تابعنا على فيسبوك وتويتر

shawki  5يعد مفهوم قلق الموت Death Anxiety من المفاهيم التي دخلت مجال علم النفس في الخمسينيات من القرن المنصرم . ومن التعاريف التي قدمت له هو تعريف ” تمبلر” ويعرفه بقوله بانه ” حالة انفعالية غير سارة يعجل بها تأمل الفرد في وفاته هو ” . وتعريف ” هولتر” بانه ” استجابة انفعالية تتضمن مشاعر ذاتية من عدم السرور والانشغال المعتمد على تأمل أو توقع أي مظهر من المظاهر المرتبطة بالموت ” . ويعرفه ” ديكستاين ” بانه التأمل الشعوري في حقيقة الموت والتقدير السلبي لهذه الحقيقة ” (1) . ولا يهمنا الدخول في التفاصيل النظرية ووسائل قياس هذا المفهوم لأنه امر خارج من اهتمامنا في هذا السطور . نحن امام نص شعري له مقومات بنائية معينة يحمل بين جنباته خبرة او تجربة او شعورا او تأملا او موقفا من ظاهرة الموت لا غير . اهتمامنا إذن سوف ينصب على الغوص في تضاعيف هذه الخبرة والولوج الى عوالمها . الا اننا ادرجنا هذه التعاريف لكي تكون لنا منطلقا قرائتنا لهذا النص . عوّدنا حجازي ان يتخذ من مدينته موضوعا لسكب احزانه وبث شكواه لها . ولكن المحصلة التي يخرج منها حجازي هي محصلة لا تدعو الى السرور بالنسبة له . فالمدينة دائما تصد الشاعر وترفضه وتعامله معاملة الشريد … الضائع .. الهائم على وجهه .  ترى ما مصير جسده .. جثته لو مات على حين فجأة . لنرى كيف يعبر الشاعر عن محنته هذه . يقول في المقطع الاول من النص :-
حملت رقم هاتفي ،
واسمي ، وعنواني
حتى إذا سقطت فجأة تعرفتم علي ّ وجاء إخواني !
(الديوان ، ص 355)
*************************
ahmad abdulmuati 5الشاعر متأهب ، وفقا للمقطع الاول ، للموت فجأة . يحمل الموت في كفيه كما يقول التعبير الشائع . لأنه مرصود من الجميع . العالم كله وما فيه هم اعداء له . لا صديق لكي يلجأ اليه . يحمل قضيته على كتفيه وحيدا في هذه المدينة العمياء التي لا ترى غير الظلام الدامس . انه مثل الجندي الذي يسير نحو الحرب . يحمل معه ما يدل على هويته .. يعلق قرصا من الالمنويم منقوشا عليه اسمه واسم وحدته وبعض البيانات الاساسية الدالة عليه . فاذا علق القرص بالجثة يعرفون ويستدلون على صاحبها ويتم تسليمها الى ذويه . هذا الوصف مطابق للنص تماما . الشاعر يعد نفسه جنديا مجهولا في مدينته لا يعرف متى يلقى حتفه ولا باي يد يكون ذلك . والشاعر محظوظ هنا لأنه له إخوة سيستلمون جثته لو مات في احد ازقة المدينة وشوارعها . لكن في المقطع التالي يكشف لنا الشاعر تشاؤمه فيما لو حدث هذا الذي يفكر به .. اعني لو انه يموت فجأة . يقول الشاعر في هذا المقطع :-
تصوروا لو أنكم لم تحضروا
ماذا يكون
أظل في ثلاجة الموتى طوال ليلتين
يهتز سلك الهاتف البارد في الليل ، ويبدأ بالرنين
بلا جواب .. مرة .. ومرتين !
(الديوان ، ص 355- 356)
**********************
لا يزال يعيش الشاعر التفكير التوقعي ، إن صح التعبير . فهو من بداية النص يعيش لحظات التوقع والتخمين . ومن فلسفة اللو هذه ينطلق الشاعر لبناء صورته عن موته في اي لحظة كانت . والمهم عنده هو ان لا يموت وحيدا كما انه لا يرغب في ان يكون وحيدا وهو على قيد الحياة . الشاعر مسكون بما يمكن ان نسميه بلغة علم النفس وتعبيراته  بالوحدة النفسية , واذا كان الشاعر في المقطع الاول ينتظر اخواته في حالة سقوطه ميتا .. نراه هنا يسحب الثقة منهم ويتجه نحو مجهول لكي يبلغ الام بخبر وفاته بعد بقاءه في ثلاجة الموتى وحيدا لبضعة ايام . ان رنين الهاتف دليل أو إشارة الى سأم الانتظار حتى يأتي الرد .. ولكن يبدو ان ان لا احد يرد عليه .. يقول الشاعر في المقطع التالي :-
يذهب إنسان إلى أمي .. وينعاني
أمي تلك المرأة الريفية الحزينة
كيف تسير وحدها في هذه المدينة
تحمل عنواني !
كيف ستقضي ليلها بجانبي
في الردهة الشاملة السكينة
تقهرها وحدتها
يريحها انفرادها بحزنها
حيث تظل تستعيد وحدها
أحزانها الدفينة
تنسج من دموعها السوداء أكفاني !
(الديوان ، ص 356 – 357)
************************
إذن الشاعر هو جندي مجهول في هذه المدينة . ونحن نعلم ان الجندي المجهول هو تعبير عن الذي يضحي من أجل قضية وهو يتناسى نفسه ويضع قضيته فوق كل اعتبار . هذا الانسان المجهول هو الذي سيعثر على جثة الشاعر وهي ملقاة في الشارع والذباب مكوم عليها . سيتبرع ويبحث في ملابس الجثة على ما يدل على هويتها . وها هو الآن يعثر على اسمه وعنوانه ورقم هاتفه . هنا التعاطف والمشاركة الوجدانية بين هذا الانسان وبين الشاعر . كلاهما غارقان في الوحدة وكلاهما منبوذان ومقصيان ولولا هذا التناظر لما استطلع الجثة لكي يعرف هوية صاحبها . سيكون هو الآخر الجندي المجهول في هذه المدينة وسخبر والدة الشاعر . هنا الشاعر نسي الاب ونواهيه وقيمه ومعايره التي كان بمثابة الاطار المرجعي له وقد بث عصيانه لها في رسالته الى ذلك الاب الذي قد طواه النسيان الا في الذاكرة . لم يبقى للشاعر من آخر يفكر به الا الام ذلك الكائن ذو القلبين كما يقال .. انها امراة ريفية يلفها الحزن ويحرقها عذاب الانتظار .. الشاعر وهو ميت في الثلاجة يفكر في أمه كيف ستتمكن من المجيء الى هذه المدينة التي يلفها الظلام وهي بهذا الحال .. اعني انها لا تنتمي الى عالم المدينة ولا تعرف ازقتها ولاشوارعها ولايمكنها التمييزبين مصابيحها من فوانيسها . كيف لها ان تأتي الى ردهة الموتى التي وصفها الشاعر انها الكلية السكينة . ماذا ننتظر من قاعة الموتى وماذا نرجى منها . لنتخيل حي يسير بين اكوام جثث ميتة . ياله من مشهد مروع .. مخيف .. مهول .. فكيف بهذه المرأة الريفية ؟؟! . انها شفقة اوديبية بكل ما تحملها المفردة من معنى .  لا استطيع ان اقول غير هذه العبارة !! . هناك عبارت لا يستطيع الجانب الشعوري ان يتحملها تعبر عن هكذا انفعال بإزاء هكذا موقف . يفكينا القول ان من احزانها قد او سوف تنسج اكفانا لجثة الشاعر الميت الحي في آن واحد . في المقطع التالي يعيش الشاعر أزمة هوية شاملة لدرجة ان الام نفسها لا تتمكن من التعرف عليه . يالها من مفارقة هذه التي يطرحها الشاعر عن ذاته . أنه احساس سلبي تام إزاء الذات . وسوف يلجأ الشاعر الى تقنيات شعائرية لكي تكون هوية له .. لنرى ما هي تلك التقنيات التي يتمناها الشاعر لكي يعرف الآخر الشاعر من يكون هو . يقول حجازي :-
يا ليت أمي وشمَّتني في اخضرار ساعدي
كيلا أتوه
كيلا أخون والدي
كيلا يضيع وجهي الأول تحت وجهي الثاني !
(الديوان ، ص 357)
**********************
وعلى الرغم من ان الوشم tattoo  تقنية من تقنيات التصنيف والتمييز في البناء الاجتماعي (2) الا انه من وجهة نظر أخرى تعبير عن وجود صاحبها الغفل . بمعنى انه يحتاج اليه لكي يكون ذو دلالة بين الذوات الاخرى . هنا ضياع بين الذوات . والوشم هو علامة لكي نتلمس الهوية في ضياع تلك الهويات . الشاعر إذن مغمور وضائع بين الذوات التي تشكل كتلة المدينة وكيانها . وفي المقطع اتهام للذات ولومها وتوبيخها . ان الشاعر قد خان والده بعصيانه لنواهيه . ولكننا ، وعلى المستوى الاوديبي نرى ان رمزية الخيانة هي ولاءه اللاشعوري للام . يريد ان تكون بجانبه !! حيا كان أم ميتا . ويبقى الاب خارج دائرة ذلك الوجود . اليس في تلك الرغبة خيانة للأب . الشاعر يعلنها بصراحة ان له وجهان . او قناعان إذا استعرنا تعبيرات ” يونج ” . وجه الهو ووجه للانا الاعلى . الشاعر يخاف من نواهي الانا الاعلى لأنه راح يتمنى اشباعا نرجسيا للهو .. ان تبقى الام الى جانبه وتنسج اكفانه من دموعها . تلك هي رغبته النرجسية وذلك هو حنينه الاوديبي لها إذن . هنا عقاب الذات يتجلى بكل ما تحمله هذه المفردة من معنى . خلاصة مشاعره وأحزانه يلخصها ويوجزها في المقطع الاخير من القصيدة .. لنرى ما هي تلك الاحزان ؟ . يقول حجازي :-
حين أرى أن الرجال والنساء يخرجون صامتين
من بعد ما ظلوا امامي ساعتين ، ما تبادلنا النظر
ولا تغيرت أمامنا الصور
حين أرى ان الحياة قد خلت من الجنون
ورفّ فوق الكل طائر السكون
أحس أني مت فعلا ، واضطجعت صامتا
أرقب هذا العالم الفاني !

(الديوان ، ص 357 – 358)
**************************
جثة الشاعر في ثلاجة الموتى !! . تلك حقيقة أو فكرة يؤمن بها الشاعر ليبني مسار قصيدته هذه . الا انه لا يزال على قيد الحياة . انه نمط من فكرة الدفن حيا Taphophobia وهي ” خوف الشخص من أن يظن الناس انه قد مات فيدفنونه ثم يستيقظ ويجد نفسه في القبر ” (3) . القبر في حالة شاعرنا حجازي هي ثلاجة الموتى . ولكنه قادر على مراقبة ما يجري من حوله . انه يراقب حركة العالم واحداثه كما كان وهو خارج الثلاجة .. اعني قبل موته المتوهم هذا . لكن مايراه الآن لم يك في الحسبان . كل ما في العالم هو حركة صمت ثقيل .. بل مميت . كل الرجال والنساء الذين كانوا راقدين في الثلاجه خرجوا ولم ينبتوا ببنت شفه . لا ليشئ الا لانهم لم يروا في ذلك العالم .. اعني عالم الاموات غير الظلام .. ظلام يشبه ظلام مدينته .. ولذلك لفهّم الصمت .. العالم هو .. هو لم يحدث فيه تغيير يذكر . الا ان هناك ما يثير الدهشة عند شاعرنا هو ان عالم الاموات ، على الرغم من كونه مظلما الا انه تحرر من الجنون .. معنى هذا ان عالم الاحياء برمته يرزء تحت طائلة الجنون . ومن هذه الفكرة سوف يحس انه مات بسلام وهو يرقب عالمه الفاني هذا . الشاعر على طرف مناقض لجنون العالم … وهو راحل الى عالم مظلم ايضا ولكنه خال من الجنون على اقل تقدير .. هل رقد شاعرنا في ثلاجته بسلام ولا يزال يراقب العالم ؟ هذا ما سوف نتركه لشاعرنا كي يحدده ….

الهوامش :-
1- د. عبد الخالق ، 1987، احمد محمد ، قلق الموت ، سلسلة عالم المعرفة ، عدد  111 ، الكويت ، ط1 ، ص 39- 40 .
2- بهنام ، شوقي يوسف ، 2010 ، قياس قوة الانا لدى عينة من اصحاب الوشم في مدينة الموصل ، مجلة ابحاث كلية الترية الاساسية ، جامعة الموصل ، ع 9 ، ص 180 – 203 .
3- د. الخولي ، وليم ، 1976 ، الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ط1 ، ص 201 .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"