بلقيس ملحم : الباقي من النور (12)

3balkis melhem– من هوامش امرأة ضريرة!

ما معنى كلمة مجزرة ماما؟
أتخيل حزمات كبيرة من الجزر البرتقالي المملوء بالماء, أتخيله وقد هرستــه الأقدام.. تكرر سؤالها: ما معنى كلمة المجزرة؟ ماما, اليوم سمعتها في الأخبار أكثر من مرة, ما معنى المجزرة؟؟هكذا تسأل ضفاف كشاعرة متغابية ومتصوفة يدب في رأسها جوابا مختلفا,وكأنها تقول بين نفسها: ألا يصح أن تكون المجزرة على وزن مزبلة؟ أو مقصلة؟ أو مذبحة؟ أو مصيدة؟زميلتي أشجان –المسيحية- سألت أمها ولكنها لم تجبها أيضا, فقط أخبرتني بأن أمها ترى في كل يوم طيفا لرداء أبيض, يمشي في شوارع بغداد, يقف فوق البنايات الشاهقة ويطير أحيانا, يبحث عن عمود صلبوا عليه المسيح, ذات الرداء الأبيض كانت مريم العذراء, أمها كانت تحكي ذلك بكل ثقة!
أفتح فمي, لا لأتكلم, أوهمها بالجواب, أزمه مرة أخرى لأقبلها, يا بعد رويحتي شلج بيهم وخاطرج الي ما يتأذه..
تعود لسؤالها: – ما معنى المجزرة؟؟!
يتدخل أبوها مقتضبا بعد أن داس كعب سيجارته الرابعة التي دخنها في أقل من ربع ساعة, بينما انشغلت بغرس أصابع يدي في شعر ضفاف, مفككة خصلـه الناعمة:
–    تعلمت أن العراقيين ينقسمون إلى قسمين أناس طيبون جدا وأموات..baghdad 24 هذا ما اعترف به أحد جنود الاحتلال أخيرا بعد المجزرة.. كانـوا يوزعون الماء على الناس المرعوبين ثم يصيحون بهم:  ارجعوا إلى الوراء وإلا قتلناكم جميعا ومنعنا عنكم الماء! يترجم ذلك النباح المفهوم مترجم عراقي أبلع لهجته الفصيحة ولا أبلع كونه عراقيا, كان حليق الرأس وأظنه كثيف العانة! يصيح به أصدقاؤه الأمريكان: أجاج.. أجاج.. هوسين.. أجاج مضيفا شتيمته لشتائمهم الأجنبية: صدك من سماكم معدان وكاوليه قرف قرويين متخلفين خايسين قرف.. كدتُّ أجن ياعفراء, أنا سمعته بأذنـي وشاهدته من هاتف صديق لي ناج من المجزرة ذاتها, استطاع أن يلتقط فلما موثقا عن الجريمة بهاتفه المحمول.. لو كنت أمامه لما احتملت هذه الإهانة لقلت له: اللعنة على ساسك يا جلب مو خوالك المعدان يالمعيدي!! صدك هذا مو صوج الشرفاء صوج الملاعين الي وياك! اللعنة على بختك لك أنت واحد سكران بالديمقراطية الي دا يحجون عنها وكلشي ممفتهمين.
كانت ضفاف تصغي إلى والدها وهي معجبة بجرأته وكأنه بطل قومي: إيه وبعد بابا شصار!!
صوَّب نظره إليها بعد أن فتح ياقة قميصه المشحم بزيت السيارات: هم نفسهم من يقتلون الكلاب السائبة.. هل تصدقون بأن الأمريكان يقتلـون الكلاب؟ هههههههههه.. هكذا ضحك ضحكة قوية.. لكن سرعان ما عاد وجهه حزينا غاضبا مثلما كان, متابعا حديثه المشوي: نعم, ولكن بعد أن يفعلوا فيها الفاحشة انتقاما, حتى كلاب بغداد نجسة في نظرهم.. هـم لا يفرقون بينها وبين البشر, هل تعلمين ضفاف بأن إحدى الجزرات نجت من بين ركام البيوت التي كادت أن تسقط, خرجت لتبحث عن رضيعتها التي فقدتها حيث لفت انتباهها صوت السرافات الكبيرة التي كانت تجوب بين الممرات الترابية باحثة عن فدائيين, خرجت لتمر بين غبار الدبابات الصاعد تبحث عن رضيعتها التائهة وهي تنظر إلى السكاكين المسنونة والتي ستقطع الجزرات.. دون أن تدرك بأن الغطاء الجوي أكمل مهمة المزبلة..
فجأة صمتنا جميعا لبيان الموت التالي والذي انبعث من راديو قديم يعمل بمزاجه :خبر عاجل: 180 قتيلا وجريحا في تفجيرين انتحاريين ببغداد وديالى, الانتحارية فجرت نفسها وسط جموع من المهجرين أثناء تلقيهم مساعدات قرب ساحة التحريات جنوب شرق بغداد, وانتحاري يستهدف زوارا إيرانيين دخلوا من منفذ المنذرية الحدودي حيث انفجر الحزام  في أحد مطاعم المقدادية, مستشفى ابن النفيس استقبل حتى الآن أربعين جثة بينهم ثلاثة ضباط وأربعة أشخاص من عائلة واحدة..
أكتفي بلا حول ولا قوة إلا بالله!! مردفة حوقلتي بتمتمات..
–    شدا تحجين؟ سألني متعجبا من خفض صوتي
–    سيعود الناس إلى ثرثرتهم, لن ينتهوا من فك لغز الانفجـارات التي لا تنقطع, الحكومة, المحتلون, الخونة, أذناب البعث, الدول المجاورة.. لن ينتهوا لنتيجة, جميعهم سيدخنون السجائر وكأن شيئا لم يحدث.. وأنـت أعطني أعواد ثقابك, ألا ترى أن الكهرباء بدأت تتأرجح..
–    هاتِ الَّلاله, أنا من سيشعلها
–    نسيت بأن أقول لك, البارحة أتى أبو سليم إلى هنا ليسأل عنك, يطلـب منك سعر الإمبيرات مسبقا.. إسمع من اليوم وصاعدا سندفـع له خط الكهرباء مسبقا, عليك أن تتدبر الأمر وإلا سيقطعه دون سابق إنذار..
–    اللعنة عليه لج هذا ما يشبع.. ليش هو ما شايف ان نص المنطقة فقدت أعمالها شغل ما كو حتى بيع المخضر والملابس المستعملة ماكو.. قابل نشتغل بالممنوعات لو تهريب.. لو عواليس تبوك ست مية كلاكنشـوف ونص مليون طلقة لو طركاعة جبيرة توكع فوك راسنا..
نغرق في الظلام, لا نعود للحديث نفسه, صرنا نتحسس بأصابعـنا عن قطع الجبنة والطماطم بينما تفتح ضفاف عينيها لأفق بعيد..أنا أيضا فور ما ألقيت بجسدي المنهك.. سافرت لأفق بعيد وبدأت أنبـش في بغـداد بأصابعي, لقد تحولت المدينة إلى أنقاض وبقايا مائدة يتصارع عليـها الأعداء والأصدقاء السابقين, صارت العراق بلدا مفتوحا هكذا يقولون في نشرات الأخبار ولا أدري إن كانوا يفاخرون بذلك. أم يندبون؟؟ رغم ذلك الانفتاح المزعوم, فإن عراقي اليوم يتضور جوعا كجثة شرهة للنووور, للهناءة في قدح ماء بارد, هو لا يريد أن يسأله أحد عن هويتـه, لا يريد أن يطرح عليه أحد هذا السؤال الذي مسخه إلى قرد يتقن فن القفز وهو لا يعرف لماذا يقفز وعلى من يعلن انتصاره, صار العراقي يكره أن يسأل هل: أنت مسلم؟ شيعي؟ سني؟ كردي؟ عربي؟ مسيحي؟ كلداني؟ آشوري؟ صابئي؟ وجودي؟ شيوعي؟ ملحد؟ صعلوك؟ غجري؟ شروكي؟ معيدي؟ لك هو إنسان مخبَّل وبس!! العراق صار مستحيلا كغريق يحبو إلى أرض موعودة ولكن على بحر من الظلمات.. .الأمريكان أنفسهم لم يفهموا اللعبة, لقد قسمونا أولئك الحثالة إلى طوائف ومملكات هلامـية
خادمين بذلك إيران التي تغلغلت فينا كأفعى لايسمع لزحفها صـوت ولا هسيس, دمرت وقتلت ووزعت فرق موتها وعبواتها وعجلاتها الموقوتة بصمت فعلت كل شيء دون أن تطلق رصاصة واحدة حتى تخبط المحتل وحار في أمره لدرجة أنه فتح حربا مستقلة على الفلوجة وحدها.. فسواها بالأرض, تلك هي الأرض الحرام..  نعم لقد صار العراق مفتوحا, ولكنه مفتوحا لغرض واحد وهو الغزو بكل أشكاله!!
ماذا جنينا؟ الفقر والحرب و الحصار علمونا أشياء كثيرة جعلونا نتقن فن النبش في قبور الحياة.. حتى أولئك المثقفون نبشوا معنا, بحثوا عن لقمة عيش تسترهم.. الجنود والذين فروا من الخدمة العسكرية كانوا ينبشون عن رواتبهم الشحيحة, عن كرامتهم المهانة, عن أحلامهم الملطخة بطين الخنادق القذرة, بائس أن يتحول الإنسان إلى أداة حرب, حتى صاروا في نظر إمبراطورية صدام- جبناء وخونة- بعضهم هرب من كبسات نقرة السلمان ونفي الوجود, وبعضهم تحول إلى كائن غريب يأكل من البالوعة ويصطاد!! ذاك الإبن الأصغر لأم أياد والذي عفي عنه بمعجزة, لم تنفع معه مساحيق العطارين ولا أقراص الدواء المنتهية الصلاحية هو المنتهي في العذاب, هو من اقترح أمر البالوعة هذه! حتـى أخذته إحدى الغارات العفوية, بينما فضل أخوه الأكبر سؤدد أن يهرب إلى بساتين ديالى سرا, فيما اكتفت والدته بالبحث عنه في بيجي, وهي مسكونة بالأسئلة الغريبة: لويش عفتوني بعد هالعمر يمه؟!
أغرق في بغداد, فلا أحد ينقذني من نفسي.. سيارات الإسعاف مشغولة بنقل قتلى وجرحى الانفجارات, فكرت أن أعود لصحوتي, أن أغطـي صدري بعباءتي وأخرج ثديي من تحتها لأرضع به علي ووجهي ما يزال مرعوبا من الدماء الرائبة والنعل البلاستيكية المقطعة وجلبلة النابشين عن أحياء بين أنقاض الجثث.. لم تساورني الطمأنينة رغم أن عليا مص مني آخر قطرة حليب تخيلت لو أن عليا معي الآن تخيلته وهم يقتادونه أمامي دون أن يطرقوا الباب, حاشرين عتادهم وكلابهم البوليسية بعد أن حطموا الأثاث الباكي, متسلِّين بتعذيبي أمامه, تخيلته وهو يبول على نفسه فزعا وهو ابن الثامنة عشر, هل كان يفكر بما كان يتناقله شباب المحلة بعد أن أفرج عن صديقهم–الأعمى-حسام بأن الجيوب الأمريكية تقذف بالمعتقلين في غرف التحقيق التي خلفتها مديرية الأمن العراقية السابقة وهم مكيسو الرؤوس, مكررين عليهم أنواع التعذيب والإهانة ذات الصبغة الفوقيـة؟! كل يوم نفس التعري بينما تختلف الإهانة, مرة يزحفون على الوراء, مرة يركبون بعضهم ومرة يلطخونهم بالخراء, كل هذا وأنا متهاوية أمامه بعد أن أسقطوني أرضا, تذكرت يوم أن منعته يوما من الذهاب إلى المدرسة, يومها كان الشتاء قارسا ولما نشتري له سترة صوفية بعد, وهو الآن أمام وجهي لا أستطيع أن أمنعه حتى من التبول, أآآه ترى هل كان يتمنى لو أنه أعارني شاله ليغطيني به؟..أو ليخنق به وجه ذلك الأبيض الخالي من المذاق؟! الغيرة تدفعنا لفعل أي شيء.. غرقت دون أن ألمس جوابا منه, حتى رفسني من جنبي الأيسر, حينها كانت ضفاف تقول لي بأنها شاهدت امرأة قُطعت ساقها وهي تولول في إحدى الفضائيات, تقول بأن المجزرة وقعت بالقرب من إحدى المزارات, وبأن ثمة أشرطة نذور ملونـة كانت في عرصة المكان.. لقد داستها أقدام الغزاة, داسوكم يا بعد اهلي!!
ثمة ضوضاء خارج المنزل..
هل هي كبسة جديدة أم ماذا؟ متى يعود جاسم إلى البيت؟ بدأت أقلق عليه. خرجت إلى الحوش الخارجي, مصفحة أمريكية تمر سريعا أمامي, خفق قلبي بشدة, توقفت بعيدا عن الشارع وألقت بكومة من الشبان اللذين كانوا مثل العميان, لقد أطلقوا سراح أبناء المحلة إذا..!! الشجعـان لم يعترفوا بالعبوات الناسفة التي ألصقوها الأسبوع الماضي جانب الطريق السريـع الذي يربط بالأنبار حيث تمر مدرعات المحتل, يومها تناثر جسد أمريكي أسود بينما اختفى من تبقى داخل المدرعة, صاح شباب المحلَّة:
واتظلي ديما فوك .. منصوره يا بغداد
وانشوفك ابعز دوم .. منصوره يا بغداد
منصورة يا بغداد.. منصورة يا بغداد..!
بينما رفع الكبار على أكتافهم: العائدين بملابسهم المتسخة.. وبوجوههم الشاحبة المصفرة وسط فرحتهم التي لوحوا بها لآبائهم ولأمهاتهم اللاتي كن مندهشات من فجآءة الخبر الذي وقع كالسيف القاطع لليأس, هل حقا عاد أبناؤهم سالمين؟ ماسحات بأطراف ثيابهن عيونهن المتنفخة وأنوفهن الحادة, بينما يلتف الصبية الطامعون في بشارة الأمهات الكريمات: أنا رأيته أولا.. لا أنا.. إحداهن تبعدهم واحدا.. واحدا عن حوشها الفوضوي بالخردات والحشائش, مقتربة منه وهي في حيرة زغرودة قلقة خرجت متقطعة من أثر بكاء الفرحة وهي تضع رأسه بين ثدييها, تشمه وتقبلـه وقد تجاهلا أسئلة المتجمهرين حول خلفيات اعتقاله!!
عدت إلى داخل البيت وقد ذهب خوفي على زوجي.. بعد ساعتين وحالما هدأ الوضع , دخل جاسم وهو غاضب جدا وعابس, لم أنبس ببنت شفه, كأن شيئا لم يحدث, أمسكت العود الذي كان بيدي ودفعته لضفاف لتكمل تنظيفه, قافلة إليه بوجه صافٍ ولمسة دافئة من راحتي مررتها على ذقنه الحليق, دفعني قليلا عنه ثم أمسك برأسه يعصبه بأصابعه الضخمة, جلس على البلاط مسندا رأسه على الجدار:
–    الكَحبة حسنة تدرين شسوت؟ بـاعت البنت الي جانت تربيها, خو تدرين البنت مريضة وخافت تموت عدها, راحت تبيعها للخراء شيروان, خطية هالبنية,عرفت من قريب لصديقتج فتنة أنها باتت ليلة وحده ببيت شيروان جماعة تهرب كحبات عراقيات لسورية باجر بالليل راح تاخذها وياهم.. آخ لو أعرف وين مخبيها منعول الوالدين!
قام مرة أخرى يشبر الصالون وهو يفرك أصابعه
–    صدق جذب الي دا يصير؟
–    باجر من الصبح ترحين لفتنة الخراء الُّخ, وتاخذين منها تفاصيل كل شي افتهمتي لو لا؟
ياويلي مالذي ينوي أن يفعله؟ المدعو أبو زينب عتَّال لعب بدماغه, هل يريد أن ينخرط في جرائم شرف, ألا يكفيه ما نحن فيه, سودَه على وجهي من يبيعوا النسوان شرفهم سوده..
–    الي تشوفه أبو ضفاف.. قلتها وأنا خافضة من صوتي ولا أدري إن كان سمعني أم لا..
بعد هذا الحديث المُر, صرت باردة بدون ملامح حقيقية, بوجه خال من الحياة, فتنة الجميلة تجلس أمامي متمددة على أريكتها القذرة كأنها تلوك كبدا بداخلـها تكاد أن تقذفها مهروسة وهي تقص عليَّ ما حل ببعض المغلوبات على أمرهن على حد تعبيرها: صدقيني لا ينتظرن ما هو آت, يلجأن للهروب من قبضـة المليشيات المسلحة وفرق التهجير والخطف والموت الحتمي, ولكن سرعان ما تفقد الأسرة مصروفها من الحلي الذي باعته فور وصولها إلى سورية, تفقد كل شيء حتى معونة الوكالة الدولية, الأسعار مرتفعة, لا ملاجيء أو مـدارس أو مراكز صحية, يذوقون طعم الموت ألف مرة فتبعث الأم والخالة والعمـة وقد تكون هي القوادة ذاتها, تبعث ببناتها الجميلات إلى الأندية والمقاهي الليلة التي يرتادها السواح الخليج وأثرياء سوريه ليتحولن إلى داعرات محترفات مومسات نشطات ومقايضات واعيات, سماسرة في شكل لعبة حلوة, يبعن ويشترين عقود الزواج الوهمية, يمولون عصابات الإنحراف والتي تصل إلى حد القتل, منظمات في حد ذاتها تنافس جمال السوريات والمغربيات البارد, صار لهن قانون ونقابة تشبه القرصنة يترأسها عاهر يملك عشر كازنوهات في شارع واحد بأكمله..!! بناتنا هناك يتقاضين أجرهن بالساعة، وعندهن زبائن دائمين من الخليـج ومن البلدان الأخرى, إنهن يتكاثرن كالطحالب السامة في ضواحي دمشق العفيـفة, وكازينوهاتها المتعافية.. من مساكن (برزة) في الشام العدية يخرجون مساءا, يبارزن الزمن والعار, يقامرن بكل شيء في سبيل اللقمة, في ملهى ليلي مزين بمسرح عراقي المواصفات, تملؤه أجواء الطرب المبتذل وأجساد الصبايا البضة الملفوفة بثياب مقصصة وعارية كفهود مبقورة البطون, تحت وقع عزف همجي ينثرن شعورهن السود على أكتاف الملوك السكارى الجالسين في مقدمة الملهى وهم يتكرعون قناني البيرة الفاخرة وكؤوس الويسكي المستورد, يستميلونـهن بطق الإصبع بشكل خلاعي فتعلو سخونة المكان, يتحول إلى دوائر بنفسجيـة ورمادية قاتمة.. تستلذ فيها الأنوف السارقة للَّذة المصحوبة بالمديــح البذيء, يهززن أكثر بخصورهن الضيقة.. وبجيبوهن المزينة بالذهب المقلد, وبأردافهن الممتلئة, ليردحهن في أحضانهم برقصاتهم الغجرية.. بالأيادي والسكاكين على أنغام البرتقالة والتفاحة وصوت سارية السواس الخليع وهي تنادي عليهم واحدا, واحدا, معانقين بنخب نشوتهم الفاضحة أفخاذهن خلف دخان الأراجيل المعسلة برائحة التفاح وعرق أباطهم الحامض.. وضجيج الزبائن الذين اعتلت أصوات تصفيقهم فور سماعهم للمطربة الجديدة ابنة العشرين عاما وهي تحييهم بلسانها الملعلع, بينما غزت دمعة كسرت فرحة عابرة في عيون الساكنات المحنطـات في فترينة الملاهي لحظة التحية الوطنية :
أحلى تحية للعراق!!
هنا بكيت أنا وفتنة.. وقلت لها: كفى..!!
فاضت عينها ببكاء طويل ونشيج ترك على الجدران أثره, كان صوت بكائنا يشبه صدى طفل تائه وسط كهف مظلم بكت أكثر ثم أفرغت خليطا مرتجا بلون الصفار الباهت, كم بدت كبدها خاوية..!!
شعرت بأننا بتنا في زمن المباح, قالوا لنا مباح كل شيء ولكن.. أمباح أن يألفنا الطاعون حتى يرقص معنا في فرشنا التي تحن إلى الأعضاء التي تركناها عند النهر ليبتلعها دوننا أو ليبعث بها إلى مزبلة الطب العدلي؟.. أن نأكل الحشرات مثلا؟ أن نطرق المسامير في ألسنتنا الخشب؟
خشبٌ
خشبٌ
خشبْ
لماذا أيها السياب لم تغن خشب, خشب؟!!
لو فعلتها فستسير خلفك فتيات عشتار لتندب كما ندبت آلهتهم الجميلة:
يا فتيات! مزّقن جيوبكن وألطمن صدوركن، لقد قتل  سين، يا سين..
تلك هي مآثرنا وميراثنا الخالد: مقامات النواح وبركان الشجن السومري..
مسحت دمعتي دون أن أعلق على ما ذكرته فتنة, والتي يبدو أنها تخفي في كبدها شيئا لم تفصح عنه بعد, صديقتها شيماء أخبرتها بكل ذلك بعدما عادت من الشام.. سألتها باقتضاب:
–    أين ذهب شيروان بالضحية؟ هي صديقتك وتعرفين عنها الكثير..
–    صدقيني لا أعرف, ما أعرفه بأن شيروان الكلب ينام نهاية الأسبوع في منطقة المعامل.. أمم أظنه الآن في حي البتول
–     زبالة! طمر صحي..
–    كل شيء مباح حتى الأجساد صارت تباع, ألا تنظرين إلى انتفاخ بطني!
–    جاء الوقت المناسب لنتحدث عن هذه المصيبة
اقتربت مني أكثر بعد أن دفعت كوبا من الماء البارد دفعة واحدة, دلفت برأسها الصغير إلى صدري ودفنته بين نهدي ثم أخذت تبوح لي بالنواح السومري:
–    حتى الآن لم يفرج عن أخي, الزيارة ممنوعة ولا أعرف عنه شيء, أنا غصن مقطوع يا عفراء… ليس لدي سوى قبري أمي وأبي النائمين في ديالى المحاصرة بنخيل البنادق..
رفعت عينيها إلى وجهي المبتل, كانت لها عينانا جميلتان رغم أنهما كانتا غائرتين وقد أخفت جزءا من عينيها بعض خصلات شعرها الــذي بدأ ينبت من قمة فروة رأسها الأبيض, تذكرت كيف لهذا الوجه من فتنة حين تصبغه بمكياج شهواني, حيث يلعنها رجال المحلة علنا ويشتهونها سرا, عادت لتنكس رأسها هامسة في خشوع: أنا حامل يا عفراء.. حامل من كائن نجس يأكل الخنزير ويبول على المصحف ويركب المعتقلين متى يشاء,إذا كان لديك مسدس كاتم للصوت فأطلقي رصاصتك عليَّ, ارحميني واقتلي هذه الدودة التي تنخر برأسي وتحفر الحفر, لا تترددي عفراء…. سأسقط دون حشرجة, دون وجع, دون صرخة ولا ضوضاء, أنا شريفة وماجدة وأنت تعرفين ذلك ومن أجل ذلك الشرف الذي هو طوق نجاتنا: اقتليني بكاتم الصوت, دعيني أموت بنقاء, دعي المطر يسحقني ويبددني, الموت بالنسبة لي بحيرة غروب تبتلع الشمس الجريحة, لقد تعبت مـن الليل وهو يصغي لدمعتي, ومن أيقونة الكون المتعالي على ضعفي, تعبت من قداسة البشر وهم يمشون في الشوارع رافعين وجوههم الحمقاء: نحن نظيفون جدا جدا.. وغيورون لا نضاهى..
صارت آهاتي تشتهيني وموال الموت يطيل من صوته في الكؤوس, لا سحابة تنبلج ولا هدهد يبشر, لا قميص يرد البصر ولا حزن يَشـفى من العطش, صدري ضرير يمشي ويرتطم بكل شيء, تفاحتي ذابلتان ويداي لم أمررهما على بطني منذ الغثيان الأول.. أسمع الأجـراس تأتيني من كنيسة بعيدة, ألتصق بالنافذة والآذان يطرقني خمس مرات فأفتحها أكثر وأشعر أن الله قريب مني, خمس مرات أصعد إلى الله!! وحالمـا يتفرق المصلون إلى بيوتهم وتغلق بيوت الله, أعود إلى صومعتي, قصب روحي لا يهتز لأصوات المروحيات, سيان أن أموت أو أحيا, شرفتي صـارت شرفة نسيان أبدي, تنكرني بغداد وتنساني, أغيب في نهرها الملتوي بلون الشاي الممزوج بالحليب, لا أنال منها حتى مراثي ترثيني, حتى القُبَّرات التي كانت تؤانسني أضحت كفيفة أيضا, وحلت مكانها الخفافيش بعد أن كفنتُها بنحيبي الملتاع, أشمُّني وأشعر بالدواااار, هيا التصقي أكثر عفراء, شمِّيني وكوني قريبة مني, في غيابك وحدَك من انتظرته!!
وضعتُ يدي على بطنها وبدأت أدور براحة يدي وأنا حائرة بين الدمعة والبسمة الصمغية, ما ذنبه؟!! استغفر الله, حتى مسبحانا صارت سكرى لا تعي ما تقول, أخضبها مرة أخرى بعناق طويل.. وهي الموسومة في روحي, أمسكت بيدي وضغطت عليها, كانت ترتجف بشدة, أخذتني إلى أسفل منها وطلبت مني بالإشارة أن أرفع ثوبها القطني الواسع  المخطط بدرجات الرماد الباهت, حتى وصلت بيدي إلى بطنها المنتفخ قليلا, كان أبيض مكورًا كقوس لامع تحت الشمس, تلقي برأسها خلف الوسادة: هنا, نعم هنا اضغطي ثم أبعدي يدك, دعيني أتحسس حجم مأساتي, مريم النبية تمنت الموت أليس كذلك, هززت برأسي, ثم تابعت: فهزت بجذع النخلة, بماذا سأهز أنا؟؟ وروحي تحت الرماد تخلط لي كافورا تحنطــني به,لا خضاب تخضبني به أمي, لا زيت تدهنه ولا تميمة تربطها في عنقي, لا ماء تغسلني فيه ولا نذور سخية, لا عذق تمر تطعمني منه, لا مكحلة ولا نزهة بين أشجار السدرة المجروحة..
أنزلت ثوبها, اعتدلت جالسة على حافة السرير, منكسة رأسها مرة أخرى وقد بدت أكثر صلابة في طلبها: أريد أن أتوب!أنا عازمة في ذلك علميني الصلاة عفراء! لن ينساني الله.. سيستر علي, أريد أن أتوب.. ثم ادعي لي بالموت أرجووك!!
***********
لم يكن زوجي في الآونة الأخيرة على علم تام بترددي على منزل فتنة, كنت أخشى أن يقابل طلبي بالرفض لذا لغيت فكرة أن أستشيره في كل مرة وفضلت أن أعمم له حاجتها لي, كأن أذهب معها للتسوق أو لزيارة أحد قريباتها في مدينة الشعب حيث تربطني بها صداقة قديمة منذ أيـام الكلية,غالبا ما يتردد في الجواب ولكنه يخضع تحت توسلاتي المصحوبة بالتودد له.. بدأت مهام البيت تتقلص خصوصا بعد أن انتقل عمـي إلى السويد مع ابنته رشا والتي جاءت إليه أثناء زيارتي لكربلاء هذا بعد أن علمت بأن صحته قد تدهورت كثيرا وبأني لم أعد قادرة على تتطبيبه بعد فقدان إحدى ذراعي, هذا ما جعلني أتردد على فتنة- الضَّحيَّة- في بيتها القريب مني, أما ضفاف فكانت يدا خفية في البيــت فهي تمارس معي وظيفتي حين أغيب طويلا, صرت أتردد كثيرا على فتنـة, في أول يوم أحضرت معي كتابا اشتراه زوجي من وراق في شارع المتنبي, كتـاب مستعمل ولكنه نظيف- إحياء علوم الدين- لحجة الإسلام الإمام الغزالي.. بدأت أقرأ لها من كتب عديدة, أشرح وأوضح ما يشكِل عليها… وحين يأخذنا التعب ألتفت إلى جنينها الحائر, أكلِّمه بكلمتين لا يعي منهما سوى صوت مخلوط بصمت أمه المعذب, بينما كان بطنها يكبر قليلا بين يديها اللتين لا تكادان تفراقانه وهو يخجل أن ينتفخ بعنفوان.
بقيت فتنة حبيسة البيت طوال الأشهر الثلاثة الأولى من حملها, لا تخرج ولا تستقبل أحدا سواي, ولما يحين موعد وصولي إليها.. تبقى مترقبة لي من نافذة واطئة تطل من صالونها الصغير, مبخرة كل وجع الماضي وهي تستقبل حياة أخرى جميلة ومطمئنة رغم كآبتها الثقيلة.. لقد تغيرت كثيرا وفي فترة وجيزة كانت طيبة كطيبة نبي ونقية كنقاوة مجـنون, أذكر مرة أنها قالت لي: تمنيت لو لبست الثياب الخشنة وقللت من الطعام والشراب وطفت المشاهد والتُّرَب والمساجد وآويت إلى قفر بعيد..  وبلـوت نفسي بأنواع الطاعات والقربات ورفعت يدي إلى خالق السماوات:اللهم. اللهم..
ألا تعرفين بأن الصلاة تمسكن وتواضع وتأوه وتنادم …!!
أومأت برأسي بنعم.. ثم ابتسمتُ في وجهها القمري مقابلة إياي بابتسامة جريحة:
–    أنا العبد الآبق, أنا العبد الذي استحق جزاءَه!!
أي جزاء تتحدث عنه وقد عمَّ البلاء فأخذ بالصالحين والطالحين ليتها تعلم كم يخفي الله لها من جنات.. بدت وكأنها تبطن توبتها بشيء خفي!
–     لقد تعلمت أشياء كثيرة في فترة وجيزة يا فتنة بل وبدأت تحفظين الكثير منها.. هل أعجبتك سلسلة إحياء علوم الدين؟
مدت يدها إلى منضدة بلون الزبيب وقد نشرت عليها كتبا قديمـة, كادت تلتهمه وهو مفتوح على فصل أسرار الصلاة, أخذت تضمه إلى صدرها وهي تنفرج بفتوحات قلبها الأبيض, ترقص حول نفسها وهي تستكين الرحمة..
–    أرأيت كيف أمطرت بغداد البارحة؟ كنت قد أعلنتها بصوت جلجلته داخل حصن نفسي توبة نصوحا ومدادا بستر السِّتير الذي لا يخيـب عبده, لم يخرج أحد ليستسقي في بغداد, الكهرباء مقطوعة والأطفال يبكون من أجل النور الذي يسلخه الليل البهيم, توضأت وصليت ركعتين.. خررت ساجدة ودعوت بهذا الدعاء:سبحان الذي لبس العز وقال به, سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به, سبحان ذي العز والكرم, سبحان ذي الطول والنـعم.. أسألك يا الله بحق محمد وآل محمد, بكلماتك التي لا يجاوزهـن بر ولا فاجر, ألا تحبس السماء عن بغداد بذنوبي..
كانت تقول ذلك وكأن لصوص بغداد وطغاتها وعصاتها بلعتهم الأرض جملة واحدة وبقيت هي من تجاهر بمعصيتها التي أرغمت السماء أن تنقطع! ثم قامت لتشير إلى مواضع سجودها: اشهدي يا أرض لي, ابكي علي يوم أن أموت فهنا وضعت جبهتي للعلي العظيم, الرحمن الرحيم..
لقد تغير كل شيء في فتنة, حتى أنها بدت أكثر جمالا كوردة ذابلة طافحة على نبع ماء..
لم يكن الوقت مناسبا لأخبرها عن وفاة خالها غازي اسكندر الشيوعي المخضرم والذي نجا بأعجوبة ضمن قصص الهروب الجماعية للشيوعيين.. لقد انتحر قبل أيام وقد كانت تظن بأنه غادر العراق عام واحد وتسعين إلى بيروت دون رجعة بعد أن ظل مختفيا لسنوات في ديالى, كانت ملتهية ببلوتـها, لم تكن بحاجة إلى أحد سوى الله, رغم أني شعرت بذنب إخفاء خبره عنها خصوصا أنه مات في ظروف غامضة, حكى لي زوجي بأنه سكن الأعظمية حين عاد من بيـروت كمحطة نهائية, فقد كان يملك بيتا جميلا هناك احتفظ بمفاتيحه ثلة من أصدقائه الموسيقين المخلصين الذين كانوا يترددون عليه في غيابه حتى تلاشوا تمـاما أمام الأحداث التي عصفت بالعراق.. بيته كبير وكأنه خان أقمشة, تعلوه أشجار الآس واللوز الكبيرة التي تزين نوافذه المحززة بالطابوق الأصفر, عاد ولكـن شيئا لم يعد, لم يعد هناك زوجة تؤنسه ولا أولاد يسر لهم بتجارب حياتـه, لا أصدقاء ولا كُتاب ولا فنانون ولا سُمَّار يشوون أضلع اللحم على موقد الجمر, لا نشوة ولا خمرة مثلجة تقرع بها الكؤوس لا ورق ولا موسيقى… ولا حتى حزب يؤوي المناضلين القدامى, لقد تفرق الجميع فلا نديم ولا ندامة.. يمضي وقته في مطالعة الصحف وقراءة الأبراج التي هي من اهتمامه, وفي الاستماع إلى الإذاعات المشفرة, قليلا ما ينظر في الفضائيات التي صارت مثلا في عدد البراغيث, بل يمضغ كل ليلة أقراص الفاليوم وأشرطة المسكنات الأخرى وهو يعالج بذلك قلبه الذي انهدم مع أول قنطرة دمرتها الطائرات والتي كانت تربط بين بيتهم القديم في المقدادية وبين منازل أول فتاة أحبها في حياته, عائدة اليوم وهي تصبغ تجاعيدها الطفيفة برماد الحياة القاسية, تحمل الماء على الحمـار وتشعل الالة والشموع وتخبز لأيتامها في التنور, ثم تعود لتتيبس في سريرها, ناخر الوهن في رأسها الحافي وصدغيها النحيلين وفي حفرتي عينيها الذابلتين, تتعرق بينما بغداد تقصف, ترتجف ألما, تتقلب كبوذية في بقع دمها الذي سال من منخاريها المائلين وهي تنتظر بكل هدوء خطفة الموت الذي لا يتباطؤ عن طالبيه!!
بقي وحيدا أمام نفسه وهو يكرر وجعه البرتقالي بهذيانه المتقطع, بمفرده يكنس ذكرياته, سائر بقدميه في شارع أبو نؤاس الذي يبس فيه السمك المســكوف وأغاني القداح.. مُتنكِّر داخل نفسه بزي دجلته الساكن كسبخة, منعطف إلى حي المنصور الذي تخيل لو لقيه صدفه أحد أصدقائه المقربين, صور الشوارع كيف بدت قذرة بدكاكينها المهجورة ووجوه المارة الشاحبة والهواء اليابس الذي لم يحمل معه صوت الموسيقى الكلاسيكية بل حمل معه الأغاني المبتذلة.. وهو يسرح في كون بغداد المنفرد بملامحه.. كيف يرى الفقير وهو يذله الخبز, كيف يعيش مهمشا كفلاح جائع أو امرأة مهلهلة الملابس أو كطفل يشيخ بكوفيته التي تغطي شيب رأسه أو كعامل بناء ينادي على نفسه بفطرته في البـاب الشرقي, ينادي ليحمله أحد ولو إلى قن دجاج! كل ما في بغداد هائج, يخرب ويدمر ويبتلع حسرته, كل ما فيها يركض…. لا إلى حصَّة البيض ولا إلى الموائد التي كانت الحكومة تفرشها في الساحات والحدائق كل مافي المدينة تحطم وصار بليدا أمام الدبابات الغازية, فبماذا يدافع العراقي؟ يركض وليس له كرش يدفعه أمامه سوى جلود ذائبة, الآخر كان ذائبا بلحيته الحليقة, ولما علت صافرات المطافيء بقوة, انتفض ومشى مرتبكا وكانت سيماء وجهه تدعو إلى الفضيلة. توجه خلف حاجز قريب ليصب لنفسه كأسا من النبيذ وهو يبكي بين جرعة وأخرى: حبيبتي بغداد ليش هيجي صرتي..!! عيوني شبيج كلشي بيج متغير.. وين العروبة الي لهثت ورى المجد الضايع؟
شيء ما قتل غازي!!
أصبح الموت حاضر لا محالة, الجيران إما تفرقوا أو ماتوا أو هاجروا, والنخلة بقيت وحدها تصارع في الميدان غبار الدبابات ورائحة انتفاخ البطون المتبعثرة بمصرانها, ينظر في وجوه النخيل المنتحبة وهي لا تحدثه إلا بعتاب الصـمت, يتبادل معها طقوسا غريبة مثل آخر صوت يبعثه وتر فيولون محطم, يسأل نفسه كلما سقطت قاذفة: هل توقف العالم عن الفرح؟ هل دخل في غيبوبة مثلنا؟ أم أنه لا يُسكره سوى وتر موسيقي حاذق يضرب ببيانو بلغ أوج توتره فصفقوا.. وصفقوا.. وصفقوا! إن كان كذلك فاذهب أيها العالم إلى الجحيم.. إذهـب إلى أقرب مرحاض وضاجع هناك من تريد, لن تشتمك مجندة أمريكية ولكن ستبتسم لك بابتسامة عريضة وسيبدو المكان أكثر اتساعا لشخصين ثملين!
الذل في آخر العمر أقسى على الإنسان من أوله, أن تنكرك ذاتك فهذا أقسى وأقسى.. أليس منظر البارجات الحربية.. وهي ترسو قرب البصرة والطائرات الحربية التي تحلق فوق الرؤوس الصغيرة وهي تروح وتجيء من قواعدها في الخليج, تساندها المدرعات والمجنزرات وجنود المارينز وهو يسيرون كرجال آليين في طوابير منظمة ببساطيلهم وأسلحتهم موغلة في الجرح الكبير؟ وهي تحفر المزيد من الخنادق والندبات في وجوه البائسين الصدئة.. وهم يتفرجون على سقوط مدينتهم العصماء وهي تُخلي نفسها بنفسها, تنظف الساحات من بقايا مآثرها التي لا تريد لأحد أن يبكي عليها دونها, تخلي نفسها من الشوارع, من نقاط التفتيش والحراسة, من الدوريات التي كانت تجوب كل زقاق, حتى تحول صوت الإيمان والتقى إلى علي بابا الشريف واللص سابقا ولو في نظر أنفسهم, يسرق الدوائرالحكومية بلا هوادة, ينهبها وكأنها غنائم حرب مباحة أخماسها, شاحنات مملؤة بالمسروقات, غوغائية تستحث على كسر كل شيء حتى ولـو كان طابوقا أو آلهة معظمة, على حمل كيس طحين أو كرسي أو ثلاجة أو … يركضون داخل ثقب أسود, دون أن يفقهوا إلى ما يخرج من مكبرات الصوت التي يحملها الجنود الأمريكان وهم يلقون بلغتهم على الشعب الخرب سبــابهم الرخيص- فاك يو- لا يرعونهم سمعا, يسرقون كالمجانين, وصوت الرصاص يحصد بفوضاه الأجساد الراكضة نحو أنفسها.. والقذائف ترتطم بجدران البيوت المحصنة بأشجار عارية من الثمر, كل شيء بدا شحيحا.. حتى النفـوس بدأت تشح, الموتى بمئات الألوف.. ذبح واختطاف, رؤوس في مدينة الحرية وبقيـة الأجساد تجدها في عرصات الهندية, يموت الناس بدم رائب, يلفون في بطانيات ممزقة وفي أكياس تتدلى من سيارات البيكاب القديمة, مساندا ذلك الوباء محلات الزهور الشهيرة في مدينة الكرادة وهي تحترق حدادا لا يتوقف مرددة أنيـن الزنابق البيضاء, القصف الذي أتى على كل شيء,على المصانع, على الجسور وعلى الملاجيء والمساجد والمقابر, كل ما في الحياة يتسرب للعيان, يذوب ولا ينحسر عن شيء.. يخرج مع قيء غازي الشيخ المهموم, نقالات تحمـل جثث مفحمة وجرحى بلا أقدام, خراطيم تخمد نيران تنبعث من كل مكان,من مصافي النفط في منطقة الدُّورة وفي مدينة كركوك, من مبان حكومية ومنازل وحضانات مأهولة بالأطفال, مقاومـون يختفون لأشهر وهم يتنقلون بين مستشفى ومسجد وأماكن مجهولة, عبارات بالخط العريض وباللون الأسود والأحمر على جدران المدارس والحواجز تعلن بالقول الصريح الفصيح: الموت للأمريكان, المقاومة هي الحل.
وبين ذاك وذاك: تتعفن بغداد ولا تجد من يقطع لها أصابع العفن..
إنهم يلعبون دور المهرِّج مع العراق, المهرج الذي ينزل القرية فلا تطيب له ليلته حتى يعربد مع ماجنات الملهى المستأجرات, وبمباركة البغايا القديمات من نزلاء الفنادق الرخيصة, كل الغزاة يمرون من هنا, يتعاملون مع العراق كبغي متمرسة ليضاعفوا عدد الليالي التي سينامون معها ألم تغتصب الفلوجة؟ ويسبوا تلَّعفر الجميلة مع الأغنام البلهاء؟ ليحملوهم جميعا في شاحنة ضخمة تتجه نحو شيخ طريقة خلعوا ثيابه وقطعوا منه ذكره ولسانه الناصل الفياض!! لقد مسحوا كراماتنا كعاهرة تمعن في مسح مكياجها الشهوي بمناديل ورقية ترميهــا في المرحاض, مالفرق بعد ذلك بين المراحيض التي يعمقها الطغاة.. وبين حظيرة الخنازير؟ كلاهما صالح للصرف الصحي, وبعد أن أتى العالم إلينـا من كل صوب, افتتح المهرج حفلته الماجنة في القصر الكبير, فورا اتـجه إلى حجرة الطعام, كان جائعا جدا؟ ربما!! بداخل ذلك القصر حجرة طويلة, مبطنة طاولتها بالزجاج والمفارش الملونة وبالخزانات التي ملئت بالصحاف المذهبة والملاعق العجمية والكؤوس الكرسيتالية, الخونة بدوا كخدم عتَّالين يقفون صفا عن اليمين والشمال, يناولون الجالسين أطباق الديكة الرومية المحمرة التي يحبونهـا والبط المشوي الذي يفترسونه من بحيرات القصور.. والعصافير الصغيـرة المحمرة والتي سقطت من هول أصوات القناصة, النقانق ولحوم الغزلان, مـرق, نبيذ وطبقات من الفواكه الطازجة المحلاة بسائل الشكولاتة.. المحرضــون على الحرب يتواصون بينهم برفع أنخابهم: بالعافية عليكم بالعافية.. في صحة العراق الجديد!!
وتتكرر الصور المُعفَّرة بالطين, تتكدس كماشية نافقة في خندق.. الجثث مُطيَّنة والراكضون بلا مغيث, الكل يركض تحت دخان الانفجارات: مرضى, عجزة, مجانين, وهناك معاق يزحف نحو ساق ظنها ساقه المبتورة وهي واقفة عنـد سياج.. في بقعة الانفجارت كل شيء يمكنك أن تدوس عليه, دجاجة مهروسة, قمصان محروقة, خواتم مطعجة, رسائل حب معطرة بالدخان, أعضاء مختلفة الأحجام, نعال بلاستيكية, مناديل مخرَّقة, بكاء هستيري, ملامح ساهية نحــو الأعلى.. شفاه كانت في قمة شهوتها للضحك, ومؤخرات كانت تتراقص أمـام أعين مقلوعة حُشرت في زاوية في إطار سيارة محترقة..
مالفرق أن يُكيَّس الرجال بأكياس مرقمة وتعقد أذرعهم إلى الوراء ليزجوا في كروبر أو بوكا أو معتقل التاجي المسمى بالحوت, وبين المجازر التي طـالت الشيوعيين وكل الفرقاء وقد عصبت أعينهم وزجوا في الشاحنات ليلقوا حتفهم في صحراء السماوة أو تحت ظلال الجدران المظلمة في نقرة السلمان؟ الشاحنات التي كتبت فصلا في تاريخنا حملت العائلات اليهودية العراقية بعد أن سُلبوا ونهبوا وأحرقوا وصودرت ممتلكاتهم وعقاراتهم عام 41 الشاحنات التي حملت أعضاء الحزب الشيوعي وأعدمتهم في ساحة التحرير.. الشاحنات التي حملت المرحلين إلى إيران في تهمة تبعيَّة مريضة, الشاحنات التي حملت الشباب الذين صفُّوا وهم في زهرة حياتهم.. الغرقى شهداء أليس كذلك؟؟ التائهون في موتهم الصحراوي شهداء أيضا..
لقد غرق العراقيون الهاربون من جحيم المخابرات البعثية التي كانت تلاحقهم لأتفه الأسباب, حتى في الطماطة التي كتب أحدهم عنها مقالة رمزية تعبر عن سياسات عنجهية, كتب عن سبيل الحصول عليها واحتكارها من قبل رجل لم يتعلم من شريعة حمورابي, الكل يغرق ولا منقذ, لقـد غرق بعضهم في بحر الخزر أثناء هروبهم للاتحاد السوفيتي, عصفت الرياح بقواربهم الرقيقة كما قتل بعضهم الآخر أثناء هروبه للبصرة جنوبا ليعبر الخليج الذي غنى له السياب, أو هروبهم إلى إيران التي فتحت للاجئين معسكراتها البائسة, سحلوهم, شنقوهم.. وتركوا لمن خلفهم فرصة بأن يدفنوا وجوههم بالبكاء, متوسلين إلى الموت وهم في أعلى نقطة من اليأس أن يأخذهم بعيدا بعيدا..
مكورة بغداد بالسواقي, سواقي الدم والجماهير التي جُنَّت, لقد أخذ البعث يصفي حساباته على حساب الشعب الذي تذهب به إلى الحروب وهو مُكره كأشجار تم قطعها من غابة مأهولة بالحيوانات, سادا أذنيه عن أغاني شعبية حماسية تحت صخب موسيقى تدعو للغضب والموت.. محرضة على فعل ما يمكن تصديقه بأن الحياة لم تعد بخير.. كل ما في الأمر أن القيادة كانت لا تتورع من فعل أي شيء!! لتمحو كل من يقف أمامها, تسحقه وهي تتلذذ وتنتقم لأتفه الأسبــاب وبأصغر الخسائر, لقد حول صدام العراق: إلى رسول ونبي رحمة بتفـويض إلهي ليتحمل كل المآسي في سبيل دوره البطولي الوحدوي للدفاع عن قوميتـه العربية, حوله إلى برك آسنة يرمى فيها الجنود آخر مقتنياتهم من خواتم نحاسية ومخاطات متجمدة والتي طفحت كشاهدة عيان!! وبقدر ما كان الرجال يموتون جراء التعذيب والتغييب والاغتيالات وسكتات القلب والدماغ..  وحوادث الدهر التي لا تنتهي فإن أبناء الأثرياء اليوم, يقيمون حفلاتهم الصاخبة داخل بيوتهـم التي تعرشها أشجار البرتقال في منطقة السيدية والمنصور وفي شارع الربيعي والسعدون, وداخل المنطقة الخضراء, في أقبية تلك الفلل تبدأ الحكايات.. وتعقد الصفقات خاصة مع الأجانب من الصحفيين والمقاولين والتجار, كم قبلة يتبادلها الأخدان بينما لم يبادل المُدرَجون في أكفانهم قبلة آبائهم المودعة!! هناك تزدحم صالات البيوت الرخامية بالشبان والشابات والشخصيات الدبلوماسية المرموقة! يترنحون تحت صخب الموسيقى الغربية أو أغاني الردح المبتذلة كما كان نادي الهندية والعلوية يضج بأسلافهم.. يترنحون في مدينة هي أقرب مايكـون إلى الوكر بالمعنى الفصيح, بارات وصخب, أجانب من جميع الجنسيات, دكاكين متنوعة باعة فواكه وخضار ولحوم, مخابز وحلويات, مطاعم شرقية وأخرى تبيع البرجر والبيتزاء, مكتبات صغيرة, عيادات طبية متخصصة جميعها تتجاور, فوضى على الطريقة الشرقية التقليدية,رجال مخابرات من كل الدول, محاربون قدامى متنكرون برؤاهم الجديدة ونفاقهم لكل حاكم ينصب نفسه, نزلاء يتغيرون كل يوم, وجوه غريبة ووفود يأتون من كل مكان..
هي بغداد إذا مدينة التناقضات, إسلامييون كانوا بالأمس رهبان صلاة, سرعان ما تجدهم اليوم يقلبون البوصلة, يلبسون الملابس الغربية ويحلقون لحاهـــم وينافحون عن القيم المستوردة, يسهرون في البارات والحدائق, يملأون مكتباتهم بالروايات الخليعة والكتب المترجمة, وبكل مخطوط ممنوع سابقا, كما يقدسون كل ما يخرجهم من دائرة الماضي التي خنقتهم حتى الانفجار, بعضـهم انخرط في العمل الصحفي المشبوه, يبيعون للوكلات الأخبار.. ويسربون التسجيلات وبيانات الذبح والخطف, تتناقض مدينتي حين تنقسم على نفسها بين مدينــة خضراء ومدينة حمراء, واحدة تعيش الرفاهية والكهرباء التي لا تفتر عــن الرقص وأخرى تراها وكأنها آخر نقطة في العالم, تمتليء صباح كل يوم أسود بالميكروباصات وقد حوطها حراس بلاك ووتر بعضلاتهم المنقوشة بالوشـم وبصدورهم العريضة وكأنهم بالون يتسع حتى أسفل منهم, ببناطيلهم الفضفاضة وصدورهم المكشوفة وبنظاراتهم السوداء اللامعة.. حالقين رؤوسهم الضخمـة ومعها يحلقون بأسلحتهم التي يصوبونها نحو كل من يقترب منهم, يحلقون بها أنفاس أولئك البسطاء الذين تُعبِّد سيارتُهم الأجرة طريقَ عودتهم إلى بيوتـهم بأكياس الخضرة واللحوم, في مدينة احترقت فيها الأشجار وذبلت فيها الأزهار واصفر فيها السعف المتبل بالغبار, بيوت لا تنظر فيها البهجة, بيوت محطـمة نوافذها, مكسرة أبوابها, حفر الموت في كل مكان, حفر, حفر, حفر!! مقطعـة الحواجز كل ما هو موصول, حواجز كونكريتية عالية بارتفاع خمسة أمتــار عطف عليها رسامون حملوا معهم فرش ألوانهم وتطوعوا من أجل بغداد التي تنتظر كل يوم وتحت أشعة الشمس: انفتاح الطرق المغلقة..
شباب في غاية الرقة والجمال.. رسموا عليها طبيعة الجنوب بأهواره وبيوت قصبه ومشاحيفه وبرديه ونسائه التي تحمل السلال وترعى الجواميس…. كما رسموا الشمال اليافع بربيعه بجباله وشلالاته وسهوله الخضراء.. رسموا معالم بغداد الأثرية وملوية سامراء الحزينة, منازل فخمة وأخرى طينية, أطفال يلعبون يحدقون في أمل بعيد, ألوان جريئة ينم بعضها عن ثقافة فن تقليدي! في المنطقة الحمراء شباب عاطل لا يفكر سوى في لقمة العيش مهما كلن ثمنها, بعضـهم تشتريه الأحزاب والمليشيات والجماعات الإرهابية, والبعض الآخر ممن يجيد اللغة ينخرط في عمله الجديد مع الأمريكان, في شركات مقاولاتهم أو مترجما لرطناتهم, يرافقهم في حملات المداهمات اليومية, معاملين إياه باحتقار رغم أنه تغطرس مثلهم ولبس وجوههم!! لقد حولته الدولارات إلى وليمة تمسـاح بائت, متبلدا أمام الجنود.. لا يحس وهم يسحلون أمامه وبمباركة منه فتاة كرديـة في الخامسة عشر من عمرها وفي غيبوبة من وعي أمها, وهم يتحدثون فيما بينهم بإشارات سوقية يفهمها, مشيرين إلى الفتاة الجميلة: بأنها تشبه الفتاة التي اشتروا منها البطاطا في مدينة الصدر, هي ووالدتها الخمسينية عاهرتان, قذرتان..
ثم يقهقهون بجلجلة في خرائب بابل.. وهو بين ألم بلادته ومذلته وهوانه يتذكر طراوة الأصوات العفيفة التي ابتلعها الرصاص وجاء هو ليشنقها بعربتده..
أين هي الأصوات الندية وهي تنادي؟
باعة الفجل والشلغم, الرصيف الذي يحمل باعة الحمص وأسياخ التكـة والذرة التي تشوى على المناقل السوداء, النساء اللاتي يتنفسن بارتفاع صدورهن خلف العباءات والقمصان الضيقة, يسرن بكل غنج بمحاذاة النهر, مبتسمات بابتسامة فزعة أمام الأرتال التي يعتليها محتلون حمر بوجوه هي أشبه بوجوه الوحـوش ذات الأنوف الضخمة, خرائب وأشباح تسرق بغداد, حتى القدر الساخن ومغرفة الحساء يسرقونها من يد سيدة ترفع النار من أجل العائديــن للتو بعد خفرهم الليلي, الكتب سرقوها, فرش الأسرة أيضا بعدما يقلبون النائمين عليها يأخذونها من تحت ظهورهم الدافئة, يحرقـون البيت بمن فيه حتى لا يبقى منــه سوى جماجم مفلوقة ومساحيق من فتات الجلود وسيقان كانت معكوفة تستجدي بالحُمر وقد تركوا كل ما في البيت وهو لا يعادل وزن الظفائر الطويلة لبُنيَّات انكمشوا كبيض اللقلق!
من يؤوي هاؤلاء اللصوص آخر الليل سوى مدينتهم الخضراء؟!!
لقد ضاع من ذاق التمساح, صوت متسولة كردية كانت تلتهم عناقيـد التمر تحت نخلة غضة, الغزل الجميل الذي كان يغازل به المتبضعات وهو واقف تحت رواق الدكاكين أو عند عامود في شارع فلسطين أمام محلات الملابس أو محلات العطارة والتوابل في الشورجة وهو يبادل الصدود بتفتيل مسبحته:
بويه شكَد بالزعل أحلى!!
أي حلاوة أمام مرارة يتذوقها العراقيون وهم يُحملون على الأعواد في صخب أشبه بالقبائل البربرية.. من الأعناق يُنكَّسون لتتأرجح جثثهم في الهــواء بينما تتوهج شهوة الجنس أمام منظر الموت هذا, فتقام حفلات أعراس وطنية ماجنة لا تخلو من وجود المخبرات السريات وهن فتيات في العشرين, الواحدة منهـن تلتهمك في لحظة من سهوك ومن سواد عينيها فقط, ترقص لك شبه عاريــة, تمص سيجارتها البيضاء النحيفة, تلعب بنهديها المستديرين وتردد بخــلاعة: أروح لك فدوة. وهي تجلسك في حضنها وتسقيك الويسكي على حسابها, تسكر لتهذي بين يديها بكل شيء, هناك تستحل الرؤوس الخفيفة كل شيء, يستمتعون بالخراء والنيك معا!!
ماذا لو حلمنا بأن تعود بغداد من جديد, دافئة وآمنة؟! هل سيتركوننا وشأننا؟ أم أننا أصلا لن نقاوم الزمن حين يتحول إلى زمن ثقيل راكد بروتينه المـمل من تكرار السعادة والهناءة والحبور, من القمصان الحريرية البيضاء التي ترتديها والبناطيل السوداء المكوية والأحذية الجلدية اللامعة والمعاطف المخملية الثمينة والقبعات البغدادية المستطيلة وهي تمشي الهوينا في شارع الرشيد أو في شارع السعدون وهي تغازل صموده حتى اللحظة..طبعا لن يتركونا حتى يوحدونا في الفقر والتعاسة ويجعلونا نمشي على عكاز نسأل فيه أبا جعفر: يا أميــرنا المنصور, بلغنا أن العدو يخبىء لبغداد شيء ما.. مجيبا إيانا: المكيـدة والدهاء يا أبناء الرافدين.. وإذ به يتركنا ليسير بسرعة جنونية ويسقط في النهر بعد أن أصابه غبش ضيع خطوته وأنساه كيف للسراب أن يخدع!! صارت بغداد اليوم تطلق لحيتها عزاء عليه, تلبس الدشاديش الواسعة الباهته, تدخن غليونها بتوتر, وتضحك بغضب! وهي تستقبل الموت بصدر رحب كضيف عزيز أطال غيبته, تطيل عناقه مُوَدَّعا على أمل لقاء!  ..
من أجل ذلك انتحر غازي, لقد توَّحد مع الموقد بعد أن غابت تلك الأيام وهو ينظر إلى أعلى, ولسان حاله يقول متى يرجع السنجاب الضخم فوق شجرة بيتنا؟
.
.
افترقنا وبنت الأعظمية تشتهي احتضان الحضرة النعمانية في أجمل لياليها التي باتت قريبة..
**************

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.