ظهر السفينة ، ومن ورائه صعد قرش ، وعصابته المتسخة تغطي إحدى عينيه .
وابتسم همام بانتصار ، وقال : أهلاً سندباد .
واندفع سندباد نحوه متسائلاً : أين  هندباد ؟
فرد همام قائلاً : هندباد موجود ، اطمئن .
وقال سندباد : أريد أن أراه .
وقال همام : صبراً ، ستراه .
فقال سندباد : لابد أن أراه الآن .
وصمت همام لحظة ، ثم قال : حسن يا سندباد .
ثم أشار إلى ثلاثة بحارة يقفون قربه ، وقال : خذوه إلى هندباد .
وأحاط البحارة الثلاثة بسندباد ، وأخذوه إلى قمرة في نهاية السفينة ، والتفت همام إلى قرش ، وقال : قرش .
فرد قرش قائلاً : نعم سيدي .
وقال همام : أريد أن تقف بباب القمرة ، ولا تغادره أبداً .
وقال قرش بارتياح : أمرك سيدي .
وما إن مضى قرش نحو القمرة ، ليرابط عند بابها ، حتى أشار همام لمساعده ، وقال : هيا ، أقلع .
وعلى الفور ، أشار المساعد للبحارة ، فتراكضوا متسابقين إلى مهامهم ، وسرعان ما رفعت المرساة ، ونشرت بعض الأشرعة ، وأقلعت السفينة ”  الإعصار ”  منسابة مع شط العرب ، ومن وسط السفن ، انسلت سفينة مريبة ، وانسابت منحدرة في أثر ” الإعصار ” .

      ” 6   “
ـــــــــــــــــــــــ

أنهت ريحانة إعداد الفطور ، ووضعته في صينية ، وأخذته إلى الغرفة ، وخيل إليها أن الباب الخارجي يفتح ، وعبثاً أنصتت منتظرة ، وتنهدت قائلة : سيبرد الطعام .
ونهضت من مكانها ، وخرجت من الغرفة ، ووقفت وسط الفناء ، لا تدري ماذا تفعل ، ووقع نظرها على حب الماء ، وشعرت بحلقها جافاً ، أهي عطشانة ؟ ورفعت غطاء الحب ، وغرفت قليلاً من الماء ، وشربت جرعة ، ثم سكبت الباقي على الأرض ، وقالت : لقد تأخرا .
وشعرت بقواها تخور ، لكنها بدل أن تذهب إلى غرفتها لترتاح ، مضت إلى الباب ، وواربته قليلاً ، وأطلت برأسها من الفرجة ، ومدت بصرها حتى شاطىء النهر ، وشعرت بالانقباض ، حين لم تر أثراً لأبيها أو لابنها هندباد .
وأغلقت الباب ، وقفلت عائدة إلى الغرفة ، وهي تقول : ترى أين ذهبا ؟
وانتظرت ، انتظرت طويلاً ، حتى لم تعد تطيق الانتظار ، فنهضت متحاملة على نفسها ، وأخذت شالها ، ووضعته فوق رأسها ، ثم خرجت من البيت ، ووقفت حائرة ، لا تعرف أين تذهب ، وأخيراً ، حزمت أمرها ، واتجهت نحو الشاطىء .
وعلى عجل ، ارتقت المرتفع ، الذي تعود هندباد أن يجلس فوقه باستمرار ، وتلفتت يميناً ويساراً ، دون أن تعثر له أو لأبيها سندباد ، على أثر .
وتركت المرتفع ، وسارت متلفتة بمحاذاة الشاطىء ، حتى هدها التعب ، وتوقفت حائرة ، وقد اغرورقت عيناها بالدموع ، وسرعان ما كفكفت دموعها ، وقالت : يا لي من حمقاء ، إنني أبحث عنهما هنا ، وهما على الأغلب ينتظراني الآن في البيت ، لنتناول معاً طعام الفطور .
وسرعان ما قفلت عائدة إلى البيت ، ودفعت الباب ، واندفعت إلى الفناء تصيح : هندباد .. هندباد .
لم يجب هندباد ، وكذلك أبوها سندباد ، وخطر لها أنهما يمازحانها ، فمن يدري ماذا يدور في دخيلتيهما ؟ واندفعت داخل الغرفة ، وكل أملها أن تراهما يضحكان من مخاوفها وأوهامها ، لكنها لم تجد أحداً منهما ، ووقفت مصعوقة وسط الغرفة ، ثم تهاوت منهارة على الأرض ، وارتفع صوتها بالبكاء .
وطرق الباب ، فرفعت رأسها ، ومسحت عينيها الغارقتين بالدموع ، لعلهما عادا الآن من جولتهما ، وإلا أين عساهما أن يذهبان ؟
وهبت إلى الفناء ، وفتحت الباب ، وإذا ياسر يرفع وجهه إليها مبتسماً ، ويقول : أريد هندباد .
وأجهشت ريحانة بالبكاء قائلة : هندباد ليس في البيت ، لقد خرج صباحاً ، ولم يعد حتى الآن .
ووقف ياسر مذهولاً ، وقد اختفت ابتسامته ، وتراجع إلى الوراء ، وهو يقول : أخبريه .. إذا جاء .. أني أنتظره .. لنلعب سوية .
ومضى ياسر ، لا يلوي على شيء ، وأغلقت ريحانة الباب ، وعادت إلى الغرفة ، وارتمت باكية فوق فراش هندباد ، وظلت منطرحة في مكانها ، تنتظر عودتهما ، دون أن تأكل لقمة واحدة .
وقبيل المساء ، تحاملت على نفسها ، ونهضت متثاقلة ، ووضعت الشال فوق رأسها ، وخرجت من البيت ، ومشت مترنحة تائهة نحو الشاطىء ، وارتقت المرتفع ، وجلست حيث تعود هندباد أن يجلس، وراحت .. تنتظر .

   ”   7   ”
ــــــــــــــــــــــ
شقت ” الإعصار ” طريقها في مياه شط العرب ، بين سياجين من أشجار النخيل ، وراحت تمخر المياه قدماً باتجاه الخليج ، رغم انحدار الشمس ، واقتراب الليل.
وتجول همام فوق ظهر السفينة ، متفقداً سير الأعمال بنفسه ، وعند غروب الشمس ، صعد حيث الدفة ، وقال للمساعد : لقد قطعنا مسافة لا بأس بها ، على ما يبدو .
فرد المساعد قائلاً : نعم يا سيدي ، وسيظهر القمر بعد قليل ، ويضيء لنا الطريق .
وتطلع همام نحو الشمس الغاربة ، وقال : نحن في سباق مع الزمن ، أريد أن ندخل الخليج في أسرع وقت ممكن .
فقال المساعد : الريح مواتية يا سيدي ، ولن تخذلنا فيما تريد .
وسار همام مبتعداً ، وقال وهو ينزل السلم : إنني في قمرتي إذا احتجت إليّ .
فرد المساعد قائلاً : أنت متعب يا سيدي ، ليتك تخلد إلى الراحة .
ودخل همام جناحه ، ورأى ياسمين تجلس إلى المائدة ، وقد استغرقت في الحديث مع الطباخ العجوز ، وجلس قبالة ياسمين مبتسماً ، وقال للطباخ العجوز : هات طعام العشاء ، إن نفسي مفتوحة للطعام .
وردّ الطباخ العجوز ، وهو يسرع إلى المطبخ : أمرك سيدي .
وعلقت ياسمين قائلة : طبعاً ، فأنت طول النهار ، فوق ظهر السفينة ، تتمتع بالهواء الطلق .
وتطلع همام إليها ، وقال : الجو مطير اليوم يا بنيتي ، ورأيت أن تبقي مرتاحة في القمرة .
وأقبل الطباخ العجوز ، ووضع سمكة مشوية على المائدة ، ووقف جانباً ، وتساءلت ياسمين ، دون أن تلقي نظرة إلى السمكة : وغداً ؟
وتناول همام رغيفاً من الخبز ، ورد قائلاً : أنت وحظك .
وأخذت ياسمين رغيف خبز ، وقطعت منه قطعة بأسنانها ، وقالت : أعرف حظي .
ووضع همام قطعة من السمك في فمه ، وقال مازحاً : من جهتي ، فإنني سعيد الحظ بك .
ونهضت ياسمين من مكانها ، وجلست إلى جانب أبيها ، وقالت بصوت رقيق : أبي .
وأخذ همام قطعة من السمك ، وتأكد بأنها خالية من العظام ، ثم قال : افتحي فمك ؟
لم تستجب ياسمين لأبيها ، وإنما قالت متذمرة : لقد مللت حياة البحر.
وقال همام ثانية : افتحي فمك .
وفتحت ياسمين فمها على مضض ، فدفع همام قطعة السمك فيه ، وقال : إنها سمكة لذيذة ، كلي ، وتمتعي يا بنيتي .
ولاذت ياسمين بالصمت ، وأخذت تمضغ قطعة السمك بدون شهية ، ومسح همام يديه وفمه ، وقال : اطمئني ، هذه رحلتنا الأخيرة .
فردت ياسمين قائلة : هذا ما تقوله دائماً يا أبي .
وهز همام رأسه ، وقال : لن تكون بعد هذه الرحلة رحلة أخرى ، سأبيع  ” الإعصار ” ، ونعيش حياة هادئة مستقرة ، في بيت صغير بالبصرة ، يطل على شط العرب .
ولاذت ياسمين بالصمت ، فنهض همام ، وقال للطباخ العجوز : لا تدعها تنهض عن المائدة ، قبل أن تجهز على هذه السمكة اللذيذة بأكملها .
وابتسم الطباخ العجوز ، وهو يرمق ياسمين بنظرة سريعة ، وقال : سمعاً وطاعة يا سيدي .
وخرج همام من الجناح ، وأغلق الباب ، فجلس الطباخ العجوز إلى جانب ياسمين ، وقال مازحاً : سمعت ما أمرني به الربان ، إنني طباخ عجوز ، وليس لي إلا الطاعة .
وقالت ياسمين بلهجة آمرة : كل معي .
وتطلع الطباخ العجوز إليها ، دون أن يرد بكلمة ، فتابعت قائلة : إنني ابنة الربان همام ، وعليك أن تطيعني كما تطيع أبي .
فرد الطباخ العجوز قائلاً : سمعاً وطاعة يا ابنة القبطان همام .
وجلس إلى جانبها  ، وأخذ قطعة من السمكة ، ثم قال : حديثك مع أبيك ، ذكرني بأمك العزيزة ، رحمها الله .
فقالت ياسمين ، وقد غمرها الحزن : أمي المسكينة ، أنا قتلتها .
وشهق الطباخ العجوز قائلاً : لا ، يا بنيتي ، لا ، هذا قدرها ، كانت على السفينة ، حين جاءها المخاض ، ولم يكن إلى جانبها سوى خادمة عجوز ، لا تفقه شيئاً .
وصمت لحظة ، ثم قال : طالما حدثتني عن أملها في هجر حياة البحر ، والاستقرار في بيت صغير يطل على شط العرب .
فنهضت ياسمين قائلة : وهذا ما سأحققه أنا ، مهما كلفني الأمر .

    ”   8   “
ــــــــــــــــــــــــ

سار همام فوق سطح السفينة ، وألقى نظرة خاطفة إلى مساعده ، الذي كان في مكانه المعتاد وراء الدفة ، ووقف عند الحاجز ، محدقاً في غابات النخيل ، والليل يغطيها شيئاً فشيئاً ، بعباءته السوداء ، ثم غاب في البعيد .
وتراءت له زوجته بشعرها البني ، وعينيها السوداوين ، وابتسامتها التي لم يفارقها الحزن ، المسكينة ، كانت تحلم ببيت صغير يطل على شط العرب ، وها هي ياسمين ، ورثت منها شعرها البني ، وعينيها السوداوين ، وابتسامتها، وحلمها الذي لم يتحقق .
وأطل القمر من فوق ذرى النخيل ، فتطلع همام إليه لحظة ، ثم سار مبتعداً عن الحاجز ، واتجه إلى مؤخرة السفينة .
واستقبله قرش عند باب القمرة ، وحياه قائلاً : عمت مساء ، يا سيدي .
فرد همام : عمت مساء .
ثم حدق فيه متسائلاً : كيف حال ضيفي ؟
فأجاب قرش : ليحمد الله ، يا سيدي ، لأنك لم ترفع عنه حمايتك بعد.
وعبس همام قائلاً : قرش ، بدون سندباد لا وجود للكنز ، وأنا أريد هذا الكنز .
وحاول قرش أن يكظم مشاعره ، دون جدوى ، وقال بشيء من الانفعال : إن عيني السليمة ، يا سيدي ، تطالبني أن أثار لشقيقتها ، التي تغطيها هذه العصابة السوداء .
فرد همام بحزم قاطع : قل لعينك ، أن من الأفضل لها أن تنتظر .
وطأطأ قرش رأسه مكرهاً ، وقال : سمعاً وطاعة ، يا سيدي .
فقال همام : افتح الباب .
وأخرج قرش مفتاحاً من عبه ، أداره في القفل ، ثم قال : تفضل يا سيدي .
ودفع همام الباب بهدوء ، ودخل القمرة ، ثم أغلق الباب ، وعلى ضوء القنديل الخافت ، رأى سندباد يحدق عبر الكوة ، وألقى نظرة خاطفة على المائدة ، وقال : لم تأكل عشاءك بعد ، يا سندباد .
والتفت سندباد إليه ، وقال : لا أريد عشاء ، لا أريد أي شيء ، أريد فقط أن أرى هندباد .
فرد همام قائلاً : قلت لك مراراً ، إن هندباد في مكان آمن ، وأنا أعنى به شخصياً .
وتقدم سندباد منه ، وقال : حذار ، يا همام ، إياك أن تمس هندباد .
فرد همام قائلاً : اطمئن ، لن أمسه ، إنه الكنز .
وهزّ سندباد رأسه ، وقال : لن ترى الكنز في حياتك ، يا همام .
وحدق همام فيه غاضباً ، ثم اتجه نحو الخارج ، وتوقف عند الباب ، وقال : سأراه مادمت تريد أن ترى حفيدك .. هندباد.
ثم فتح الباب ، ومضى إلى الخارج ، تاركاً سندباد يقف وحده وسط القمرة .

    ”   9   “
ــــــــــــــــــــــــ

خرج همام من القمرة ، وهو مازال غاضباً ، فتطلع إليه قرش ، وقال : رأس سندباد ، يا سيد ، قدّ من حجر .
لم يلتفت همام إليه ، ومضى مبتعداً ، وهو يقول بحزم: أغلق باب القمرة ، واحتفظ بالمفتاح .
وأدار قرش المفتاح ، ثم سحبه من القفل ، ووضعه في عبه ، وهو يدمدم غاضباً : ولن أرتاح حتى أكسر هذا الحجر .
وتوقف همام ، عند حاجز السفينة ، محدقاً في غابات النخيل ، التي يضيئها القمر ، حتى هدأ غضبه ، وغادر مكانه بخطوات متعبة ، وصعد السلم إلى حيث الدفة .
ولاحظ المساعد عبوسه ، فأستقبله باشاً ، وقال : القمر رائع اليوم ، يا سيدي .
وبدا القمر قرصاً شاحب الضوء ، معلقاً فوق غابات النخيل ، وتطلع همام إليه ، ثم قال : تبدو متعباً ، دع الدفة لي ، وارتح بعض الوقت .
فرد المساعد قائلاً : القمر في أوجه ، ويمكنني أن أواصل قيادة السفينة .
والتفت همام إليه ، وقال : لا ، أنت متعب ، وأريدك أن ترتاح .
وابتسم المساعد قائلاً : سأرتاح ، يا سيدي ، حين نصل الهدف ، ونضع يدنا على الكنز .
ومضى همام مبتعداً ، وأخذ ينزل السلم ، وهو يقول : سنصله حتماً ، وبأسرع وقت ممكن .
وسار همام بخطى متثاقلة ، تحت ضوء القمر الشاحب ودخل جناحه ، وفتح في هدوء باب القمرة ، ورأى ياسمين في فراشها ، تغط في نوم  عميق ،  فسحب  الباب  في هدوء ، وأحكم إغلاقه .
واتجه إلى القمرة الصغيرة الملحقة بجناحه وفتح الباب ، واجتاز الممر الضيق المظلم ، وطرق الباب ، ثم دفعه ، ودخل دون أن ينتظر جواباً ، وهبّ الطباخ العجوز من فراشه ، حين رأى همام يدخل القمرة متجهماً ، وقال مرحباً : أهلاً ، سيدي ، تفضل ، أهلاً ، أهلاً ..
وألقى همام نظرة خاطفة على هندباد ، الراقد في فراش قرب الكوة ، ثم التفت إلى الطباخ العجوز ، وقال : لا ترفع صوتك ، إنه نائم .
وهنا فتح هندباد عينيه ، وما إن رأى همام عند الباب ، حتى نهض قائلاً : عمي !
فقال همام : عد إلى فراشك ، يا هندباد ، أنت متعب ، والأفضل أن تنام .
لم يعد هندباد إلى فراشه ، وإنما اقترب من همام ، وقال : لقد وعدتني مراراً ، يا عمي ، أن أرى جدي .. سندباد.
فرد همام قائلاً : وأنا عند وعدي .
وتساءل هندباد : متى ؟ إنني مشتاق لرؤيته .
فقال همام : لا تستعجل ، ستراه .
ولاذ هندباد بالصمت ، وقد استبد به الحزن ، فقال همام : هندباد ، طالما حلمت بالسفر ، وها أنت تسافر على متن أعظم سفينة عرفتها البحار.. ” الإعصار ” .
ورد هندباد قائلاً : إنني سعيد بالسفر ، رغم أني لا اخرج من هذه القمرة ، وأتمنى لو أن معي جدي .. سندباد .
فربت همام على كتفه ، وقال : سيكون جدك سندباد معك قريباً ، فقد اتفقنا أن نلتقي ، بعد فترة قريبة ، في جزيرة الكنز .
ولاذ هندباد بالصمت ثانية ، فقال همام : هيا ، يا بني ، عد إلى فراشك ، سنصل بعد أيام إلى الجزيرة ، وترى جدك .. سندباد .
وعاد هندباد إلى فراشه ، دون أن يتفوه بكلمة ، فأحكم همام الغطاء حوله ، وقال : تصبح على خير ، يا بنيّ .
وأغمض هندباد عينيه متمتماً : تصبح على خير ، يا عمي .
وخرج همام من القمرة ، وأغلق الباب وراءه ، ووقف الطباخ العجوز وسط القمرة ، يتطلع إلى هندباد ، ثم هزّ رأسه بأسى ، وصعد بتثاقل إلى فراشه ، وأغمض عينيه لعله ينام .

     ”   10   ”
ـــــــــــــــــــــــــ

استيقظت ياسمين ، وقد أشرقت الشمس ، وارتفعت ساطعة فوق أشجار النخيل ، ونهضت متعجبة ، لأن الطباخ العجوز لم يوقظها كالعادة لتفطر مع أبيها ،  ماذا جرى ؟
وفتحت باب القمرة ، متوقعة أن ترى أباها أو الطباخ العجوز ، لكنها لم تر أياً منهما ، وألقت نظرة على المائدة ، ولاحظت بقايا طعام الفطور فوقها ، لقد أفطر أبوها اليوم إذن ، دون أن ينتظرها ، من يدري ، لعله كان مشغولاً ، أو أنه رآها مستغرقة في نوم عميق ، فلم يشأ أن يوقظها ، كما يفعل أحياناً .
واتجهت إلى المطبخ ، وفتحت بابه بهدوء ، وألقت نظرة إلى الداخل ، عجباً ، أين مضى هذا الطباخ العجوز ؟
وتذكرت ، إنه شكا البارحة ، من صداع شديد في رأسه ، وتملكها القلق ، وخشيت أن يكون مريضاً ، فأغلقت باب المطبخ بهدوء، ومضت مسرعة باتجاه الخارج ، لعلها تلقاه ، وتطمئن على صحته .
لكنها سرعان ما توقفت ، حين تناهت إليها ضجة خافتة من القمرة الصغيرة الملحقة بالجناح ، وخمنت أنه الطباخ العجوز ، فعادت أدراجها مسرعة ، واتجهت نحو القمرة .
وفتحت الباب ، واجتازت الممر الضيق المظلم بخطوات هادئة ، لتفاجئه ممازحة ، ثم دفعت باب القمرة قائلة : أين أنت أيها …؟
وصمتت ياسمين ، حين فوجئت بصبي في عمرها ، يقف وسط القمرة ، محدقاً فيها ، كأنها كائن غريب ، هبط من عالم آخر ، وسرعان ما خرجت من صمتها متسائلة : من أنت ؟
فرد هندباد قائلاً : أنا ..
وإقترب منها ، وقال : لابد أنك مثلي ، احتجزك الربان همام لسبب ما ..
فتساءلت ياسمين مذهولة : احتجزني !
وتلفت هندباد حوله ، ثم مال عليها ، وقال بصوت خافت : لا تخافي ، الربان على ما يبدو رجل طيب ، وهو يعاملني معاملة طيبة ، لكن هناك أشياء غامضة ، لا أكاد أفهمها .
وتناهى وقع أقدام من الخارج ، فتراجعت ياسمين نحو الباب مضطربة ، ولحقها هندباد قائلا : مهلاً .. مهلاً .
فردت ياسمين ، دون أن تتوقف : أسمع وقع أقدام في الخارج ، لابد أن أذهب .
وفتحت الباب ، ثم توقفت ، وتطلعت إليه ، وقالت : لم أعرف اسمك .
فقال هندباد : اسمي هندباد .
ثم تساءل : وأنت ، ما اسمك ؟
فحدقت فيه لحظة ، دون أن تجيب ، ثم خرجت ، وأغلقت باب القمرة ، واجتازت الممر الضيق المعتم بخطوات سريعة ، وفتحت باب الجناح ، وإذا هي وجها ً لوجه مع الطباخ العجوز .
وتمتم الطباخ العجوز ، وقد جحظت عيناه العمشاوين : ياسمين !
وأغلقت ياسمين الباب ، وقالت ، وهي تحدق فيه : ظننت أنك مريض ، وقلقت عليك ، فذهبت إلى قمرتك .
ولاذ الطباخ العجوز بالصمت ، وقد تحشرجت أنفاسه ، فأضافت ياسمين قائلة : لكني لم أرك ، ورأيت .. هندباد .
وانهار الطباخ العجوز ، وقال متوسلاً ، وهو يتلفت حوله : ياسمين ، عزيزتي ، أرجوك ، لا تقولي لأحد أنك رأيته .
وحدقت ياسمين فيه مذهولة ، ثم تساءلت : من هو .. هندباد ؟
فرد الطباخ العجوز مرعوباً : لا أدري .
وجلست ياسمين إلى المائدة ، وقالت : بل تدري ، أيها الماكر المسكين ..
وقال الطباخ العجوز متوسلاً : ياسمين ..
فقالت ياسمين : لكن لا بأس ، سأعرف بنفسي كلّ شيء ، وبأسرع ما يمكن .
وهمّ الطباخ العجوز أن يرد ، فقالت ياسمين : إنني جائعة ، قدم لي طعام الفطور .
فأسرع الطباخ العجوز إلى المطبخ ، وهو يقول : في الحال يا بنيتي ، في الحال .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الرضا حمد جاسم : عام جديد..

عامٌ جديد وعمرٌ يُشطب…وأيام تتكسر كالحطب…تُنَّضد امام موقد الحياة…حيث سيلتهمها اللهب…كما التهم قبلها ايام من …

| محمد الدرقاوي : من تكون  سناء ؟.

اللحظة  فقط يفتح عينيه  ، المرئيات من حوله غير ما ألفها قبل  ان تطويه غيبوبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *