مقداد مسعود : من الأشرعة يتدفق النهر قراءة في الحداثة الشعرية العراقية (6)

mokdad masood 6

ندى  الياسمين …
في(حالات) الشاعر يوسف الصائغ

من ألأعمال الشعرية للشاعر(يوسف الصائغ) تنتخب قراءتنا قصيدة(حالات) بحكايات ألأربع،لنقرأها إتصاليا
مسلطين الضوء على الإتصاليات الفرعية،المؤدية بالنتيجة الى الإتصالية الرئيسة، لنبين من خلال تناول
كل حالة/حكاية..كيفية تموضعها عبر:
*المغلق/المفتوح
*المقيّد/الطليق
ربما نتوصل بالطريقة هذه الى (حالات):قصيدة واحدة،بأربعة أنساق،من ناحية المهيمنة ،التي تحاول تأثيل اتصالية سوية مع آلآخر من خلال تجاوز العائق بين الطرفين وأن هذا التأثيل ،لايحدث إلا…في الحالة الرابعة،ونرى أن الحالات قد صاغها الصائغ يوسف حكائيا مطلقا سراح السارد العليم في الروائي والرسام يوسف الصائغ.
حالة (1)
يبتاع الرجل المجهول
علبة تبغ وثقاب
يذهب للمقهى
يجلس عند الباب
………يأتي النادل يسأله:
ماذا تشرب شايا أم قهوة؟
يرتبك الرجل المجهول
ينهض..
يجتاز الباب
يترك في موضعه
علبة تبغ وثقاب.
حالة(2)
تنطفىء ألأضواء
يتبادل بعض المدعوين أماكنهم
……
لحظات..ثم تضاء القاعة
ينظر كل المدعوين الى الساعة
تضحك سيدة
تضحك ثانية
يسمع في ناحية ما
صوت بكاء
حالة(3)
أمرأة تجلس خلف الشباك
تتأمل طفلا يأتي من عمق الشارع
…..
طفل من عمق الشارع
يرنو لأمرأة تجلس خلف الشباك
…….
سيارة شحن
تعبر بين الشباك
وبين الشارع
وآلآن
المرأة تنظر من خلف الشباك
لاطفل ترى يجلس في عمق الشباك
…..
الطفل يحدق من خلف الشباك
لايجد أمرأة تجلس في
الشارع.

حالة(4)
على الرصيف اليمين
في زحمة السائرين
يمشي فتى
مرتبكا
في يده غصن من الياسمين
………
في الجانب آلآخر
صبية حسناء
تسير بين الناس في
أستحياء
…….
ظلا يسيران الى أن وصلا المعبر
فأختلطا في زحمة العابرين
لم يلبثا أن ظهرا بعد حين
كان الفتى على الرصيف اليسار
………………
وكانت الصبية الحسناء
ذاهلة في زحمة السائرين
في يدها غصن من الياسمين.

yuosef alsaegh 5-1-
اتصالية الفعل المضارع:
تتصل القصائد فيما بينها بالفعل المضارع الذي يشغل سيرورتها ولاحضور لفعلي ألأمرأو الماضي حتى في
الحالة(4):أختلطا/ظهرا /وصلا،أن هذه ألأفعال لاتؤكد حالة قارة بل هي نتاج حركية مبثوثة من شحنات ألأفعال المضارعة التي تسبقها.
الفعل المضارع يكسب الحالات ألأربع قوة أستمرارية الحركة وديمومتها حتى بعد انتهاء النص.
-2-
اتصالية الحكي الشعري:
هي حكايات شعرية مختزلة ،بوعي روائي لدى الشاعر والرسام يوسف الصائغ ،كل حكاية تمنحنا قراءة ماتعة
دون الحاجة لأستكمالها في الحكاية الثانية فهي حكايات تحتفظ كل منها بأستقلاليتها،لكنها كالخرزات المنتظمة في خيط مهيمنة واحدة وهي العزلة ،في كل حكاية يصور شاعرنا عزلة الأنا مع آلآخر،فالحكاية تشتغل على ثنائيتي:
المغلق/ المفتوح
المقيد/ الطليق.
هذا ألأمر يتطلب منا(أن نحاول مرارا قراءة طابع العلامة المميزة للأشياء وبهذه الطريقة فأننا نحاول
أن نفسر ذلك الذي يخفي ذاته في الوقت نفسه
فأن التفسير ينشأ داخل كل منغلق على ذاته)حسب كادامير(2)
-3-
المغلق/ المفتوح
1-3
في الحكاية (1) المغلق هنا مجهولية الرجل،الذي يحاول عقد أتصاليته مع المفتوح: المقهى..كمكان تجمع ذكوري عام…لكنها اتصالية مرتبكة فالمغلق/الرجل لايجلس داخل المقهى بل عند الباب..كأنه يكون على اهبة الأستعداد لملاقاة من ينتظر او أن قربه من الباب يجعله في معزل عن آلآخرين. وما أن تحدث أتصالية/خدمية مع النادل حتى يتم تعليق ألأتصال بين المغلق والمفتوح
(يرتبك الرجل المجهول
ينهض
يجتاز الباب
يترك في موضعه
علبة تبغ وثقاب)
كأن المغلق/المجهول/الرجل..قد فقد اتصاله بالمفتوح ولكنه لم يتخلص من غوايته عبر اللآوعي،لذا يجيء
ألأتصال هشا.
2-3
في الحكاية(2)،المغلق: الظلمة الوقتية (تنطفىء ألأضواء)وفي أثناء ألأنغلاق اللحظوي(يتبادل بعض المدعوين أماكنهم) حيث يتم تفعيل ذوات بأخرى وفي الطية السوداء للمغلق تنقطع أتصالية ذات بذات أخرى
وتنعقد اتصالية مع ذات ثانية وهذا ماسوف يفضحه المفتوح/الضوء
(لحظات
ثم تضاء القاعة
ينظر كل المدعوين
الى الساعة
تضحك سيدة
تضحك ثانية
يسمع في ناحية ما
صوت بكاء)
وفي التضاد:أنغلقت اتصالية عاطفية،وانفتح اتصالية مضادة للأولى.
3-3
في الحكاية (3) ثمة اتصالية شفيفة بين المغلق /المقيد
المفتوح/الطليق..
المغلق هنا ليس منغلقا على نفسه(أمرأة) بل تحاول أن تخفف من ثقل انغلاقها،فهي(أمرأة تجلس خلف الشباك)،لتتأمل المفتوح بأزدواجه القيمي(طفل/شارع)
:(تتأمل طفلا يأتي من عمق الشارع) وعلينا أن نلاحظ ثمة ايماءة توحي لنا بأزدواج قيمي لدى المغلق/ الشباك،
فهو جزء من كل هي الغرفة، ربما يومىء جلوس المرأة انها أمرأة قعيدة ،فالطفل لايرى إلا جالسة
(لايجد امرأة تجلس في الشارع).وبسبب طرف ثالث هي(سيارة شحن تعبر بين الشباك وبين الشارع)
ألايمكن أن نسميها أتصالية /أمومة – بنوة(طفل يأتي من عمق الشارع/يرنو لأمرأة تجلس خلف الشباك).
إن( سيارة شحن)..تنسف التموضعات السابقة،وتشحن  المشهدالتموضعات أخرى عبر بثها القسري وهي:
(1):(المرأة تنظر من خلف الشارع) وهذا يتقاطع من تبئير الرؤية ألسابقة فقد كانت المرأة
(2) (تجلس خلف النافذة)..من جراء البث المضاد،فالمرأة (لاطفل ترى يجلس في عمق الشباك)
ونلاحظ أن (سيارة شحن) غيرت في ألاتجاهات:
(أ‌)    خلف الشباك —— خلف الشارع
(ب‌)     عمق الشارع —- عمق الشباك
وكذلك أحدثت مبادلة في ألأدوار،أصبح المفتوح(الطفل) في مكان المغلق(المرأة)
(الطفل يحدق من خلف الشباك)
(لايجد أمرأة تجلس في الشارع)
وثمة تغيير في تراتبية الرؤية، في البداية :
تحول التأمل الى رؤية
(أمرأة تتأمل طفلا)
(ألمرأة تنظر من خلف الشارع لاطفل ترى)
وهكذا نرى ان الحالة(3) بداية شروع أتصالية/رؤية ثم وبسبب عائق معين علقت هذه ألأتصالية.
المغلق/الغرفة:منفتحة على الخارج من خلال حيز (الشباك) ومن خلال هذا المفتوح/الشباك تبث المقيدة
(المرأة) حركية الرؤية المحدد ضمن افق الشباك/ نحو طفل في مفتوح/شارع.
-4-
إنتاجية/اتصالية:
الحالات الثلاث:أنتجها  شاعرنا يوسف الصائغ في كانون ألأول/1977 ،أي في الشهرألأخير من السنة الميلادية أما الحالة الرابعة فهي مكتوبة في(29/نيسان/1977) وضمن التسلسل التاريخي فأن الحالة (4) يفترض أن تكون ألأولى في التنضيد الطباعي فكيف أذن صارت الحالة(4)؟

-5-
الندى في الياسمين:
أرى ان الحالات الثلاث: تكرار/اتصالي/نسقي.
النسق ذاته يتكرر ثلاثا:
*مغلق —— مفتوح ——- مغلق
أما الحالة الرابعة فالنسق ألأتصالي ينحل وتكون الحركة كالتالي:
مغلق ..يحتوى في داخله مشروع انفتاح على
الحكايات الثلاث:1-2-3 التي كانت تتحرك بين مغلق/مفتوح وكان رأس السهم ينطلق من المغلق الى المفتوح:
(1)    الرجل المجهول ——–: المقهى.
(2)    ظلام القاعة     ——-:اضاءة القاعة
(3)    أمرأة الشباك ——-: طفل الشارع
وثمة اتصالية/مضادة ،هي فاعلية العائق :
*في الحالة(1) كاد الرجل المجهول أن يفعل أتصالية في المفتوح/المقهى لولا أرتيابه من سؤال النادل:
(يرتبك الرجل/ينهض/يجتاز الباب)
*في الحالة(2)
الظلام/المغلق:يغلق علاقة عاطفية،وينفتح على علاقة أخرى.
علامة الغلق:(صوت بكاء)
علامة الفتح)تضحك سيدة،تضحك ثانية).
انها سنة جديد،وعشيق جديد، للمرأة .
وتلك ايماءة نحصل عليها ضمن المسكوت عنه في النص.
*في الحالة(4)
الفتى يتوجهه نحو افق مفتوح وبأرتباك ناصع كالياسمين الذي يحمله(يمشي فتى مرتبكا/ في يده غصن من الياسمين..)..الفتى يتوجهه ليثري انفتاح فضائه بأنفتاح لذيذ آسر..لاوجود لأي عائق بين الحبيب والمحبوبة.(ظلا يسيران الى أن وصلا المعبر
فأختلطا في زحمة العابرين)
في نهاية القصيدة ينتصر الياسمين لها وهو ينتقل من /الى:
*(في يده غصن من الياسمين) —(في يدها غصن من الياسمين).
-5-
اتصالية التنقيط
اشتغالنا كان مألوفا فهو على المسطور حروفيا ،وقد حاولتُ أن أكتشف المشترك الإتصالي

آلآن نحاول التوقف عند ألأسطر المنقوطة
في كل قصيدة  نلاحظ انقطاعا لغويا،يعوضه النص بسطر من التنقيط الذي يمثل فاصلا زمنيا بين فعلين :
(1):يجلس عند الباب
…………
يأتي النادل
(2) تنطفىء ألأضواء
……………..
لحظات..ثم تضاء القاعة,
(3)تتأمل طفلا
………………..
يرنو لأمرأة تجلس
(4)    في يده غصن من الياسمين
………….
في الجانب آلآخر.
من خلال قراءاتي لروايات يوسف الصائغ،أرى كذلك في التنقيط انتقال عين الكاميرا من مشهد الى مشهد آخر …..
هل اعطيت لنصوص المبدع يوسف الصائغ حقها؟ لااعتقد..كلما فعلت هي محاولة في قراءة ابداع ثر،ربما أستفززت سواي ليتوغل في هذا الثراء العراقي.

هوامش :
(1)يوسف الصائغ/ألأعمال الشعرية/ص413-417/بغداد/1992
(2)كادامير/تجلي الجميل/ص166/ت سعد توفيق.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.