بلقيس ملحم : الباقي من النور (الحلقة الأخيرة)

balkis melhemكيف لفتاة في عمر ضفاف أن تغني بمثل هذه الأغاني الشجية؟!! تحبس نبرة صوتها الجميل ثم تطلقه بطعم الكاهي, لصوتها وقع فأس هوى على رأسين عاشقين ففرق بينهما قبل أن ينصهرا في قبلة ما كان من ضرر لو تذوقاها قُبيل الرحيل!!
داخل غرفتها توصد الباب على نفسها.. وأنا من خلف الباب أرمي برأسي على الجدار الذي لطالما بكيته وبكاني:
الهجر مو عادة غريبة
لا ولا منكم عجيبة
عرفت من هذا طبعكم
كلمن يرد لحليبه
كلمن يجيبه حليبه
كذب كلمن يظن بيه
أكدر أسلاكم واملّكم
أنا مو بيدي ولكن
كَلبي ما يهوى بدلكم
غير هذا شرد أكلكم
كلمن يرد لحليبه
اتجرعت لوعات منكم
وانهدم ثلثين حالي
انا جنت ابتعد عنكم

العراق كما أحرقه الأمريكان الخنازير الغزاة
العراق كما أحرقه الأمريكان الخنازير الغزاة

لو يطاوعني دليلي
غير هذا شرد أكلكم
كلمن يرد لحليبه!
الهجر مو عادة غريبة
لا ولا منكم عجيبة!!
كل ما في ضفاف كان مُبتلا وكأنها تصطاد في شارع ضيق..  وحيدة تسبح, مندفعة بمرديتها بعيدا وهي تبحث عن مكان تبكي فيه, تشبه في ذلك جلجامش العظيم, الملك الذي هام على وجهه بعد موت صديقه ونده انكيدو!! كأني أستمع إلى أسفاره وهي تحدق في وجهها المنعكس على ماء بلون الوحل:
همت على وجهي كصياد في أعماق الفلاة
يثقل علي خطب أخي
فما لي من راحة وما لي من سكون
صديقي الذي أحببت صار إلى التراب
وأنا أفلا أرقد مثله ولا أفيق أبداً
فيا صاحبة الحانة وأنا أنظر إلى وجهك
ألا يكون بوسعي ألا أرى الموت الذي أخاف وأرهب..
كيف لي أن أعلمها الجواب؟! هل أطلب منها أن تررد معي ما قالته صاحبــة الحانة؟ مضطرة يا إنكيدو أن أفعل ذلك:
لا تدع قلبك يحزن من أجل ذلك يا جلجامش
دعك من الغم والكآبة
لقد أعطيت سلطاناً لتحل وتربط
لأن تكون النور للبشر أو تكون الظلام..
ولكن أي سلطان تملكه ضفاف وهي تبحث عن مكان تبكي فيه وحسب!! من يعلمنا كيف نمحو الذاكرة؟ نمحوا أسرارنا الصغيرة, رائحة المكان وقبضـة الزمان القاسي, الدموع البيضاء, طعم التفاحة وعتمة الشمس, غبار الحروب وهي تلبس أكماما طويلة وجوانح من جفون رقيقة؟! أية أرواح تحتمل كـل هذا سوانا؟!! الكل يحمل همومه على ذات الجناح.. الجناح الذي خرج من حروبنا مقصوصا فراح يتعفر ويحبو مثل نجار قطع أصابعه في منجرته بعد أن استشهد أخوه في القادسية فاستخف عقله وصار الناس الطيبون من أهل منطقته يشترون له الدواء, يغطونه ببطانية ويسقونه صلواتهم..
لم يكن لضفاف سلطان سوى عليَّ أنا!! لقد جعلتني أهبط من السلم كدودة تسرع خوفا من خراطيم الماء, أتكوم على نفسي وأتكور ثم أدفع بقوتي نحو الأسفل.. داخل حفرة صغيرة أجد عينيَّ قد انفتحتا ورجلي بدأت تتفكك ووجهي الصغير بدأ ينفش, أتنفس رائحة لوز يشوى بالقرب مني, هل أدركت ضفاف ضيق الوقت فقامت بغسل وجهها الباكي قبل عودتي؟ أكانت هي من أمسكت بخرطوم الماء لتغسل السلم؟ ثم تشوي اللوز لأبيها الذي كان يحب أن يلتهمه مع شاي العصر؟ ازحف بسرعة, أصل للمطبخ في لحظات: الشواء.. الشواء.. دعينا منه الآن إنه يذكرني برائحة الورق المحترق في شارع المتنبي وقد رسم الدم اللزج بقع الأصابع التي كانت تتصفح أوراقه الصفراء.. توقفي يا ضفاف عن الشواء….. أرجوك, لقد صار صمجا بلا طعم, أن تتذوق الشواء بعد ذلك, أن تمضغ كبة السَّراي, أن تمشي على رصيف خال كان يضج بالمشاة فهذه مغامرة جريئــة بالتشظي والانشطار, بالصفير الغائب الذي ما كان ليصم أذنيك لو لم تكن تمشي في سوق الصفافير.. هيا اتركي ما بيدك الآن وسيري معي إلى نصب شهريار وشهرزاد فهناك ما هو أجمل من الشواء, تسلقيه كما كان يفعل الأطفال, سألتقط لك صورة هناك.. هيا قبل أن يتوقف الكلام المباح إلى الأبد, أخشى أن تصدقي ذلك! فحين نصل إلى هناك فلن يكون لدينا وقت كي نستريح في ساحة الخلاني, البغداديون جميعهم بدؤوا يعودون بسرعة قبل أن يحل الظلام, علينا أن نعبـر شارع الجمهورية أولا لأنهم سيغلقونه قبل غروب الشمس, وإذا ما أغلقوه فإننا سنطير ربما فوق جسر السنك الذي لا يبرح مغلقا هو الآخر, لن نعبر من الجسر ذي الطابقين-القائد- فعاقبتنا لن تحمد حين نصل إلى منطقة الدُّورة المشتعلة, كما أننا لن نستطيع أن نعبر جسر الطلائع في باب المعظم فهناك شارع حيفا, علينا أن نزدحم أكثر, أن نعبر جسر الحديد؟! ولكنه الآخر غرق ومات كرماد الجمر الذي تشوين عليه لوزاتك, غرق وغرقت معه أمسيات البشر العاشقين واللذين كانوا يعبرونه في مساءات الصيف, غرق وغرق معه طلاب أكاديمية الفنون العاطفيون بطبعهم, والذين كانوا غالبا ما يلتقطون الصور التذكاريــــة مع أصدقائهم أومحبوباتهم فوق الجسر أو تحته في حدائق الأعظمية..
تستمر ضفاف في الشواء دون أن تُصيخ لي سمعا, تقلبه وهي مستمرة في الغناء ثم تضعه على خوان خفيض جانب المطبخ  متبعة إياه بقوري الشاي المخدر. بينما أحاول نفض أفكار الشواء هذه, فلم أعد أفكر حتى بالذهاب بها إلى ساحة كهرمانه ولا حتى بقص حكاية الأربعين جرة والتي لم تصب آنيتـه الماء ولا حتى الزيت في الجرار المتكلسة منذ زمن, بعد أن سرق اللصوص كل شيء وهربوا.. لم تعد فائدة من الإبلاغ عنهم, الدوريات المشتركة نفسها التي كانت تجوب وتمشط الساحة بالقرب من النصب: ابتاعت الأخضر باليابس ثم هربت تحت مرأى الجميع!! لنهرب نحن أيضا يا ضفاف.
ألا لعنة على زمن صار فيه أجر حفاري القبور أعلى من حرية الإنسان وعلى عتمة تنسل من بين أسلاك الأضرحة المسروقة, تمشي ولا ضوء يخرج منها, ترى رقاب المشنوقين أعلاه ولا ترفع رأس أحد منهم, اللعنة على ليل يلـطم الأبواب بأخبار الأحبة وهو يحمل نواقيس ترتعش في ممرات يائسة..ألف شمس خرجت علينا ولم يستنشق عباد الشمس نور, كأن عاهة أصابت شموسنا, كأن الخفافيش لا تهاب الشمس التي ستشويها, كأن زبد خرج من حنجرة لزجـة بالآثام فلم يرفع إلى مقام عليَّا! دمنا جائع جدا والتأبين صارعلينـا, ثم نغسل أيدينا في أكياس السماد, على من تكذبين يا بغداد؟ على نفسك؟ وهم نادمـوك لابسين ثوب النميمة فيما بينهم, خارجة من قفصك, عرجاء تمشين وتمشين.. دون بصيص لأنوثة!
كان علي أن أفكر الآن فقط بفتنة التي فرضت سلطان رهبنتها عليَّ, فحالمـا فرغنا من شرب الشاي وقرض اللوز المشوي اللذي لم أطعمه, بعثت بضفاف إلى جارتنا الخياطة نادية – أم طوني- لتبتاع منها برقعا, سألتني بغرابة: ألمن البوشية؟ فلم أجبها متعمدة, أمسكت بوجه جاسم الذي كان مملوء بالمشاكسات فبادلته إياها: كلي يا حلو منين الله جابك..
ابتسم ابتسامة عابرة وسألني ممسكا بقساوة ذراعي المبتور:
-إلى أين ستذهبين بفتنة؟!
-كل عام وأنت بخير بابا, يبدو أنك نسيت أن تشتري لنا حلويات هذا العيد.. هكذا قاطعته ضفاف!
-ارفق بحالك عفراء, بطنك صار كبيرا ثم إنك لأول مرة ستذهبين إلى الإمام الأعظم, كيف ستتدبرين أمورك؟
– من قال لك ذلك! منذ أعوام وأنا أداوم الذهاب إلى أبي حنيفة  في ليال خفية, لكن دون أن أحكي لك عن ذلك, لدي نذور لأخي عادل وعليَّ أن أوفيها هناك..
تركني بلطف ومالبث أن طبع على جبهتي قبلة طويلة حتى عادت ضفاف بالبرقع وقد لبسته متنكرة فيه وهي تقلد طريقة كلام السيدة المصلاويـة التي كانت تنغمها, أمسكتْ بيدها إلى مشغلها العلوي قائلة: شـوفي شغلي تعالي معي ندليك علينو.. مو تعبتو وشقيتو لعيون طوني..
مما أثار شكلها ضجة خفيفة من الضحك..
ياااااه.. من زمان ما ضحكنا عيوني!
أي شمس تغويني وهي تخرج في الغد منذ الصباح الباكر, تحمل معها شعاعا عنيفا يخرج من كوة هي أشبه بزجاجة الله! الزجاجة التي حملتها في صدري وأبقيت على فتيل اشتعالها من أجل فتنة, أخلع عنها ثياب الماضي ثم ما تبرح حتى تنزلق في ثياب بيضاء نظيفة نقية كروحها, تلف جسدها بسواد العباءة, سادلة النقاب على وجهها الفاتن.. كان منظرها غريبا ولكنه البطن المنتفخ أجبرها على هذا التخفي! وهي ترقص في كف الشمس دون أن تتعثر سوى بدموعها التي أخذت تسيل, باذخة هي توبتها, ترمي بنرد الخطوات إلى باب الله وباب الحوائج وكأنها تبحث عن فردوس مفقود, عن يوم زكريا الذي تأخر عنها وهي تشمه من شموع الصواني المذهبة وحنائها الأخضر الطري والعطيفية التي مالت مع النهر بعيدا حيث عكس دجلة أنوار الألعاب النارية وبريق عيون قبر أبي رابعة وراغبة خاتون والملوك اللذين يرقدون في المقبرة الملكية بينما يتثاوب ضجرا القصر الرئاسي الذي تحول إلى ثكنة عسكرية..
ندلف إلى الأعظمية الخصبة, نخيل وبساتين, أهازيج ومدائح تخرج من مكبرات الصوت, بيوت أعتاد أهلها أن يزينوها بالزينات الورقية والنينوات الكهربائية واللافتات التي ملأت الشوارع وهي تبارك للعراقيين ذكرى المولد الشريف, مصحوبة بعبارت تدعو للتسامح ونبذ الطائفية, مستشهدين بعبارات صارت شائعة منذ أن أقيمت صلوات الوحدة والتي عبرت بحشود المتظاهرين من الكاظمية عابرين جسر الأئمة نحو الأعظمية, تلك الحشود نفسها امتزجت دماؤها بعضها ببعض حين هب أبناء الأعظمية يحملون الجرحى والغرقى في تفجيرات زوار الإمام الكاظم, أثناء ذلك خرج عثمان العبيدي إلى النور بسبعة غرقى حملهم على كتفيه منقذا إياهم ليموت شهيدا وهم يهتفون أمام كل المحاولات الطائفية بشعارات صارت بمثابة نشيد مقدس خطوها على لافتاتهم  (هذا الوطن ما نبيعه..أخوان سنة وشيعة) وبأبيات من قصائد وليد الأعظمي الشاعر المعروف (وشعارنا في الأعظمية قد غدا.. وشعارنا في الكاظمية واحدا.. وإذا اعترى بالكاظمية حادث.. كنا لهم عضدا وكنا ساعدا) مذيلة بعض الشعارات بأسماء العوائل المعروفة أو المستعارة كأبو حارث العبيدي و رعد النعيمي و سليم الحيالي, خالد المشهداني و ثابت العزي و أسود الرافدين.. كل شيء هناك ينطق ببذخ المناسبة, شارع الإمام الأعظم ممتدٌ بصخبه من مرقد إبي حنيفة إلى ساحة المقاتل العراقي في باب المعظم.. يسانده شارع عمر بن عبدالعزيز منطلقا من ساحة عنتر وقد توسطه عنترة ابن شداد رافعا خيله, حديقة النعمان, كلية الإمام الأعظم, ساعة الأعظمية التي توقف بندولها في العاشر من نيسان إثر الغزو الأمريكي, ثم عادت لتعمل من جديد عام 2005 محلات الأعظمية الأربع: السفينة والحارة والنصة والشيوخ وما يتفرع منها من الوزيرية والمغرب وشارع الضباط وهي تحمل على رؤوسها بمباركة من مختاريها: قدورا كبيرة توزع في المحلات, كما تفرش الموائد للزائرين, كورنيش الأعظمية وهو يمتد بجماله الباكي من محلة السفينة وحتى جسر الصرافية مغازلا كورنيش العطيفية وهو يقف قبالته تماما, كل هذا البذخ السنوي المتكرر بشيء من دفقة أمل في الحصول على الأمان والأعظمية تشهد بشوارعها وأزقتها وصحن إمامها ازدحاما غير مسبوق يجتمع فيه أحباب الرسول من كل الأقضية القريبة ومن كل الطوائف, هناك يحمل الشباب كاميرات الفيديو ومحمولاتهم المزودة بالكامرا ليوثقوا بهجتهم التي ربما تكون وحيدة بين زحمة فوضى الوجع الذي يفتك بموته الجماعي حين يحصد البشر في أماكن اجتماعهم, وجوه تقرأ فيها فرحة تُكذِّب صدق ما ينوون فعله في المولد حيث يتخلل تلك الليلة طقوسا جميلة يعشقها العراقيون فتقام المناقب النبوية والتكيات المحمدية مثل الكزنزانية والنعيمية والشافعية وغيرها تبدأ بذكر الله ورسوله التي يقرؤها قراء متخصصون وفرق ذكر صوفية، بينما توقد الشموع وتوزع الحلويات وتقام المآدب في حضرة الإمام وفي مقام النبي يونس وعند مقام الخضر بباب المعظم, هناك يرددون التهليل وهم واقفون على شكل حلقة ويذكرون أسماء الله الحسنى بأصوات منسجمة وأوزان خاصة متوسطا الحلقة شيخها الذي يرتدي لباس المولوية يستدير بسرعة ملونا في حركاته, بينما يوحد الواقفون بلفظة: دايم الله حي, موغل أحدهم السيوف والرماح في جسده الذي اكتنز بالإيمان تحت وقع رقاب المشرئبين وقوفا حاملين أطفالهم على أكتافهم ووقع الدفوف والأناشيد التي يرددها المحتفلون وهم لا ينقطعون عن ترديد: الله يا دايم..الله يا دايم.. الله يا دايم.. الله يا دايم.. هلت أنواره علينه.. طه بدر لا يزول.. أنواره من وجهه غشَّنِّي.. أمدح بطه وأقول..
أنظر في عيني فتنة الدامعتين وهي تقول: كُول .. كُول..!! وهي تفض تلك القبل الشرسة باشتباك مع الثقوب التي أحاطت بضريح الإمام وكأنها تستعجل ضياع مفتاح عالمها الذي سجنها طيلة السنوات الماضية, منفتحة على ليل تواطأت معه لتحرث شهوة باب انغلق على صرخة بكائها وقد اعشوشب من سجادة صلاتها, إنه بخور التوبة الذي غزا المكان فحوَّله إلى فضاء تتراكض فيه النسوة اللاتي ذقن نائبات الدهر والهائمون المحتشدون وهم يتدافعون بالصلوات التي تتداخل فيما بينها, يدخلون من الباب الشرقي وقد أحاط به طابوق أصفر نقشت عليه أسماء الله الحسنى, أخذت أنظر إليه وإلى القبتين العاليتين, أرفع رأسي للمنارة وأتنفس: إنها تشبه قباب كربلاء!! إلا أن ألوان السياج وزخرفاته الزرقاء تقشرت. يطوفون حول الضريح بقبته الفضية, يزدحمون في بقعة مالحة وقد أكلت أقدامهم الحصران الرثة والبسط الممتدة, وجوه معرقة تتشابه في كدح الدنيا, يربطون خرقهم الخضراء, أصابع قذرة تشتبك, أياديهم تطول وتتسلق كأغصان عالقة, يتسلقن الأعمدة وثقوب الشباك المذهب, تخرج من فم إحداهن بحرقة مبحوحة وهي تعيد عباءتها على رأسها بعد أن سقطت على كتفيها, تتنهد وتقول: دخيلك ابن الثابت! وروحك الخضراء أريد ابني يرجع لي, خطفوه يابن الثابت خطفوه دخيلك.. بينما أسمع هسيس أدعية صامتة, عيون حمراء منتفخة, قامات نحيلة وأخرى ممتلئة, صدور عريضة وبطون مكورة, شوارب مهذبة وذقون محلوقة ناعمة, تشم رائحة عطورهم المختلطة بالعرق, ملابسهم مكوية نظيفة وأصابع بخواتم كبيرة تحرك مسبحات بشتى الألوان تقف منتظرة متوهجة, لتلثم شعرات الرسول التي ستخرج مرة واحدة في العام, ملفوفة بقماش أخضر تفوح منه رائحة العطور, محمولة بكف عريضة, وما إن ظهرت حتى بدأنا نتقافز ونتدافع مع المندفعين, أنا وفتنة كنا نمسك ببطوننا, كادت فتنة أن تختنق بنقابها, أخذنا الزحام ودفَعنا قرب الشعيرات حيث تتداخل الأصوات بطبقاتها المختلفة, بعضهم كان يبتسم غير مصدقا فرحته لدرجة أنك تخشى أن يشق فكيه وبعضهم صاح باكيا من الفرحة أو الرهبة, أشعر بأن الأعظمية ولدت تلك اللحظة, بصوت واحد يصيحون( اللهم صل على محمد رسول الله) ثم يلوب كلا على حده, لم أكن أميز ما يقوله الناس, شيء واحد سمعته من فتنة وهي تبكي قائلة: شفاعتك يا حبيب الله. معقبا عليها أحد الزوار غاضبا: يلله كافي بوس, مو أحنا نريد بعد نبوس ونشم. يرد عليه أحدهم: أحسن ادعي خيتي, اليوم الدعوات مستجابة.. يتكلم أحدهم بصوت عالي: يابن النعمان ادعي ربك يخلصنا من هاليام السودة.. آميين
أيقنت بأنها ستدعو على نفسها بالموت لتكون نسيا منسيا! بعضهم سقط وهو يرفع رأسه الذي أخذ يدور في زحمة العاشقين, يتمخط بطرف ثوبه ويسعل, أخذت بيد فتنة وسحبتها من بين الجموع المكتضة ومشيت بها على بلاط الجامع الذي افترشت زواياه النسوة وهن يتبادلن أطراف الحديث أو يمسحن وجههن التي بدت لامعة جدا, يتبعنه بمناداة أطفالهن الذين أخذن ينتشرن كالجراد, باحثين عن من يوزع الهريسة والكليجة والسمسمية وألعابا صغيرة زهيدة الثمن توزع في مثل هذه المناسبة, كما تلألأ الصحن الذي تبعثرت فيه بقايا الزوار من شرائط نذور ونقود وأزرار مقطعة ومناديل مجعدة..أسندت ظهري الذي بدأت أشعر بوخز أسفله أسندته إلى سارية خالية نوعا ما, هناك كشفتْ عن وجهها الذي أخذ يلمع تحت الأضواء الصفراء, كانت تلهث كوردة ذابلة, ثم لا أدري لماذا تركتني وقامت إلى خارج الجامع, تبعتها وبالقرب منه وجدتها عند صبية يلعبون ويلتقطون النبق الذي لا يلبثون أن يبصقوه حتى يقولوا : حامض.. حامض..
رأيتها تجلس تحت شجرة نبق كبيرة, تنظر في السماء دون أن تهذي بشيء سوى دموعها التي لم تتوقف, لقد بدا لي أنينها كصوت مذياع يأتي من المقاهي البعيدة, متقطعا وله رجفة.. نهضنا جميعا بعد أن أسدلت خمارها ومشينا بعيدا عن صوت الأهازيج والمكبرات وفرقعات الفحم المحترق في الأراجيل وصوت النرد وصراخ لاعبي الطاولي, عدنا وكأننا عائدتين من مأتم! لقد أفرغنا الدموع كلها كأيتام حضنتهم جدتهم العجوز وهي تقول لهم خالعة ناظرتها السميكة: ابجوا وخلصوا دموعكم, مثل الام وين تلاكو.. ثم تتابع بآه طويلة: شبيدي اعله حكم الدهر لو شلع كَلبي. .
ما لبثنا ساعة حتى افترقنا على موعد للقاء آخر..
عدنا ونحن في أمس الحاجة لشاي ثقيل, ولقد كان ثقيلا لدرجة أنني في لحظة واحدة شعرت بأن بغداد تحولت إلى هندية حمراء!!لا يزال لساني مندلعا خارج فمي, جسدي بارد متيبس, أشعر بأن خرائط رسمت عليه, أتحسس نهدي فلا أجدهما, لقد قطعا! بطني لا يزال يحلم بالحليب, حبله السري هو الآخر بدأ يتيبس, هل سحب دمي دفعة واحدة؟ أتنفس بصعوبة, لا أحد يجيبني, أصرخ في وجه المختار: ماذا جرى لزوجي خلال ساعتين؟ يخفت من صوت جوابه, يبتعد عني خارج الغرفة, ألتفت إلى زوجته سمراء: هل يستمع الآن جاسم لصرخات التعذيب؟! سألت نفسي وأنا أقطع حبل السرة كرأس بامية طرية, متوسلا بألا أطعن نفسي بذات السكين, تخيلتني وأنا أصرخ باكية في وجه علي, كيف ستخرج للدنيا من غير أب!
غادرني المختار وزوجته, وعدني خيرا وتركاني على أمل البحث عنه, ضفاف أكملت قطع رؤوس البامية بأصابعها الرقيقة, لم تبك أمامي ولكنها فكرت في بيع البامية ولو تسولا, بدت وكأنها سوسنة فاضلة, أما أنا فقد أخذني النعاس وأحسست بأني مهزومة, عدت أتحسس موضع ثدييَّ المقطوعين, حلمتاي كزبيبتين ذاويتين, أبحث عن انتفاخة قد تشبع علي, لكنهما ضمرا بشكل رهيب, وكأن بئر ابتلعهما.. نزعت مشابك شعري ثم نمت نوما متقطعا, تقلبت كثيرا أثناء نومي وفي كل مرة أتقلب فيها يلسعني دفء ضفاف التي كانت تتفتعل الشخير, وما إن انقلب على الجهة الأخرى حتى أسمع نشجيها الذي يمتد لمساحات تنصهر فيها الشمس التي لم يبق منها سوى انكساراتها داخل روحي المظلمة ولما راحت في نومها العميق تسللت من السرير الواطيء, اقتربت من النافذة, لم أشعل شمعة, ثمة رهبة سكنتني حين أدركت بأني وحدي مع ضفاف, شعرت بأن أحدا ما يراقبنا, أغلقت النافذة وسحبت ستارتها الشفافة وفورا انزلقت على جدار الغرفة, وقتها كان ظهر بغداد مكشوف للعالم النائم في ملذاته, انتابتني رغبة في الصراخ, الصراخ في وجه العدسات المغطاة بالأكياس الجلدية, لكني لم أصرخ, ذهبت بخيالي إلى مكان بعيد, جاسم!! وبغداد!! إنها الليلة الأولى بلا جاسم, تلتها الليالي البطيئة في مضيها, منذ أن غاب جاسم ووسادتي مبللة بالدموع, أتمدد على السرير منفردة ببكائي وأنا أطرق باب قلبي المعكوف كعرجون قديم, أسأله وأستجديه: ساعدني أكثر على الوشاية بك, تمدد معي على اتساع الجرح.. أي شهوة ستأخذني إلى الوقوف في شرفة الغرفة.. حتى الجيران صاروا مملين لدرجة أن الذباب يتسلى بوجوههم, الأيام رتيبة والحزن هو من يغير بعض أحداثها.. أي شهوة تستدعيني إلى الهروب نحو النهر لأغسل قلبي بالأمواج الخفيفة, أي شهوة ستبلل جفاف الحلق برذاذ دجلة! هل لهوامش الحياة أن تُصعِّد بالسنابل المائلة على امتداد الجرف؟ أي ذنب اقترف قلبه الأخضر؟ كم حكاية حكاها لي عن شارع السعدون والرشيد والذي تمنى أن يسكن بالقرب من أحدهما, كانت له حكايات مع بارته ونسائه الجميلات, مع محلاته المتنوعة ومطاعمه ومرطباته التي تشفي العليل, لن يجد ما يضايقه هناك فالناس تتغير باستمرار وكأنهم نزلاء فندق.. ولكنه الليل الأمريكي الذي حول شارع الرشيد إلى ثكنة وهو يكرر إغلاقه ليجعلك تدور حول نفسك أكثر من مرة وأنت تحاول الوصول إلى بيتك, الليل الذي يلملم ثرثرات النهار قبيل المغيب ليحوله إلى شفتين مخيطتين بالصمت بعد أن كان يتقلب بين سهرات الخانات والمقامات وحلق الذكر في محلة أبي حنيفة والحيدر خانه, وبين الملاهي الليلة وجلسات السمر الناضحة بالحبور والتي تكتظ بها المقاهي والأندية والمطاعم التي يملأوها المثقفون وهم يتناولون أسماء الكتب الجديدة والروايات المترجمة بينما يتجمهر الفتيان حول لعبة المحيبس الشعبية التي تنتهي بالتهام صواني البقلاوة بعد أن يخرج الخاتم من الكف التي تخفق في اللحظة الأخيرة, وبين ذاك وذاك تختفي ليالي بغداد الجميلة, حيث تفشل شهرزاد في وضع رهانها الذي سيعيدها من جديد, لا رهان وسط كل هذه الظلمة سوى النور الخلاَّق, النور الوحيد الذي يضيء بغداد من مصافي الدورة المشتعلة! من هنا يبدأ الليل الأمريكي, يفرض منع التجوال من الساعة السادسة مساء حتى تطور الأمر إلى تمديده للساعة العاشرة, بينما لا يبالي بذلك المنع أصحاب( الباجات) التي يمنحها الأمريكان لأصدقائهم العراقيين من الأحزاب وأبناء عم الأحزاب, يسيرون في بغداد المسروقة بسيارت مسروقة أخرى, بعضهم يترنح بأغنية ماجنة ويلعن ضاحكا أبا بغداد السابع دون أن يعي لما يقوله, مشكلين بذلك مملكة لفساد مباح! وهم يبولون على الأرض الحرام, على عتبات الجوامع وملاجيء الأيتام, منشطرة مملكتهم إلى نصفين, نصف تغني له الغجريات فتقلبن ليل بغداد دون أن تسقط أكبادهن.. ونصف تغنيه الجمعات المسلحة وفرق الموت وأحزاب تتدعي النزاهة وهي تقلب الجمر في أراجيل القادة وتصب الويسكي الفاخر في كؤوس مرتوية, متبلة كبودهم بسمك مسكوف حاذق سرق هو الآخر من زيت البطاقة التموينة ومن وقود سيارات الإسعاف التي توقفت قبل أن تصل إلى الحادث!!
ليل الأمريكان يبدأ مبكرا بتمشيط الشوارع التي يسارع فيها أصحاب المحلات والمطاعم والجوالة المدعوكين بغبار المدرعات والهمرات, يسارع باعة أكشاش المشروبات والخضار والثلج على المصطبات إلى إطفاء مولداتهم ونوناتهم الراقصة, وبعد أن يتجول الأمريكان كغرباء في نزهة, يلتهم بطرهم وذوقهم البائت أصناف الطعام العراقي الشهي من الكباب والكبة والتكة واللبن الرائب والمحلي والقيمر من مطاعم شعبية تتوزع في كل الأحياء والشوارع.. وحين لايجدون ما يستحق أن يسهر على راحته! يعودون إلى معسكراتهم ومدينتهم الخضراء بعد أن سوَّدوا وجه بغداد..
ألا شاهت وجوه العدا!!
هيا يا بغداد استديري ودعي العالم ينظر إلى مؤخرات أطفالك الباردين وهي مبقعة بالبول والغائط حيث كانت تسبح أرواحهم بخفة تحت وقع الرصاص والقنابل التي كانت تسقط كألعاب نارية أو كيَد تعبث بأزرار لوحة المفاتيح, تلك الأجساد تخلَّت عن مقاومتها للموت, لقد سقطت في مسرحية صامتة وأضواء المدرعات ما تزال تسلط إشعاعها على معالم النفس الأخير, يا ساحة التحرير يا ساحة عنتر كم كان عدد المتفرجين؟ هل تجرأ أحد ورفع رأسه ليرى هل كان النصب واقف كما كان؟هل سقطت الحمامات التي تنحني لسنحاريب؟ والسناجب التي تتجول في حديقة الأمة هل سقطت هي الأخرى؟ أم أنها التزمت الصمت فلم تشهق مثلنا وتصرخ, كمن اختبأ خلف الستائر في العمارات المجاورة..؟
لم يسمع أحد أنينك يا حديقة الأمة!! لا والذي طواك في قلبي, من يواسي أمهات السناجب وهي تبحث عن صغارها الذين راحوا يصرصرون لتعيدهم إلى الأشجار, البراغيث هي الأخرى بكت حين أدركت أنها تذوب كما يذوب الشحم على النار!
استديري يا بغداد, غني بصوتك المبحوح وضعي وجهك الذابل بين يديك, ألقِي بشالك على كتفيك واخرجي زفراتك الطويلة.. أنا من استمَع إلي غنائك فخفق قلبي وامتلأت رئتي بهواء الفضاء الذي احتوانا, ارميني على فراشي ودعي جاسم يتسلل إلي..
تستدير بغداد ولكن بدونه, لتتركني مجددا في صحن البيت أحرك حبيبات السكر في استكان الشاي, أذوبه وحدي مع صوره التي كانت تلثمها ضفاف وتشمها وهي ما تزال تتدثر داخل غطاء أبيها حتى ساعة متأخرة من الصباح, أرشف رشفتين وأسأل العصفور الذي دخل من باب السطح وهو يهبط درجات السلم البارد: ماذنب جاسم؟ لقد عاش كما يعيش الآخرون, يحلم ويحلم فقط! أنتظر منه أن يقترب مني أكثر, لدي اعتقاد بأن الطيور تفهم ما نتكلم به إن نحن قصدناها بذلك, يطير إلى السقف, يرتطم بمروحة لا تعمل ثم يعود بالقرب مني يمشي بين الكراسي وتحت الطاولة, إندلق الشاي من بين يدي وأنا أفسح المجال له فصار يشرب منه قطراته المحلاَّة, ألتفت إليه وهو يرفع رأسه عاليا نحوي.. أي ذنب اقترفه جاسم؟ ها؟ أسأله وهو مستمر في ارتشافه, إنه كائن رقيق مثلك, حين يمسك بالعود ويبدأ العزف فإنه يغمض عينيه ويطير مثلك, يذوب إن حدق في وجه القمر وحين تسقط من عيني دمعة فإنه يسندني على كتفه, يمسك بذراعي المبتور, يتلمسه كغصن طويل لا نهاية له, كان يخاف أن يخدشني برقته فيعود مرة أخرى لعزف أغنية راقصة تحولني إلى خلخال يهتز.. هنا رفرف العصفور بجناحيه وكأنه يطلب مني أن أضرب على الطاولة بأطراف أصابعي لكني لم أستجب له, تابعت حديثي بهسيس خفيف, لم أعرفه سوى رجل عادي كباقي البشر, يحب أكثر مما يكره, يبتسم أكثر مما يغضب, يتودد للحياة رغم إدبارها عنه, لقد عاش متنقلا بين أعمال عدة, عاش فترة من حياته عاملا في إحدى المقاهي في شارع المغرب بالوزيرية بعد تسريحه من الجيش إثر إصابة في ساقه تشافى منها لاحقا تاركة فيه خطى ثقيلة يعرج بها, مما جعله يُكوِّن دائرة أصدقاء كثر من الذين يختلفون على مقهاه المتمتع برقيه ونظافته نوعا ما. ذات يوم حين قدم الشاي لأحد الزبائن, زفر دون وعي زفرة طويلة أحدثت ربكة في وجه الزبون, خرجت كحجر انحدر من جبل شاهق, تشبه زفرة أولئك المنهكين بأيام الله, قائلا له وقد رتب الزبون على كتفه: هذا أفضل لك من أن تعمل في كازينو قمار تسهر فيه الليل بأكمله مع السكارى والعاهرات المتقلبة أمزجتهم لتكنس قيئهم نهاية كل ليلة. وجه الزبون لم يكن غريبا عليه فقد التقى به قبل عامين في سوق السَّراي, حينها كان يعمل في بيع الكتب المستعملة- بسطة- الكتب التي حدثني عنها كثيرا, كتب مخلوعة الغلاف وأخرى منزوعة بعض أورقها من الداخل, تحمل أسماء مقتنيها ومتوجة بإهداءات الأحبة والأصدقاء والمناسبات, بعضها لا يخلو من بقع الشاي الأسود وبعض الهوامش والخطوط والملاحظات.. يومها ابتاع منه الزبون نفسه موسوعة تهتم بتاريخ النصارى في العراق وقد وجد بعد أن عاد إلى منزله قلادة تحمل صليبا صغيرا وضعت بين الأوراق فاحتفظ بها في محفظته طيلة الخمسة أعوام وما إن رأى زوجي في المقهى يوزع الأرجيلات حتى تذكر القلادة ففتح محفظته ليعيدها إليه فلعل صاحبتها تعود لتسرتدها منه.. تقدم من جاسم بعد أن انتقل إلى صندوق المحاسبة, ناداه بإسمه: جاسم.. جاسم!! كلاهما يبحلقان في بعضهما وكأن حديثا طويلا سيدور بينهما, احتضنه كصديق قديم يرتاد بسطته, سأله عن صاحبة القلادة إن كان يعرفها فطلب منه جاسم اسم الكتاب فلعله يعرف صاحبته
–    النصارى: تاريخ وحضارة العراق.. دراسة تحليلية
–    لقد عرفتها, إنها من سكان الوزيرية, عراقية لأم بريطانية, خالها مدفون في مقبرة الجنود الإنجليز, باعت جميع كتبها لي بعد أن سوَّدت الحرب حياتها..
دفع إليه القلادة طالبا منه أن يعيدها إليها لو عادت مرة أخرى إلى سوق السراي..
–    هل تنظر إلى شجر الآس هذا وإلى السرو الذي أخذ يتكاثف؟ هو الآخر سيسأل عنها, أشعر بأنها تتعمد بترك بعض مقتنياتها في الكتب,هل نفذت جميع كتبها؟
سأل وهو يشعل سيجارة بعد أن فركها بين أصابعه
–    لقد مضى وقت طويل لم تأت فيه للسراي, أظنها هاجرت وأنت تعرف بأني تركت البسطة وأتيت لأعمل هنا, لذا أفضل أن تبقى القلادة معك كما شاءت هي أن تكون!! آه لقد كان لها وجه نادر الوجود, كانت جميلة بحزنها, رقيقة وهي تحمل صناديق كتبها بيديها الصغيرتين, ترضى بالقليل من المال, لم أذكر أنها فاصلتني مرة في السعر, لم أسمع منها غير: بارك الله بيك عيوني!
افترقا وقد دفع القلادة في جيبه معطفه الداخلي..
هكذا كان يقضي جاسم جل وقته, يعير لرواد المقهى آذانه, فيصغي للقصص التي تُحيل الحياة الصعبة إلى منظر واسع لا يحمل إطار له.. خفض رأسه ومضى دون أن يجيبني بشيء سوى أنه زقزق بزقزقة مبحوحة, كان يعرج بعرجة خفيفة نثرت بقايا الصمون فراح يلتقطها عصفور آخر بكل سرور وما إن فتحت الباب للمختار حتى طارا بعيدا..
–    الله بالخير عيوني, هاتي إثباتك وتعالي معي
–    عندي وثقية الزواج وصور شمسية لجاسم
–    هذا يكفي
–    وضفاف؟
–    ستأخذها أم خورشيد مع ابنتي رشا إلى الكَسرة, لدي مطعم هناك, سيتبضعون للبيت, ويتغدون في مطعمنا لا تقلقي..
وضعت عباءتي على رأسي دون أن أكلم ضفاف بشيء, نفثت ببعض الأدعية على عتبة الباب, صعدت سيارته المرسيدس قديمة وبمقابض يدوية للشبابيك, فتح لي الشباك بيده الضخمة وبدأت أتنفس, أنظر في وجه بغداد وكأني لأول مرة أنظر إليها, سألته:
–    إلى نحن ذاهبون؟
–    مرت أسبوع دون أي خبر, كلمت المستشفيات كلها فلم أجده, أمور كثيرة مرشحة لنهايته, سنذهب للطب العدلي هو من سيحسم الأمر, قد نجده هناك, لذا طلبت منك إثباتاتك وإثباتاته وإذا لم نجده فمن الأرحج أن يكون  معتقلا  كما تصورت, حينها سيكون الأمر هينا أتركي الأمر علي..
بكيت في صمت, غطيت ثلثي وجهي عنه وصرت أتمتم طوال الطريق: أصابتني لعنة الطب العدلي.. أصابتني لعنة الطب العدلي!!
فاقع بياض بغداد! هالة من الضوء الأزرق تحيط بي يختلط معها اللون الأسود, أي برد سيلسعني لو كشفوا أمامي الوجوه الباردة, لو أقفلت وأنا أغطي أنفي الذي أسمع به, هل سيناديني ميت آخر؟ هل سيطلب مني معروفا لن ينساه لي في يوم القيامة؟ جميعهم يتجاورون فيما بينهم, ينتظرون قريبا لأحدهم كي يخبر عنهم الباقي من ذويهم الذين ذابوا من البكاء عليهم, حتما سناديني النائم في البراد رقم سبعة عشر, سيطلب مني أن أذهب لمنطقة البياع وتحديدا عند بائع الشاورما في شارع عشرين التجاري كي أخبره عن أخيه الذي قتلته رصاصة من كاتم صوت أطلقها الجبناء عليه, نفسهم اللذين كان يبيعهم الشاورما كل مساء! النائم في البراد رقم ثمانية سيتشبث بعباءتي وهو فاتح عينيه, سيسألني عن عامل النظافة خارج البوابة والذي أردوه قتيلا معه, سيسألني:هل استلم أيتامه جثته؟ إنه يشعر بخجل أمام ذلك العامل البسيط وهو يكنس الأكياس المتطايرة! الضحك المختلط بالبكاء الهستيري أخذ يجلجل داخل البرادات وهم يتذكرون مجهولي الهوية والمغدورين, يستعرضون دورهم البطولي حيث النيابة في الموت صارت وصمة شرف لعار الأحياء!! إنهم ينامون بكل صمت دون أن يلقي أحدهم على الآخر بتحية الوداع, هناك لن تجد من يقول: تصبحون على خير!!
أي مكان سيأخني إليه المختار, أي وجوه سأقابلها هناك, النسوة أمثالي سيفترشن الباحة الخارجية للمدينة, يقلبن الجثث التي أمامهم, أنا سأغطي وجهي وسألطم مثلهم, ما المانع!! إحداهن اقتربت من أحد الموظفين المتجه نحو المشرحة وهي تحتج هالعة ببكائها: سبعين ألف دينار ياولد الخايبة؟! الله عليكم!! وينهم اُولاد الاوادم! مجيبا إياها: حجية تردين أدور على ابنج بين الجثث وابلاش! قابل آني خدام عندكم! لم يكن لديها سوى ورقتين حمر أخذها وهو يشتم  اليوم الأسود الذي جلبه إلى هنا, أخرجه وهو يسحبه ببطانية رثة, كان شعره محلوقا, يعض على شفتيه الصغيرتين, تفوح منه رائحة الدم الجامد والمعقمات القوية, وجدوه في نفايات الشورجة معصوب العينين وعليه آثار التعذيب.. تبعني المختار بعد أن ركن سيارته في مواقف السيارات أمام بوابة الموتى, ثمة توابيت ملقاة, درت بوجهي عن صور أخرى عصيبة, تائهون وسط الزحام, يبحلقون في شاشات كبيرة نصبت, تعرض صور الموتى الموشوهين غالبا, مثلي يبحثون عن حبيب فقدوه, انقطعت أخباره فانطفأ نورالبيت, جاؤوا من كل مكان, من المدائن, من الحلة, من الفلوجة وهم يسابقون الزمن ليستلموا ذويهم, حيث أن المدة الممنوحة لبقاء الميت هنا هي ثلاثة أسابيع وإلا فسوف ينهضونه من رقدته بعد أن يمنح رقما وصورة وعنوانا لقبره يحفظ ذلك في حاسبة المدينة تحسبا في حال لو سأل عنه أحد بعد هذا التاريخ, ستنتهي إقامة ذلك الضيف المجهول الذي لم يسأل عنه أحد ولا يملك أوراق ثبوتية تدل على اسمه أو عنوانه, ستنهيها البلدية التي ستدفنه في إحدى المقابر الشاغرة, أي رحمة تقي هؤلاء المجهولين من الأسماك الجائعة والطيور الجارحة والكلاب السائبة! إرشيف ضخم يمتد بخصوصيته إلى الأدوات الشخصية للميت ساعة إحضاره إلى المشرحة, ساعات وخواتم وصور ومبالغ بسيطة تركها الموتى في جيوبهم, مئة مراجع يوميا, مئة جثة يوميا, مئة يوم من الانتظار, شهداء بعدد نخيل العراق, مئات الآلاف من الأرامل والأيتام والمحزونين مئة مئة ألف أو يزيدون!!
يفسح لي المختار الطريق إلى الداخل, تزكمني رائحة المطهرات, كل شيء يركض أمامي, أبواب مشرعة على مصراعيها, الأحياء يدخلون من باب والموتى يدخلون من باب آخر, أطباء ومساعدوهم يركضون أسأل نفسي: هل سيسعفون أحدا, هل تحركت أحشاء ميت هرسوه وهو على المصطبة؟ أرفع عباءتي, الممرات تسيل فيها المياه العفنة برائحة الموتى والمطهرات, أشعر بأني أدوس على جلود بائتة, أظافر وشعور مدهونة للتو, إفرازات لموتى حديثي الوفاة.. يعاودني بياض بغداد الفاقع, يلف المكان بنقط الدم التي بدأت تزحف تحت قدمي, خرير أرواح هربت من أجسادها الرطبة, إنه صفير سيارات إسعاف في الخارج لهذا أخذوا يركضون, لم يجبنا أحد, الصور والأسماء لا تشفينا, فتحوا الأبواب أمام موتى جدد, لجاج وصراخ, ازدحام كثيف, فوضى عارمة تحل في مدينة تفتقر الأمان, ليست ثمة حجوزات مسبقة على الثلاجات, إنها تعمل بالبركة وعلى حسب عدد الانفجارات اليومية والاغتيالات والتصفيات العشوائية.. في صدري آه مكبوته ودمعة في طرف العين, تخيلت لو كان جاسم معهم كيف سأتصرف؟ مؤلم أن تبحلق في وجه ميت, العذاب أن تتنفس في وجهه, أن تلتصق بجبهته وخده الممزوج بلون البنفسج القاني, أن تسمع بحته المسروقة من شفتيه, أي مكان سيتسع لصوت بكائي؟! كم أمنية أجلها الموت لهاؤلاء الأبرياء! انسكبت بين يديه كعصير كبد مهروسه, صعدت إلى عنق المختار وهناك بكيت بقوة: اخرجني من هنا أرجوك..
خرجنا من دائرة أخذت تضيق بنا, تضيق ونحن ندور داخلها: ترى أين يمكن أن نجده ؟! لو كان لك يا جاسم قبر معروف لأتيتك نهاية كل أسبوع لأحدثك عنا, ماذا أكلنا وماذا شربنا وكيف هي أحوال المدينة التي أحببتَها كما لم تحب امرأة! هي الفراشات تدور حول الأجساد, تتناصف حظها مع الذباب السمين, الأجساد التي تتيبس وتجف بفعل الوقت المكشوف وكأن أملا يسكنها بالنور.. ولكني غير قادرة لا على اصطياد فراشة تدلني عليك ولا هش الذباب الذي تكاثر بشراسة, لا أدري كيف يجتمع الضدان! أكنت من الذين ضاعت جثته بين الجثث التي انتظرت رشوة أصحاب الثلاجات لإستخراج شهادة وفاة لمن يرفض التشريح لقريبه المتوفى؟ الشهادات أيضا تباع في المشرحة! هل سرقوا كليتك المالحة وباعوها؟ أم سرقوا قرنيتك اللامعة؟ أم سرقوا دماغك الطري؟ هناك من يسطوا بلا رحمة, أطباء لصوص من الدرجة الأولى.. يا لتلك الأجساد المغبونة, المدينة بكاملها ضريح وبغداد مقبرة واسعة جدا تكفي لدفن جميع العراقيين!!
زفرة رائحة الموتى, كلانا خرج من المدينة العدلية وهو ساد أنفه, هو من ربط لي نقابي وأمسكني من ذراعي السليمة, أسير دون أن ألتفت إلى الوراء, كل ما خلفته هناك كان حسرة وطمع في المزيد من الحزن! كدت أتوقف لأنصت إلى من يناديني من فتحات الثلاجات وهو يوصيني بعدم الركض بهجة في هذه الحياة, يناديني:أيها السائرون في الطرقات إلى لوعة اللقاء بمحبوباتكم, توقفوا.. عليكم أن تتوقفوا, ألا تثقوا بهذه الدنيا ولا تطمئنوا لأحلامكم, ستتآمر لتنغص عليكم أحلامكم البسيطة.. توقفوا عن الضحك أيها البلهاء.. توقفوا!
آه يا جاسم هل رأيت في الموت شفاء؟ وأبعدت عنك فكرة تحملنا للغياب من بعدك؟ ماذا لو أمهلوك لحظات لتوصيني فيها بدفع فواتير الكهرباء أولا بأول كي لا يقطعوها عنا آخر الشهر, لكي توصيني في خليفتك علي والذي يشبهك في كل شيء, توصي ضفاف بعدم التأخر خارج البيت وبإكمال دراستها الجامعية حتى تصبح محامية. قل لي هل تناولت ذلك اليوم صحوة موتك؟ فاكهة الآخرة؟ فبدأت بتقشير البيض وتلفُّه مع حبات الطماطم..؟
ابتعدنا ..
صعدنا إلى السيارة, ابتعدنا عن موقع المدينة وصوت صليات نارية نسمعها من أماكن على مقربة من الطبابة العدلية!..
–    هل تسمعين إطلاق الرصاص, إنها جماعات مسلحة تختطف جثث الموتى من المشرحة بالقوة!! المهم طلعنا سلامات..
–    أرجوك أسرع قليلا بدأت أقلق على ضفاف.
ماذا دهاك يا بغداد.. أهدئي ولو مرة واحدة في حياتك, لم تكوني الخطيئة الأولى فلماذا تُعاقبين بخلود المآسي؟!! حتى توارث أبناؤك الصفات ذاتها, متشابهين في لون البشرة والخيبة معا, سحناتهم كالرماد ونظرات عيونهم ارتباك, تجاعيدهم واحدة ونبرة أصواتهم حنين مشقوق الأوداج, أفراحهم قصيرة وأحزانهم تكرر بابتداع أنواع جديدة للبلوى, إنكسار وشحوب ويأس, نبرات خالية من الفرح, شحاذون في جميع الأعمار, نزوح عن الذوق الرفيع, بربرية مواقف, وتاريخ عُطلت دروسه ومواعظه فصار كل واحد منا يبتكر لنفسه تاريخا ومجدا وحصة على حساب الآخر, كل جماعة تحرر كتبا يومية عن مئات الأبرياء لتنفذ فيهم أحكام الإعدام ولكن بكواتم الصوت وشفرات الرقاب وسيارات فخخت من قريب وأحزمة ألبست طفلا مخبولا كان يحلم بطبق باقلاء.. في سبيل المال والسلطة, حلال في النظام الجديد أن يقتل الأخ أخاه, أن تشي الزوجة بزوجها, أن يتحول أصدقاء الطفولة وأبناء الحي الواحد والمدرسة القديمة إلى مخبرين سريين وعملاء يتبعون دولا مجاورة, يخطفون ويقتلون بعد أن يأكلوا الفدية بدم بارد, أية مشارط تستخدم في فك تلك الأحجيات؟ أية دماثة يسعى البغداديون للحفاظ عليها في ظل هذا الإقتتلال الطائفي؟ أين ذهبت محبتهم للحياة ومظاهر الرفاهية وحسن الهندام؟ أين ذهبت تلك البغددة الناعمة والطلاوة والغنج؟ ألستم ممن يسرع في نجدة الغريب؟ فكيف تشترون الذمم وتبيعون الموتى؟! أين ذهب بكم الغرور! يا إلهي.. لقد أتت الحرب على كل شيء وأفسدته!!
أيها الموت ألم يكسبك العراقيون رقة المشاعر أو حتى محاولة زهيدة تقبض فيها يدك الطويلة.. ألم تروضك الآم التعذيب التي وسعت بالجثث والمدن التي دُكت عن بكرة أبيها والضحايا الذين وقفوا مهزومين أمام جبروتك.. ألست من أرغمتنا على فتح الجثث المعطوبة لنتفحص الأدمغة والجماجم وكأننا لسنا في مشرحة بل في معمل يُقطِّع الرخام ويدهن الأبواب ويصب القوالب الجاهزة في الأفران.. أجبرتنا لنتنصَّت على أباريق الكلام المسكوبة في فناجين الروح لجسدين كانا يتبادلان الحديث كنجوى طويلة ومناشدة عاطفية حميمة دون أن تُخلط بموسيقى لبقة, جثتان ممزقتان حُملتا في (بطَّة) تمتلكها فرق الموت الجوالة والتي تخلخل أسنانها العفنة بعظام الشعب المظلوم, يبطحونهما صدفة بجوار بعضهما البعض, مشردين في الحب, مجتمعين في الموتة الثانية, تمتزج نجواهم العفيفة بحديث مخنث يتبادله سائق السيارة بهاتفه المحمول, يضحك حتى يكاد ينفجر: ملعون الوالدين مو آني محسوبك أبو جواهر, وين تريد نودي الكحبتين ها؟ أربعين دفتر إلي والأربعين الثانية تكاسمها ويا جماعتك..
يتسلل صوتها الناعم من بين ضحكته العاهرة وهي تقول للجثة التي بجانبها في الصندوق وبصوت خفيض:
-إرفع صوتك.. هل قلت بأنك وقتها كنت في منطقة البنوك لتشتري خاتم الخطوبة؟
– نعم ولكن الحاجز الوهمي أرادني قتيلا على الفور!
-قلت لك أكثر من مرة إحمل معك هويتين
– لقد اكتشفوهما حبيبتي, ثم إنهم شكوا من سيماء وجهي بأني سُني, حلفت لهم بأني شيعي مثلهم لكنهم لم يصدقوني, بصقوا علي وألقوني أرضا, ركلوني ووعدوني بمزيد من الانتقام لكل من فجر مرقدي العسكريين! كانوا أتقياء جدا لدرجة أنهم استشهدوا بآيات وأحاديث!
-وأنت كيف وصلتي إلى هنا؟
-هل تذكر حين كنا في سفرتنا الجامعية يومها  التقيتني في سامراء وأنا لا أدري كيف ساقني القدر لأحب سامرئيا طيبا مثلك؟
-وكيف لا أذكر!
-قلت لي متنبأ بأننا سوف نزف عروسين في بغداد! ها نحن زففنا ولكن في برادات ضيقة, خرجت من بيتنا في منطقة الشعلة, كنت في طريقي لزيارة عمي في الغزالية وهناك حدث لي ما حدث لك.. عمي دفع الفدية بعد يومين ولكنه لم يحصد سوى حسرة يعقوب..
– دعينا الآن نموت, أغمضي عينيك وسافري معي, أرمي بخاتمك في النهر سأبدلك إياه بقبلات تفوق بصيلات شعرك الطويل, هيا دعينا نموت!
كلاهما نائم في ردهات الطب العدلي,في مجمع مأهول بالسكان الأموات, ينظرون إلى دجلة الرائب بفضلات المدينة, يحيون باب المعظم بتحية السلام ولا شيء أبقى من السلام, خواء المكان يلحن صفير شخيرهم, يتدحرجون تدريجيا في قوالب مستطيلة الشكل على شكل أدراج, تنبت من خياشيمهم أعشاب عطرية برائحة الكافور النفاذة, يدب على ألسنتهم البيضاء كلمات غير مفهومة تزداد بياضا ثم تميل للإحمرار, أدمغة تسيل من جماجم مهشمة, أشلاء تكرر تصوير مراحل القتل كيف حدث بالضبط وأي الأعضاء قطع قبل الآخر, قوارير تحت رحمة السكاكين السافلة, في الزاوية اليمنى للصالة الكبرى طبشور أبيض يذوب, أظن بأنه كان في يد معلمة جلبوها إلى هنا وفي الزاوية اليسرى خفاش ابتكر لحنا جديدا يؤنس به وحشة اللبلاب الذي ناح وحيدا هو الآخر خارج المشرحة وهو يشاطر الجثث عاطفة الانثيال والرقصة الأخيرة, يهدر ولا يرجعه صوت الصدى حيث العظام تتكسر بين يدي الأطباء, بينما تشتهي القطط الجائعة تثاؤبها الكسول بعد وجبة لزجة من الجلود والللحوم المفتتة, مواء يمتزخ بصراخ الخفافيش, امتزاج يدعوك للبكاء حيث لا بكاء مؤجل, كم هي خصبة جراحنا, ندية كالمطر, تتودد إلينا بموت متجدد, نبكي لدرجة أن بكاءنا يلامس أبواب السماء البعيدة, فلا يشاطرنا العزاء سوى طين الدرابين حين يغمس فيه أيتام المغدورين أقدامهم وهم يستعدون لالتقاط صورة مجانية يبيعها جنود مرتزقة حملوا آلات تصويرهم وقد اعتلوا همراتهم الترابية, أي أرشيف يتسع لهذا الوباء؟! يستطيع هو أن يطحنك فقط برائحته, أن يصنع من نِشارات دموعك نعوش جديدة, ويا حيف على الشباب الي راحو!!
يا دمعة الله الغالية!! رأيتك تسقطين من عيني رأس بلا جسد!!
أشعر بأن رائحة المكان عالقة بي كذاكرة الطين, نائية بي في مكان بعيد يذكرني بذراعي التي رأيت الكثير منها في المدينة, تحملني تلك الذراع إلى قرية قديمة لطينها طعم السكر ولندباتها مساحة قبضة الكف, ذراع تحرك عصا البردي في الأنهار دافعة مشاحيف الروح بالأناشيد, أسماك ونـوارس وأنـاس طيبون, تتحول تلك الفجيعة إلى مدينة للخراب تنوح فيها سيدة القرية بالأسرار الصغيرة.. كل من في المشرحة بكى.. حتى الأكمام المقصوصة المُطيَّبة بغبار الحرب, بيتنا القديم ومدرستي الأولى بكت أيضا وهي تبحث في تفاصيل أولئك الممددين أمامها, أي علامة فارقة تميزهم غير عجينة طازجة اختمـرت فـي رؤوسهم فصارت أرغفة للدود والبراغيث ومناجل حفاري القبور.. لم تنكرهم الذاكرة ولكنها تفاصيل التعاسة القبيحة في رحلة طويلة الألم, كل ذلك يسوغ للنور أن ينطفيء أكثر, ردهات مغموسة داخل فم فاغر, يصيح ولا أحد يسمعه, تلتهم نفسها بفكـين سقطت منهما أسنان كالذهب, عزاء الحوريات هناك هو إكسير الخلود ولعـاب الأزواج وهو يسقيها بنفث الروح, كحاضنة لخديج يقاوم المشي على رجلـيه, سعف تحمله نساء لهن شعور طويلة, حبيبات من مطر أبيض يتخلل كركرات الأطفال الذين مشوا خلف أمهاتهم مكورين داخل أفواههم لقمة طرية:
خبزة منقوعة في ماء! كل ما أبحث عنه يا الله هو أن أبكي بكائي الأخير!!

**************
لم أخبر ضفاف إلى أين ذهبت, رغم تقززها من رائحة ثيابي وهي تغسلها, قلت لها بأن سيارة المختار تعطلت وسط الطريق فاضطررنا لعبور الشارع الذي فاض بالمجاري, ذهبنا إلى مديرية الأمن المركزية فنفوا أن يكون معتقلا لديهم, خرجت وكأن الدنيا انقلبت في وجهي إلى مدينة صفراء تهوي في وادٍ سحيق ولكنه المختار وعدني بالمزيد, سيببحث في باقي السجون والمعتقلات, لديه صداقات ووجهات معروفة, هذا ما ذكرت لها وأنا أنصرف إلى صومعتي, أكملت باقي التفاصيل لعلي وهو يسبح في بقايا مستنقعات طافحة والتي تكونت في حفر خارج المشرحة وكأنه يبحث عن مقتنيات الموتى التي انزلقت مع شعورهم وأظافرهم, يعود إلي قذرا صفر اليدين فأغسله وأطيبه ثم أعيده إلى بطني وهناك أربط مشيمتي بصرته, أدفع ثلاث كؤوس من اللبن لأشعر بالإرتواء, يشرب ويشرب حتى أسمع شخيره فننام معا, ضفاف تبقى وحيدة تفكر في حيلة ما, حتى إذا ما طلع النهار فتحت يدي ووضعت فيها قراريطها التي انتزعتها من أذنيها أمامي ثم أطبقت عليها أصابعي المتورمة:
–    قد تحتاجينها يوما يا أمي.. تقولها بوثوق الكبار وفي عينيها تلمع دمعة تمنع انكسارها
–    ولكنها هدية دخولك للمدرسة,ألا تذكرين يومَ اشتريناها معا من كربلاء
–    الظروف هي من تحكم, وإذا سمحت لي فسأعمل في مطعم المختار ولكن من البيت, رشا هي من طرحت علي الفكرة
لم أعقب على فكرتها, ثمة إحباط يأكلني ويشعرني بأن جدوى طلب المــال صارت ضرورية, نعم الظروف هي من تحكم يا ضفاف!
قبلتني ثم استأذنت في الذهاب إلى أول يوم للعمل. ألفين وأربع مئة دينار يوميا هو ما سأجنيه من فرم البصل لمطعم أبو خورشيد في الكسرة, قالتها باغتباط وهي تقبل يدي فرحة برضاي عنها..لقد رأيت في عينيها كلاما يشبه رسالة الغفران, تطلب فيها رغم كل ما قدمته من أجلي أن أسامحها أكثر! لحظتها شعرت بأن يوما جديد ولد, لقد كبرت ضفاف في بضعة أيام سنوات عديدة والفضل يعود للهم الذي كان أكبر منها, أتذكر حكمتها وأنظر في المرآة: الظروف هي من تحكم! وحيث لم يتوانَ المختار في البحث عنه في كل مكان لم أتوانَ في جنوني ففي اليوم الذي أكمل فيه شهره الثالث من الغياب انتابني أمل بالفرج القريب ربما.. بالخروج من كهف الظلام والحيرة, سيهاتفني أحدهم ويطلب الفدية وسأفديه بكل ما أملك, أعود لمرآتي وأسأل ساحرتها: وأي شيء أملك الآن؟ كان جاسم يقول لي: يا مملكة الشغف الأحلى, جسدي ينتصب حين يراك يا نهد النخلة, يا ملح الأيام وسوسنة الرئة الثالثة, يا عطر الوقت وحلاوة التمر, يا عيدية أمي, ياقبلة الخزف وحضرة الأحلام, يا بحَّة الملح, وتجاويف الجذع الأيمن, يا سيدة الممالك القادمة, وفطائر قلبي المحلاة.. لنمطر معا عفراء, لننسى قليلا وحشة هذه الحياة!
أي شيء أملكه الآن؟!
أسمع صوته هو بعد أن غاب وجه الساحرة مبللا: لغيابك عفراء قاموس أوسع من  رأسي.. هذه العروق المكتظة من يفليها؟ من؟
لم أعد أفكر بشيء سوى جاسم, أخرج مسرعة نحو حافة الجنون, ألثم نصف وجهي وأختفي حتى أصل إلى وسط شارع السعدون الذي سرقوا تمثاله وعلقوا بين أعمدة الكهرباء لافتات عريضة: اطردوا العرب..
أسأل نفسي: من البتاوين يقصدون؟! أعبره باتجاه البتاوين بالتفاتات لا تكاد تهدأ تماما كوسطاء صفقات بيع الأعضاء البشرية, أدنو من حي البتاوين, مرتع البغايا والمهمشين والعصابات المشبوهة, أمشي وسط أزقته القديمة القذرة والتي يفوح منها عطن المموسات وبقايا الخمور الرخيصة, لم ترق لي بنايــاته المتهالكة.. لكن ليس جديدا أن يصيبني عمى الألوان إنه لون الأصفر القاني.. سأقابل الوجوه التي سأنكرها وستنكرني, بينهم سأمشي في قلب بغداد, بين جاليات عربية مختلطة, مصرية وفلسطينية وسورية وسودانية وأخرى إيرانية سيماؤها الفقر والعوز والفساد, بمفردي أبحث عن محلة 101 زقاق 15 بداية لم أشعر بقشعريرة ما تخيفني, جئت إلى هنا من أجل جاسم, سأفديه نعم, سأبيع كليتي كما يبيعها الآخرون! سأنتظر رقم الولادة, المهم أن تعود حيا, لأمت من أجلك فلم يعد يهمني أي شيء, لقد سمعت أكثر من مرة بأن هناك تجار يتجولون بين الأزقة يحاولون إقناع المعوزين ببيع أعضائهم, سماسرة يتعاونون مع أطباء جراحة لاستئصال الأعضاء, أنا معوزة والظروف هي من تحكم أليس كذلك ضفاف!!
أتخيل وجهها الصافي وهي تحتضنني من خاصرتي, تضغط على أقدام علي فيحضني هو الآخر..
–    أمي
–    عيون ماما
–     رشا قالت لي بأن احتمالية خطفه ممكنة جدا, لذا ينبغي تدبير مبلغ معين وقت ما يكون هو بحاجة إليه
–    لو كان مخطوفا لبلغنا بذلك من أول يوم فقدانه فيه
–    هذا يعني بأن التسعيرة ستكون في زيادة.. صدقيني!
كيف أكابر على جرحي والمال بدأ ينفذ من بيد يدي.. أطبقت على خاصرتي أكثر.. وما إن لمحنتني عيون تبرق مثل الكشاف حتى أفقت من جنوني على وقع مفارز الحرس الوطني والشرطة وهي تطوقني من كل جهة, تطوق الشوارع والبيوت وتداهم الأزقة.. في لمح البصر تحول البتاوين برمته إلى ساحة حرب شوارع, انتشر القناصة فوق السطوح ومدّت الأسلاك الشائكة في المداخل الفرعية ومنع المارة من الاقتراب, إلى أين أفر؟ دائرتي تضيق ودوي الرصاص المتقطع أسمعه قريبا مني.. انطلقت صفارات سيارات الشرطة ودبت حركة سريعة غير مألوفة, وقعت أرضا, بكيت من شدة الألم لقد جرح ذراعي بطرف عجلة مركونة, صرخت دون شعوري فسحبتني امرأة برفقة صبي لها في العاشرة من عمره, أسنداني على جدار مهدوم أكل من ظهري, رفعوا رأسي وسقياني شربة ماء رائحته مثل رائحة الدُرَّاق الفاسد, همست لي بصوت خفيض: ساعة زمن وترجع البتاوين مثل ما جانت, ابقي هنا ومن يرحون دبري حالك!
ربطت ذراعي بقطعة قماش شقتها من كمها الواسع, وأنا أنظر في بريق عينيها, واحدة منها كانت تدور يمينا وشمالا وكأنها تترقب أحد ما يأتي. شكرتها بلطف ثم انصرفت عني كمن تبخرت وسط السحاب, انتفضت ولكني أفلحت أخيرا في الوصول إلى البيت قبيل عودة ضفاف ومن لحظتها أصابتني حمى أرقدتني في الفراش سبعة أيام وقد خسرت فيها ضفاف ما كانت ستجنيه من تقطيع البصل, حتى أنا لا أدري كيف جننت إلى هذا الحد!! كيف لا والأيام تمضي والبرودة  حلت في جسدي مكان الحمى التي لسعت حتى علي, يوم, يومان, أسبوع, أسبوعان, شهر,  شهران, يقترب مخاضي وجاسم في علم كان..
( تبا لسجون تملأ البلد وتضيق بأن تحشر جاسم فيها, وفوق هذا في كل يوم يخرجون بسجون سرية) كان هذا آخر ما سمعته من المختار الذي بدأ يبتعد شيئا فشيئا عن التماس القضية باعتبارها قضية شتتت أفكاره وأبعدته عن مشاغل مطعمه الذي أخذ يزدهر وينمو بزبائنه الكثر, قالها لي وهو في قمة اليأس حيث يتشابه الكثير من العراقيين في مآسيهم, المفقودون صاروا مثل علب السجائر, لا يعرف أين مصيرهم تماما كما تنسى أين أطفأت آخر سيجارة دخنتها قبل عشرة أيام!!
أفقت من السبعة أيام ولكني أصبحت أشبه بالمومياء, عاجزة عن فعل أي شيء, حتى السعال الذي عصر رئتي صرت أنفذه في الهواء بهدوء كمن يخرج أنفاسه الأخيرة, ضفاف تدفعني للتجديف, للسباحة في النهر من الجرف حتى الضفة الأخرى, تدفعني للمضي في الحياة, أوبخها وأنا أصرخ: زورقي أُحرق ومجاديفي لاذت بالفرار.. هي لا ترد فتقتلني بصمتها, بأصابعها حين تميل على الجدار وتتشبث به وهي تبكي والدها المفقود, تذوب كظل شمعة وأنا أرش ملح دموعي فتنز عيونها كمطر لم يسقط منذ قرون, كلانا لا يحتمل ضوضاء مثل هذه, لذا تسرع إلى حضني, تختلط بي فيذوب كحل الأمس وتنطفيء وردة الأيام حتى أحس بهيكلها وكأني تابوت يضمه! ولما أحست هي بركلة علي انفكت من حضني, بقيت صامتة لدقائق ثم وقفت على رجليها, رفعت من أكمامها مشمرة فبانت ذراعاها النحيلتان: من اليوم راح ابدي أكَطِّع البصل زين!
كانت لي فرصة أخرى للبوح فأنا صديقة نفسي وكثيرا ما أكلمها وأحكي لها الحكايات, رائحة جاسم كانت ضالعة جدا هذه المرة, أتحسس الجدران, القمصان, الصور, المناديل المعرقة.. بدوت وكأني عاشقة للرياحين, عبق زهرة الرمان والنارنج والقداح, كدت أجمح وأنا أفتح أزرار قميصي معلنة لوعة الفراق, لكن شعورا بالبؤس أقعدني مكاني, لقد سحق الزمان ذكرياتنا الجميلة وما تبقى من أحلامنا البريئة حتى تحولت تلك الزهورإلى أعشاب سامة والدروب إلى شعاب سحيقة يحاصرها الشتات, لقد اغتسلوا بنا جاسم, شربونا كعشبة يحيون بها, في صحتنا رفعوا السلافة, أولئك السابقون أليسوا من اقتسموا معك الرغيف وشاطروك البسمة والأمل واللوعة والحرمان وبقايا القمح حين حملتموه إلى إمهاتكم وأنتم تجرون ضمادات الحرب وتغنون: يالبعد الطريق يالقربه! ها أنت أصبحت قريبا منهم, تشبه نهاية قصصهم التي خرجوا منها إلى مدن أضيق من الخنادق.. إني أراك مغبرا واقفا في حفرة مسندا بندقيتك وبجانبك صديقك عزيز عيساوي وهو يبتسم ابتسامة بطعم الجنوب وبنكهة أهل الناصرية, يبعث بها إلى الزوجة والأهل والأصدقاء خصوصا أبنته وردة ذات الربيع الأول.. حين بعثها المختار مع زوجته قبل ليلة أحسست بأن عقربا لدغ قلبي, قالت لي بإن هذه الصورة تحديدا يحتفظ بها زوجها المختار وبما أن عزيز ذهب إلى ربه وزوجته غادرت مع ابن خالتها إلى الكويت حيث لا رجعة فإنه يخصني بها لوجود جاسم في الصورة نفسها.. ولكن لماذا لم يعطها زوجة عزيز أولا؟! هو معه كانا يسكنان في محلة واحدة, الأزرجاوي بائع الثلج هو من قال لي ذلك.. بقيت أتفرس في ملامح وجهك الصغيرة, أقارع القدر اللطيف لعله يقارع ظنوني البائسة بك, أتخيلك مثل عزيز يأتون بك محمولا على سيارة أجرة يزينك علم عراقي كبير تلمع نجومه الخضر الثلاث متوسطة إياها عبارة الله أكبر, أكشف عن الجثة فأجدك في كيس نايلون نظيف خرج من توه من المغسلة, أتحسس جسدك فلا أجد فيه شيء مخدوش أو مبتور أو محروق, بل أجد ابتسامة عريضة كابتسامة المنتصرين, أقبلك في جبينك وبين عينيك, وحدي أرتمي على صدرك وأقول لك: إسمع.. إنه يتحرك, علي يتحرك وقريبا سيخرج للدنيا, علي سأسميه كما اتفقنا مو؟؟ يبعدونني عنك ويغلقون التابوت, يخرجون من باب بيتنا الذي دخلنا منه ونحن عروسين, أطلب منهم أن يتركوني لوحدي فيغلقون الباب علي, أبكي نيابة عن كل الذين أحبوك عن البشر والطيور والحيوانات, أما ضفاف فتفرك يديها بالصابون وتلعن البصل وهي تردد صدى الحمامة التي تنوح على صفصاف حديقتنا المهجورة.. ولكن عزيز عاد بغبار الحرب! أتوا به في صندوق من بقايا صناديق العتاد!عاد محروقا متفسخا, لحمه كان مهروسا ورائحته نفاذة, رأسه مهشم, ساقه مبتورة الأصابع, عيناه مقلوعتان وفي خاصرته خط أحمر مُخضر بمقدار شبر, مقطب بخيط أسود يشبه خيط النمل الساعي, سألها الجندي المأمور : أنت زوجة الجندي عزيز عيساوي, أومأت له بارتباك ثم وقعت وهي تقيء على عتبة الباب دما وقيحا ممزوجا بلعنات, تحسست بطنها الضامر بداخله بذرة صغيرة, تلتفت إلى الوراء, وردة تمشي وتسقط, قبل ثلاثة أسابيع فقط وعدها في رسالة بعثها مع أحد المجازين بأنه سيقدم إجازته وسيتبادلها مع أحد الجنود لأن موعد دورتها الشهرية سوف يحل وهو ينتظر دوره في القدوم وقت طهرها كغيره من الجنود الجائعين لفراش الزوجية, هي أعدت له الفراش النظيف رغم تأكدها من هجومه عليها وبدون مقدمات فالليل يستر كل شيء والمجازون عادة لا يعودون إلاَّ ليلا, سيفترشها ببدلته المرقطة التي نزعتها عنه وغطت بها زاويتي السرير وسجاد الغرفة ليعيد الكرة تلو الأخرى..
ولكنها؟؟
أفاقت على نباح الكلاب وهي تركض خلف جثث أبناء المحلة والتي أتي بها ليلا وفي سرية تامة أيضا, وقفت في طابور من جيش جرار لأرامل يافعات يقفن منذ الصباح الباكر أمام مديرية التجنيد لاستلام رواتبهن, طريق طويل لا يعرف الراحة, أمهات وحوامل يفترشن الشوارع بلون الإنتظار, يباعدن بين أفخاذهن فيغمز أحد الواقفين بلذة شبقية, يفتل شواربه الكثة, يرمي بكلمة بذيئة غير مسموعة ثم يمضي وهو يعرج بعكازيه وكأنه خارج من الحرب للتو, أو لربما كان صديقا قديما لأحد الشهداء في إحدى قطَّعات الجنوب أتى ليوزع وصاياهم ومكاتيبهم لزوجاتهم الجميلات بالحزن المغسول, يباعدن عن أفخاذهن المتورمة وهن يقشرن البيض المسلوق ويلتهمنه مع الصمون البارد وكلما زفرت واحدة زفرة الأخرى معها وأخرجت من بين نهديها الضخمين صورة زوجها بلباسه العسكري وهو ويبتسم للوطن بابتسامة كالحة كمغترب قسري لتقبله قبلة طويلة ثم تعيده مرة أخرى إلى صدرها.. ولكني ولكنها؟ الحرب تفعل ما تشاء!!
مر شهران وأنا أطارد الحشرة التي تأكل في رأسي, الأيام ثقيلة ومالحة, حتى الآن لم يأتوني به في تابوت ولكن شبح تابوته أصبح يطاردني أينما كنت, هربت من نفسي ومن ظلال أخشاب التابوت لذا حملت نفسي إلى دجلة, كان الوقت قريبا للغروب والقوارب أخذت تعود إلى مرافئها, السماء متلبدة بالغيوم, الجو حار ورطب ولكن لسعة البرد تبدو غريبة, هذه الشمس ستغيب وتشرق في مكان آخر, بالتأكيد سيكون مكانا آمنا ولكن لن يكون أجمل من بغداد, ثمة أبآء ينادون على أبنائهم الذاهبين بعيدا في النهر, طافحة رؤوسهم الصغيرة كرؤوس باذنجان, يكركرون والأمواج تحضنهم, إنهم يفعلون ما يشاؤون, أولئك الذين تعالت أصوات الأمهات عليهم ليستيقظوا باكرا, ومشوا نائمين في طرقات متربة وأزقة ملتوية مفروشة بالحصى ينثرها غبار العجلات وهو تغني, رغم ذلك هم يفعلون الآن ما يشاؤون وأنا سأفعل ما أشاء أيضا, أخرجت صور جاسم, فرشتها في حضني ثم مددت العود الذي كان يعزف عليه في ليالي السمر حتى أول ليلة حرب التي أسقطوا فيها القنابل وأحرقوا فيها بغداد: عزف بحزن وبكى بحرقة, ترددت في رميها دفعة واحدة, ثمة زفير محبوس خرج بعنفوان, رفعت رأسي للسماء وشاهدت الشمس وهي تغيب والنخيل المحترق يبتلعها حيث تدور من خلفه حرب شوراع لا تنتهي, شممتها واحدة تلو الأخرى ولما غابت الشمس تماما وصرت وحدي مع دجلة, أيقنت أن دجلة هو من تبقى لي وسط وحشة الظلام, دجلة فتح لي أبواب الحنين إلى الماضي, إلى كربلاء حين كنت أعرفها وتعرفني كطفلين وديعين ليس إلا, ولكن ما جدوى الحنين والأيام جرفتني إلى هنا, الذباب يمشي على أنفي ويقفز على وجوه المارة, أغاني الحزن صار يحفظها الأطفال, ما فائدة الحنين؟!! وقفت على الجرف, دنوت بعد أن أشعلت شموع الخضر التي وضعتها على كرب النخيل, ودفعت بها في النهر, تطفوا بعيدة عني, أكاد أمسك بحزمة ضوء, بصفير يرد علي دعائي: أي نعم أُجبتِ, يرتفع صوت الأذان فأشعر بأن إعلاما من السماء يحملني على الصبر, أنادي عليها بنشيد النذور, أسمع سوى صدى صوتي: أعد إلي بعلي سالما! لما لما ما ما …ااا.. ولكن شيئا ما يمنعني من ذلك ويقول لي: دعيها عفراء! فأوقن بأن الله يسمعني أكثر مما مضى, صمت وأنا أرى الشموع تذهب بعيدا دون أن تنطفيء واحدة منها, رميت أولا بسلالة الماء: نبتة من رياحين طازجة قطفتها من الحوض الذي كان يعتني بزراعته ثم دفعت برفق ذلك العود الذي أخذ يسبح هو الآخر باتجاه الشموع وكأنه يشيعها في رحلة البحث عنه, كنت أنظر إليها بإسهاب وأنا بنفس مطمئنة, لقد خشيت عليها من لصوص الأحلام وقطَّاع المسرِّات, الصور أيضا رميتها جميعا إلا واحدة أعدتها إلى صدري كما تفعل زوجات الشهداء وهن ينتظرن في طوابير الحرب..
عدت بها وأنا ظافرة بشهاب قبس أصطلي به في حياتي التي هي أشبه بالخطوب, أدس يدي بين وقت لآخر داخل فتحة جيبي, من تحت العباءة أتحسس وجودها طوال الطريق حتى وصلت إلى البيت. كان الباب مواربا, شممت رائحة البصل, سمعت خرير الماء, لعنات ضفاف ونشجيها! أم خورشيد عاصبة رأسها تنظر في بقعة الضوء الساطعة من فانوس معلق, تنظر ببلادة( صافنة) في أمر ما.. وما إن رأتني حتى قامت وقامت بجانبها ضفاف, أنا بدوري أمسكت بجيبي لأشقه, أحسست بأن مصيبة الموت حلَّت ولكنه كان موتا جديدا غير متوقع..
إسمعي عفراء, غدا في الصباح الباكر ستكونين معي في بيت الحجيَّة أم سليم, إنا لله وإنا إليه راجعون..  لقد انتقلت ظهر اليوم إلى جوار رب غفور. قالتها وهي تلصق وجهها بالجدار دون أن تنظر في وجهي, سينهي المختار بنفسه شهادة الوفاة وأوراق الدفن..
شققت جيبي وأنا ألطم وجهي باكية : فتناااااااااااااه.. صرخت بها وأنا أدور حول نفسي ثم سقطت مغشيا علي, لم أعِ ما دار حولي طيلة ليلة كاملة, أظن بأن أم خورشيد نامت عندي بعد أن رتبت كل شيء مع مغسلة الأموات من تجهيزات الغسيل والكفن ومجلس العزاء.. و في لحظة ما وجدتها ممددة أمامي, طلبت من الجميع الخروج, كنت أريد أن أتحدث إليها بحديث حميمي فكان لي: بدأت أتحسس معالم وجهها البدري الأبيض, كانت مبتسمة نصف ابتسامه, عيناها بدت واسعة أكثر مما مضى, أنفها دقيق, ووجنتاها كقطن مغمس بشاي فاتح اللون, بها مسحة المرض والجمال معا, مسحة الحزن والسعادة معا, رائحة العطور تفوح من شعرها وفي أنفها ومن خلف أذنيها, لقد بالغت المغسلة في رش العطور, أدخلت يدي من تحت الكفن الأبيض, كان ناصعا مكويا ومخيطا بإتقان, أما هي فقد كانت تنام تحته كغطاء لسرير وثير, لمست ساقيها الممددتين, ممتلئتين وبهما زغب خفيف, انكببت على وجهها أقبله, بين عينيها طبعت قبلة طويلة فشعرت بأن الله طوى العالم في صفحة وجهها المضيء, كأنها تستعد لولادة حلم جميل, مخاضه همساتها وأغانيها التي كانت تغنيها كل ليلة بلوعة صوتها الحزين, رأيتها حورية والقمر وقف ليستريح خلف الحجب, رأيتها سراداق تسبح فيه زنابق الماء وأشجار السرو وبيوت القصب الذهبية, اليوم تموتين يا فتنة وستتركينني قصيدة خربة تخرج من شفاة الحروف المقروضة, بعدك أنا مشوهة معتوهة ألبس ملابس مخروقة مرقعة ببقع الذكريات الحلوة, لقد حولني موتك هذا إلى طفلة نبشوا براءتها وزرعوا مكانها منطق أن يكون أبوها مصلوبا على أعواد الحياة أو أن يكون أخوها مقتولا برصاص الضوضاء والدخان وأصابع بعدد الأصدقاء الذين فقدهم في إنفجار حدث بالقرب من مدرسته, لأكن أحد الناجين بعاهته.. فخبئيني في عينيك ودعيني أصرخ, أعرف بأنك بكيت قبل أن تموتي, لذا خبئيني في معطف دموعك ودعيني هناك حتى الغروب الذي لن يأتي بالماضي ولا بدفء النعناع ولا بجنَّات ذكرياتنا الطرية.. هل ستشربين القهوة هناك وتلبسين قميص الفجر؟! هل ستبعثين لي بصلاتك؟ ماذا عن اللوز والسكر والمشمش المجفف؟ ماذا عن عناقيد الضياء وكروم البساتين البعيدة؟ ماذا عن عرائس الليمون وسياج معبدك القديم؟ هل ستناولينني الهواء لأشمك وترقصين بالقرب من ضلوعي؟
جاوبتني بحرارة حين ضغطت على أصابعها وضممتها إلى قلبي قبل أن ينتزعوني إلى الخارج فبعض أقربائها ورجال المحلة كانوا يستعجلون حمل نعشها إلى مقبرة محمد سكران.. حملوها على أكتافهم فيما امتلأ بيت المختار بالمعزيات النائحات..
أما أنا فقد اعتليت جدار البيت, أمشي على الحائط فارشة ذراعي وضفاف تصفق لي بدموعها:
-على كيفج يمه على كيفج, الضابط مردان كال للمختار أكو مية سجن وسجن.. إلا يلاكوه صدكيني وراح يدبر النا مواجهة مع بابا..
-الضابط مردان؟! كولي للمختار: أصل السمجة خايسة من راسها!!
المختار هو الآخر يصيح بي: إنزلي يا معودة, فد واحد مسؤول جبير كال لي أنه يمكن يكون بسجن سري, كولي لي عفراء صدق جان يغسل بدل الجيش؟ آسف إذا كلت لج أنه هم هاي تهمة يمكن ينسجن عليها!
قامت القيامة وسقطت جميع مدن الله, أمشي بنصف عين بكت  بغـداد وهي تراها قد انقلبت على نفسها وصارت تمشي على رأسها, صـارت مثلي ترى كل شيء بالمقلوب, أما أنا فبدأت أنكمش كحلوى اللقلق حتى وجدتني تحت سلم البيت منزوية ألحس دموعي, ضفاف تدفئني براحتيها الضاربة في مواقع وجعي, بينما يحبو علي باحثا لنا عن عود ثقاب, إلا أنه عاد يلهث من جديد ويفرك عينيه المالحتين, ضممته إلى حضني وهو يبحث عن بقية ذراعي المبتور, بينما رفعت بصري ونحن نرقب ثقبا صغيرا يمر فيه النور..

هل ألوح براية بيضاء للنور!
صرت أهابه مخافة الفقدان, مثل رسام يدمن رسم نهر دجلة خشية ألا يراه مرة أخرى, كقصيدة لشاعر مجهول صرت أهذي بها على رأس طفليَّ علي وضفاف, النور صار يشبه مواعيدنا الصغيرة, أوقاتنا الضيقة للفرح مثل برق عابر لا يأتي بالمطر, يشبه السأم حين يجلد بالرجال, والغصة التي يستأنفها المنفى كلما تخيلتُ العراق وهو يلفظ أنفاسه داخل ثيابه, والترابُ يغمر آخر نقطة ضوء من ثقب طُوبٍ نيئ, غير أن وجه السماء ظل وفيا معي فهو من يباشرني كل صباح, ماسحا بنداه ابتسامة مبتكرة: تدبَّرتُها من ثقب الباب الموصود, مُهذِبةً ضجة الحرب بسكون النجمات, معاندة ما يدفنه الماء تحت ستائره العميقة, وشهقة البكاء التي غالبا ما أخفيها عن ضفاف وعلي, وأنا أطل من نافذة تسكن يمين قلبي, أطل بها على عمر مديد, مداهمة بها تلك المقابر البعيدة تحت الصفصاف اليابس.
هناك.. فقط هناك أركب أراجيح روحي, أهبط وأنزل بسلم النواح, موجة تلو موجة, حتى أجدني وقد أنهكني الموت بكل تفاصيله, لأغلق النافذة عن أفق لابد أن يأتي ولو من حافة الفَناء, مُسرِجة نهوضي من جديد بخيط السماء, وأنا أدل بأصابعي على وجه مدينة أُكل نصفها, وذهب طيبُها, أحكي لعليٍ عنها وأقول له بأنه إن كان فاتنا الأمس فليتأمّلْ اليومَ!
فيما تدق بابي أصابع جارتي التي أُكل نصفها أيضا, تمسك بذراعي الوحيدة وتذهب بي إلى أرجاء جديدة, دون أن أنسى ترْكَ الباب مواربا ..
……………….

السعودية/ الدمام /8/2010

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.