د. محمد جاسم جبارة : شفاه الخمرة ؛ قراءة في قصيدة (مائدة الخمر) لبشرى البستاني

boshra albostani 4مدخل:

يضع (جاك أندريه) في بحثه الموسوم بـ (من القراءة إلى تحليل النصوص) خمسة مبادئ، يرى أننا نستطيع دراسة النصوص الأدبية من خلالها وهي كالآتي:
1.    التراكيب التصويرية أو الوصفية (الأسماء – الصفات).
2.    التراكيب السردية (الأفعال).
3.    التراكيب التعليمية didactique (الروابط – حروف الجر – الظروف).
4.    التراكيب الوجدانية  أو العاطفية pathétique (الصور – العناصر الرمزية الموسيقية والعناصر الصوتية).
5.    التراكيب الدرامية (عناصر الصراع الناشئ من التقاء الشخصية مع نفسها، أو مع خصمها، أو مع الأحداث).
فضلاً عن هذه التراكيب يشير إلى التراكيب المختلفة التي تنتظم داخل البنية اللغوية والنحوية.( )
وتعتمد معظم الدراسات التي تتبنى هذا النمط من التحليل على إحصاء الأفعال والأسماء والحروف واستنباط وظائفها الدلالية داخل النص. غير أن هذه الطريقة لا تخلو من المآخذ والأخطاء، إذ يتركز التحليل على البنية اللغوية والنحوية ناسياً الجوانب الأدبية والدلالية، كما أنه يجعل من علم النحو والمعجم اللغوي مرجعاً محايداً للنص، فيتقيد النص بمرجع موضوعي خارجي ثابت، وبدلاً من أن يصبح الواقع مرجعاً موضوعياً للنص تصبح القاعدة النحوية والمعاني المعجمية نمطاً مرجعياً يحدد دلالة التركيب والبناء. وبهذا يخرج التحليل بنتائج عامة توضّح خصائص الأفعال والأسماء والحروف ولكنها لا توضح خصائص النص الذي تدور حوله الدائرة؛ يقول ميشيل ريفاتير: “لا يعطينا التحليل النحوي لأي قصيدة أكثر من نحو تلك القصيدة”( ). وعلى الرغم من ذلك فإن المسار النحوي لأي نص يقدِّم لنا جوانب دلالية متعددة، إذ يفتح آفاق العلاقات بين الجمل والألفاظ، ولكن النتيجة تبقى متوقفة على قدرة محلل النص في توثيق علاقات جديدة بين الألفاظ والتراكيب، فالمؤلف لا يقف ضد تأويلاتنا لنصه، بل على العكس من ذلك فكلما كان النص قابلاً للتأويل زادت فرصه في خلق جماليات جديدة. ومن أجل الاستفادة من معطيات النحو على المستوى الدلالي سنعتمد على مفهوم (المرجعية: référence) كما يحددها ريفاتير بوصفها مفهوماً محايثاً، يقوم على النظر في بنية النص الداخلية من حيث اللغة وعلاقاتها الدلالية والتركيبية، إذ يوسّع هذا المفهومُ للمرجعية أفقَ التأويل وإعادة الربط الدلالي بين الألفاظ داخل النص. فالمرجعية عند ريفاتير مستخلصة من نحوية جاكوبسون حول نحو الشعر، وكذلك من مفهوم المحاكاة بحسب تحديث جيرار جينيت له، فالنص لا يحاكي شيئاً خارجياً يستجلبه من الواقع، بل إنه يخلق مرجعياته بنفسه، فهو يحاكي داخليَّته ومرجعيته التي يؤسِّسها من تراكيب الألفاظ، يقول:”إن المرجعية الفعلية ليست ملائمة للدلالة الشعرية أبداً…لكن الوهم المرجعي، بما هو وهم، هو نمط إدراك هذه الدلالة؛ فنحو المقولبات اللفظية الخاص بالأشياء يخلُق الأساس الذي عليه تُكشَف اللانحوية التي تشير إلى الانتقال من المحاكاة إلى التدلال. إن اشتغالات الحتم المضاعَف توحي بوضوح بأن النص الشعري مكتفٍ بذاته؛ فإذا كان هناك إرجاع خارجي، فإنه لا يكون إلى الواقع، بل هو أبعد من هذا. ليس هناك إرجاع خارجي إلا إلى نصوص أخرى”( ). وعلى هذا الفهم تكون بنية النص هي بنية متكاملة لا تحتاج إلى مرجعيات ثانوية خارجية لتوضيحها وشرحها وذلك لأن ليس هناك مرجع واقعي بل ما هو موجود هو وهم مرجعي يؤسّسه القارئ، ولكن ما هذه النصوص الأخرى التي يكون عليها الإرجاع؟، وما العلاقة المرجعية التي تتأسس بين النص المحلَّل والنص المرجع؟.
kh boshra 5إننا نلاحظ، في كل قراءة لنص جديد، تَغيُّر المرجعية ومفهومها ووظيفتها، فأحياناً تكون المرجعية أداة إجرائية لفهم النص، وأحياناً يكون النص نفسه شارحاً ومفسِّراً للمرجعية وهو يُقرأ من خلال وضعه بوصفه مرجعاً سانداً للمرجع الأول. حيث تتشكل دلالات النص عبر التداخلات التي يبنيها القارئ بوصفه مؤسِّساً للنص المقروء، لذلك لا بد أن يعتمد القارئ على رؤية لغوية تتآلف بين النص والمرجع لكي يحوِّل البناء اللغوي إلى بناء دلالي يحقق فيه مسارين متكافئين؛ الأول: يُعنى بجماليات النص التركيبية، والثاني: يُعنى بتحويل هذه الجماليات إلى دلالات مفسِّرة لرؤية القارئ وعصره. هكذا تبدو لنا عملية تحليل النص مجموعة مترابطة من العمليات التي تحرّك دلائل النص عن طريق تحليل المستوى اللغوي والدلالي والموضوعي.
ومهما تحدثنا عن غياب الواقع الاجتماعي والنفسي والفكري في تشكيل بنية النص بوصفه مرجعاً للمؤلف والنص والقارئ، فإن تمظهراته اللغوية تبقى جاهزة للتأويل ولتفسير الظواهر الواقعية التي نشأ النص في بيئتها، وسنرى عند قراءتنا للقصيدة قيد الدراسة أن هناك مرجعيات داخلية تبدو لأول وهلة ذاتية خالصة إلا أنها عند ربطها مع بعضها تظهر فيها الجوانب النفسية والاجتماعية الواقعية بشكل واضح.
إلى جانب ما ذكرنا نشير إلى أن ثقافة المؤلف لها دور كبير في بناء النص، ونحن هنا نتعامل مع شاعرة لها خبرة طويلة وعميقة وتجربة استثنائية في كتابة الشعر وقراءته ودراسته، فلا يمكن أن تكون الألفاظ جزءاً من وحي الخواطر، أو الأفكار بعض الأخيلة والإشراقات، وإنما هي بالتأكيد صناعة ومعرفة وخبرة؛ فقد لا نحس بمتعة القراءة إلا بعد عناء وجهد وقراءات متعددة، فالإشارات الخارجية للنص لا تعطي سوى القليل من وهج التخييل الذي يتضمنه النص، فمرجعية النص تتعدد وتتنوع بسبب تعدد وتنوع ثقافات المؤلف.
أما القصيدة التي ندرسها فهي بعنوان (مائدة الخمر تدور)، وهي إحدى قصائد ديوان (أندلسيات لجروح العراق) للشاعرة الدكتورة بشرى البستاني الصادر عام 2010، وهو ديوان يقوم على حبكة واحدة متداخلة جداً وكأنه قصيدة واحدة تأتي بعتبات متعددة، إذ تتناول الشاعرة فيه واقع العراق الراهن بعد الاحتلال الأمريكي، وتصوّر الأبعاد الدرامية والمأساوية للإنسان العراقي وللمرأة العراقية التي غرّبتها صواريخ الاحتلال عن أُلفتها وخصب مواسمها. وقد اخترنا هذه القصيدة لأنها، كما نعتقد، واحدة من القصائد المركزية في الديوان.

القراءة:
يقوم نص الشاعرة (مائدة الخمر تدور) على مجموعة من العتبات التي تقف على شكل فقرات تُقسّم النص إلى مجموعات دلالية متكافئة، إذ توظف الشاعرة معجماً لفظياً يتكرر عبر متجاورات وثنائيات متنوعة. وتشير القراءة الأولى إلى تكرار اللازمة (مائدة …. تدور)( ) مرات عديدة داخل النص الشعري، وهي تشكّل عتبات نصية متكررة تتقبّل إضافة (مضاف إليه) إلى (مائدة) لكي يمنحها دلالة متخصصة، ويبقى التركيب الإسنادي قائماً بين الفعل (تدور) والاسم (مائدة)، سواء على الفاعلية أو الابتداء. ولا يُغيّر المضاف إليه (المتعدد) نوع العلاقة الإسنادية بين المتساندين (مائدة … تدور)، على أنه يغيّر المستوى الدلالي دون المستوى التركيبي. ويتكون المضاف إليه من الكلمات: (الخمر، الوجد، الحرب، الحب، المسك، الصبر، الموت)، وهي كلمات ذات بنى ثلاثية تعطي معاني وجدانية معنوية أكثر من معانيها المادية الحسية وسنطلق عليها اسم (الروابط). وهذه البنية الثلاثية توحي بوجود ثلاثة عناصر متصارعة داخل النص الشعري تتكون من الضمائر (الفواعل) الآتية: (هي/ هو/ هما). وكل واحدة من هذه الثلاثة تقدّم حالة منفردة بذاتها وتعطي رؤية منفصلة عن الحالات الأخرى.
وأما المفردات (الروابط) فقد تكرَّر بعضها في عتبات النص حسب الرؤية الشعرية التي أرادت الشاعرة تقديمها والتي سنأتي على توضيحها فيما بعد. كما أنها اعتمدت على ألفاظ محددة مع تغيير سياقاتها داخل النص، وربما يظن القارئ للوهلة الأولى أن هذه العتبات هي مفاتيح القراءة، غير أننا وجدناها مفاتيح مراوغة لا تصرّح إلا بالمعنى الذي تتخفى وراءه معانٍ عميقة متعددة؛ ففي الظاهر يتأرجح النص بين الأجواء الصوفية والوطنية والإنسانية، فأحيانا نشعر بموسيقى صوفية تقترب من التراتيل الوجدانية وتسابيح الذات في خلوتها ووحدتها، وأحياناً ينزلق الشعور الوطني ليظهر من خلال الرفض والطاعة، أو اليـأس والرجاء، وبين هذا الإحساس وذاك يتناوب الموقف الإنساني الذي يظهر في توسّلات الـ (هي) أو في ضياع الـ (هو) داخل نسيج النص. إذ وظّفت الشاعرة مجموعة من الألفاظ التي تشير إلى دلالات متنوعة يستغلها النص للتخفي؛ مثال ذلك قولها:
خذيني،
ورشّي دموع النساء
قلائدَ فوق البوادي..
وقبعةً للدماءْ
خذيني، الصواريخُ مفتونةٌ بالليالي
ترشُّ رذاذَ الخرابِ على الشُّرَفِ الواجفةْ
مقلةٌ خائفةْ
تراودُ أسرارَها
وتلمُّ أصابعَ عشاقها من مخابئِ
تفاحةٍ عبرتْ نحو كهف السماءْ..
قمراً للبراري
وأروقةً للدماءْ( )
ففي هذا المقطع يتآلف الصوفي والوطني والإنساني داخل تعبير مشترك يتوحد بشخصية الشاعرة الأنثى التي تعيش جدل الإرادة بين الذات والواقع الخارجي، فاستعمال الفعل (رشّي، ترشُّ) بين الأمر والمضارع يأتي بصيغتين متناقضتين لدلالات متكافئة؛ فالأول يدل على حالة الثُّكل الذي تعيشه المرأة في وطن كثير الحروب، والثاني يدل على الخراب والفجيعة، فصيغة الأمر (رشّي) موجّه إلى ضمير الفاعل (أنتِ) من أجل إنجاز شراكة مع باقي النساء في الدموع؛ ثم تأتي صيغة المضارع (ترشُّ) مع ضمير الغائب (هي = الصواريخ) لتوحيد مفعولين به متناقضين هما (دموع النساء) و(رذاذ الخراب)، إذ يبدأ المقطع من فعل مشترك لينتهي إلى فاعلية ومفعولية متناقضة. وهذه البنية تأتي من أجل تحديد نوع المشاركة بين المتناقضات التي يقوم عليها الواقع في النص وخارجه.
وإذا ما راجعنا حركة المتساندين (مائدة …. تدور) سنجد فضاءً دلالياً يعمل على إعادة توحيد المعاني والمواقف داخل النص أو بالأحرى إعادة التآلف بين الضدين المتناقضين: (هي/هو). فالمقطع السابق ورد تحت عتبة (مائدة الحرب تدور) لذلك يتأرجح المعنى بين فاعلين متناقضين الأول يعطي دلالة الحرب (الصواريخ) والثاني يعطي دلالة السلام (ياء المخاطبة).
وقبل الدخول في تفاصيل القصيدة نشير إلى اتجاهين سنعتمدهما في قراءة النص هما:
1.    الاعتماد على مطلع القصيدة وجعله محوراً مركزياً في عملية التحليل وذلك لأن المطلع يمثل لحظة الارتباك العاطفي للمؤلف، خاصةً الشاعر، قبل الكشف والتحول، فهو صورة الإحساس الأولي للنص.
2.    الاعتماد على المجازات الداخلية، أي المجازات التي لا تحيل إلى معانٍ خارج النص وإنما تؤسس علاقات مرجعية داخل النص.
إن العتبة الأولى للنص تتكون من (مائدة … تدور) وهي تشير إلى (ذات) الشاعرة في تحولاتها أمام الواقع، فالمائدة هي نفسها ذات الشاعرة، وهي الشخصية الفاعلة في النص، لأنها الفضاء الذي يُحرّك جميع العناصر ويبقى هو محافظاً على توازنه ودورانه في نقطة ثابتة هي نقطة تحولات مستمرة. فالمائدة فضاء تتغير فوقها أشكال الواقع، وتكوّن فضاءَ الأحداث؛ وتبقى هي المائدة الثابتة على نظام من القيم والعواطف والأحلام، غير أن تحولاتها تتجسد عبر الألفاظ المتغيرة (الخمر، الوجد، الحرب، الحب، المسك، الصبر، الموت)، التي ستشكل حقلاً دلالياً واحداً لكونها جميعاً تعبّر عن حالات الذات في مواجهة الواقع المضطرب، وقد صوّرت الشاعرة الواقع (الراهن) على صورة رجل، يغيب ويحضر، يتودد ويهجر، وبذلك يتحقق البعد العاطفي في النص على مستويات عدة يبتدئ من الشخصي لينتهي إلى الاجتماعي والوطني.
إن النص الذي نقرأه يمتاز بالتداخل العميق، فهو يقدم لنا الأشكال من خلال المضامين، وعلينا أن نفهم الباطن من أجل فهم الظاهر،  فهو نص يقلب الرؤية حتى تصبح مرجعيته فيما هو غائب أكثر منها فيما هو حاضر أمامنا، وهو بهذا يعطي بعده الصوفي. غير أن النص يتجاوز محور المعيار اللغوي ويركّب استعاراته ومجازاته على محور نصي مغلق من المجازات؛ فليس هناك إشارات داخل الجمل المجازية إلى الثنائية التركيبية للجملة، أي لا يمكننا تحديد طرفي التشبيه أو الاستعارة أو المجاز بربطها بمفاهيم أو تصورات خارجية، فحينما نقرأ مثلاً مطلع القصيدة وهو تحت عتبة (مائدة الخمر تدور) تقول:
يمحو اللؤلؤ ما سطَّرهُ الياقوتُ على الأغصانْ.
لا أستثني وجعَ السمكِ القابعِ
في كهف البرقِ الأخضرِ.
مات السمكُ الأخضرُ مقتولاً في ثقبِ الإبرةِ،
قال الليلكُ:
ثقبُ الإبرةِ أوسعُ من بحرٍ
تبتلعُ الحُمّى مرساهُ
وتأخذهُ نحوَ ذراع الزبَدِ الطاعنِ بالصدْ
ينفرطُ العقدُ،
وأهوي نحو القاعْ . .( )
نلاحظ هنا أن الإسنادات التي تركّبت منها الجمل المجازية لا تخضع لمعيار معجمي أو دلالي أو عرفي خارج النص، لذلك يدخل القارئ إلى عالم النص وهو غير قادر على استحضار دلالات سابقة، أي يحضر بدون حضور مرجعه المسبق، وعليه أن يتعامل مع واقع النص ويؤسس ذاكرة جديدة لكي يستطيع أن يتواصل مع النص. وتتكون آليات التأسيس الجديد هذا، من الألفاظ التي تتكرر وتشكل المعجم الشعري، إذ يتم البحث عن مجموع السياقات التي استُخدِمَتْ فيها، فألفاظ: (اللؤلؤ، الياقوت، الأغصان، السمك الأخضر) التي وردت في المطلع ستتكرر في المقاطع الأخرى وتأتي بسياقات مقاربة لسياق المطلع، من ذلك: (تدنو الأغصان)، (أشدُّ بأغصان الرمان عنقي ثم أموت)، (يتثاءب خمر النافورات على الأغصان)، (مشكلتي أن الرمان يظل عصياً في الأغصان)، (تقتنص الطلقات الرمان)، (كفّي تمسح بالنور الأغصان)،.. فهنا تبدو الأغصان ذات دلالة إيجابية وقد اشترك في معناها (الرمان) وهو يتضمن معنى جسد المرأة، وكذلك يشكل (الرمان) سياقاً آخر في النص، لكنه سياق ملحق يعزز المعاني المركزية التي بنيت عليها القصيدة. وهو بهذا يؤسس تشجيراً نصياً يتناص بعضه مع بعض، ويصبح اللفظ مرجعاً للّفظ الآخر. فالأغصان والرمان تشكل مع الألفاظ الأخرى التي وردت معها مجموعة دلالية واحدة تشير إلى الرغبة والشهوة والتحرر، وهي جميعها تنبثق من جسد المرأة التي ستواجه الطلقات والصواريخ والحرب والموت…إلخ التي يسقط تحتها الفاعل الغائب. فالجسد يحضر في القصيدة من خلال أشكال متعددة، ففيه يُنتَهك الإنسان وفيه يُكرَّم ويُعزَّز ويَتحرَّر، والقصيدة تحكي عن سيرة جسد يتمظهر في أشكال مختلفة هي: الرجل والأنثى والوطن، تقول:
الحوت سيهوي نحو سهولٍ ظمأى
ويظل يدور
في قرن غزال مكسورْ
مشكلتي..
أن الرمان يظل عصياً في الأغصان
وأن اللون الأحمر لا يعطي شارته في الليل
وأن الحلم الأخضر يقطينٌ
والظلمة حوت
رجل وامرأةٌ في التابوت
والبحر يجرِّحهُ السمك الوحشيُّ
البحر يلمُّ حقائبه،
ويموتْ( )
فهنا تبدو الإشارات التاريخية العقائدية واضحة في قصة يونس عليه السلام حينما ابتلعه الحوت ثم اتّخذ من شجرة اليقطين دواءً له بعد خروجه من بطن الحوت، ولكن النص يتلاعب بالحدث ليوظفه في تركيب سيرة ذاتية للأنا والهو، فرجل وامرأة في تابوت وهما على قيد الحياة ولكن البحر (الوطن) يموت. وهذه الصورة الجنائزية القائمة على التناقضات تحكي خلاصة الموقف الذي تحيا به الشاعرة على مستويات عديدة منها الشخصي ومنها الاجتماعي، فأما المستوى الشخصي فيتمثل في تصوير مكبوت الثقافة المتعالية داخل مجتمع أغلقته العادات والتقاليد والسياسات المضطربة؛ وأما المستوى الاجتماعي فيتجسد بالنظرة الإصلاحية العاطفية التي تعيشها الشاعرة في سبيل التآلف مع المجتمع. وكل ذلك يكون عن طريق تكوين رؤية للجسد، فمحنة يونس عليه السلام كانت في جسده وعند الشاعرة كانت في جسدها كذلك، ولكن الجسد هنا يظهر على شكل تحولات فهو جسد الأنا والآخر والوطن والفِكر والثقافة والتاريخ، كله جسد تنتهكه محنة الواقع.
هكذا يبدو لنا أن معنى النص لا يكتمل برصد سياق واحد بل يتطلب قراءة جميع السياقات بنفس المستوى، وهو يتفق مع تعريف (هارالد وينريتش) للنص بأنه: “كلٌّ يشتمل على عدد من العناصر التي ترتبط فيما بينها بعلاقة تبعية متبادلة. وتأتي هذه العناصر أو مجموعات العناصر متتابعة في نظام منسجم وحصيف تسهم كل قطعة نصية فيه في توضيح القطعة التي تليها، وتسهم هذه الأخيرة بدورها في توضيح سابقتها”( ). وهو نفسه ما ذهب إليه كل من (مايكل هالداي ورقية حسن) حينما وضعا أسساً لدراسة العلاقات القبلية والعلاقات البَعدية داخل النص ووجدا أن كل متتالية من الجمل تشكّل نصاً على أن تكون بين هذه الجمل علاقات، إذ تتم هذه العلاقات بين عنصر وآخر وارد في جملة سابقة أو جملة لاحقة، أو بين عنصر وبين متتالية برمتها سابقة أو لاحقة( )؛ وقد كان لهما الفضل في صوغ ما سمّياه بـ (التماسك( أو (وسائل التماسك: cohesive devices)، إذ نظرا إلى التماسك على أنه سمة دلالية وعرّفاه بأنه: “علاقات المعنى الموجودة في النص، تلك التي تعرِّفه بأنه نص”، أي إن النصية تستمد من علاقة التماسك، ويحدث التماسك – طبقاً لهما – عندما يتوقف تفسير عنصر ما في الخطاب على آخر، أي إن تماسك النص هو أن تتعلق أجزاؤه بعضها ببعض لتكوين كتلة واحدة لا يستقل بعضها عن الآخر، وباختصار فالتماسك هو حُسن ارتباط النص. ويتحقق التماسك في اللغة بخمس وسائل هي:
1.    الإحالة [= المرجعية]: reference.
2.    الإبدال: substitution.
3.    الحذف: ellipsis.
4.    الربط: conjunction.
5.    التماسك المعجمي: lexical cohesion.( )
وهذا ما نجده واضحاً في نص الشاعرة، إذ تتداخل الألفاظ والتراكيب معاً وتفسّر بعضها بعضاً، فمن خلال متابعة المفردات وجدنا أنها تنتهي إلى دائرة نصية مغلقة، وكأنها تعبّر عن فكرة مركزية واحدة تدور حولها الأحداث؛ فمثال ذلك نتابع لفظتي: (السمك/الأخضر)، وهما يتردَّدان في النص إما مركّبان من صفة وموصوف أو يأتيان متفرِّقين حيث يدخل السمك في سياق والأخضر في سياق آخر، من ذلك: (السمك الأخضر يعدو في الفلوات)، (وأن الحلم الأخضر يقطين)، (والبحر يجرّحه السمك الوحشي)، (بحرٌ تشربه الأسماك)، (وحُمّى المطر الأخضر، مأدبة هذي الأرض)، (أخجل من نظرته الخضراء وأذوي)، فالسمك والحلم والمطر وكذلك (كهف البرق الأخضر)، الذي ورد في المطلع كلها تشكل حقلاً دلالياً واحداً على الرغم من اختلافها المعجمي، وهذا الحقل الدلالي هو صورة اللاوعي الذي يمثل الجانب الإيجابي للسيرة الذاتية والذي سيصطدم مع الوعي وهو الجانب السلبي لتجربة الآخر (الرجل)، لذلك تتشكل الفوضى من تضاد دلالات الوعي واللاوعي في مغزى واحد يعبّر عن الإنساني المشترك والذاتي الشخصي في دفعة واحدة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فعلينا أن نعرف لماذا اعتمدت الشاعرة على هذا التغييب والتغريب للألفاظ وجعلت النص مغلقاً على مجازاته وصوره؟، وما علاقة كل ذلك ببناء الموضوع العاطفي؟. إننا أحسسنا عند قراءتنا للنص أنه نص يقوم على الصراع بين أحلام الأنثى وواقعية الرجل، وهو صراع يمثّل الهدم الذكوري والبناء الأنثوي، الأنثى تمارس حلمها وهي حاضرة، والرجل يمارس هدمه في الغياب. يقول بارت:” الغياب هو كل حدث كلامي يلقي الضوء على غياب المحبوب – مهما يكن الباعث والأمد – ويطمح إلى تحويل هذا الغياب إلى تجربة في الهجران”( ). فالغياب الذي تتعامل معه الشاعرة ليس غياباً عن المكان والزمان، بل إنه غياب الذات عن حلمها وانفعالها، فربما نحس ونحن نقرأ القصيدة باختناق الأحلام واحتضار الرؤية تحت وطأة الواقع الذي يلح على دخوله بوصفه مرجعاً مناقضاً لما يريده النص. من ذلك ما نجده مثلاً في قلب صورة الليل والنهار، فليل الشاعرة هو مخْبَأ الأمل والأحلام والنور، أما الفجر فهو فجر الموت والحرب والخوف والخراب، فغالباً ما يأتي حديث الحرب مع الفجر، تقول تحت عتبة (مائدة الحرب تدور):
يبعثرني النوم على أشلاء الفجرِ
أُكسِّرُ عصفَ الصاروخِ القادم من طائرة الكابوجي،
أشربُ ذعرَ الأطفال وأمنحهم عطري
يسترخي الطفلُ المذعورُ
بفوحِ العطر الفادح بين ذراعيّ
ويطبق عينيهِ
فيوقظه الدمعُ المتفصّدُ من قلبي
فوق الدغل الخائفِ
أخجلُ من نظرته الخضراء…
وأذوي…..( )
فعلى الرغم من حديث الحرب إلا أنه حديث مليء بالطفولة والعطر والأمل، فهو صراع بين الحياة والطفولة التي تولد مع الفجر، والذعر والموت الذي يولد كذلك في لحظة واحدة. فما يؤديه النص هو عملية استبدال الإيجابي بالسلبي. أما الليل فهو يأتي تحت عتبة (مائدة الحب تدور) تقول:
أنقاض الليل تفوح بنبض البرق
بتوقِ النرجس يجفل في دغل الروحِ
مخاض الليل يبوحُ
عباءةُ غيمته ترقب نوراً
يطلع من كفينا
من وجنة نبع النار الطافح بالتفاحِ( )
فالليل هو فضاء الأمل على الرغم مما كان في الفجر من خيبة وانكسار. إلى جانب ذلك نلاحظ في هذين المقطعين وقوع مقابلة بين المعاني، تتأسس كذلك على ألفاظ مشتركة تعمل عمل النواة بين المعنى والمعنى المضاد، فألفاظ: (فوح/ تفوح، الدغل الخائف/ دغل الروح) وردت في المقطعين لتدل على تناقضات الغياب بين الليل والفجر.
هكذا تمتلئ القصيدة بالتداخلات والانتقالات بين المعاني والرموز والإيحاءات، فهي ذات بنية دائرية تكرارية، تتحقق فيها عتبة العنوان (تدور) على مستويات عديدة ابتداءً من المستوى الإيقاعي وانتهاءً بالمستوى الدلالي، ولسنا نريد أن نحدد المعاني والدلالات لنختتم التحليل بنتائج ثابتة بل نريد أن نبيّن قدرة التراكيب التي تأسست عليها القصيدة على خلق مرجعيات محتملة ومتنوعة بحسب المسارات التي تمنحها القصيدة لكل قراءة.

هوامش :
( ) Le ciel est par-dessus le toit, élément pour une analyse textuelle, Sully FAIK, cahiers de littérature et de linguistique appliquée; Numéros: 3-4; Juin- decembre, 1971: 51.
( ) مفاهيم نقدية، رينيه ويليك، ترجمة: د. محمد عصفور، عالم المعرفة – الكويت، 1987: 443.
( ) الأدب والواقع، رولان بارط وآخرون، ترجمة: عبد الجليل الأزدي، ومحمد معتصم، مراكش: ج.ج تنسيفت، ط1، 1992، مقال (الوهم المرجعي) لميكائيل ريفاتير: 67.
( ) تأتي هذه اللازمة أيضاً في بعض قصائد الديوان الأخرى كما في قصيدة (أندلسيات لجروح العراق) إذ تضيف عليها كلمات مغايرة هي: (دبابات الغزو تدور), (دبابات السلب تدور)، و(دبابات الحقد تدور)، و(عربات الحقد تدور)، و(دبابات الموت تدور). ينظر: أندلسيات لجروح العراق، بشرى البستاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، دار الفارس للنشر والتوزيع – الأردن، ط1، 2010.
( ) أندلسيات لجروح العراق: 59 – 60.
( ) أندلسيات لجروح العراق: 56.
( ) أندلسيات لجروح العراق: 63 – 64.
( ) مدخل إلى علم النص ومجالات تطبيقه، د. محمد الأخضر الصبيحي، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون – الجزائر، ط1، 2008: 70.
( ) ينظر: لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، المركز الثقافي العربي – بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1991: 13.
( ) ينظر: الإحالة والتماسك، محمد محمد يونس علي عن الموقع الإلكتروني:
http://www.ta5atub.com/t92-topic
( ) شذرات من خطاب في العشق، رولان بارت، ترجمة: د. إلهام سليم حطيط، وحبيب حطيط، إبداعات عالمية – الكويت، ط1، 2001: 25.
( ) أندلسيات لجروح العراق: 67 – 68.
( ) أندلسيات لجروح العراق: 68.

المصادر والمراجع
أ. الكتب العربية والمترجمة:
1.    الأدب والواقع، رولان بارط وآخرون، ترجمة: عبد الجليل الأزدي، ومحمد معتصم، مراكش: ج.ج تنسيفت، ط 1، 1992.
2.    أندلسيات لجروح العراق، بشرى البستاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، دار الفارس للنشر والتوزيع – الأردن، ط1، 2010.
3.    شذرات من خطاب في العشق، رولان بارت، ترجمة: د. إلهام سليم حطيط، وحبيب حطيط، إبداعات عالمية – الكويت، ط1، 2001.
4.    لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، محمد خطابي، المركز الثقافي العربي – بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1991.
5.    مدخل إلى علم النص ومجالات تطبيقه، د. محمد الأخضر الصبيحي، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر، ط1، 2008.
6.    مفاهيم نقدية، رينيه ويليك، ترجمة: د. محمد عصفور، عالم المعرفة – الكويت، 1987.

ب. المصادر الأجنبية والإنترنت:
1.    الإحالة والتماسك، محمد محمد يونس علي عن الموقع الإلكتروني:
http://www.ta5atub.com/t92-topic
2.    Le ciel est par-dessus le toit, élément pour une analyse textuelle, Sully FAIK, cahiers de littérature et de linguistique appliquée; Numéros: 3-4; Juin- decembre, 1971

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: صالح الطائي الطائي.. تأملات في فلسفة السرد!!

(اعلم ان كل فرد في المجتمع له رأيه الخاص ولكننا يجب ان نتفق في النهاية …

صباح هرمز: هل هدمت رواية “وشم الطائر” ثنائية الرواية والوثيقة؟

قد تبدو هذه الرواية لتعرضها لمأساة الأيزيديين التي هزت العالم، بأنها رواية وثائقية، أو أن …

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله –بغداد – العراق 22/10/2020

اللغة التجريديّة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : كذب… بقلم : عبدالله محمد الحاضر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *