طلال حسن : الغيوم السوداء (رواية للفتيان) (2/2)

talal hasan
     ” 6 “
ـــــــ

ترك غياب الأميرة جالا والأمير مانو ، فراغاً كبيراً في حياة سندباد وزوجته سارلا ، وقد عانت سارلا الكثير من هذا الغياب ، ولم يواسي سندباد ، ويخفف عنه بعض الشيء ، إلا انهماكه في العمل ، الذي بدأه مع الأمير مانو ، بانجاز المدرسة والمستشفى في الجزيرة .
ومما زاد في معاناة سارلا ، وشعورها بالقلق والخوف ، مرور أشهر عديدة على زواجها ، دون أن تبدو عليها بوادر الحمل ، إنها تريد طفلاً ، ليس من أجلها فقط ، بل في الأساس ، من أجل زوجها سندباد ، لعله يخفف عنه أيضاً شعوره الممض بفقدان الأمير مانو والأميرة جايا .
وقد عرف سندباد سبب معاناتها وقلقها ، فحاول جهده أن يخفف عنها ، وطالما حدثها قائلاً : سارلا ، عزيزتي ، لا داعي للقلق ، الوقت مازال مبكراً ، والمهم عندي أنت ِ .
فتقول له دامعة العينين : أعرف ، يا عزيزي ، لكني أريد أن أقدم لك طفلاً .
فيأخذها بين ذراعيه ، ويقول لها : أنتِ تكفيني ، ثم إنني لا أريد من ينافسني على حبكِ .
فتستكين سارلا فوق صدره ، وتقول : لن ينافسك أحد ، يا سندباد ، مهما كان عزيزاً عندي .وعن بعد ، وبشكل غير مباشر ، كانت الكاهنة الأم ، تتبع أنباء سندباد وزوجته سارلا ، فهي في أعماقها القاتمة ، لم تغفر لسارلا أنها فضلت سندباد ، التاجر القادم من بغداد ، على أخيها ، ابن جزيرتها ، وشقيق الشخصية الدينية الكبيرة .. الكاهنة الأم .
وذات ليلة ، وسندباد يكاد يغفو في فراشه ، اندست سارلا إلى جانبه ، وهمست له : سندباد .
وردّ سندباد ، دون أن يفتح عينيه ، اللتين يثقلهما النعاس الشديد : حبيبتي .
وتابعت سارلا قائلة : لابد لي ، يا عزيزي ، أن أذهب غداً إلى المعبد ..
sindabad 2وهمهم سندباد بصوت ناعس : هم م م م م .
فقالت سارلا : أريد أن ألتقي بالكاهنة الأم .
فقال سندباد بصوت يكاد يغطيه النعاس : حسن .. اذهبي حبيبتي .. اذهبي .
فقالت سارلا : سندباد ، لم تسألني ، لماذا أريد الذهاب إلى المعبد .
وغمغم سندباد متسائلاً : لماذا ؟
فردت سارلا بصوت هامس : أريد أن أقدم لك طفلاً صغيراً ، يشبه حبيبي سندباد .
لكن حبيبها سندباد ، لم يرد عليها هذه المرة ، ولم تبدر منه حركة ما ، فقد كان بعيداً عنها ، في عالم آخر ، يغط في نوم عميق .
وقبل أن تذهب سارلا إلى المعبد ، وتقابل الكاهنة الأم ، التقت بالكاهنة العجوز ، فمهدت لها الأمر ، وحددت لها موعد المقابلة .
وأخبرت سارلا زوجها سندباد بالأمر ، فقال سندباد : يا للعجب ، يبدو أن الكاهنة الأم ، قد غفرت لكِ موقفك الأخير من أخيها .
فردت سارلا بطيبتها المعهودة : لا تنسَ ، يا سندباد ، إنها الكاهنة الأم ، ولمثلها في جزيرتنا عادة ، قلب كبير محب ، متسامح .
ونظر سندباد إليها مبتسماً ، وقال : آه حبيبتي ، إنما أنت تتحدثين عن قلب كبير ورائع  هو قلب حبيبتي .. سارلا .
وفي الموعد المحدد ، ذهبت سارلا إلى المعبد ، واستقبلتها الكاهنة الأم في جناحها ، وقالت لها بصوتها الجاف : سارلا .
وانحت سارلا على يدها ، وقبلتها بإجلال ، ثم قالت : طاب يومك ، يا سيدتي .
ودون أن تردّ على تحيتها ، أشارت الكاهنة الأم إلى مقعد قريب ، وقالت : تفضلي .
وجلست سارلا ، ونظرت برجاء إلى الكاهنة الأم ، وقالت : سيدتي الأم المبجلة ، جئتك في أمر ، لن يساعدني فيه غيرك .
وردت الكاهنة الأم ، دون أن تنظر إليها : أعرف في ما جئتِ ، يا سارلا .
وهنا أقبلت الكاهنة العجوز ، ووضع أمام سارلا قدحاً من العصير ، ثم انحنت للكاهنة الأم ، وخرجت من الجناح ، ورفعت سارلا عينيها الضارعتين إلى الكاهنة الأم ، وقالت : سيدتي ..
فقاطعتها الكاهنة الأم قائلة بصوت قاطع : اشربي عصيرك أولاً ، يا سارلا .
ومدت سارلا يدها ، وأخذت كوب العصير ، وشربت منه جرعة ، وهمت أن تعيده إلى مكانه ، فخاطبتها الكاهنة الأم قائلة : اشربيه كله ، يا سارلا ، فهذا العصير الخاص أعددته بنفسي .
وقالت سارلا ، بعد أن  شربت العصير حتى نهايته : عصير لذيذ ، يا سيدتي ، أشكركِ .
ووضعت سارلا الكوب أمامها ، وجلست صامتة منتظرة ، فقالت الكاهنة الأم : لقد صليت للآلهة ، أن ترسلك إليّ في المعبد ، وها قد استجابت الآلهة لصلاتي ،  وجئتِ إليّ .
ثم أبعدت عينيها القاتمتين عنها ، وقالت بصوتها الجاف : انهضي ، يا سارلا ، واذهبي .
ونهضت سارلا مرتبكة ، حائرة ، ثم انحنت للكاهنة الأم ، وقالت بصوت متردد : استودعكِ الآلهة ، يا سيدتي .
وانتظرت سارلا برهة ، وكأنما تريد أن تسمع الرد ، لكنها سرعان ما مضت إلى الخارج ، دون أن تسمع كلمة واحدة من الكاهنة الأم ، آه سندباد ، كل شيء يهون من أجلك ، سأقدم حياتي فداء لراحتك وسعادتك ، وإعطائك طفلاً صغيرة يشبهك ، سندباداً صغيراً ينمو في أعماقي ، أقدمه هبة من أعماقي إليك .

     ” 7 “
ـــــــ

بعد أن زارت سارلا المعبد ، والتقت بالكاهنة الأم ، وشربت ما قدمته لها من عصير ، قالت أنه من إعدادها شخصياً ، لم تحمل بطفل كما تمنت ، بل بدأت حملت بمرض غامض ، بدأ يزحف إلى أعماقها المعافاة .
ورغم شعورها التدريجي بالوهن والضعف ، لم تشأ يوماً أن ترقد في الفراش ، متظاهرة بالنشاط والحيوية ، وراحت تخفي شحوب وجنتيها المتزايد ، بما تضعه بعض نساء الجزيرة من أصباغ ملونة خادعة .
ولاحظ سندباد معاناة زوجته سارلا ، والنحول الطفيف الذي بدأ يصيب جسمها الممتليء ، وسمعها أكثر من مرة ، تئن ليلاً ، وهي ترقد إلى جواره في الفراش .
وذات ليلة ، أفاق سندباد على أنينها الخافت ، المتوجع ، فالتفت إليها ، وراح يحدق فيها ، ورغم أن عينيها كانتا مغمضتين ، إلا أنه عرف أنها لم تكن نائمة .
وداخله هاجس مقلق ، أنها ربما تكون مريضة حقاً ، وتكتم مرضها كي لا يتأثر ، فمال عليها ، وقال بصوت هامس : سارلا .
وعلى الفور ، فتحت سارلا عينيها ، فلمح فيهما الخوف والقلق ، ومدّ يده ، ومسح العرق عن جبهتها المحمومة ، وقال يطمئنها : غداً سأستدعي الطبيب ليراك .
وعبثاً حاولت سارلا أن تبتسم ، وهي تقول  محاولة التخفيف عنه : حبيبي ، لا داعي للطبيب ، لست مريضة .
ومدّ سندباد يديه ، وأخذها إلى صدره ، وقال بصوت حنون : هذا ما أتمناه ، ، يا حبيبتي ، لكني لن أرتاح ، إلا إذا رآكِ الطبيب ، لتطمئني ، وأطمئن على صحتكِ .
لكن سندباد لم يرتح ، ولم يطمئن ، حتى بعد أن جاء الطبيب ، في اليوم التالي ، وفحص سارلا جيداً ، ثم قال : صحيح إن سارلا نحلت قليلاً ، لا أدري لماذا ، إلا أنها ، على ما يبدو لي ، لا تعاني من أي مرض .
ونظرت سارلا إلى سندباد ، وقالت بصوت حاولت أن لا يكون واهناً : ارتحت الآن ؟ قلت لك لست مريضة ، لكنك لم تصدقني .
وقبل أن يغادر الطبيب القصر ، قال لسندباد : نعم ، سارلا ليست مريضة ، وستعود إليها صحتها وحيويتها ، خلال أيام قلائل .
لكن خلال أيام قلائل ، لم تعد لسارلا صحتها ولا حيويتها ، بل اشتد عليها المرض ، حتى أجبرها سندباد على الرقاد في الفراش ، لعلها ترتاح ، وراح الطبيب يعودها كلّ يوم ، ويفحصها من جديد ، ويصف لها المزيد والمزيد من الأدوية ، لكن دون جدوى .
وسمعت الملكة بمرض سارلا ، الذي أرقدها في الفراش ، فقررت أن تزورها بنفسها ، وتطمئن عليها ، وهذا ما لم تفعله الملكة من قبل ، حتى مع أحب الناس إليها ، خارج القصر .
وأخبرت الملك بقرارها ، فوافقها على هذه الزيارة ، وطلب منها أن تنقل لها ولزوجها سندباد ، تحياته وتمنياته لسارلا بالشفاء العاجل .
وقبيل مساء أحد الأيام ، فوجىء سندباد ، وكان إلى جانب زوجته سارلا ، التي كانت راقدة في فراشها ، بحضور الملكة إلى قصره .
وهمت سارلا أن تنهض من فراشها ، لتكون بنفسها في استقبال الملكة ، عند باب القصر ، لكنها لم تستطع النهوض ، وأقبلت عليها الملكة ، يرافقها سندباد ، بادي التأثر ، ونظرت إلى سارلا ، وقالت بصوت مفعم بالعاطفة : سارلا ..
واعتدلت سارلا قليلاً في فراشها ، وردت بنبرة دامعة : مولاتي العزيزة .
وابتسمت الملكة ، وقالت : زرتك اليوم ، يا سارلا ، وأريد أن تردي لي الزيارة غداً .
وغامت عينا سارلا بسحابتين من الدمع ، وهي تقول : بعون الآلهة ، يا مولاتي .
فقالت الملكة : جلالة الملك يحييكِ ، ويتمنى لك الشفاء العاجل ، وسيرسل لك طبيبه الخاص اليوم ، ليعالجك ، فأنت عزيزة عندنا .
وجاء طبيب الملك ، بعد أن غادرت الملكة قصر سندباد ، وأجرى لسارلا فحوصات عديدة ، ثم وصف لها أدوية جديدة ، وغادر القصر .
وأرقت سارلا تلك الليلة ، وبقي سندباد إلى جانبها ، يحاول تهدئتها ، والتخفيف عنها ، وعند منتصف الليل تقريباً ،نظرت سارلا إلى سندباد بعينين ، تكادان تنطفئان ، وغمغمت : سندباد .
ورد سندباد : حبيبتي .
فقالت سارلا : تعال إلى جانبي .
وتمدد سندباد إلى جانبها ، وقال والدموع تبلل عينيه : وسأبقى إلى جانبك .
ودمعت عينا سارلا ، لكنها كتمت دموعها ، وقالت : لو أردتُ منك شيئاً ، أتحققه ؟
فمال سندباد عليها ، ولثم جبينها المحموم ، وقال : حتى لو أردتِ حياتي .
وقالت مغالبة بكاءها : اهرب .
واعتدل سندباد ، وقد اتسعت عيناه ، وتمتم مذهولاً : ماذا ! ماذا تقولين ؟ أهرب ؟ أترك حياتي سارلا وأهرب ؟ لا ، مستحيل .
فقالت سارلا باكية : لا أريد أن تموت معي .
وأخذها سندباد إلى صدره ، وقال : كلا ، يا حبيبتي ، لن أهرب ، سأبقى ، وأعيش إلى جانبك ، حتى النهاية .

     ” 8 “
ـــــــ
لا يدري سندباد ، كيف ومتى أغفى ، وسارلا تتململ بين ذراعيه ، والحمى تلهب جسدها وتشويه ، لكنه أفاق فجأة ، قبيل الفجر ، وسارلا مازالت بين ذراعيه ، لكنها كانت هذه المرة ساكنة ، باردة ، وأدرك مصعوقاً ، أن سارلا التي عرفها ، وكأنه عاش معها العمر كله ، لم تعد سارلا .
وهبّ سندباد ، وسارلا التي لم تعد سارلا بين يديه ، وصاح من أعماقه ، وكأنما يريد أن يوقظها من رقدتها : سارلا .
لكن سارلا ، ولأنها لم تعد سارلا ، لم تستجب لهتافه ، كما كانت تستجيب ، عندما كانت سارلا ، وظلت بين يديه ساكنة باردة ، لا أثر فيها للحياة ، آه سارلا ، لقد رحلت سارلا .
وكما تسري النار في الغابة ، سرى نبأ رحيل سارلا في الجزيرة كلها ، حتى وصل الكاهنة الأم ، وكذلك الملك والملكة ، ولمعت عينا الكاهنة الأم المعتمتين ، حين أبلغتها الكاهنة العجوز بالنبأ ، وقالت في نفسها : لا عجب ، لقد تذوقتْ عصيري ، الذي أعددته لها بنفسي .
ودمعت عينا الملكة حزناً على سارلا ، فقد رعتها وكأنها ابنتها ، وغمغمت : مسكينة سارلا ، إنها ربما لم تبلغ العشرين بعد .
وقال الملك : الأعمار بيد الآلهة .
وسكت لحظة ، ثم قال : سآمر بتشييعها ، كما لو كانت أميرة من أميرات القصر .
وكتمت الملكة بكاءها ، وقالت : لقد زوجناها كأميرة ، آه لقد كانت سعيدة مع سندباد ، لكن سعادة المسكينة لم تدم طويلاً .
فقال الملك : مهما يكن ، علينا أن نقف الآن إلى جانب سندباد ، فهذه مأساة ومحنة عمره ، ول أكن أتمناها له .
وكفكفت الملكة دموعها ، وقالت : مليكي ..
وأحس الملك بأهمية ، وربما خطورة ، ما ستقوله الملكة ، فنظر إليها ، وقال : نعم .
فقالت الملكة : ستدخل سارلا اليوم إلى الجب ، إنها واحدة منا ، فماذا بشأن سندباد ؟
وقطب الملك ، وقد أدرك ما ترمي إليه ، وقال : أيتها الملكة ، أنت تعرفين جيداً ، إنها عادات وتقاليد آبائنا وأجدادنا ، منذ أن وجدنا على هذه الجزيرة ، وليس لنا أن نخرج الآن عليها .
وقالت الملكة بنبرة رجاء : لكن سندباد من بغداد ، وليس من جزيرتنا .
وردّ الملك قائلاً : صار سندباد واحداً منا ، ما إن تزوج سارلا ، وهي فتاة من هذه الجزيرة .
وقالت الملكة مترددة : مليكي ..
فقاطعها الملك قائلاً ، وكأنه يريد أن يضع حداً لهذا الحديث : ما ينطبق عليّ وعليك ، يجب أن ينطبق على الجميع ، بمن فيهم سندباد .
وعلى الفور ، أمر الملك أن تحضر الأميرة سارلا ، وتبدأ مراسيم التشييع ، كما تحضر أميرة من أميرات القصر ، والذي سيشارك في تشييعها الجميع ، وفي مقدمتهم الملك والملكة .
ومنذ وقت مبكر ، من ذلك اليوم الأسود ، التف المشيعون بالمئات حول سندباد ، يعزونه بمصابه ، الأليم ، محاولين شدّ أزره ، والتخفيف عنه ، دون جدوى .
وانصرفت بعض النساء ، كبيرات السن خاصة ، إلى إعداد سارلا للدفن ، ثم ألبسوها أجدّ وأجمل ملابسها ، وزينوها بما في حوزتها من مصاغ وقلائد وجواهر ، وكأنهم يعدونها للزفاف .
ثم طلبوا من سندباد نفسه ، أن يرتدي أجدّ وأفضل ما عنده من ثياب ، ولم يكن أمامه إلا أن ينفذ ما طلبوه منه وهو ذاهل تماماً ، فارتدى الحلة الجميلة ، التي ارتداها في ليلة زواجه من سارلا ، ولا عجب ، فهو سيزف إلى سارلا نفسها ، ولكن ليس على سطح الأرض ، وإنما في الجب .
وقبيل الغروب ، بدأ التشييع المهيب ، فحُمل تابوت سارلا على عربة ، يقودها جوادان مطهمان ، سارت في المقدمة ، وسار وراءها مباشرة الملك والملكة وسندباد ، تليهم الحاشية وكبار رجالات القصر ، وعدد غفير من سكان الجزيرة .
وتوقفت العربة بتابوت سارلا ، عند حافة الجبل المعهود ، وتوقف الجميع وراءها ، وعلى الفور ، تقدم الدفانون ، ورفعوا الصخرة الضخمة ، التي تغطي فوهة الجب ، وحين رفع الدفانون تابوت سارلا ، وبدؤوا بإنزاله إلى الجب ، دمعت عينا الملكة ، وتمتمت بحزن عميق : وداعاً .. يا سارلا .. وداعاً .. وداعاً .
ثم أحاط الجميع بسندباد ، الذي بدا مذهولاً عما يدور حوله ، يعزونه ويعبرون له عن حزنهم وتأثرهم لمصابه .
وتقدم الملك منه ، وشدّ على يده بقوة وتعاطف ، وقال : سندباد ..
ورفع سندباد عينيه الغارقتين بالحزن إليه ، لكنه لم ينبس بكلمة واحدة ، فتابع الملك قائلاً : إنني متأثر لما حدث لك أنت ولسارلا ، أنتما لا تستحقان إلا الخير ، لكن ما العمل ؟ هذه هي الحياة .
وصمت لحظة ، ثم قال : أشكرك على كلّ ما قدمته لجزيرتنا ، سنكمل ما بدأته ، وسنطلق على المدرسة اسم ، مدرسة سندباد .
وقالت الملكة : بعد إذن الملك ، وسنطلق على المستشفى اسم ، مستشفى سارلا .
وهزّ الملك رأسه موافقاً ، ثم شدّ على يد سندباد ، وقال : وداعاً ، يا سندباد ، وداعاً .
وتراجع الملك قليلاً ، فأحاط الدفانون بسندباد ، وكما فعلوا بالأمير مانو ، فعلوا بسندباد ، فقد شدوه بالحبال ، وأنزلوه إلى الجب ، بعد أن زودوه بكوز ماء وسبعة أرغفة من الخبز وثلاثة شموع ، ثم أعادوا الصخرة الكبيرة إلى مكانها ، وأغلقوا بها فوهة الجب .
وعند المساء ، والشمس تغرق في البحر شيئاً فشيئاً  ، مودعة يوماً آخر من الحياة ، عاد الموكب الحزين إلى المدينة ، يتقدمه الملك والملكة .

     ” 9 “
ـــــــ

أطبق الظلام على سندباد ، ما إن وضعوا الصخرة الضخمة على فوهة الجب ، لكن ذلك الظلام ، لم يكن ظلام الليل ، بهوائه العليل المنعش ، ونجومه المتغامزة في عمق السماء ، بل ظلام الرعب والموتى .
وتلفت سندباد حوله ، لا شيء غير الظلام والصمت والروائح النتنة ، وجلس مرعوباً إلى جانب التابوت ، كأنه يحتمي بزوجته سارلا من العتمة والمجهول ، لكن سارلا ، التي عرفها ، والتي عاش معها مطمئناً سعيداً ، لم تكن سارلا ، فما العمل ؟
وأغمض عينيه ، لعله يفرّ من الجب ، ولو لحظات ، وتراءت له بغداد .. والبصرة .. والمركب .. والتجار .. والأمير .. والجزيرة .. آه .. وتمنى لو لم يأتِ إلى هذه الجزيرة .. ويرى الأميرو جايا .. والملك والملكة و .. سارلا ؟ لا .. لا .. سارلا حياتي .. آه سارلا .
هل أغفى ؟
هذا ما تمناه ، ولكنه على ما يبدو ، غاب عن الوعي قليلاً ، وهذا أيضاً ما تمناه ، لكن هذا الغياب ـ الأمنية ، لم يدم طويلاً .
فقد أفاق على ما يشبه الأنين الخافت ، يصدر من مكان غير بعيد ، من عمق الظلام ، وفتح عينيه مرعوباً ، أهي الريح ؟ لكنه في جب تحت الأرض ، فمن أين تأتيه الريح ؟
وأنصت ملياً ، لعله واهم ، فما هو فيه من ضيق ورعب وظلام ، يجعله يتخيل ما لا وجود له ، وخفق قلبه رعباً ، إنه ليس واهماً ، فالأنين واضح ، ويبدو أنه أنين امرأة ، نعم ، امرأة ، إلا إذا كانت جنية تقمصت شكل امرأة ، فمثل هذا الجب ، يمكن أن يكون مأوى للجن ، وللأرواح الشريرة ، لكن جنية تئن ! أهذا معقول ؟ من يدري ، كل شيء ممكن في هذا الجب .
وتذكر سندباد الشموع الثلاث ، فأخذ شمعة ، وأشعلها بيد مرتعشة خائفة ، وما إن انتشر ضوءها الخافت  حوله ، حتى سمع الأنين يرتفع ، نعم ، إنه أنين ، أنين امرأة ، ومن مكان غير بعيد ، فنهض والشمعة في يده ، وسار ببطء وحذر ، نحو مصدر الصوت .
وتوقف سندباد مصعوقاً ، بعد أن خطا على ضوء الشمعة بضع خطوات ، فقد رأى إلى جانب أحد التوابيت القريبة ، امرأة في أواسط العمر ، تكاد لا تقوى على النهوض ، وقد مدت يديها الضارعتين إليه ، مغمغمة : ماء .. ماء .. ماء .
وأسرع سندباد ، وجاء بكوز الماء ، الذي أنزل معه إلى الجب ، وأماله على شفتي المرأة ، اللتين جففهما الجوع والعطش ، وسقاها حتى ارتوت ، ونظر إليها ، وقال : لابد أنك جائعة .
فهزت المرأة رأسها ، أن نعم ، دون أن تقوى ربما ، على نطق كلمة واحدة ، فقال سندباد : لدي سبع أرغفة من الخبز ، سآتيك بواحد منها .
ثم أسرع وأتاها برغيف خبز ، من الأرغفة السبعة ، وقدمه لها قائلاً : تفضلي ، كلي حتى تشبعي .
وأكلت المرأة ، وظلت تأكل بنهم ، وهي تئن وتتأوه ، حتى أتت على الرغيف ، وعندها هدأت قليلاً ، وخفت أنينها المتوجع ، ونظرت إلى سندباد ، وقد عادت الحياة قليلاً إلى عينيها ، وقالت بصوت واهن لا يكاد يُسمع : أشكرك ، يا سيدي ، أشكرك .
وتطلع سندباد إليها ، على ضوء الشمعة ، وقال : سآتيك برغيف آخر، إذا أردتِ .
فهزت المرأة رأسها بوهن ، وقالت : لا ، أشكرك ، إنها أرغفتك ، حافظ عليها ، ستحتاجها .
وسكتت لحظة ، وهي تحدق فيه ، ثم قالت : أيها الرجل الطيب ، أنا أعرفك .
وحدق سندباد فيها ، على ضوء الشمعة ، ثم قال : عفواً ، لا أذكر أنني رأيتك من قبل .
فردت المرأة قائلة : أما أنا فأذكرك جيداً ، لقد رأيتك مرات ، أنت وزوجتك سارلا ، فأنتما معروفان ومحبوبان في الجزيرة كلها .
وسكتت المرأة ، فنظر سندباد إلى التابوت ، الذي كانت تجلس إلى جانبه ، وقال : إنه زوجك .
وهزت المرأة رأسها ، وقالت بصوت حزين واهن : نعم ، مات منذ أسبوع تقريباً .
ونظر سندباد إليها ، وقال : عفواً ، أنا أحترم تقاليد الآخرين عادة ، لكن هذه عادة غريبة ظالمة ، لم أرَ مثيلاً لها في أي مكان زرته من العالم .
وردت المرأة قائلة بصوت مستسلم : هذه عادتنا ، أردناها أو لم نردها .
وسكتت لحظة ، ثم قالت : إنه زوجي ، وقد أحبني وأحببته ، رغم أن يكبرني بأكثر من عشرين سنة ، وقد عشنا سعيدين سنين عديدة .
وقال سندباد : هذه هي الحياة ، والسعادة كالربيع لا تدوم طويلاً .
وسكت لحظة ، ثم قال : لقد مات زوجك ، يا سيدتي ، هذه قسمته من الحياة ، ولا ارادة لك فيها ، فما ذنبك أنتِ لتدفني معه ؟
ونظرت المرأة إليه ، وقالت : هكذا نحن في هذه الجزيرة ، أباً عن جد ، أنت غريب ، وماتت زوجتك سارلا ، وها أنت تدفن معها .
واغرورقت عينا سندباد بالدموع ، وقال : لقد أحببتها ، كما أحبتني ، و ..
وشهقت المرأة بالبكاء ، وانكفأت على التابوت ، وراحت تتمتم باكية : لو تعرف .. كم أحببته .. وكم .. أحبني ..آه .
وظلت المرأة منكفئة على التابوت ، وهدأت أنفاسها ، وبدا أنها أغفت ، فنهض سندباد بهدوء ، وعاد إلى تابوت زوجته سارلا ، ثم أطفأ الشمعة ، وسرعان ما أطبق الظلام على الجب .

     ” 10 “
ــــــــ

لا يدري سندباد ، أليلاً كان الوقت أم نهاراً ، حين أفاق على عويل المرأة ، فالجب ليل دامس دائماً ، فهبّ من مكانه ، قرب تابوت زوجته سارلا ، وهتف بها في الظلام : لا تخافي ، إنني هنا ، سآتيك حالاً .
وعلى الفور ، أشعل الشمعة ، وما كاد الضوء ينتشر حوله ، حتى رأى المرأة تركض باتجاههِ مسرعة ، وقد استبد بها الهلع ، وقبل أن يسألها عما بها ، صاحت بصوت مضطرب : الوحش .. الوحش .
وتلفت سندباد حوله ، بصورة لا إرادية ، لكنه لم يرَ شيئاً مريباَ  فقال : أي وحش ، أنت واهمة ، نحن في الجب .
وردت المرأة ، وهي مازالت ترتجف من الخوف : هذه ليست المرة الأولى ، لقد جاء هذا الوحش قبل أيام ، وسمعته ينخر ، وهو يلتهم جثث الموتى القريبة مني .
وهزّ سندباد رأسه ، وقال : لابد أنك عانيت من كابوس في نومكِ ، فمثل هذا المكان ..
وتوقف سندباد عن الكلام ، وقلبه يخفق رعباً ، فقد تناهى إليه من مكان بعيد ، داخل الجب ، وقع أقدام متخبطة ، لا يمكن أن تصدر عن إنسان ، ولاذت المرأة مرتعبة بسندباد ، حتى كادت الشمعة تسقط من يده ، وهي تقول بصوت متشنج : اسمع ، هذا صوته ، صوت الوحش الذي حدثتك عنه ، لابد أنه مازال داخل الجب .
ومن شدة خوفه ، تناول سندباد ، من مكان قريب ، عظم ساق أحد الموتى ، وألقاه بشدة نحو مصدر الصوت ، وعلى الفور ، سمع وقع الأقدام المتخبط ، يسرع مبتعداً في الظلام ، وقد ازداد تخبطه ، حتى تلاشى .
وأنصتت المرأة المرعوبة ملياً ، ثم قالت : لقد هرب الوحش ، على ما يبدو .
ونظر سندباد إلى المرأة مفكراً ، ثم قال : وحش .. وحش ..
وبكت المرأة بصوت متشنج ، وقالت : سيأكلنا نحن أيضاً ، خلال أيام .
وتساءل سندباد ، وكأنه يحدث نفسه : ترى من أين دخل هذا الوحش ؟
ونظرت المرأة إليه مذهولة ، كأنما فطنت لأول مرة إلى هذا الأمر ، ورفع سندباد الشمعة عالياً ، ونظر إلى بعيد ، وقال : لابد أن هناك منفذاً ، في مكان ما من الجب ، يدخل منه هذا الوحش ، ويأكل ما يأكله من الجثث .
وتمتمت المرأة مذهولة : أنت محق ، لابد أن هناك منفذاً ، وإلا من أين أتى ؟
ومشى سندباد ، والشمعة في يده ، صوب المكان الذي صدر منه صوت الوحش ، وبصورة لا إرادية ، مشت المرأة متلفتة ، متعثرة ، خائفة ، في إثره .
وتوقف سندباد ، بعد أن قطع مسافة ، وهو يمشي متوجساً بين التوابيت والجثث ، والشمعة في يده ، وتلفت حوله ، ثم نظر إلى صدر المكان ، الذي يعمه الصمت والظلام .
وتوقفت المرأة على مقربة منه ، وقالت : لا أثر لأي منفذ ، لنعد إلى مكاننا .
وردّ سندباد قائلاً ، وهو يعاود المشي قدماً : بل هناك منفذ ، يدخل الوحش منه ويخرج ، ولابد أنه في مكان قريب ، سأبحث عنه حتى أجده .
وعاود سندباد المشي مرة أخرى ، والشمعة ترتعش في يده ، ومشت المرأة في أثره ، دون أن تنبس بكلمة واحدة ، وفجأة لمع نور من صدر المكان ، فتوقف سندباد مذهولاً ، وهتف قائلاً : انظري ، النور .
وتوقفت المرأة ، متطلعة إلى النور مذهولة ، ثم قالت : نعم ، هذا نور ، لابد أنه آت من المنفذ ، الذي يدخل منه ويخرج الوحش .
وأسرع سندباد ، والشمعة تهتز في يده ، والمرأة تسرع متعثرة وراءه ، حتى وصل مصدر النور ، وإذا به يرى منفذاً بين الصخور ، يؤدي إلى الخارج ، فصاح بصوت متهدج منفعل : لقد نجونا .. نجونا .
وتوقفت المرأة جامدة ، لا تبدي تأثراً أو فرحاً ، فقال سندباد : لنخرج من هذا الجب ، ونهرب خارج الجزيرة ، دون أن يعرف بنا أحد ، ونعيش حياتنا كما نشاء .
وتراجعت المرأة قليلاً ، وهي تقول : سندباد ، هذه فرصتك ، أنت لست من هذه الجزيرة ، أخرج من هذا الجب ، إلى الحياة .
والتفت سندباد إليها ، وقال : لا أريد أن أنجو وحدي من الموت ، تعالي معي خارج هذا الجب ، وعيشي حياتك .
وهزت المرأة رأسها ، وقالت : لا يا سندباد ، إنني من هذه الجزيرة ، وحياتي هنا في هذا الجب ، إلى جانب زوجي ، الذي أحبني وأخلص لي ، وأحببته كلّ الحب .
وردّ سندباد قائلاً : أنا أيضاً أحببت سارلا وأحبتني ، وها أنا أتهيأ لمغادرة الجب .
فقالت المرأة :لا لوم عليك ، يا سندباد ، فأنت لست من هذه الجزيرة .
وبصوت هادىء ، قال سندباد : سيدتي ..
وقاطعته المرأة قائلة : هذا محال ، أنا من الجزيرة ، وهذه عادتنا ، وسأرضخ لها ، وأبقى إلى جانب زوجي ، حتى النهاية .
ولاذ سندباد بالصمت ، فتطلعت المرأة إليه ، وقالت : اذهب ، يا سندباد ، وعش حياتك ، أنت إنسان طيب ، وتستحق كلّ خير .
وصمتت المرأة لحظة ، ثم قالت : بعد أن تخرج ، أرجوك أغلق المنفذ جيداً ، حتى لا ينفذ هذا الوحش اللعين ، مرة أخرى إلى الجب ، اذهب ، يا سندباد ، رافقتك السلامة .
وقدم سندباد الشمعة للمرأة ، وقال : خذي هذه الشمعة ، لتعودي إلى زوجك .
واستدار سندباد ، ومضى عبر المنفذ ، وخرج من الجب ، ثم سدّ المنفذ بصخور قوية ، مرصوصة ، لن يقوى أي وحش على زحزحتها ، والنفاذ منها إلى داخل الجب ، مهما كان قوياً .
وانحدر سندباد من ذلك الجبل ، بعيداً عن الجب ، وكان يفصل الجزيرة عن البحر ، وراح يمشي على الشاطىء ، وشاءت الأقدار أن يمرّ مركب تجاري عن بعد ، بعد منتصف النهار ، وراح سندباد يلوح له بقطعة من ثيابه ، حتى انتبه إليه بعض ركاب المركب ، فاتجهوا إليه ، وأخذوه معهم ، بعيداً عن الجزيرة ، التي كاد أن يكون ضحية لإحدى عاداتها الغريبة القاتلة ، التي ليس لها مثيل في العالم كله .

          11 / 9 / 2013

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.