الرئيسية » مقالات » حسين مردان يتكلم عن فلسفته في الحياة والشعر *

حسين مردان يتكلم عن فلسفته في الحياة والشعر *

hussein mardan 4إشارة : ستقوم أسرة موقع الناقد العراقي بإعادة نشر بعض مقالات المبدع الكبير الراحل “حسين مردان” بين وقت وآخر ، لأنها وجدت فيها تشخيصا دقيقا وحيّا للكثير من أمراض الثقافة العراقية في الوقت الحاضر ، الأمر الذي يجعلها متجددة برغم رحيل مردان منذ أكثر من أربعين عاما ! هي دعوة للقراءة والتأمل في افكار المبدع حين يكون صادقا .

المقالة :

لقدبدأت انظم الشعر منذ كنت في العاشرة من عمري وقد نشرت أول قصيدة في الصحف في سنة1940في جريدة صوت الشعب ثم تعشقت الفلسفة فتركت مطالعة الكتب الادبية وهجرت الشعر ولما عدت الى قرض الشعر مرة ثانية وجدت ان حسين مردان القديم قد مات وحل محله شاعر فيلسوف عملاق لايؤمن به الناس فمزقت كل مانظمته وكتبته في الماضي فقد كرهت نفس التقليد الاعمى واردت لو اخلق شيئا جديدا يحدث ضجة وثورة في الادب العربي فتركت المدرسة وهجرت الاصدقاء وانزويت في غرفتي الصغيرة اعتصر دماغي لاستخرج منه مايبهر العالم وقد طال انزوائي ولم اعد اهتم بمايدور حولي فطال شعر رأسي الى درجة تجذب النظر فشاع في البلدة أن حسين مردان قد جن ولطالما سمعت كلمة مجنون تنطلق من افواه الناس عندما أمر بهم.وأخيرا توصلت الى ما أريد ووضعت الخطوط والاسس(لفلسفتي السوداء) وتتلخص هذه الفلسفة في كلمات قصيرة. ليس في حياة الانسان جمال ولا سعادة- وانما حياة الانسان كلها مجموعة من اللذات المشوهة واللذة ليست سعادة ولا جمال بل إن اعمق اللذائذ التي نبحث عنها مغمورة في القبح والتعب.فالحب في نظر الناس شيء جميل مقدس ولكنه في ذاته ومعناه الصحيح لذة كبرى مشوهة تنتهي بالالم دائما إني اقول بصراحة إني من اتباع الفيلسوف(جان جاك روسو)في نظريته (الرجوع الى الطبيعة)إني لا أؤمن بغير اللذة في الحياة مادام الانسان لا يقوم بأي عمل ولايأتي بأية حركة إلا في سبيل شعوره باللذة فقد أقسمت أن أكتب كل ما يدور في أعماقي كانسان شاعر من الاحاسيس الغامضة والانفعالات المتناقضة والغرائز الوحشية التي تكاد تخنقها التقاليد وتقضي عليها هذه المدينة الزائفة.فمزقت البراقع التي يختفي ورائها(الانسان الحيوان) وضربت عرض الافق بكل ما اتفقت الاجيال المتعاقبة على تقديسه واحترامه ولست انا الشاعر الوحيد الذي يعبد اللذة في كل صورها فهناك(بودلير-وبايرون-وبول فرلين- ورامبو-واوسكار وايلد)فقد سكب هؤلاء العباقرة كل حياتهم في هيكل اللذة فقدموا للدنيا أدبا جديدا هو أسمى وأرقى أنواع الأدب وان يكن في رأي الناس(العاديين)أدبا غريبا خطرا ومادام الشاعر يستمد وحيه من اغواء النفس وثورات العواطف فأحسن الشعر اذن ماكان صريحا الى اقصى حد في التعبير عن العاطفة.اما الشعراء الذين يبرقعون عواطفهم ومشاعرهم (بالقدسية)خوفا من المجتمع فهم شعراء جبناء.انهم شعراء فقط والشعراء مشهورون بالخوف والجبن.أما أنا فشاعر رجل ولقد قلت وسأقول دائما اني أشعر شعراء الشرق في هذا النوع من الشعر(الشعر الصريح)أما باقي أنواع الشعر فاني لا اؤمن بوجودها مطلقا وقد يقول بعضهم إني شاب مغرور الى ابعد حدود الغرور.مغرور بعبقريتي ونبوغي،ولكن هذا الغرور لايمنعني من الاعتراف بأن هناك شاعرا عربيا واحدا يفوقني في هذا الباب وهو (الياس أبو شبكة)ولكن(الياس)قد مات فلم يبق اذن غيري أما(عمر ابو ريشة) فقد بدأ ينحرف في الايام الاخيرة(مع الاسف الشديد)عن هذه الطريقة كما انحرف الياس أبو شبكة في أواخر حياته فسقط سقوطا شنيعا في ديوانه الاخير(نداء القلب)هذا هو رأيي في الشعر وسأبقى على رأيي حتى لو انقلبت الدنيا إيها الناس قولو أنني مجنون..شاذ غريب الأطوار.

*- جريدة الناس البغدادية عدد 56 /2ك 1948 الصفحة الثالثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *