محمّد علي النصراوي : من كتاب ( توقيع الأثر).. مقدمة خارج نفسها

mohammad ali alnasrawi 4نحن نحاول هنا في هذه المقدمة ، أن نثير موضوع الخطاب ، وأهميته في تأسيس مشروع خطاب نقدي عربي ، ولكن قبل كل شـيء ، ينبغي علينا أن نـطرح سـؤالنا الأكـثر أهمية : هـل ثمة مشـروع خطاب نقـدي عربي معاصر ..؟
في البدء ينبغي علينا الاقتراب من مفهوم (الخطاب) ، فالخطاب وضمن سـياق توجهنا هو كل مجمـوع له معنى (لغوي – شفوياً كان أم كتابياً – تعليمي ، سـينمائي ، رسمي) . فقد يمثل جملة أو فقرة ، أو نصاً يتكون من فقرات متعددة ، أو مشروع (كتاب) يتكون من نصوص متعددة وقد تختلف أشكال ومضامين هذا الخطاب وذلك باختلاف مجالاته الدلالية – لذا فان هذا المجموع يتكون من أجهزة مفاهيمية ومعرفية أو مجموعة من منظومة إجرائية مجترحة تمثل مصطلحات حقــل معين من المعرفة ، إن هذا المجموع يقع ضمن منطق جدلي / معرفي قد أتخذ له شكلاً معيناً . يعطي الطابع المميز لذلك الحقل المعرفي ، وعليه فان هذا الطابع أو قالب (الدمغة) يعدّ من خصـــائص هذا الخطاب . ولكن هل ثمة إشكالية حقاً في تكوين خطاب نقدي عربي ..؟ نقول : مادام هذا الخطاب ينفتح على حقول معرفية أخرى – بمعنى استيعابه لتلك الأجهزة الأفهومية المتمثلة بمصطلحات حقول معرفية تقع خارج نظامه وأدراجها ضمن سياقات تبليغية تدخل في سيرورة هذا المجموع الذي يقوم على طرح الأسئلة والأجابة عليها .
وعليه فان عملية تلاقحنا الفكري مع الآخر في مختلف مدارسه واتجاهاته ونظرياته الحديثة عن طريق الترجمة – قد فتحت لنا آفاقاً ومديات واسعة على مجموعة من المفاهيم والمقولات التي شكلت جهازاً اصطلاحياً متشابكاً ومعقداً لمختلف العلوم والمعارف في تشكيل خطابنا النقدي العربي المعاصر . لذا نلاحظ في أحيان كثيرة إن خطابنا النقدي المعاصر ، بدا وكأن مصطلحاته معلقة في الفراغ لأننا لا ندرك مرجعياتها الفلسفية ولا حتى تطورها والظروف الفكرية التي ولدت فيها – غير إن ما يميز بين الخطاب النقدي العربي المعاصر – والخطاب الغربي الحديث – هو إن خطاب الآخر مبرمج على أسـس نظامية ومصطلحاته مرتبطة ارتباطاً مباشراً بتطور المشروع الثقافي الغربي نفســه ، بينما هو لدينا أصبح في فوضى فوضوية .
وصراحة نقول:إن من بين هذه المفاهيم التي نقلت إلى العربية مفهوم (الحداثة) و(ما بعد الحداثة ،أو الحداثة البعدية ) . لقد كانت الحداثة حدثاً حقيقياً عاشته الثقافة الغربية ، بدءاً من الحافة الأخيرة للقرون الوسطى ، إذ بدأت آنذاك عند الآخر – حداثة فعلية في مختلف شـــؤون الحياة في الفن ، في العمارة ، في الموسيقى ، في الكتابة ، في الأدب ، وحتى في التعامل الحياتي اليومي وذلك بفعل الفئات النخبوية التي أثرت في مجتمعاتها . وبهذا المعنى وكما يؤكد الناقد والمفكر العربي مطاع صـفدي – إن الحداثـة أصـبحت لديـهم حالة ( محايثة ) – والمحايثة تعني بالضبط حالة معايشة في صميم الواقع اليومي ، أي لتلك النخب والجهات الفاعلة في المجتمع .
هكذا إذن أصـبحت الحداثة واضحة جداً بالنسـبة للغربي . فالغربي يمرحـل حضارته على أسـاس إن هناك الفلسـفة القديمة ، أو العهد القديم ، أو العصـور القديمة ، تلك التي تمثل الأصول الإغريقية للفلسفة وللفكر الغربيين . فالمجتمعات التي سيطرت فيها الكنيسة كعقيدة وفكر سميت بالمجتمعات القروسطية الأوربية – وقد جاءت ثورة الحداثة على هذا النمط من المجتمعات المتشـددة . لذا فان أية محاولة فكرية تعارض هذه القوانين والسنن بمثابة خرق لسلطة الكنيسة . فجاءت الحداثة الغربية كفكر تمردي على كل هذه الأعراف . من هنا ولد مفهوم أو مصطلح آخر ، ألا وهو مفهوم (القطيعة ) مع القرون الوسطى من حيث إنها فلسفة وعقيدة وأيـديولوجية وسـلوك وقيم . وتجلى هذا التغيير في فهم العلــوم والتعــامل معها . وكانـت نتيجة هـذا التغيير أن خرج الأوربيون إلى العالم واكتشـافهم لأمريكا .
إن النقطة الجوهرية التي ينبغي تفهمها لمفهوم (القطيعة) – هو إن القطيعة هي انفصال في الوقت الذي تكون فيها على اتصال بالماضي . وهكذا بدأت القطيعة مع الميتافيزيقيا التي كانت وراءها . فبعد إن كانت الكنيسـة تؤكد  (اللامتناهي المفارق) الذي هو سلطة عليا مطلقة – أصبح يقابلها الآن لامتناه آخر هو(الإنسان) ، إذن نزلت الحداثة من مستوى (المفارقة) إلى مستوى (المحايثة) .إذ لا يجد الإنسان أمامه إلاّ الإنسان . وبهذا المعنى أصبح الإنسان هو اللامتناهي الحقيقي ، وأنه هو القادر وهو المستطيع وهو المفكر وهو المخطط وهو الصانع لتاريخه الحاضر وهو الذي يخطط لمستقبله بنزعة إرادوية .  ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه – هل شكّل الخطـاب النقدي العربي طابعه المميز ..؟ وهل تعرّف الإنسـان العربي على ذاته من خـلال وعي الآخر عبر تنظيمه لمراحل تطوره الحضـاري ..؟ هل أستوعب الخطاب العربي – درس الحداثة من خلال تعرّفه على المشروع الثقافي الغربي ..؟ والسؤال الأكثر أهمية – هل ثمة خطاب نقدي حداثوي عربي استطاع من خلاله المثقف العربي تأكيد هويته ..؟
من هنا نقول : نعم ثمة إشكالية دائمة وقائمة في تشكيل خطاب نقدي عربي . فمنذ ثمانينات القرن العشرين أخذ النقد العربي يتعرّف على مفهوم (التفكيك) ويعدُّ الناقد العربي السعودي ( عبد الله الغذامي ) مـن أوائل الذين أشاروا إلى هذا المنهج في كتابه المعروف (الخطيئة والتكفر ، من البنيوية إلى التشريحية – قراءة نقدية لنموذج إنسـاني معاصـر) الصـادر عام 1985م . وفي عام 1986م أصـدر كتابه الثاني ( تشريح النص – مقاربات تشريحية لنصوص شعرية معاصرة ) الذي كان أقرب إلى المنهج البنيوي والدراسة اللسانية في تناوله للنص الشعري المعاصر – منه إلى المقترب التفكيكي أو التشـريحي . لكن الناقد لم يقدم في هذا الكتاب منهجاً ، أو يؤسس لدراسته بل قدم رؤيته (للحداثة) بعنوان : ( بين يدي الخطاب – الحداثة وإشكالية الرؤية) . وهذا ما يؤكد إن مصـطلح (التفكيك) قـد فـهم على أنه مرادف ( للتحليل) في الدراســات النقدية .
بينما نجد الناقد الجزائري ( عبد الملك مرتاض ) هو الآخر بدا مقترباً في اشتغاله من المنهج البنيوي والتحليل اللساني للأدب . فقد أصدر عام 1986م كتابه (بنية الخطاب الشعري – دراسة تشريحية لقصيدة أشجان يمنية) ، وفي عام 1989م أصدر كتابه الثاني وهو دراسة لقصة (جمال بغدادي) وهي من قصص ألف ليلة وليلة بعنوان : (ألف ليلة وليلة ، دراسة سيميائية تفكيكية لحكاية جمال بغدادي ) .
وعليه فإذا ما تفحصنا هذا المنجز النقدي منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي تتكشف لنا حقيقة إن هذا المنهج ظل بعيداً عن التطبيق العلمي الدقيق في النقد العربي الحديث . والسبب في ذلك هو إن آليات الاشتغال في المنهج التفكيكي تتسم بالصعوبة والدقة ولا سيما في مجال التطبيق . وما ينطوي عليه من أثر أيديولوجي ، إلاّ إن هناك بعض الدراسات النقدية التي تعلن تخليها عن الهدف الأيديولوجي مستخدمة آلياته الإجرائية لا بهدف تهديم المركز بل من أجل الإمساك به وتثبيته كما فعل الناقد العراقي ( مالك المطلبي ) في دراسته الموسومة : (بنية البياض – قراءة في المملكة السوداء )، بينما نجد آخرين ممن استفادوا من الأثر الأيديولوجي في سبيل الانقضاض على المراكز المعـرفية والثقافية والاجتماعية والسياسية دونما الحاجة إلى اسـتخدام آليات المنهـج وأدواته الإجرائية . ومن هؤلاء (كمال أبو ديب) والشاعر ( أدونيس) وعلى أساس هذا فقد أشار أدونيس إلى نقد الموروث وتفكيكه وذلك بقـوله : (أعظم ما في الفكر الغربي اليوم هو تفكيك الغرب ، هيدجر هــو المفكك الأعظم ) . وبمقولته الشـهيرة : ( يبدأ الفكر العربي الإسلامي بتفكيك ذاته أولا يكون ) . وبهذا المعنى نفهم من حديثه ، إن فهمه للحداثة العربية هي : (إن الحداثة هي بالضرورة إنشقاق وهدم عن النظام المعرفي القائم بأكمله) – أي لذلـك النظام التقليـدي والـذي لا يـتم إلاّ عـبر تفكيـكه وتجاوزه ، إذ لا يمكن أن يكـون فـي المجتمع العربي حداثة ولا فكر حديث ،إلاّ بالجهر في تفكيك هذا النظام .
وإذا ما كان الخطاب النقدي يتوجه إلى النص بصفته نظاماً قائماً بذاته يحتوي على قوانينه ، وسننه وأعرافه التي تميزه عن باقي النصـوص الأخـرى ، نقول من خلال حديثنا إننا نرمي من وراء ذلك ، أن الخطاب النقدي ، هو أولاً وقبل كل شيء ، هو ممارسـة قرائية للنصـوص ،  وأهتمامنا هنا ينصب على النصوص الأدبية ، أو الفنية . ومـن هذا المنطلق ومن خلال سـياق توجهنا ، نطرح سـؤالنا الآتي ما النص ..؟ فإذا كنا نعني به ذلك الوسط الروحي ، أو منطقة التكشف ، ذلك المجال الحـيوي الذي تتفاعـل فيه كينونة المؤلف بكائناته / أشـيائه ، وبغـياب هـذا العـالم . إذا يمكن إعادة صيغة السـؤال على النحو الآتي : ما هو مجال النص الأدبي ..؟
إذا كان مجـال النـص الأدبي عبارة عن مدارات من الأنساق الإشارية اللغوية ، متراكبة و متصـلة مع بعضها ، فان هذا المجال يعدّ لنا بمثابة الفضاء الكوني للنص . و بما إن (المثيرات) تتموقع داخل هذه الأنساق فإنها تسهم و بشكل فعال في تأثيث هذا الكون ، لذا فهي المكونات أو العناصر الأساسية التي تسير بالقارئ على تشـكيل (المنطقـة المقدّسـة) لهذا النص فإن هذه المكـونات تدخل في السـيرورة التكـوينيـة لـه ، فهي الأجـزاء التي تشـكل نص العـالم أو عالم النص (1) .
وإن كان ذلك كذلك فإن هذه السلسلة اللغوية السميولوجية تسهم في صناعة (مثيرات) المنشـئ التي تكوّن خطابـه المعرفي ، من هنا نستطيع أن نقول إن الخطاب الكوني /المعرفي ـ هو المجال الحيوي على احتواء جسيمات هذه  (المثيرات) .
وبما إن الحركة الديناميكية كامنة في قلب هذا (المثير) ، فإن مجموعها يشكل لدينا حركة هذا المجال ، بعد أن يتم تمثيل هذه (المثيرات) من قبل القارئ – بما هو مباشر من استدعاء الواقع المؤرضن من جسد المكتوب ،لأن الكتابة تقوم على إحياء نشاط الذاكرة أو التذكر والتعلّم وتجدده. وإذا كان هذا (المثير) يحتوي  على البصمة الشبـحية لذك (الأثر) الغائب الذي يدل عليه ، فإن التفعيل القرائي له ما هو إلاّ تتبع لهذا الأثر في رمال الكتابة . و بالإمكان القول إن هذه (البصمات الشبحية) المتولدة من هذه (المثيرات) تعطينا آثارها المتروكة في جسد المكتوب . وعليه نقول إن هذه (المثيرات) تتنافذ فيما بينها على ترسيم خريطة كونية لـ(رؤيا)/يوتوبيا/العالم الغائب ،الذي مازالت آثارها تتجسد عبر حركة ديناميكيتها المتفاعلة مع بعضها ، خلاصة القول : ثمة(رؤيا) و ثمة (تفعيل استيهامي) على إن الأمور تجري على وفق تصورات لامنطقية ،لكنها الأرضية الواقعية لـ(لوغوس)هذا الخطاب / المقتول – الذي فقد أبوه الغائب عنه – فهو بحـاجة إلى (أب) يُنجده و يُعينه على حضوره ، و لكن كيف بنا و نحن نقرأ خطاباً مقتولاً ، لا نعـرف حتى مرجعيته ..؟
يبدو و كأننا ندخل مكاناً مملوءاً بالظلمة – فراغ / عماء / ظلام / عدم / سكون / مجهول ، و ثمة مدلول ضائع يسـكن في مـكان ما ، يبـدو إنه قد فاتنا أثناء القراءة و تركناه منذ لحظة إنتاجه معلقاً في جسد المكتوب .
إن هذا الفراغ / العماء / الظلام / يمكننا دخوله ، و سبر أغواره بالحفر في داخله ، و استخراج أسراره المطمورة و عليه فإن النـص هو ذلك المكان المجهـول / الفراغ / الجوف المظلم ، و هكذا عندما نحفر في وسطه ، بمعنى إننا نخترقه ، و الاختراق بمعنى الكشـف عن مستور أخفي في مكان ما، و ذلك بوصف الكتابة  صنعة ، عملاً سرياً يتم في الخفاء ، فإذا ما تم العثور على مستور ما – يعني إننا قد امسكنا بجسيمة (مثير) هائمة في مجال النص ، إن العثور على (مثير ) يعدّ لحظة تحقيق من جرّاء التفعيل القرائي له ، فلحظة الإمساك به تجعلنا نسحبه من مداره الكوني – أي تنحيته من سياقه الإشاري ثم نخضعه لقوانين معرفية ، كي نعطيه تحديدات تتسم بالاتساع و الشمولية ، إن هذه القوانين تجعلنا ننظر أليه كونه جزءاً مسهماً في واقع مبني – أي في حالته الأولى قبل إسقاط مرجعياتنا المعرفية عليه ، حينما كان يدور في مجال سياقه الإشاري ، و على أساس هذا الأجراء سوف نعطيه مدلولاً معيناً – لم يشترك في مضمون سياقه ، إلاّ إنه قد يحيلنا إلى إحالات مضـمونية تسـكن سياقات إشارية أخرى . و كلما كان هذا (المثير) ثقيلاً بحمولاته الإيحائية يفتح سـجله على اسـتدعاء مـواد أولية من خارج النص ، يـصبح هـذا (المثير) – جيناً معرفياً – يسـكن قلب النواة الفكرية لهذا العالم الكوني الصغير . إن القوانين المعرفية لأنشتاين في كيفية معرفة النظام الكوني للذرة ما هو إلا بمثابة تأويل تفسيري (لنص العالم) ، فإن مفهوم (المنطقة المقدّسة) – هو مفهوم إجرائي يسهم في تشكيل فضاء كوني (لعالم النص). إلا إن هذه (المنطقة المقدسة) تبدو و كأنها مركز نواة النـص ، قد تراكمت فيها كل الحمولات المعرفية العائدة لـ(مثيراتها ) و هي تدور في مداراتها بحركة ديناميكية – أي إن هذه المنطقة تحوي في داخلها على طـاقة نصية ، مكثفة و منظمة إلى درجة يمكن عندها أن تشمل العالم في لحظة من لحظات تصورنا لها . و قد تحصل الإزاحة لمثير معين نتيجة ثقله ، ليأخذ قلب هذه المنطقة ، كونه مركز تفعيل الحدث ، أو إن الحـدث الإسـتيهامي قد وقع عليه ، لذلك يعد المنبع على تخليق رؤيا ( المنطقة المقدسة ) ، لذا فان هذا ( المثير ) ذا شحنة موجبة يكون قلب الحدث على إنه المكان الافتراضي لتجسيد طيف هذه المنطقة .
ثم نطرح الســؤال الآتي : هل ينفتح (المثير) على مدلولات إيحائية أخرى ..؟ و هل هذه الإيحاءات تدلنا على الخيط السايكولوجي الذي  يربط هذا ( المثير ) بعقل المنشئ..؟
إن التكهن في ما وراء الشيء/ المثير – هو تجريده من سياقه الإشاري و جعله مستقلاً عن جوهره الكامن في داخله – أي نجعله الماثول الذي نقوم بتلبيسه دلالات إيحائية مترادفة ، مشتقة من طبيعته المباشرة ، ثم نتركه في (مخزن ) الذاكرة لاسـتدعائه في مكان آخـر ، و هكذا تسـتمر عملية التنقيب و البحث عن ( مثير ) آخر يدخل في السيرورة التكوينية لهذا النص .
و على هذا الأساس فان المثيرات ، هي أشياء / كلمات و كما أكـد السـيميائي ( أمبرتو إيكو) على إن ( كل كلمة في الأصل إيحاء أو مجاز ، إنها تقول شيئاً آخر غير ما يبدو في الظاهر . إن كل كلمة تشـتمل على إرسالية .. و لكي نستطيع فهم هذه الإرسالية التي تشتمل عليها الكتب ، وجب البحث عن تجليات ذلك في ما هو أبعد من الكلام الإنساني )(2) . و بما إن المعرفة هي دوماً سرية  و عميقة في الآن نفسه لذلك نجد إن الأشياء التي تختفي تحت السطح تظل مجهولة لمدة طويلة . و هكذا فان الحقيقة هي في اللامقول – الكلام الذي قيل بطريقة غامضة لذلك علينا أن نجعل فهمنا يمتد بعيداً عن ظاهر النص . فان الألغاز التي تمظهرت أمامنا على شكل رموز غرائبية هي ذاتها تعطينا الهالة القدسية التي تحيط بالنص كما نلاحظ مثلاً هذه الرموز الغريبة في كتاب (جوائز السنة الكبيسة ) للشاعر رعد عبد القادر (3) .
نلحـظ رســم رمز ( الطغـراء ) التي اعتمدها المنـشئ ضمن نص ( سيمياء عين البومة ) قد حسبناها هنا مثيراً معرفياً يحوي حمولات إيحائية تجعل من هذه الطغراء المكان الوهمي / الافتراضي المخلّق – على أن هذه الطغراء شبيهة بعين البومة ، و بما إن الأشـياء هي عبارة عن أسـرار فان كل سر يحيلنا إلى سر آخر ، و عليه فان السـر النهـائي – هـو النقطة التي يتوقف عندها تأويل المثيرات ، ليصـبح رمز ( الطغراء ) هنا عبارة عن لغة سيميائية ، مرمزاً مكانياً يدخل ضمن السجل المعرفي للمثير . و بما إن هذه (الطغراء) أصبحت المكان المخلّق فهي البؤرة المركزية التي تطلّ على (رؤيا) العالم أو عالم (الرؤيا) . و بهذا المنطق الجدلي / المعرفي نطرح سـؤالنا : هل إن تأويل المثيرات المكتشـفة من داخل النص ، يقف عند حد معين ..؟ و هـل ثمة دلالة نهائية تسد فوهة المتاهة داخل النص ..؟
نقول : فما دام صراع ( المثيرات ) يرتبط بغاية ، إذن لابد لأحد المثيرات الذي ينتج إنزلاقات دلالية ذات طاقة إيحائية عالية و قدرة على الصـمود – هو الذي سـينتصر في نهاية المطاف – فهو وحده غاية يتوجه أليها النص ، إذن لابد من نقطة – مكان وهمي / افتراضي / مخلّق بشـتى التصورات الذهنية – نعده الشـاخص المعـلّم على إنهاء الاحتمالات – فهو الغاية و المنبع الذي يشـكل لدينا ( الجذر المكاني ) – ذلك الشيء / المثير الذي نعطيه تحديدات تتسم بالأتساع و الشمولية ليأخذ قلب العالم / قلب (المنطقة المقدّسة) .
والآن كيف يمكن للقارئ الحاذق أن يكتشف في نص ما ثمة نزعة إنسانية / ذاتية / فردانية ..؟ و هل هذه النزعة تمثل – أو لنقل تهيئ لنا الجهاز المعرفي لهذه الذات – الفـاعلة / أنا – المؤلف الغائبة التي تتموقع داخل نسيج النص المضفور بفعل الكتابة ..؟
وكيف يمكننا الكشف عن هذا الكائن / الإنسان / الجسد الغائب / الشبح / المعنى المغيّب ..؟ نقول إن القراءة المطلوبة لهذا النص – هي قراءة بحث و تنقيب عن تلك (المثيرات) التي قام الكاتب بتصنيعها و تخليقها و ذلك لأن الكتابة – هي ظاهرة معرفية ، تُقدم على إنها صنعة / سـر مخفي يحتوي على الجهاز المعرفي للأنا – المؤلف / الكائن / الشـبح الذي ترك آثاره في رمال النـص . و عليـه فـان هـذه ( المثيرات ) تتموقع داخل الأنساق الإشارية للنص و القارئ الذي يقوم بعملية التفعيل القرائي لها – يُعدّ محفلاً نصياً قائماً بذاته- مُجسداً من لحم و دم ، بصفته الطرف الثاني في إنتاج معنى النص الأدبي .
إذاً كيف يمكن لهذا القارئ / المتلقي من استحضار هذا الشبح و أرضنته على أرض الواقع إذا ما استطاع الكشف عن ( المثيرات المعرفية) ..؟ نقول : إذا كانت الإشارة أو العلامة التداولية السوسورية تحتوي على الدال و المدلول أو الصورة الصوتية في حالة المنطوق اللفظي و المفهوم ، اللذين يرتبطان مع بعضهما بصلة ترابطية نفسية – نجد إن هذه الرابطة جاءت نتيجة العرف الاجتماعي في اللاشعور الجمعي للمجتمعات- و عليه فان هذه الرابطة بين الذات و أشياء الواقع المؤرضنة – لا تمثل العلاقة الداخلية أو الصميمية بين الاسم و المسمى – أي بمعنى آخر إن الإشارة أو العلامة التي أكد عليها العالم اللغـوي (فردينان دي سوسور) تتسم بصفتين جوهريتين هما الاعتباطية والخطية . و هذا يدلّ على إن اللغة هي ملك مشاع لكل الناس فهي أصبحت جزءاً من العرف الاجتماعي المتداول بين الجميع حتى تلك الإشارات المتمثلة بالإيماءات الحركية كرفع اليد أثناء السلام بين الأفراد ، أو ظهور اللون الأحمر في سيارة الإسعاف .
ولكن ثمة مفهوماً إجرائياً يتعلق بالدال و المدلول – و هو مفهـوم الإنزياح الدلالي ، الذي يعتقد بعضهم إنه تشويش لنظام اللغة يبدأ بالفصل بين الدال و المدلول وذلك بإبقاء الأول ثابتاً بينما يكون الثاني في حالة عائمة و لكنه يتحرك بحركة انسيابية لما يستقبله من مدلولات إيحائية . و هذا ما يؤكد لنا إن الإشارة اللغوية قد ترتبط مع إشارات أخرى تقع خارج الكلام بعلاقات غيابية / إيحائية . و إن العلاقات التي تقع خارج الكلام يكون مكانها الدماغ – خزين اللغة المكتسبة عن طريق المحيط الخارجي في المجتـمع – و مـثل هذا الأنزياح الدلالي موجود على شـكل صـياغات لفظيـة متداولة مثل جملة (اغلق الباب رجاءً) قد قيلت لأحدهم و هو في مكان عام مثلاً ، فأي باب يقصد بذلك ، أو جملة (أقلب صفحة) بينما أنت لا تحمل في يديك أي كتاب . فان مثل هذه القوالب اللفظية تحيل السامع إلى موضوع ما لا نعرف ما هو و لكنه يربط بين المرسل و المرسل أليه .. و معناه ترك الموضوع الذي اتفقا عليه .
أما الأنزياح الدلالي (للمثير) – فهو إنزياح معرفي يشير إلى نوع من البُنى الذهنية التي تدخل في سـيرورة أو تخـليق هذا ( المثير ) . و إن ثمـة ذاتاً – فاعلة تقف خلف هذا الأنزياح و لكــن كيف ..؟
لقد سبق و إن قلنا في كتابنا السابق : طيف ( المنطقة المقدّسة ) ، إن (المثير) يتميز عن الإشــارة باحتوائه على الكيان الشبحي أو ( الوحدة الطيفية ) – التي تمثـل الجوهر / الكمون الســاكن فـي الوجه الآخر من عملة ( المثير ) – و عليه فان هذه الوحدة الطيفية هي التي تدلنا على الخيط السايكولوجي الذي يربط المتلقي بعقل المنشئ – لأن المنشئ أو الكاتب هو مَنْ قام هنا بصناعة أو تخليق هذا المثير خصيصاً في داخل النص ، و لم يجئ به اعتباطاً كما كان سابقاً ضمن المنظومة اللغوية العامة .
وعلى هذا الأساس يعدّ (المثير) – البنية الافتراضية / التأسيسية / المخلّقة  داخل النظام النصي – وذلك لأن النص جهد فردي ينتمي إلى (الأنا – الفاعلة) / الذات – المؤلف لهذا الخطاب المدوّن .. فكيف إذن يتم استحضار هذا الغائب / الكائن / الذات التي تموقعت داخل نسيج هذا الخطاب المدوّن..؟ نقول إن استحضاره يتم عن طريق الكشف عن تلك ( المثيرات ) المصنّعة التي أخذت مواقعها في مدارات أنساق هذا الخطاب بوساطة التفعيل القرائي للنص . و ذلك لأن هذه ( المثيرات ) – تعدّ هنا بصمات شبحية تركت آثارها في رمال النص . فان تتبع هذه البصمات / الآثار – هي طريقة من طـرق اســتحضار هذا الكائن / الذات الفاعلة / المعنى المغيّب من خلال أرضـنة هذه ( المثيرات ) .
وبهذا المعنى فان عملية التكهن بتلك الكيانات أو (الوحدات الطيفية) التي دخلت في صناعة هذا ( المثير ) – هي تجربة واعية تدخل ضمن التفاعلات العقلية للأحداث – تمثل لدى المتلقي / أو القارئ الحاذق – إنزياحاً معرفياً نحو البُنى الذهنية التكوينية للمنشئ أو الكاتب .
وهكذا كلما يتم الكشف عن ( مثير ) معين عن طريق التكهن بوحدته الطيفية يقربنا أكثر من التعرف على الجهاز المعرفي أو المفاهيمي للمنشئ و بهذا نكون قد كشفنا عـن تلك النزعة الإنسـانية / الذاتية / الفردانية / السراديبية / الفيزيقيـة – لأن كل ( مثير) تمت صـناعته يحمل في داخله الشـحنة الإنسانية / الذاتية لـذاك الأب الغائب . ونستطيع القول : إن الكشـف عن ( المثيرات المعرفية ) هي عملية تشـريحية تكهنيـة تُقـرب القـارئ شـيئاً فشـيئاً مـن تحقيق المعـنى المغيّب للنص .إن هـذا المعـنى المغيب ، يُعدّ ( أصـلاً ) لتلك الحقيقة الغائبة  ، التي هي حقيقة (المنطقة المقدّسة) . ولكن هل يمكن أن نعدّ هذه المنطقة نوعاً من الخطاب المدون يُقدم نفسه إلى الآخر ، بكونه ممارسة قرائية لتك الحقيقة التي كانت تمثل لنا سـابقاً ( أصلاً ) غائباً ..؟

وبعد هذه المقدمة التمهيدية نريد هنا أن نبين ، أن كتابنا هذا ما هو إلاّ عبارة عن (مقدمة) لكتابنا السابق : طيف (المنطقة المقدّسة)/حفريات نقد ما بعد الجداثة )) ، أعتقد إن في هذا الكتاب يقوم محمد علي النصـراوي بقراءة نفسـه من جديـد ، بقراءة ( منطقته المقدّسة ) ، بهذه الصفة فإن النصراوي يعدّ كتابه هذا ملحقاً لكتابه السابق ، فهو إذن نوعاً من الإضافة ، بكونه فائضاً يضاف إلى المضاف إليه ، ولماّ كان هذا هكذا بالنسـبة لنا ، فهو قد يسـد نقصـاً فيه ، أو يحل محله . إذن وعلى الأساس هذا يُعـدّ كتـاب : ( توقيع الأثر ) هامشـاً للكتاب الأول ، وإذا كـان هـذا هامشـاً ، فـهل يحـقق حضــوره ككتـاب منفصـل ..؟ أو هـل يحـقق منطـقـة اختلافه مـع النص الأصل / الأب ، طيف ( المنطقة المقدّسة) ..؟ إذاً أنا أقرأ نفسي من خلال خط الاختلاف القائم  بين أن أكون ( منطقة مقدّسـة ) ، وبين أن لا أكون . هل هذا يعني إنها تمثل كينونتي التي أرى فيـها نفسـي ..؟ إذن بهـذه الصـفة تُعـدّ هذه المنطقة ( الدزاين deSein ) الخاص بي ، الكائن كما هو معطى بشكله الأونطولوجي . فإن كان هذا هكذا فهي تعطي قالب (الدمغة ) ، الذي يوسمه فضاء الاختلاف القائم بين الداخل والخارج ، بين أن أكـون أو لا أكون ، بين الحقيقـة واللاحقيقة ، بين الشيء / الأصل واللاشيء ، فهي إذن فضاء لا يمكن حسمه ، إنها منطقة التكشف ، مكان المابين ،  مكان المايحدث ، مكان الاختلاف ،  التي ترفع من خلاله الحجب وتظهر المسـتور من تحت الردم ، إنها إذن الحقيقة الغائبة ، حقيقة منطبعة في نفوسنا ، كنقش الأثر الذي لا يمكن حسمه .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.