محمد علي النصراوي : تقرير جراماتولوجي … توقيع أثر الأب كحضور غائب أمام الأبن

mohammad ali alnasrawi 4عندما قامت الكاتبة (جايتريا اسبيفاك) بكتابة مقدمتها لكتاب جاك دريدا (في علم الكتابة Of Grammatolog)  ،  نطرح سؤالنا الآتي : هل حققت جايتريا حضـورها من خلال هــذه المقـدمة ككتاب منفصل أمام كتاب (OF Grammatolog ) / الأب الغائب..؟ إن هذه الطريقة في الأداء ، والتي نقصـد بها كتابة المقدمات تنطوي على شـيء ذي أهمية كبيرة في الجدل الفلسفي ، هو كتابـة نص مواز إلى نص الأب الغائـب .إن هذا الشيء يسـحبنا إلى كتاب (ظاهراتية العقل) للفيلسـوف هيجل عندما قام بنفسه بكتابة ( مقدمة ) كتابه كمشرع فلسـفي ، بعد كتابته النص / الأصـل ، إلاّ أنه ينوه في بداية مقدمته : ( لا تتعاملوا معي بجدية في المقدمة ؛ فالعمل الفلسفي الحقيقي والفعلي هو نص ( ظاهراتية العقل ) فقط ، وإذا كتبت خارج نطاق هذا النص فتلك تعليقات هامشية ليست في قيمة النص نفسه … لا تتعاملوا مع المقدمة بجدية فالمقدمة تُعلن عن خطاطـة ، والخطــاطة لا شيء حتى تتحقـق )(1) .
وهذا ما يستدعي القول إن المقدمات الافتتاحية تنطوي على شيء من الخدعة ، وكل ما عمله هيجل  هو عكس مشروعه الفلسفي على نحو استرجاعي في المقدمة ، وهذا إقرار ضمني بكون مقدمته هي عمل ابداعي خيالي ، ولكننا لا نتعامل مع المقدمات كأعمال خيالية بقدر ما هي ممارسة نقدية ، على الرغم من أنها تقحم الخيال بالحقيقة ، وأن الأمر سيتعقد أكثر لو أن شخصاً آخر قام بكتابة هذه المقدمة ،
ولكن أليس ( المقدمة ) هي عبارة عن إيماءات استهلالية تُجرد الثيماتhegel الرئيسة في النص / الأب ، وتُعريه من بنية تحركه الذاتي ، وفي ضوء هذا كتب هيجل  في مقدمته : (إن الفرد في الأزمنة الحديثة يجد الشكل المجرد جـاهزاً أمامه .. حيث يقرأ الإنسان الحديث تقريرات نقدية عن الأعمال الفلسفية ، أو يقرأ المقدمات والفقرات الأولى من الأعمال الفلسفية ؛ حيث تعطي المقدمات أو التقارير والفقرات الأولى مبادئ عامة يدور حولها كل شيء )(2) .
مـن هذا المنطلق يدين هيجل (المقدمة) في اللحظة نفسها التي يكتب فيها مقدمته ، وإذا ما أخذنا المسألة من وجهة النظر التفكيكية ، نلاحظ أن دريدا يعدّ هذا النوع من الكتابات / المقدمات الجزء الدال والخطر جداً . وعندما رجع إلى آراء هيجل تبيّن إن رفضه  للمقدمات يعكس البنية التالية : المقدمة / النص = تعميم مجرد / نشاط التعرف ذاتي الحـركة . وقبوله للمقدمات يعكس بنية أخرى : المقدمة / النص = الدال /المدلول ، وأسم هذه الـ( = ) في هذه الصـيغة يدعى ( النفي الهيجلي ) .
ولو تفحصنا هذا المفهوم عند هيجل نلاحظ أنه : علاقة بين طرفين يلغي الثاني منهما الأول ويرفعه في آن واحد إلى مجال وجود أعلى ، إن مفهوم (النفي) عند هيجل يوضح غرضنا في مجالنا هذا ، حيث نلاحظ إن المقدمة الناجحة تلغي الاختلاف والتناقض في النص الذي تسبقه وفي الوقت نفسه تحتفظ بهما ، مثل أي مفردة تلغي اختلافها وتحتفظ به في آن داخل معناها ، وهكـذا يمكننا مـن وجهـة النظر التفكيكيـة ، فيما إذا تتبعنا مجازات دريدا البنيويـة فـإن (المقدمة ) تصبح هي (الأبن  Son) أو ( المني  Seed ) . فالأب يكون هنا هو الفاعل الذي يتسـبب في وجود الابن ، أو يمكن أن نقول أن الابن يقوم بقذفه الأب / النص فُيخرجه إلى الحياة ، بهذا الوصف يبرر الأب وجود الابن .
إن ما يرنو أليه دريدا هنا هو مفهوم ( التشتيت ) ، أي إن ( المني ) الذي يمتلكه الأب لايقوم هنا بتخصيبه وإنما يقـوم ببعثرته في كل اتجاه ، وهذه إحدى إيمـاءات دريـدا الاســتهلالية في تشـتيت وبعـثرة المفاهيم التي تؤكــد إن ( المقدمة ) هي إيماءة تابعة لـ ، وقاتلة (للأب) .عندئذ يدعي الكتاب / الأب بأنه هو المـرجع أو الأصـل ، وكلاهما يمكن أن يكونا حقيقيين أو زائفين . إذا أخذنا المسـألة تقليدياً ، أي من داخل السـياج الميتافيزيقي نلاحظ أن الإنسـان يرغب دائماً في ان تكون في الأشـياء المحيطة من حوله ثمة مركز ما ، مركز ثابت ، وفكرة المركز الثابت تؤكد سيطرة الإنسان عبر المعرفة أو التملك أو الكتاب – هكذا بإطاره المحدد الذي يتشـكل من بدايته ووسطه ونهايته ، الشيء الذي يعطي الرغبة في الإشباع وحب التملك ، ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرحه المرء هو: ما الذات المهيمنة التي تكون مصدر الكتاب ..؟ فيجيب راوي بروست على هذا السـؤال بقوله : ( لم أكن رجلاً واحداً أبداً ، لقد كنت مثل جيش متلاحم يتقدم بخطى ثابتة ، رجال متحمسون ورجال لا مبالون ورجال غيورون ، تبعاً لاختلاف اللحظة .. إنه تكتل مركب تحل فيه رويداً رويـدا ودون ملاحظتنا ، عناصر أخرى جديدة تحذف أو تعزز ، مما يـؤدي في النهاية إلى تغير يستحيل علينا إدراكه لو أننا كنا شخصاً واحداً )(3). وهذا القول يؤكد إن هناك قراءتين للكتاب نفسه ، وبهاتين القراءتين jac dridaتتحدد هوية الكتاب بوصفه اختلافاً . وإذا ما أُريد الدقة أكثر يمكن أن يقال كل قراءة للكتاب تُنْتِجُ نسخةً مزيفة ، نسخة هي نفـسها سـمة ذات متغيرة وغير ثابتة ، وأيضـاً إن هذه الذات مستخدمة لغة هي بدورها متغيرة وغير ثابتة . وكتابة (مقدمة) تثير هذا الاختلاف في هويتها وذلك بإقحام نفسها فيما بين قراءتين . قراءتي أنا وقراءة جايتريا سبيفاك وإعادة تنظيم نصينا وأيضاً قراءتك أيها القارئ الكريم، مع الأخذ بالحسبان إن لغة كل منا متغـيرة وغير مستقرة ، عند هذا الحد تُعدّ المقدمات مشاركة في الهوية عِبرَ الاختلاف . وهي تلك اللحظة التي يرتد فيها الكتاب على نفسـه ، ويكرر فيها نفسه ،  اللحظة التي تنطوي فيها الهوية الذاتية للكتاب على اختـلاف غـير مُدرَك ، تسـمح ( للمقدمة ) أن تخطـو وبفاعلية وبحذر خارج انغلاق الكتاب . إن هذا الانغلاق يمكننا تهريبه وبشكل سري وماكر عندما نبدأ بكتابة المقدمـة .
وإذا ما رجعنا إلى مفاهيم فردينان دي سوسير ، نجد إن الوحدة الصوتية   Phoneme  التي  ينطقها شخصان مختلفان – ليست متطابقة مع نفسها ، أو لا تكون هي نفسها بعد نطقها. بمعنى آخر إن هوية هذه الوحدة الصـوتية  تتحدد باختلافها عن كل الوحدات الصوتية الآخرى ، وهذا ما ينطبق على قراءتين للكتاب نفسه إذ تتحدد هويته بوصفها اختـلافاً . وهذا يدلّ على أن الكتاب غير قابل للتكرار في ( هويته ) ، فكل قراءة للكتاب تُنتِج نسخة مزيفة لشـيء ما أصلي . وإذا ما أردنا الحقيقة فليس هناك شيء يسمى الكتاب / الأب ، سوى تلك التكرارات المختلفة دائماً ، الكتاب / الأب هو عبارة عن نص مبنين دائماً عبر لعبة التماثل والاختـلاف . وهكـذا يمكن القول إن كتابة المقدمات تصـبح دون قصـد من كاتبـها ، مشاركة في الهـوية عـبر الاختـلاف .  وبما إن ( المقدمة ) تُعدّ شـيئاً هامشـياً ، فأن هذا (الهامش) أو ( الملحق ) يكوّن الجزء الدال والخطر ، بوصفه ذلك (الحد) أو (العنصر ) أو ( العتبة ) ، التي يمـكن من خلالها أن نحل التعارضـات الثنائية المستلة من الخطاب الميتافيزيقي / الكلاسيكي الذي يعـدّ اللغة مستقرة وثابتـة ترجع إلى مؤسـسة عليا / مطلـقة ، وأن هـذا الشـيء المطلـق هو الذي يحدد الطرف الفائز في العلاقة بين الشيء ونقيضه ، ويسحبه لـ ، أو يعطيه مدلولاً متعالياً فتقوم هذه المؤسسة بوساطته بغلق النسق النهائي للكتاب .
لكن هذا لا يكون كذلك من وجهة النظر التفكيكية ، إذ أن دريدا نفسه أجرى تعديلاته ، بإبطال هذا المدلول المتعالي وأكد إن بنية ( مقدمة – نص ) تكون مفتوحة عند كلا طرفيها ، والنص نفسه ليس له هوية ثابتة ولا أصل ثابت ولا نهاية ثابتة وكل فعل قراءة للـ(نص)/ الكتاب يُعدُّ مقدمة لنص تالٍ . وعدّ ( النفي الهيجلي ) خطأً ضـرورياً ، نكرر خطأً ضرورياً في كتابه ( في علم الكتابة ) ، أن يقال إن هنـاك الفعل (يكون) هو أصلاً شرطياً ، بفرز الطرف الفائز وعدّه شرطاً ضرورياً .إلاّ إن جايتريا سبيفاك تناقش الموضوع من خلال قراءة دريدا لهيجل ، على إن هناك رؤية محددة للعالم وللوعي وللغة مقبولة على إنها رؤية صـحيحة ، ولكن إذا ما تفحصنا التفاصيل الدقيقة لهذه الرؤية ، نجد هناك مشهداً مختلفاً ، وربما – لا مشهد ، كما يؤكد هيجل على ذلك بقوله : ( ما يكونه المعروف بشكل مألوف ليس معروفاً كما ينبغي ، بسـبب هذا الذي يجعله مألوفاً )(4) . والمسألة تكون بالشكل الآتي : عند انهماكنا في عملية المعرفة ، يصبح هذا الانهماك شكلاً من أشكال خداع الذات وأيضاً خداع الآخرين ، وعملية الخداع هذه هو أن نفترض في شيء يكون مألوفاً وأن نمرره على أنه قيمة فعليـة ، وهكذا يصبح هذا المدلول المتعالي شكلاً من أشكال خداع الذات لأنه اصبح مألوفاً بشيوعه لدى الجميع .
ولكن كيف استطاع دريدا أن يحل مشكلة المدلول المتعالي بوصفه الغاية النهائية لصراع النقيضين ..؟
اقترح دريدا مصطلح (   under  erasure) ، وقد ترجم هذا المصطلح إلى العربية بـ(الكتابة تحت المحو) ، وقد ترجمه حسام فتحي نايل بـ(تحت علامة كشط) ، وتعني أن نكتب مفردة ما مشطوبة بحيث يظهر لنا كل من المفردة وشطبها ، يقول دريدا في كتابه ( في علم الكتابة ) : (طالما أن المفردة غير دقيقة فإنها تحت علامة كشط ، وطالما إنها ضرورية فإنها تظل مقروءة) . وهكذا عندما نفحص أشياء مألوفة كالمدلول المتعالي ، نصل إلى نتيجة مفادها إن هذا المدلول غير متعالٍ ولابد من إحالته على مدلولات أخرى ، وعليه فإن هذه العـلامة أو هـذا المدلـول نضـعه تحت الكشط أو الشـطب ، عندئذ يصبح ( النفي الهيجلي ) في نظر دريدا بالصيغة الآتية (لا / ولا ) أنه يُقرأ في كلا الطرفين  . ومن منطلـق هذا المفهوم تصبح لغتنا الفعلية مشوهة ، ومع ذلك تُصِرّ على أن ترشدنا ، والكتابة تحت الكشط دليل على هذا التشـويه. ولكن دريدا عندما يشطب هذا المدلول المتعالي أو العلامة يضع في مكانها كلمة (الأثر) فالعلامة هي أثر لذلك الشيء الغائب / الأصل ، و(الأثر) لديه هو أصل الأصل . والكتاب/ النص هو ( أثر ) لذاك الأب / الأصل الغائب .
وفي ضوء قراءة دريدا لمفهوم ( النفي الهيجلي ) ، كيف يمكننا قراءة كتاب ( توقيع الأثر ) بصفته مقدمة لكتاب طيف ( المنطقة المقدَسة ) ..؟ وهل يُعدُّ (توقيع الأثر) الطرف الفائز ضمن مفهوم ( النفي الهيجلي ) بصفته مدلولاً متعالياً ..؟ وإذا ما كان هذا الأفتراض ممكناً ، فإننا سوف نضعه تحت علامة كشط ونقرأه في كلا الحالتين . وهذا يعني إنَّ ( توقيع الأثر ) سوف يكون شكلاً من أشكال خداع الذات ، الخداع الذي جعلنا نفترضه مقدمة لنص غائب هو الكتاب / الأب .
ومن هذا المنطلق فإنَّ تحقيق هويته هو اختلافه مع نفسه ، ففي كل قراءة له سوف ينتج نسخة مزيفة لشيء ما اصلي .

المراجع والإحالات
(1)  صور دريدا ، ثلاث مقالات عن التفكيك / جايتريا اسبيفاك ، كريستوفر نوريس ، ص/ 22  .
(2) { المرجع السابق ص/ 22- 23 } .
(3) { في علم الكتابة / جاك دريدا ، نقلاً عن المرجع السابق
نفسه ) .
(4){ صور دريدا / سالف الذكر ص/ 24 } .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.