الرئيسية » مقالات » حسين مردان : الحركة الادبية ودور النشر في العراق
لابد من نهضة فكرية ترافق النهضة العمرانية
لايجب ان ننتظر رحمة الاقدار التي قد لا تأتي !*

حسين مردان : الحركة الادبية ودور النشر في العراق
لابد من نهضة فكرية ترافق النهضة العمرانية
لايجب ان ننتظر رحمة الاقدار التي قد لا تأتي !*

hussein mardan 4إشارة : ستقوم أسرة موقع الناقد العراقي بإعادة نشر بعض مقالات المبدع الكبير الراحل “حسين مردان” بين وقت وآخر ، لأنها وجدت فيها تشخيصا دقيقا وحيّا للكثير من أمراض الثقافة العراقية في الوقت الحاضر ، الأمر الذي يجعلها متجددة برغم رحيل مردان منذ أكثر من أربعين عاما ! هي دعوة للقراءة والتأمل في افكار المبدع حين يكون صادقا .

المقالة :
ان ارض العراق اليوم تتوهج وقد أخذت تقذف بالعسل،وغدا عندما يهل فجر النهضة الحقيقية على موطن جنة عدن القديمة،ستتفجر انهار اللبن المقدس في كل مكان ويسمن الصغار العجاف،ويشرق لحم الشفاه بعد ان تغادره اليبوسة.يبوسة الحرمان الى اﻷبد.
غير ان النهضات لاترتكز على قاعدة متينة ثابتة،مالم تأخذ كل مقوماتها الأساسية.فإن الجسور،وتعبيد الطرق،وتشييد العمارات،وإقامة السدود، وغيرها من المشاريع الانشائية،لايمكن ان تؤدي وحدها الى نشر جناح الرفاهية والسعادة على الشعب،مالم يرافق كل ذلك نهضة فكرية عامة.
ولعل الطريق الوحيد لخلق مثل هذه النهضة هو العمل الجدي المستمر لتشجيع الحركة الادبية في العراق،ورفع الصخور الكبيرة المطروحة في مجراها العميق الواسع، لتدفق حيويتها العارمة وتفيض على النفوس القاحلة فيرويها وينبت في ترابها الثمر، فتنتشر الظلال بدلا من حرارة الشمس القاتلة،ويفوح العطر حتى يثمل كل فرد بالفرح الحقيقي!
والحركة الفكرية لا تنمو وتعطي الفيء المطلوب الا إذا تهيأ لها الجو المطلوب الذي تجد فيه كل عناصر الحياة!
واذا ضربنا صفحا عن اشياء كثيرة لايمكن الحصول عليها،أو المجاهرة بها ﻷن الظروف طارئة، فلن يمنعنا هذا من المطالبة بتحقيق مافي الاستطاعة تحقيقه لدفع الحركة الادبية في بلادنا الى الامام، وأهم ما نطالب به اليوم هو ضرورة النظر الى اﻷديب كعنصر حي فعال،له دوره في تطوير الكيان الاجتماعي،فاذا آمنا بهذه النظرية وجب علينا ان نعمل كل ما في طاقتنا لكي يساهم في تحريك عجلة التقدم  والازدهار.
وأكثر ما يعانيه الادباء والمفكرون في العراق هو عدم وجود دور للنشر تقوم بطبع نتاج الفكر العراقي، بشراء مؤلفاتهم أو بطبعها على حسابها الخاص، وبشروط تفيد الاديب وتساعده على الاستمرار في عملية الانتاج والخلق لخدمة المجتمع الذي يعيش فيه!
وقد تحدثنا انا وجماعة من الادباء والكتاب الى عدد لايحصى من الاغنياء لتأسيس دار نشر، فلم نلق منهم غير الجفاء والازورار وحجتهم ان المؤلفات العراقية لا تعودعلى الناشر في معظم الحالات بشيء ولو قليل من الربح! غير مدركين أن من اهم اسباب كساد الكتاب العراقي،هو عدم وجود موزعين عراقيين، يقومون بالدعاية اللازمة للمؤلفات العراقية،وتوصيلها الى كل قضاء وناحية في العراق! والسبب الآخر هو أن العراق قد أصبح أكبر الاسواق لتصريف نتاج الفكر العربي في الاقطار العربية الأخرى، وقد أثر ذلك في هبوط قيمة المؤلف العراقي، وأدى بالنتيجة الى عدم الاقبال عليه على الرغم من اتصافه بكل صفات النجاح والابتكار والتجديد والابداع.
وهناط سبب ثالث هو ان أسواق الأدب او المسيطرين عليها! في سوريا ومصر ولبنان لايفسحون المجال لانتشار الادب العراقي، خوفا على نتاجهم المحلي من الكساد،خاصة وهم يعلمون جيدا أن العراق اليوم هو ينبوع كل جديد ومدهش في الشعر،وغيره من مجالات الأدب الاخرى! وكل هذا يجعل الاقدام على تأسيس دور للنشر عندنا مغامرة محفوفة بالمخاطر وهل هناط خطر أكبر من خسارة المال! وبالنسبة للتجار بصورة خاصة ولكن هل تفرض علينا هذه الحالة الشاذة ان نركن الى السبات وننتظر رحمة الاقدار التي ربما لن تأتي الى الأبد!
إن مجمعنا العلمي لاتربطه بحركتنا الادبيةقرابة، وهو من جانبه لايهتم الا بالآثار اللغوية،ولايقدم خدماته الا للذين اختصوا في وضع الكتب المدرسية او البحوث الاكاديمية،وإن جوائزه التي قدمها أكثر من مرة للكتاب لن تخرج عن دائرة هذا المجال المحدود!!
ونحن بدورنا لانعتب على هذا المجمع،ولكننا كنا ننتظر منه تأييدنا على الاقل في صياحنا المستمر للمحافظة على مواهب شبابنا وأدبائنا النابهين، واذا تركنا المجمع العلمي خلف ظهورنا فلايبقى أمامنا غير الصحافة! هذه الصحافة التي بدأت معدتها تتوسع ولم تعد تشكو الجوع والعوز، وقد انتبهت جريدة الاخبار أخيرا الى هذه الناحية فشعرت بواجبها نحو المفكرين الشباب،فأخذت تشتري من يقدم لها شيئا صالحا للنشر، وقد سارت على هذه الخطة منذ اكثر من عامين،في الوقت الذي مازالت الصحف الاخرى تولول وتسكب الدموع وتنشر مئات المقالات بلا مقابل!! وهذا مايدفعنا الى ان نناشد ادباء العراق الى الوقوف ضد فكرة النشر بالمجان، واعتقد أن مثل هذه المقاطعة إذا لم تجبر اصحاب الصحف على فهم الحقيقة اليوم، فستجبرهم عليها غدا،عندما تصبح جرائدهم قاعا صفصافا،ومن يدري فقد تثير هذه الكلمة الصغيرة في الدفاع عن حق الادباء بعض المسؤولين من رجال الدولة أو نواب الشعب،فيطالبون بتخصيص الجوائز اﻷدبية، والسماح بتأسيس النوادي والجمعيات اﻷدبية لتأخذ على عاتقها القيام بمثل هذه اﻷمور..!!

* – الاخبار العدد 4617 الثلاثاء 2نيسان 1957.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *