مقداد مسعود: من الأشرعة يتدفق النهر قراءة في الحداثة الشعرية العراقية (5)

mokdad masood 4حرائق ألأسئلة في ليل القنوط؛ الشاعر محمود البريكان في (قصيدة ذات مركز متحول)

-1-
للقصيدة لاللسرد،لأنزياحات الدلالة ..لا لواحدية المعنى المعجمي:ينحاز الشاعر متحصنا بجغرافية الأقنعة،ليستعيد حريته ويحرر أحلامه من قفص الذاكرة وقيود أنظمة السلوك الجمعي وبالطريقة هذه ينأى عن عقلانية السرد الصارمة،التي لاتؤدي إلا…الى عرقلة اتصالات الناس،لكن ما الذي يقدر أن يفعله الشاعر في
(عالم من ظلال
يتفكك في الريح)
هل يطلب(الصفح من ألأموات؟)
هل ينشد(الكلمة في معترك الرايات؟)
في (المدن المطمورة الخالية؟)
يقرأ(الشواهد؟)
يرسم (المدافن العارية)
من جراء عمق وعيه الإجتماعي،يرى (حارس الفنار) شاعرنا الكبير محمود البريكان،أنه المسؤول ألأول عن جمال الوجود،فتدفعه رهافة الحس الى  قلق الأسئلة المصيرية:
(أحمل وزر المجازر؟
هل أتأمل تلك الدماء؟
تلطخ كلتا يدي؟
هل أستطيع أفتداء العبيد؟        mahmood albraikan 2     هل أتجاهل جوع الجياع؟
وأنسى دوي المظالم؟ )
ثم يتساءل ثانية :(أؤرخ الحروب؟
هل ألحن الصراخ؟
هل أقطر الدموع؟
هل أقيم للعنف مسلات؟
وللعنة أبراجا؟وللشؤم
تماثيل؟
وهل أعتنق الموت ؟ )
لايتوقف شاعرنا البريكان عن أشعال ألأسئلة في ليل
القنوط وفي(أفق من ذئاب) أفق من حشود ظلامية غامضة/من قصيدة أفق من ذئاب)
البريكان يسأل ويرد على سؤاله بسؤال،ولاينتظر اجوبة من رضوا بالمقام فأقاموا :
(هل الكواكب إلا نقطة في
الكون؟
وهل حياة الإنسان إلا لحظة في ألأبد) من قصيدة/أسلوب الرمال.
لايكف الشاعر عن توجيه الأسئلة الكونية ،التي تبدو وكأن الطفل الذي في الشاعر يدحرجها أمامنا مثل كرات زجاجية ملونة:
(منذ متى كان البحر هنا؟
البحر؟
وهل هذه ألأرض أرض
أم خارطة مكبرة؟
وهل ألأفق الرمادي رمادي

وهل الظل الذي يتحرك
على الرمال
أهو ظل شبح؟../من قصيدة :تاريخ خطى)
-2-
في قصيدته (أفق من ذئاب )،تكون ألأسئلة واقعية ومجازية في ذات الوقت، وكأننا نحن بذات القلق الذي يعتورنا في قصيدة (كفافي):(بأنتظار البرابرة):
(الذئاب ستهجم لكن
متى؟
أول الليل؟
منتصف الليل؟
عند الهزيع ألأخير؟
أوان أحمرار الشفق؟/قصيدة أفق من ذئاب)
أن الهجوم متوقع،لا..بل هو محتوم،لكن المجهول هو :ميقات هجوم الذئاب،في أي ساعة من ساعات الليل.

-3-
في عالم البريكان ليس الشاعر صائغ ألأسئلة وحده ،هناك أسئلة يصوغها النهار..أسئلة يطلقها الجوع الذي في القطط..أسئلة الصغار والمهود..الوجوه..ألأغاني؟
(ماذا يقول النهار
للقطط الجائعة؟
ماذا يقول الصغار
للعب الدامعة؟
ماذا تقول المهود؟
ماذا تقول ألأغاني؟
ماذا تقول الطرق؟
مفروزة في ألأفق؟
ثابتة في الزمان ؟/من قصيدة ذات مركز متحول)
لكن..الشاعرلاينسجم في القنوط،ولايكتفي بأشعال ألأسئلة،فهو يعي جيدا أن:
(القصائد تنفض أسرارها
وتغادر منطقة الصمت..
ها أنا أجلس بين رماد الحرائق
منتظرا ان يتم انطفائي
وأن تبعث النار)..
ومرد انتظار الشاعر، أن سيرورة التاريخ لديه تأخذ حركة دائرية ..
(مدونة الوهم
لاتنتهي أبدا
النهايات تبدأ دورتها)
لذا فأن الشاعر يرى القوة الموجبة في هذا الأنتظار:
(سأنتظر اللحظات.وسوف
أبطىء عبر سبات الشتاء
رؤاي.
أغني ولاصوت لي
وأغامر أن أستفز الحدود)
في لحظات الأنتظار ..هذه اللحظات التي تستطيل دهورا،سيرى الشاعر نفسه في حالة:
(جوع الى ألأنتماء عميق
توحش في عزلات السكون
المحايد).
ولأن الشاعر البريكان،لاتنبت جذوره في السماء..بل في ألأرض،فهو نبات حزين مهموم بالواقع البشري لابالميتاواقع…يتماهى بألأرض:
(هنا ألأرض
مهد الجذور العميقة مزرعة
الحب والرعب
…اذن أخلع هالاتي
وأستروح روح الله في
العشب .
اذن أستقبل الشمس كأخت
لكآباتي وألتف مع الريح
على ألأشجار
أو أهدد الليل،اذن أجري مع
الأنهار
نحو البحر
أن أحرس أضواء القرى
ليلا وأستوحي
ضجيج المدن الكبرى
أناشيد…./من قصيدة ذات مركز متحول)
نحن هنا مع صوت شعري بمديات كونية عالية،فالبريكان من أكبر امراء المنفى مثله مثل الشاعر الكبير سان جان بيرس في قصيدته الكونية(أؤلئك هم أمراء المنفى) نحن هنا نلمس قوة البهجة وسطوعها التي تعتور الشاعر ورهافة المتلقي،عبر المشاركة في أعراس الوجود وألأحتفاء بإتصال خلاق من طراز خاص.
أن شاعرنا الكوني البريكان، عبر كل هذه ألأفعال/المشاركة،كان يفعل الغناء بجسده الناحل كله
لابصوته الخفيض العذب فحسب،وهو لايتوقف عن ذلك:
(أغني ولاصوت لي وأغامر أن أستفز الحدود
كيف أستر عري الحقيقة؟
كيف أرمم روحي؟ وهل شرك الشعر ينقذني
من متاهي؟
وهل يستقيم مصيري ألي
خلال الوجود المرواغ؟)
ليس لدى شاعرنا البريكان،أي نوع من ألأجوبة.فهو منهمك في صوغ ألأسئلة،وعلينا بدورنا أن نصوغ اسئلة من كل سؤال يصوغه الشاعر،وعلى حد قول مثقف من بيئة البريكان أنه (لابد للشاعر أن يكشف عن النهايات القصوى..ليفتح أمامنا الطريق)(2)..كيف يكون هذا الفتح المبين ؟ هذا ما تخبرنا به قصيدة البريكان الكونية ذاتها:
(أحاول أن أقهر الموت عبر القصائد
أدحر بالشعر هذا الظلام الذي يتمدد
داخل روحي.
أحاول أن أجعل الفقد أجمل حين أصوغ
المراثي.
أحاول أن أتثبت من درجات الوضوح
وأن أتثبت بالزائلات أحاول أن أتعرف
مالايباح وأن أتقصى حدود العوالم وأصغر
في صخرة رمز أنتصاري).
اذن بالشعر وبكل مافي الشعر من زرقة صافية،يقهر الشاعر كل المصدات التي تقف بوجه أنسانية ألأنسان
رغم كل جبروتها التكنولوجي.

*ثبت
1- مجلة ألأقلام/ع5/1998/محمود البريكان/قصائد جديدة/سدم.تكوينات.عوالم.
2- نجيب المانع/ذكريات عمر أكلته الحروف/ط1/مؤسسة ألأنتشار العربي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.