الشاعر و القاص حسن البصام: الشعر هو الثوب الجميل الذي ترتديه القصة

hasan albassam 4* حاورته : سناء الحافي

بخيط مشدود الى عالمين مختلفين… أحدهما قديم يكاد يندثر، والآخر ينهض من تحت ركامه، مثقلا بأحلام الطين و انكسار الصبر…كتب القصّة و غاص في بحور الشعر هروبا من سطوة الحب و الحرب…

ضيفنا في عدد اليوم بصحيفة الحقيقة…القاص و الشاعر حسن البصام ،ولد عام 1960 بالناصرية حيث هموم الثقافة تنتفض خوفاً و قلقاً في مراء الحياة …هو عضو اتحاد الادباء و الكتاب العراقيين و عضو اتحاد الادباء و الكتاب العرب… صدرت له مجموعة شعرية بعنوان أساور الذهب الاسود عن دار الينابيع – دمشق – 2010 ، و مؤخرا احتفى بإصدار مجموعته الشعرية الثانية ( وشم على جبين نخلة ) عن تموز/ دمشق.. و له تحت الطبع مجموعة قصصية بعنوان ( البحث عن اللون ) … ومجموعة شعرية بعنوان ( الختم بالثلج الاحمر ).. ضيفنا الاديب حسن البصام …استطاع أن يضع له بصمة خاصة من خلال نتاجه القصصي لخصوصية ما تتسم به أعماله الابداعية …و حتى تكتمل الصورة و ينبض الألق في الحضور كان لنا معه هذ
القاص و الشاعر حسن البصام …نرحب بك بين أروقة جريدة الحقيقة، و نبدأ حوارنا معك من عمق الناصرية وصولاً بك الى أساور الذهب الأسود في رحلة من وحي الألم و الأمل ….حدثنا عن أول ميلاد للحرف على أرضك في خضم تراكمات الحياة و قساوتها ؟ و ما هي المشارب الأدبية التي ساهمت في بلورة خطابك الأدبي ؟

sanaa alhafi– الحرف يولد من رحم الدهشة .. من وهج النور .. عندما تشعر ان رأسك ضاج بحركة ودوي اعلم انك في مخاض . هنا يتميز الايجابي من السلبي .. المبدع منتج لايبدد طاقته في السراب .. يدون حركة العالم في راسه ويرسمها بكلمات او بخطوط او حركة .. ولد اول حرف من بين دهشتي وانا منذهل من غرائبية قص جدتي.. كل ليلة شتائية .. لاننام الا وترحل أحلامنا وخيالاتنا الصغيرة مع حكاياتها.. يمتد جذورها الى حكايات الف ليلة وليلة .. ونضجت مخيلتي واتسعت بقراءة روايات جرجي زيدان التي تحلق بك في سماوات لاتصل لها الا بين اجنحة براعته غير المكررة ..ورقت كلماتي حين تلونت باشراقات الشمس المبكرة وانا استقبلها صباح كل يوم ..أخرج للنزهة فجرا … قبيل استيقاظ الناس .. اجلس هناك على حافة نهر الفرات القريب من البيت .. مستمتعا بهدوئه وصفائه ..مأخوذا بالوان الشفق..

انهمكت بقراءة الروايات والقصص القصيرة .. كنت انشغل طيلة اليوم بقراءة الروايات .. حتى في ايام الدراسة الابتدائية والمتوسطة .بل ان وجودي في الجيش واثناء الحرب لم يمنعني من مواصلة القراءة .. كنت اقرا قصة من الف ليلة وليلة خلال النهار وأقصها على اصدقائي في جلسة مشوقة ينتظرونها بشغف ليلا بعد العشاء ..غير ابهين بمصيرنا ..

وكانت للقصائد والدواوين المترجمة الاثر الكبير في تحليق مخيالي الشعري.. قرات الشعر العمودي لكني لم استسغه.. كنت اشعر اني مطالب بحفظه وكاني طالب مدرسة ..

قصائد بابلو نيرودا وبول ايلوار ورامبو وناظم حكمت وغيرهم كانت الشرارات الاولى في الشعر ليحتل الادب العراقي والعربي مساحات اهتمامي على اوسعها .. اغرمت بقراءة عبد الرحمن منيف وجبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن الربيعي وفهد اسماعيل فهد وغائب طعمة وحنا مينا وزكريا ثامر … الخ .. وقد ابتدأ بقراءة روايات احسان عبد القدوس ولم احب قراءة المنفلوطي وجبران خليل جبران .. اكره النواح والاحزان الخيالية لان دمعتي رقيقة تسيل لموقف مؤثر عابر فرحا او حزنا ومازلت تبكيني الافلام والقصص والشوق ..الا ان الروايات العالمية اخذت في نهاية المرحلة المتوسطة الحيز الاكبر وكانت روايات همنغواي ودوستيوفسكي وغوركي وتولستوي.. قد شغلتني لفترة طويلة جدا

لم تمنعني الحرب كذلك من الكتابة وان اجمل سبع قصائد كتبتها اثناء الواجب العسكري في الجبهة على ضوء القمر.. لعدم امكانية وجود بصيص نور مهما كان سببه .. سيجارة او مصباحا ..هذا يعني الموت بالقناص .. ونشرتها في مجلة الطليعة الادبية .

أنت عضو في اتحاد الأدباء العراقيين و العرب ، برأيك ماذا أضافت لك هذه العضوية و ماذا أضفت اليها على وقع التحولات و ضوء الانتقادات ؟

الانتماء الى اتحاد الادباء العرب .. كانت مجرد ورقة .. لا وجود للتنسيق بيننا وبينهم خاصة وان الكثير من العقبات ساهمت في وجود فجوة بين اتحاد الادباء العراقيين والعرب .. واستمرت فترة طويلة .. لا دور فاعل له اطلاقا بل لا وجود له في مسيرتي الادبية المتواضعة

وكذلك اتحاد الادباء العراقيين .. انها صراعات على المسؤولية وليس على الخدمة .. بل ان اسهاماتهم في طباعة الكتب للادباء والكتاب لدينا الكثير من الملاحظات غير المسرة عليها..

الاديب لا تصنعه المؤسسات او الاتحادات ..بل ان تسليط الاضواء عليه قد تربكه .. الحرية هي المساحات الخصبة التي يعدو فيها الابداع ..لذلك فان المبدع بطبيعته ميالا للتحرر من كل شئ.. الاديب قد يحتاج الى دعم مادي او تسهيل مهمة طبع كتبه .. وان كثير من المبدعين اهمل نشركتاباتهم .. لكنهم اعلام ثقافية خفاقة .. وهو بحاجة الى مقرات دائمة يعتاد عليها .. اين مقرات الاتحادات الان ؟؟ انها المقاهي يلوذ الذباب بافواه الادباء ويستنشقون أتربة الارصفة والسيارات المارة في الشارع .. ونظرات المارة المستخفة بتجمعاتهم على الارصفة .

الاتحادات لم تصنع للاديب رقيا و يضف الاديب لها اشياء بنشاطاته وتطلعاته الابداعية بجهوده المخلصة .. الاديب ينجح نشاط الاتحاد بشكل مباشر .. لكن لاتوجد امكانية العمل الحر والدعم الشريف .. النشاطات الاخيرة اغلبها في بيوت الميسورين من محبي الادب والثقافة .. وبعضها في المقرات الحزبية الممولة من جهات لانعرف المصدر والدافع ..

كيف ترى العلاقة الجدلية بين مجال دراستك للقانون و أعمالك الأدبية ؟ برأيك هل لذلك انعاكس على كتاباتك أو تأثير عليها ؟

ينبوع الادب لا يتدفق الا من صخور مساماتها ونفاذيتها محسوبة بدقة متناهية .. لا يتخللها علم اخر او ابداع اخر .. والاديب لا يصنعه علم ولا توجده صنعة ..ولا يعيقه امر مهما كان .. بل هو اشبه بلاعب الكرة الذي يترك ماتم يخصه للمشاركة بلعبة مهمة .. فان الابداع يسكنه في احزانه ومسراته .. قلبه وفكره يشتغلان دائما .. ليس ثمة اعاقة لهما .. حتى اشد حلاته الشخصية تاثيرا .. يشعر بصدق الانتماء ولا يتخلى عن تدوين فيوضاته في اشد الحالات قسوة او مسرة .. الابداع يتدفق لانه يمتلك قوة كامنة ذاتية يشق الظرف الخارجي ويندفع مثل نافورة متدفق ماؤها بغزارة ..

لذلك لم اجد ترابطا بين الادب ودراستي في القانون بما يخدم الابداع عينه .. ولكن بينهما مشتركات كبيرة .. المحامي يحتاج الى الخطابة واللغة العربية السليمة .. والخيال .. وروح القانون موجود في روح الادب والابداع بشكل عام .. السؤال ذكي .. وهو يكشف ان كثير من العلوم والانسانيات لها علاقة من وجه اخر ان لم يكن عن قرب ..يوجد ترابط بينهما في مساحات الانسانية والعدالة والمساوات والمبادئ التي تحقق العدالة والسعادة .. روح القانون هي روح الابداع .

صدر لكَ عن دار رند للطباعة والنشر- توزيع دار الينابيع ( دمشق ) مجموعتك الشعرية : أساور الذهب الأسود … حدثنا عن تجلياتها و كيف اسهمت في اختزال تجربتك الذاتية بين وقع الحب و الحرب ؟

ثنائية مربكة تفصل بينهما الراء وهذا الراء يقرر مصير الناس والاشياء .. الحب والحرب ..لملمت اوراقي المبعثرة التي اخبئها من سلطة تجئ صدفة او عن قصد للبحث عن وثائق او كتب ممنوعة وطبعتها عام2010 حيث لم يكن لدي المقدرة المادية لطباعتها قبل هذا التاريخ ولا يمكن طباعته في زمن الطاغية لان اغلب القصائد ان لم تكن كلها.. هي رسائل ادانة للنظام البائد .. واضفت لها قصائد حب كتبتها فيما بعد .. وهي عبرت عن تجربة واقع مرير رازخ تحت سطوة الظلم لذلك تسمع انين الكلمات حين تفتح الكتاب

من خلال وقفة طويلة على اعتاب قصائدك التمست جدلية الذاتي والموضوعي فيها، هل باعتقادك حققت لك انطلاقة للخروج من طوق المتن الشعري إلى نص إنساني يمتلك العمق الرمزي الذي يجسد التجربة الانسانية المجردة؟

انا انسان حيثما كنت .. وكذلك انت وكذلك هو .. عندما تغوص الى اعماقك وتستخرج مكنوناتك سنجد شبها وان اختلف اللون او الشكل .. الابتسامة ذاتها وكذلك الانين .. واو ان اذكر ان اغلب قصائدي وقصصي القصيرة التي تميزت لدي تلك التي كتبتها لاشخاص او امكنة معلومة .. واحب قراءتها في أي محفل لاني متماهي فيها .. فقد كتبت عن احمد الباقري ومحسن الخفاجي .. وذكرت العديد من اسماء الادباء الصريح .. وجدت نفسي فيهم وانسرح خيالي الى افاق امتزج فيها الذاتي بالموضوعي .. وكثير من القصائد كتبتها لموقف ذاتي .. وجدت صداها لدى البعض كاد يصرخ من خلال التعليقات على المواقع الالكترونية او الفيس بك انها حالتهم ولكني احسنت التعبير عنها اكثر منهم .. ان الميول التي تدفع بالانسان للتطوع دفاعا عن امكنة لم يعرفها وشعوب لم يعيش معهم .. هو ذات الدافع الذي يجعل المبدع يكتب ويثبت موقفا انسانيا لا صلة ذاتية به

برأيك هل القاص قد يكون شاعرا من خلال تأثير المفردة الشعرية على نصوصه لكن سرديات النص وثيمته والابطال تحد من ذلك؟

ان توظيف الاجناس الادبية ترتقي بالنص الى ذروة الابداع .. ولكن لكل جنس هويته .. وانا لست مع طغيان الخطاب الشعري على السرد .. سيكون تجنيا لان للسرد جمالياته وعالمه الذي يميزه .. وكذلك استخدام السرد وطغيانه على الصورة الشعرية في القصيدة .. كل شئ بمقدار ويوظف للارتقاء بالعمل وليس لاسره في غلبة جنس على اخر .. وان الافراط في الشعرية قد يسبب الابهام والتعتيم وتشويش الصورة السردية ..

القصة القصيرة جدا الان تنحو نحو التكثيف الشعري .. فالقارئ لا يكاد يميز بين الومضة الشعرية والقصة القصيرة جدا وقد برز ذلك لدى القصيين المغاربة ..وان استخدام الشعرية في الوصف والتشبيه واختزال السرد, يعطي القا وجمالا ورقيا للسرد حيث يساهم في الصياغة اللغوية الانيقة المكثفة المؤثرة .. فالشعر هو الثوب الجميل الذي ترتديه القصة ..

ولا يمكن للقاص ان يشتغل دون ادواته الشعرية .. ستتحول الى حكاية قد تبهرك احداثها ولكن لاتشدك لغتها وحبكتها ولا تحلق في ارجائها لان الشعر يمنحك جناحين لتنطلق بهما حسب مهارتك وقوتك .

كيف تجد النقد العراقي في تناوله لتجربتك ؟ و ماذا عن الاعلام العراقي أيضا هل أنصفك أم ما زال مقصرا في حق نتاجاتك ؟

لقد تناول تجربتي عدد من النقاد العراقيين .. وكانت كتاباتهم افاقا مشرقة اخذت بتجربتي الى دائرة الضوء وان كانت بحدود ضيقة .. وهذا حال النقد في العراق .. متراخي امام الكم الهائل من الكتب المطبوعة والنصوص المنشورة ..كما ان المؤسسات الثقافية غير جادة بتحريك الواقع النقدي من خلال اقامة مهرجانات ولقاءات متعددة يتناول النقد النصوص المشاركة فيها .. النقد عاجز عن متابعة التصاعد الواضح في المستويات الابداعية المختلفة

وان الصحف الورقية التي انشر فيها نصوصي الشعرية والقصصية والنقدية .. هي اسهامة اعلامية في انتشار النص بالاضافة الى المواقع الالكترونية الرصينة

– الآن…في زخم الأسئلة كيف تنظر لما تجلّى في رصيدك من مُنجز، وبأيّ عينٍ تنظر إلى القادم؟

ارى ان الكتابة اشبه بالحرفة .. بالزمن تزداد اتقانا وجمالا ودقة .. وهذا لا يمنع من ان يكون نصا كتبه اديب قبل عشرات السنين ,هوالاروع في كل ما كتب لاحقا .. ولكن هنالك سر في الصنعة الادبية .. تتبلور في المران وتجديد الفكر ونشاط المخيلة والمواقف..وان القادم هو افق ولود لأقمار ونجوم اراها تتصاعد لتنير مساحات واسعة في سماء الابداع .. لقد ساهمت المواقع الالكترونية المتخصصة في تنشيط الحراك الثقافي .. وتنامي المبدعين .

الشاعر و القاص حسن البصام … هل من مشاريع أدبية جديدة أو اصدارات سترى النور قريبا على أرض القصة و الشعر ؟

نعم صدرت قبل أيام مجموعتي الشعرية الثانية ( وشم على جبين نخلة ) عن تموز/ دمشق.. وتحت الطبع الان مجموعة قصصية بعنوان ( البحث عن اللون ) … ومجموعة شعرية بعنوان ( الختم بالثلج الاحمر )..

كلمة أخيرة لقراء جريدة الحقيقة … تختتم بها حوارنا معك

انتم سبقتموني بكلمتكم الكريمة لاجراء هذا الحوار .. ممتن لكم تخصيص مساحة من قلوبكم لكلماتي .. القانون يبحث ويسعى لثبوت الحقيقة وكذلك الادب على اختلاف اجناسه والابداع على شموليته والاعلام كذلك .. ادعو الله ان يوفقكم في مسيرتكم الابداعية الاعلامية وان ترتقي الجريدة الى رضا القارئ الحاذق معبرة عن الحقيقة التي نسعى اليها

لكل القراء دعواتي الطيبة وتحياتي.. واقول ان الكاتب والقارئ هما كفتا الميزان لا تتحقق الموازنة بدون وجود الطرفين معا .. اطمح واتمنى ان تكون كتاباتي بمستوى رضا القارئ المتخصص والمتذوق والمثقف .

ا الحوار الذي تميّز بالعفوية الراقية و الوعي الانساني ..فأهلا و سهلاً به بيننا

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هايل علي المذابي : حوار مع الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف .

“أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل” الفنان والناقد المسرحي العراقي …

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.