الرئيسية » نقد » فن تشكيلي » د. سامي البدري : لوتريك صيّاداً

د. سامي البدري : لوتريك صيّاداً

sami albadriتكلم ألفريد أدلر عن عقدة النقص التي تصيب الأبناء تجاه آبائهم لأن الآباء يملكون قدرات وقوى لا يملكها الأبناء فينشأ الطفل ويرى أن أباه أطول منه وأقوى منه فيحس بالغيرة وبالنقص وقد تستمر عقدة النقص تلك مع الحياة إن لم يتجاوزها وتبدأ بشمل أفراد المجتمع فيبدأ الفرد يحس بالنقص من الآخرين بشكل مبالغ فيه ومرضي. ستتعقد المسألة لو كان الطفل عليلاً أو مصاب بتشوه خلقي. آنذاك تكون مشاعر النقص التي يحسها عظيمة ومرضيّة.
كان والدا هنري دي تولوز – لوتريك قد تطلقا حين كان طفلاً فعاش مع أمه. كان مصاباً بمرض ولادي جعل عظامه هشة سببت له كسوراً في عظميّ فخذيه حين كان عمره عشرة سنوات وكان ذلك سبباً في إعاقة نموّه. حين بلغ لوتريك السابعة والثلاثين من العمر كان جسده قد انهك بداء السفلس المزمن وبالإدمان الكحولي وفي اليلة التي سبقت وفاته وهو على فراش الموت كتب لأبيه الذي كان يحب الصيد فتركه وخرج للصيد:
“عرفت بأنك لن تفوّت متعة الصيد.”
يحتاج الصياد لحصان ولكلب مدربين ومروضين بطرق منهجية كي يطيعا الأوامر من أجل المساعدة في صيد الطيور الحرة والغزلان البرية والحيوانات “المتوحشة” الأخرى. يقف الصيادون لحظات بلا حراك من أجل التهديف على فريستهم ثم يطلقون رصاصهم على أجساد الطيور والغزلان معلنين موتهم مفتخرين بتفوق بني البشر على الحيوانات. بنو البشر الذين يعرفون كيف يروضون بعض الحيوانات ليجعلوها “أليفة” ويطلقون النار على الحيوانات البرية “المتوحشة”.
هناك نوع آخر من الصيادين وهم المصورون الفوتوغرافيون الذين يبحثون أحياناً عن الحيوانات البرية ومثل الصيادون فإن المصورين يقفون لحظات بلا حراك ويقطعون أنفاسهم حين يسحبون كامراتهم ببطيء ويهدّفون على toulouseالحيوانات ليقتنصوا الصور. إن المصور يترك الحيوانات تتصرف بحرية فيتعلم، ويعلمنا معه، درساً حول الغريزة.
لم يكن لوتريك محظوظاً كفاية كي يمتلك كاميرا ملونة، ولم تسمح له عظامه العليلة بالتجوال في الغابات، رغم أنه كان قد رسم بعض مشاهد الصيد في حياته حيث رسم الأحصنة والصيادين. بدل ذلك إتجه لوتريك لغابات أخرى وهي حياة المدينة الليلية حيث الكاباريهات والبارات وبيوت الهوى. كان لوتريك من أوائل الفنانين الذين اهتموا برسم هوامش الحياة، الجانب الليلي، البشر المهمشين. لم يكتف لوتريك برسم الحياة الصاخبة للملاهي بل أخذ فرشاته وألوانه ورسم التاريخ الذي يقبع خلف المشاهد، وراء الكواليس، حيث الراقصة تبدّل ملابسها، والمهرج يزيل المكياج، وحيث بائعة الهوى تستلقي تعبة دون كلام. لِمَ لم يكتف لوتريك برسم الراقصة وهي ترقص، أو المهرج وهو يقدم عرضه، أو بائعة الهوى أثناء عملها، أليس ذلك أكثر إثارة من تصويرهم خارج اوقات عملهم؟ لو تمادينا في التحليل النفسي لقلنا إنه بتصويرهم وهم عاطلين عن العمل يرمّز لعطله هو عن العمل وسيقفز للذهن مصطلح كثير الإستخدام في علم النفس، وهو مصطلح “الإخصاء”. لكني في رأيي الشخصي أعتبر ذلك مبالغة كبيرة فلوتريك كان قد صور الراقصات والمهرجين أثناء العمل وخارجه، وكل ما أراده هو نقل صورة متكاملة عنهم. أراد أن يقول بما معناه أن لهذا المهرج وهذه الراقصة كيان إنساني يختلف عمّا نراه على المسرح. أراد أن يذكرنا بأن علينا عدم إختزال هوية الراقصة او المهرج او بائعة الهوى بنوع مهنتها فبالنهاية نحن جميعاً بشرٌ متشابهون.
بينما الحظ لم يسعف لوتريك كي يدعه ينمو لطول معقول فغدا قزماً بعد الكسور التي أصابت فخذيه في الصغر، كان أبوه منغمراً في ممارسه تلك الهواية التي تبرز فوقية الإنسان وقدرته على ترويض بعض الحيوانات لصيد حيوانات أخر. أيا ترى كان لوتريك يغار من أبيه؟ أكان يعاني من مركب نقص مرضيّ تجاه أبيه؟
إن لنظرية أدلر سلبية في رأيي، الأولى أنها تركز على مشاعر الأطفال تجاه الوالدين ولا تذكر toloze 1العكس، أي مشاعر الوالدين تجاه أطفالهما. والثانية هي أنها تركز على مشاعر الغيرة والدونية كدافع للتغيير وتدخلان هذه المشاعر في الحديث عن تفاعل الاطفال مع الوالدين هاملة المشاعر الإيجابية من حب وتفاخر. فهل يا ترى كان ادلر سيرضى لو قلنا مثلاً أن الطفل العليل يفتخر بقدرات أبيه؟ أتخيله سيجيب بأن هذا الأفتخار ما هو إلا شعور بالدونية مقنعة.

إن لوتريك الذي صادت جسدَه هشاشةُ العظام والسفلسُ والإدمانُ الكحولي قام هو بدوره بإصطياد  لحظات الحياة الليلية في نهاية القرن التاسع عشر ولو تأملنا رسالته لأبيه لرأينا فيها عتاباً لماحاً من الإهمال وفي نفس الوقت إقراراً بأن الصيد متعة وكأن فيها بعض التشجيع وتمني ديمومة متعة الصيد لأبيه.
لقد كانت متع الصيد للوتريك نفسه أكثر تسامياً من متع أبيه ففي الوقت الذي لم تترك لنا ممارسات أب لوتريك شيئا سوى ربما تهديداً بانقراض نوع من انواع الطيور او الغزلان ترك لنا لوتريك لوحاتاً جميلة تحاكي في جرأتها حرية الطيور في تحليقها وفي رشاقة حركاتها رشاقة الغزلان البرية في جريها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *