بلقيس ملحم : الباقي من النور (11)

balkis melhemشبيه الحسين ولكني قبل ذلك وددت لو أنني وقفت عند رأس سيدي أمير المؤمنين, على ربوة ذات قرار ومعين لأودعه قبل أن آتيك زاحفة, لأقول له مشرأبة العينان:

السَّلام عليكَ ورحمةُ الله وبَركاتُه، أسْتَودِعُكَ اللهَ وأَسْتَرْعِيكَ وأقْرَءُ عَلَيكَ السَّلامَ  آمنّا باللهِ وبِالرُّسل وبِما جاءَتْ بِه ودَعَت إليه فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدينَ، اللّــهُمَّ لا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيارَتي إيّاهُ, فَإنْ تَوَفَّيْتَني قَبْلَ ذلِكَ فَإنّي أشْهَدُ في مَماتي عَلى ما كنتُ شَهِدْتُ عَلَيْهِ في حَياتي..
ألهث في الطريق وأستتسقيك في أن تأخذيني إلى الفرات لأشرب منه وأغتسل بالجنة, هذه مراقد النور أمامي تتراءى, هذه البساتين والشوارع الفسيحة, عُدِّي  على قلبي منازلك الحميمة, هاهو شارع الإمام علي عليه السلام يجري في شراييني يسلم على دكاكين القلب واحدا واحدا:أي ساحة العروبة كيف هي محلة باب بغداد؟ كيف هو الهرج في سوق التجار العرب؟ أما يزال أبو همام يخصف النعال في سوق الخفافين؟ ماذا عساه أن يفعل حين يراني بلا ذراع!! أعرف بأنه رجل رقيق القلب, سريع الدمعة, سأقابله بابتسامة عريضة, سأقول له بأني بخير ما دامت كربلاء بخير, سأثبت له بأني قوية وبأني ما زلت أعجن الخبز وأشعل التنور, سأشير بيدي إلى العلاَّوي وإلى مضيف آل مسافر وإلى شارع الإمام الحسين عليه السلام, سأنزل في كراج البارودي وأمشي إلى باب القبلة لأشمه حلقة حلقة, سأقف وقفة تأمل طويلة أمام حسينية أولاد عامر,baghdad 24 سأمشي جنوب قلبي فهناك يقع دكان كبير اسمه شارع العباس عليه السلام, سأترك عند باب المحكمة عريضة احتجاج بمسافة الدروب التي تفصلني عن كربلاء, ذلك بعد أن أختمها في مبنى البلدية الكائن في الشارع ذاته, وإذا ما أرهقتني طوابير المراجعين, فسأأخذ بنفسي إلى تل الزينبية لأستريح على ظهره, وأنا أسد الشمس بأوراق السدرة التي تمتد من مقام الإمام المهدي( عج) إلى شارع الحائر الحسيني.. وحيث وجدت نفسي هناك, عبرت نهر الهندية, قاطعة شارع ميثم التمَّار, أي ميثم!! يا شارع الشهداء إشهد:
فباعنا طويل مع النخيل, ثكلتك أمك مريم!!
ولما قطعت النهر وجدتي مرة أخرى أتخلص من ثياب الشوق في ساحة أهل البيت, تلك الحدائق الجميلة: قنطرة بين الروضتين الشريفتين, فيا نهر الحسينية أعرني ظهرك وسح بي سياحة طويلة فقد لآتيك مرة أخرى, سح بي من نافذة لأخرى, من ساحة باب بغداد إلى ساحة باب القبلة, ومن ساحة باب قبلة الحسين إلى ساحة قبلة العباس, ومن ساحة الإمام علي إلى ساحة 17 تموز, ومن ساحة القادسية حيث ركضة (طويريج) إلى ساحة الحوض ذلك قبل أن نعطش مرة أخرى في ساحة الطَّف, يا دكاكين قلبي حلِّي هنا, يا باب السلامة, يا باب النجف, يا باب الخان, يا محلة العباسية توسديني بشرقك وغربك, أشعريني بأني محظوظة كوني أنتمي إليك, فلدي الكثير من أسرارك وحكايات طويلة.. طويلة..
والآن أنزلني هنا, أنفض عباءتي التي التصقت بي فقد كانت مبللة بماء النهر, أعصرها فتفوح رائحة عطور مختلطة, أستدير لأقف قبالة المرقد الشريف, فتأخني قشعريرة, مهيب هو الموقف, مهيب أن تتخيل ما بداخل المقام: ثرى الجسدَ الطاهر للإمام أبي عبدالله الحسين عليه السّلام مع ابنَيهِ عليِّ الاكبر وعليِّ الاصغر، يرقدان تحت صندوق مصنوع من الخشب الثمين المطعّم بالعاج، يحيط به صندوق آخر من الزجاج ويعلو الصندوق شباك مصنوع من الفضة الخالصة الموشّى بالذهب وعليه كتابات من الآيات القرآنية الكريمة ونقوش وزخارف بديعة الصنع، تحيط بالشباك روضة واسعة رُصِفت أرضها بالمرمر الإيطالي، وقد غلفت جدرانها بالمرمر نفسه فيما تزدان بقية الجدران والسقوف بالمرايا التي صنعت بأشكال هندسية هي آية في الجمال والروعة, كل ذلك محاط بأروقة أربعة أشبه بمحبس نوراني, يحبس النور حيث السماء التي تظله, رواق السيد إبراهيم المجاب ورواق حبيب بن مظاهر الأسدي ورواق يدعى برواق الفقهاء ورابعها رواق الملوك, أقترب أكثر من الأبواب, تفصلني سبعة أبواب عن الصحن الكبير, عن إيوان الذهب والمذبح, والحائر الحسيني, هي باب حبيب بن مظاهر وباب القبلة وباب صاحب الزمان وباب علي الأكبر وباب الكرامة وباب السيد إبراهيم المجاب وباب رأس الحسين عليه السّلام, مرة أخرى تأخني القشعريرة, سأقترب أكثر إلى الحضرة المطهرة, يفتح أمامي باب القبلة وباب علي الأكبر وباب الكرامة وباب الناصري وباب إبراهيم المجاب وباب رأس الحسين وباب حبيب بن مظاهر, ترتجف أصابع يدي وأنا أمسح دموعا سالت كالشلال, أي الأبواب أسلك, أيها سيكون قريبا مني أكثر, أنوي في الداخل أن نكون روحين حلَّتا جسدا واحد, أطوف بكل الأبواب, ليس مرهقا بالنسبة لي فالمواكب المليونية الحسينية تسير في أربعينيته لأيام, ألم تبكيه السماء أربعين صباحاً بالدم والأرض أربعين صباحاً بالسواد والشمس أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة.. أبا عبدالله لا يضنيني التعب وأنا المحمَّلة بسلال الصلوات وأدعية المناجات والبلاد التي خربت وخربت معها النفوس فذاقت نفسي ما ذاقت من العذاب فااَلسَّلامُ عَلى وَلِيِّ اللهِ وَحَبيبِهِ, اَلسَّلامُ عَلى خَليلِ اللهِ وَنَجيبِهِ، اَلسَّلامُ عَلى صَفِيِّ اللهِ وَابْنِ صَفِيِّهِ، اَلسَّلامُ عَلى الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهيد, ِاَلسَّلامُ على أَسيرِ الْكُرُباتِ وَقَتيلِ الْعَبَراتِ، اَللّـهُمَّ إنّي اَشْهَدُ اأنَّهُ وَلِيُّكَ وَابْنُ وَلِيِّكَ وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ الْفائِزُ بِكَرامَتِكَ، أكرمْتَهُ بِالشَّهادَةِ وَحَبَوْتَهُ بِالسَّعادَةِ وَاَجْتَبَيْتَهُ بِطيبِ الْوِلادَةِ وَجَعَلْتَهُ سَيِّداً مِنَ السادَةِ وَقائِداً مِنَ الْقادَةِ وَذائِداً مِنْ الْذادَةِ وَاَعْطَيْتَهُ مَواريثَ الاَْنْبِياءِ وَجَعَلْتَهُ حُجَّةً عَلى خَلْقِكَ مِنَ الاَْوْصِياءِ، فَاَعْذَرَ فىِ الدُّعاءِ وَمَنَحَ النُّصْحَ وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الْجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ، وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا وَباعَ حَظَّهُ بِالاَْرْذَلِ الاَْدْنى وَشَرى آخِرَتَهُ بِالَّثمَنِ الاَْوْكَسِ وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّى فِي هَواهُ وَاَسْخَطَكَ وَاَسْخَطَ نَبِيَّكَ وَأطاعَ مِنْ عِبادِكَ أهْلَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ وَحَمَلَةَ الاَْوْزار الْمُسْتَوْجِبينَ النّارَ، فَجاهَدَهُمْ فيكَ صابِراً مُحْتَسِباً حَتّى سُفِكَ فِي طاعَتِكَ دَمُهُ وَاسْتُبيحَ حَريمُهُ، اَللّـهُمَّ فَالْعَنْهُمْ لَعْناً وَبيلاً وَعَذِّبْهُمْ عَذاباً اَليماً، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ سَيِّدِ الاَْوْصِياءِ، اَشْهَدُ َنَّكَ اأمينُ اللهِ وَابْنُ أمينِهِ، عِشْتَ سَعيداً وَمَضَيْتَ حَميداً وَمُتَّ فَقيداً مَظْلُوماً شَهيداً، وأشْهَدُ اَنَّ اللهَ مُنْجِزٌ ما وَعَدَكَ وَمُهْلِكٌ مَنْ خَذَلَكَ وَمُعَذِّبٌ مَنْ قَتَلَكَ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ وَفَيْتَ بِعَهْدِ اللهِ وَجاهَدْتَ فِي سَبيلِهِ حَتّى أتاكَ الْيَقينُ، فَلَعَنَ اللهُ مَنْ قَتَلَكَ وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ظَلَمَكَ وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً سَمِعَتْ بِذلِكَ فَرَضِيَتْ بِهِ، اَللّـهُمَّ اِنّي اُشْهِدُكَ أنّي وَلِيٌّ لِمَنْ والاهُ وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداهُ بِاَبي أنْتَ وَاُمّي يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، أشْهَدُ اَنَّكَ كُنْتَ نُوراً فىِ الاَْصْلابِ الشّامِخَةِ وَالاَْرْحامِ الْمُطَهَّرَةِ، لَمْ تُنَجِّسْكَ الْجاهِلِيَّةُ بِأنْجاسِها وَلَمْ تُلْبِسْكَ الْمُدْلَهِمّاتُ مِنْ ثِيابِها، وَاَشْهَدُ اَنَّكَ مِنْ دَعائِمِ الدّينِ وَأرْكانِ الْمُسْلِمينَ وَمَعْقِلِ الْمُؤْمِنينَ، وَأشْهَدُ اَنَّكَ الاِْمامُ الْبَرُّ التَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ الْهادِي الْمَهْدِيُّ وَاَشْهَدُ أنَّ الاَْئِمَّةَ مِنْ وُلْدِكَ كَلِمَةُ التَّقْوى وَأعْلامُ الْهُدى وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقى وَالْحُجَّةُ على أهْلِ الدُّنْيا وَاَشْهَدُ أنّي بِكُمْ مُؤْمِنٌ وَبِاِيابِكُمْ، مُوقِنٌ بِشَرايِعِ ديني وَخَواتيمِ عَمَلي وَقَلْبي لِقَلْبِكُمْ سِلْمٌ وَاَمْري لاَِمْرِكُمْ مُتَّبِعٌ وَنُصْرَتي لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتّى يَأذَنَ اللهُ لَكُمْ، فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَعلى اَرْواحِكُمْ وَاَجْسادِكُمْ وَشاهِدِكُمْ وَغائِبِكُمْ وَظاهِرِكُمْ وَباطِنِكُمْ آمينَ رَبَّ الْعالِمينَ..
أنفث في جيبي الذي أخذ يتعرق من كثرة الزحام, أواصل لوعتي فأطوف بأبواب قاشية حفرت فيها آيات كريمة من القرآن, باب القبلة وباب الرجاء و باب قاضي الحاجات وباب الشهداء وباب الكرامة وباب السلام وباب السدرة وباب السلطانية وباب الرأس الشريف و باب الزينبية..
اللهم اقضِ حاجتي.. أقولها بزفرة طويلة وقد رفعت عيني إلى السماء..
قبل أن أهم بالدخول من باب السلام مسحت على بطني, زممته يمنيا وشمالا خوفا من انفلات القماط من مهد علي! بدأت أتلو دعاء علمني إياه أبو ضفاف قبل أن يودعني, رغبة مني في حاجة في نفسي لأقضيها وكان ذلك هو دعاء ابن عباس رضي الله عنه: رب أعني ولا تُعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي واهدني ويسر الهدى لي وانصرني على من بغى علي واهدني ويسر الهدى لي وانصرني على من بغى علي, اللهم اجعلني لك شاكرة, لك ذاكرة, لك راهبة, لك مطواعة, لك مخبتة, إليك أوَّاهة منيبة, رب تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة قلبي..
هنا يلزمني ما يلزم الحاج, يلزمني قلَّة الكلام إلاّ بخير وكَثرة ذِكر الله والغُسْل قبل أن آتي الحائر والخشوعُ وكثرةُ الصَّلاةِ والصّلاةُ على محمَّدٍ وآل محمَّد والتَّوقيرُ لأخذ ما ليس لي وأن أغضَّ بَصَرَي وأن أَعودَ أهل الحاجة مِن إخواني إذا رأيت مُنْقَطِعاً والورع عمّا نُهيت عنه, فإن فعلت ذلك استوجبت مِن الَّذي طلبت ما عندي بنفقتي واغترابي عن أهلي ورغبتي فيما رغبت: أن أنصرف بالمغفرة والرَّحمة والرّضوان..
ألصقت جبهتي بالشبك المذهب, عطره يضوع في المكان وقد ربطت فيه الكثير من الشرائط الخضراء, كان مزدحما كعادته ولكني وجدت زاوية وكأنها هيأت لي, غرقت في الدموع دون أن أنبس ببنت شفة, لم تختلط علي أصوات الباكين, ولا هسيس الخاشعين ولا ترانيم التالين الذاكرين, كنت أريد أن أبوح ببـوح طويل, لكني نسيت كل شيء سأقوله, استمريت في البكا..
بيد واحدة معلقة والأخرى تتمسح تبركا ببقايا عروقها المقطوعة, رفعت رأسي قليلا لأنزع من ذراعي علاقة خضراء لأربطها في الشبك وقد عادت إلي لساني المربوط: السلام عَلَيْكَ يَا وَارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عِيسَى رُوحِ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عَلِيٍّ وَصِيِّ رَسُولِ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ الْحَسَنِ الرَّضِيِّ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الشَّهِيدُ الصِّدِّيقُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْوَصِيُّ الْبَارُّ التَّقِيُّ، السَّلامُ عَلَى الْأَرْوَاحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنَائِكَ، وَأَنَاخَتْ بِرَحْلِكَ، السَّلامُ عَلَى مَلائِكَةِ اللَّهِ الْمُحْدِقِينَ بِكَ, أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَّلاةَ, وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ، وَأَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ، و عَبَدْتَ اللَّهَ مُخْلِصاً حَتَّى أَتَاكَ الْيَقِينُ..
السَّلامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُه, اللهم صلِ على محمد وآل محمد, وعجل فرجهم, إلهي بحق الحسين ومصيبة الحسين, حق الحسين وغربة الحسين .. إلهي بحق الحسين وعطش الحسين .. إلهي بحق الحسين وبحق شبان الحسين … إلهي بحق الحسين وأنصار الحسين ..إلهي بحق الحسين ورضيع الحسين  إلهي بحق الحسين وأعضاء الحسين المقطعات …إلهي بحق الحسين والدماء السائلات … إلهي بحق الحسين والنحور المنحورا…إلهي بحق الحسين والنساء المسبيات. .. إلهي بحق الباكين على الحسين والقلوب المحترقه على مصاب الحسين والدموع الجارية على مصيبه الحسين وبحق الصارخين النادبين يـــاحسين, إلهي فرج عنا يالله وأكشف مانزل بنا.. ربنا أكشف عنا العذاب إنا مؤمنون..
اللهم انصر من نصر الدين وأخذل من خذل الدين..
جلت ببصري في وجوه الناس, كانت مشرئبة لشيء خفي أتت من أجله, كما كانت النساء أكثر من الرجال والجميلات أكثر من القبيحات..  لذا أخذني أحد الوجوه إلى ذكرى فاطمة, فاطمة التي كانت كثيرا ما تتردد على مقام صاحب الكف الأيسر- العباس عليه السلام- كونها ابنة لأحد سدنة الروضة العباسية, هناك أدمنت حب المكان وعبق الزمان حيث كانت تجمع الشرائط المتناثرة هنا وهناك بعد أن ينصرف جميع الزوار والمصلين, تجمعـها في صندوق عتيق مصنوع من خشب الصندل الهندي وفي كل ليلة جمعة وبعد أن تصلي ركعتين لله وتدعو بدعاء كميل, بصوت حزين مبحوح, ترجو به قضاء حوائـج اللذين تجشموا مشقة السفر, ليريقوا ماء أعينهم بين يدي صاحب المقام المبارك أبي الفضل عليه السلام, هناك جلت ببصري في القبة التي تعلوه, كل شيء هناك يلمع, يتورد كزهرة هبطت من الجنة تنشر عطرها الذي لم تفسده روائح الغرباء الشُّعث..
السلام عليك يا حامل لواء الطف, السَّلامُ عَلَيكَ أيَّها العَبـدُ الصالِحِ المُطيعُ لله ولرسُولِهِ ولأَميرِ المؤمِنين والحَسَن والحُسـينِ صَلّـى اللهُ عَلَيهم وآله وسَلَّم ، السلامُ عليكَ ورَحَمَةُ اللهِ وَبركاتُهُ ومَغفرَتُهُ ورضوانُهُ وعلى رُوحِك وبَدَنِكَ ، أشهدُ وأشهِدُ الله أَنَّك مَضيتَ على ما مَضى بهِ البدريّونَ والمجاهدونَ في سَبيل الله ، المناصِحوُن لَهُ في جِهادِ أعِدائهِ المُبالِغونَ في نُصرَةِ أوليائهِ الذّابّونَ عن أحبّائهِ ، فجزاكَ اللهُ أفضل الجزاء وأكثرَ الجزاء وأوفرَ الجزاء وأوفى جزاء أحـد ممِّن وفى ببيعَتِهِ واستَجابَ لهُ دَعوَتَهُ وأطاعَ ولاةَ أمِرِه ، أشَهِدُ أنّكَ قد بلغتَ في النصيحَةِ وأعطيتَ غايَةَ المجهُودِ فبَعثَك اللهُ فـي الشُهِدِاء وجَعَلَ رُوحَك مَع أرواحِ السُّعداء وأعطاك من جنانهِ أفسحَها منـزلاً وأفضَلها غُرَفاً ورفَـعَ ذِكرَكِ فـي عليين وحَشَرَك مع النبييّن والصدّيقين والشهداءِ والصالِحينَ وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً ، أشهدُ أنّك لـم تَهن ولم تنكُل وأنَّكَ مَضِيتَ علـى بصيرَةٍ من أمرِك مقتدياً بالصالحين ومُتَّبعاً للنبييّن، فَجَمَعَ اللهُ بينَنا وبينَك وبين رسُوله وأوليائهِ في منازِل المخُبتين ، فإنّه أرحم الراحمين ..
تراجعت قليلا إلى الوراء لأصلي كما صليت عند مقام أبي عبدالله, وحالما سلمت عن يساري, شاهدت فاطمة بأم عيني, عرفتها من عرجـة خفيفة في قدمها اليمنى, وقفت بالقرب مني وهي تخرج من بين صدرها المتكور تحت عباءتها جهاز المحمول, وقد انكشف جزء منه دون قصد, الشاب الأنيق والذي وضع شالا رمادي اللون حول رقبته كانت عيناه مصوبة نحوها تكـاد تأكلها قطعة قطعة, تاركا كتابه الأخضر مفتوحا بين يديه.. لقد اجتازت نقاط التفتيش ودخلت به, قالت بصوت خافت متقطع:هلو حبيبي هسه أني عند ساقي العطاش.. شنو؟ أكيد؟ يمته أواجهك؟.. بوكا؟ يمتى نقلوكم؟ جا وين الوعد؟..ياكل شنو؟ مادأسمع! العقيد مؤمن البيات, صليت لـ. رجعت تحن؟. وراس العباس الحار.. يمته؟… ألو.. ألو.. شبكة ماكو.. ألو..
أدركت بأن لها قصة طويلة, هي لم تتزوج بعد فملامحها لم تتغير كثيرا.. رغم أنه فقدت شيئا من بهجة وجهها الصافي, بدت أكثر نحفا من قبل وخليطا ناضحا من امرأة ممزوجة بالحليب والحنطة, تخيلتها شرنقة تقاوم الولادة في النور..!! تتدحرج من عينيها خيوط ملونة تطرز بها وسادة من الستان اللامع لتنام عليها وهي تذكرني بوسادة أمي التي كانت تتوسدها على(القنفة) المهترئة وسط صالة  بيتنا الصغير.. لا أدري إن كانت بعد تقطن العباسية الشرقية في دربون ضيق جدا تتقارب فيه السطوح وتلتقي فيه العيون الناعسة من تحت عباءتها الواسعة بعبد الزهرة الكَيَّار ذي الوجه المُجدَّر, والذي كان يـزور أهله رأس كل شهر قادما من الناصرية بأجمل قصيدة كتبها للحبيبة..
أغلقت كتيب الأدعية والزيارات ووضعته في حقيبتي, لملمت عباءتي ثم مسحت وجهي مودعة بيت الله الفسيح دون أن أفكر بمصافحتها أو حتى بالسلام عليها, حتما ستكون لها قصة طويلة.. ستغريني بجمال أسنانها المصفوفة بالحديث حتى وقت الآذان..
عبرت الشارع خارج المقام وبدأتُ ألقن ذاكرتي الكثير من الصفعات!! كربلاء الغريبة تقودني إلى معادلة تنم عن انحطاط بعض الرجال, فحولة المتهندمين والذين ما إن يروا شابة جميلة أو حتى قبيحة تمر من أمامهم حتى يباعدوا بين أفخاذهم الكبيرة وهم يجلسون على المقاعد الأمامية للمقاهي والحوانيت وكأنهم يريدون بذلك إبراز أعضائهم الضخمة فعلا.. والتي تكاد أن تخـرج من فتحة السراويل المكوية, مُرقِّصين بين أصابعهم سبحاتهم الأنيقة, تاركين للنـساء فك شفرة شبقية هؤلاء, تلك الفئة التي تتمنى لو يعود التاريخ فيـكتبهم سلاطين أو فقهاء لسلاطين, التاريخ المكتوب من أجل أن يتمتعوا بالجواري المملــوكات أو المهديات كضربا من الترف, ليس إلا ليبيحوا منطق العهر المقنن!!
تذبحني تفاصيل المدينة: محلة باب السلالمة, محلة باب الطاق، محلة باب بغداد، محلة باب الخان، محلة العباسية الشرقية والغربية، محلة المخيم، محلـة بـاب النجف, هذه المحلات أعادت لي مشهدا لن أنساه ما حييت ففي محلة باب بغداد وقبل عشرين عاما رأيت رجلا مسنا يطلب الثواب والرزق معا!! يبيع التُّـرب والسبحات الطويلة, لا ينادي على نفسه فقط بل يجلس تحت شجرة قريـبة من نهر الحسينية, متكوم على نفسه كحشرة ترتعش تبحث عن الدفء تحت شمس الله وحينما شعر بالدفء, صار يميل بذراعيه المطوقـة بالسبحات, يميل بها يمينا وشمالا, محدثا بذلك نغما روحانيا يتناسب مع لون وجهه المصبوغ بالنور, اقتربت منه.. فشممت عبق الخزانات القديمة المعتقة برائحة الصندل والمسـك الأبيض مما استدعى امرأة إيرانية, تقترب منه, تلـبس شادورا بلون الكـحل الباهت, تبدي منه ثلث وجهها الأحمر, أخذت تفاصله بلغة غير مفهومة بالنسبة لي, المسكين رضخ للسعر الذي طرحته عليه ولكن عجرفتها أبت أن تبتاع منه مسبحة واحدة أو تربة مقدسة, تقدمتُ منه أكثر وقد رق قلبي له ابتسمت وابتعت منه السبح كلها فأهداني ثلاث ترب وهي ما تبقت عنده, لفها في قماشة سميـكة بلون الغبار ثم قال لي بصوت تملؤه النبوءة: سيرزقك الله بمولود جمـيل يشبه تماما ولدي علي, علي الذي تاه في جبال كردستان هربا من البطش ولم يعـد حتى الآن.. بُنتي اسمحي لي.. ثم أخذ يدق بإصبعه على موضع قلبه متابعا: لقد رأيت فيك قلبـي المليء بالنوى والخوذ والبساطيل والمفقودين..  والأطراف المقطوعة, لذا حين كنستِ هذه الحروق والأغاني المشوية منِّي, أدركـت بأن لسان الليل لا يُقطع لقد أرسلك الله لي ليبشرني بأن علي مازال على قيد الحياة.. قولي لطفلك: جئت في عصر الخمور.. فلا تشرب سوى الخمر واشحب مثلما شحبوا..!! تركته دون أن أعلق على شيء من حديثه, حملت نفسي بنبوءته دون أن أحدث أحدا بذلك وقد عزمت هذه المرة أن أسير إلى محلة بغداد وهناك وفـي نفس المكان وجدت شابا مبتور الساق يجلس في نفس المكان!! يبيـع الترب والسبحات ذاتها…  يحمل التجاعيد نفسها والتصاق الحاجبين ورعشة الحشرة الباحثة عن الدفء! ضاغطة على بطني خوفا من أن يسمع علي كلامه الذي أخذت استرجعه على لساني, أيعقل بأن حربا جديدة سيعاصرها علي؟! غريب هو أمر بلادي, تموت جوعا فتشرب خمرا!!
ألا فلتكفنا يارب من شؤم النبوءات!!
في كل محلة قصة طفولة تشيخ بمجرد أن تفتح لك صفحتها الأولى: دار.. دور ..!!! لم يتبق لي من كربلاء سوى أن أستدير إلى قرص الشمس, لأبحث عن سيارة أجرة تقلني وأنا أتمتم بلطمية شجية وقد ملأني إحساس بأني لن أعود إليها مرة أخرى!! أبكي على اللذين ماتوا وعلى اللذين سيموتون غدا أبكي أكثر
أخاف من أعوفك
بعد ما أشوفك
إذا ما تجيني
أقدر ظروفك
طويلة رحلتي
وأخاف برجعتي
بعد ما أشوفك..
أخاف أشتكي لك
وأعذب دليلك
وأريد بدموعي
أبرّد غليلك
شِنشف دمعتي
وأخاف برجعتي
بعد ما أشوفك
!!
أعصر جبين وجهي, صاعدة بأنفاسي كل هذا العلو الذي يظلني..علي أن أعود الآن من حيث أتيت.. غدا في الصباح الباكر سأستقل أول مركبة من الكـراج تغادر إلى بغداد..
************
حنان!!
مرة أخرى حنان!!
قالت وهي تعيد معي ترتيب حقيبتي وقد كانت متعرقة جدا وكأنها خرجت من حمام للتو دون أن تنظر في وجهي المرهق وهي تحاول الهروب من تقاسيـم أخباره التي أضنته تلك الزيارة: تفضلي لا داعي للقلق!! هناك رسالة داخـل الظرف, كتبها لحنان أثناء اعتقاله في الشعبة الخامسة وقد وصلت بأعجوبة إليها, قامت بدفعها إليَّ حين علمت بوجودك في كربلاء, أنصحك ألا تفتحيه عفراء إلا بعد مغادرتك كربلاء, حنان متزوجة الآن ولربما سبب إزعاجا لها لو فكرت بزيارتها أو الحديث معها حول .. قالتها خجلة من كونه ترابا لا يسمع ولا يتكلم: أخيك عادل!
دسست المظروف البالي داخل جيبي, دون أن أفكر ما بداخله, لدي الكثير من صوره الصفراء.. ولكني أفتقد مثلا شيئا مخطوطا بيده كان يمزق كل ما يكتبه أولا بأول, لذا هم مزقوه بسرعة متناهية..
قبلت سلمى بين عينيها حضنتني بقوة كأنها تريد أن تقول كلاما أطول من  الماء المسكوب على الكرة الأرضية, حميمية أصابعها وهي تفركها في ظهري طرية روحها كزبدة, وقتها كانت محطمة أكثر مما مضى.. لأنها شعرت بكبت جديد سيطبق عليها, بتماسيح لا تؤذي, فاغرة عن أسنان وحشية من السراميك, لو كانت حقيقة لرمت نفسها في بطنها الكبير, وحيث لا تجد غير اللوحات التي ضجرت من ألونها القاتمة فإنها سترسم ظِلال الدروب إليه.. لن يجدي معها أن أقول لها مثلا: لا تقنطي إن رأيت الكأس فارغة يوما ففي كل عام ينضج العنب!!
ودعتني سلمى بدون حسين, الآخر خشي على نفسه, خشي من أن يتَّشظِّـى أمامي, ترى هل شعر بنفس الشعور؟؟
بأني ربما لن أعود مرة أخرى لكربلاء؟؟!
داخل الحافلة المخنوقة حاولت أن أضيء نفسي المتعبة بشق المظروف المحكم إغلاقه بملصق بلاستيكي بلون الفضة, سبق ذلك رجفة جسدي الذي أخـذ في تفسخه وكأن حشرة شرسة أخذت تلعب بندوبه, هاربة من خوف أفسد عليها لذة البقاء داخل الجرح الفاسد أصلا, كم هو مؤلم أن تملك السيطرة على نفسك بألا تنوح أمام البشر الذين كانوا كثيرا ما يتمخطون ويسعلون ويتجشؤون صـوت الترقب لما هو آت بكل جرأة!! مستمرين في النظر إلى بعضهم البعض ولكن بترصد كمن يرفع يديه عاليا وهو غارق في الدم ظانا بأن ثمة من سيرحمه من هذا الغرق ومن سيرحمه هو الآخر متكيء على دمع أسود, يتخيل صورة ولده المخطوف وقد أعاده الخاطفون مبشرين إياه بوليمة ضخمة ولكنها كانت لجـسد مشوي..
ليس بعيدا ذلك المنظر الشنيع عن ولده الأكبر وقد أعيد إليه بسبع وعشرين طلقة.. أنا أتخيل تلك الصور وهي ليست بعيدة عني, ملتصقة بذاكرتي أينما كنت, حتى في أوج ساعة الفرح التي كانت أيضا تفخخ بالأحزمة في بغدادي الحبيبة, كيف لا؟ وأنا القادمة من مدينة الموت, مدينة النور والنار! كيف نجوتُ ومشيت حافية لأقذف بنفسي على عتبة الباب.. مصدقة الريح التي حملتني وأنا أتفحص وجود العلاقة الخضراء في جيبي, مصدقة أوهام المدينة التـي فكرت بأن تحتفل بنخب انتصارها.. لكنها الحرب لم تكن خفيفة الظل أبدا.. ولا نكتة عابرة, كانت أشبه بالرصاص الذي لا يمحي أثره دَهن الجدران ولا رتق الجلود المحترقة..
موحش صوت الديكة وهي تسعر.. تابعت مسح دموعي الطفيفة وأنا أقرأ ما في رسالته:حدِّث نفسك بأن تنعزل عن العالم, لا تحرق كتبك فقد تحتاجها ذات وباء يحصد البشر, كم هو كئيب أن تعبر وحدك من الميدان إلـى الكرَّادة.. دون أن تمتلك فلسا واحدا كي تهاتف به الأهل والأحبة.. ولا حتى أجرة البـاص الذي سيقلك إلى كربلاء, البـاص الذي يتجول حوله المتسولـون كل يوم, هل يظن هؤلاء المتسولون بأنهم أذكياء لهذا الحد؟ بأني لا أفهم تعابيرهم التي تدعوا إلى الشفقة والرحمة, أكاد أناصفهم الجواب: أنا مثلكم تماما, أتفقد جيبي المخروق, داخله سيجارة هل أقوم ببيعها من أجلكم؟ أمشي فيصادفني بار قذر رُشَّ بخارجه نوى الزيتون وقشور الفستق الرخيص آه كم هو قرار طائش أن تموت بكل هذا البطء أمام تضحيات السكارى.. كل السكارى يتشابهون إذا كانوا فقراء معدمين مثلي, جميعنا يشبه تفاحة ناضجة تخبىء في داخلها عفنا بدأ في التَّفشِّي.. تماما مثل عيني فتاة بريئة تخبيء لك عهرها الطافح, تلك الأنثى المتفردة بطغيان جمالها وحدها من تتقن ضحكة الحوريات الخالدة! كم نحن بسطاء ومساكين لدرجة أننا نخفي مسدساتنا تحت جلابيبنا الواسعة بينما في الحقيقة لا نخفي سوى قلبا حنونا وحسب.. مشيت في الكرادة بجزأيها فوجدت أجسادا تبحث عن ظل الأشجار, حاكيت بحثهم وهناك قذفت كل ما بداخلي قبل أن أصل إلى صندوق القمـامة المحاطة بالزبل وعواء القطط وعلب البيرة الطافحة في برك آسنة..  وحالما غسلت وجهي واستلقيت على العشب الأخضر اختنقت برطوبتي وخدر جسدي الثقيل, أشعر بأن بكتيريا تفسَّخت في معدتي وأحشائي..
لقد تخيلت رفاقي المعدومين قبلي, همت على وجهي وتقيأت أكثر, إلا أن ثمة صحو أيقظني حين داس على أطراف أصابعي عجوز أعور, يحمل صـندوقا معلقا على كتفين أحدهما مخلوع لذا بدا كميزان معوج:سجايرعيوني؟ فكرت أن أقايضه بسجارتين أرخص من سيجارتي الوحيدة ولكنه عاد إلى مشيته المعهودة بعد أن يأس مني..
بدأت عيناي تدوران, تنظران في الأشجار والعصافير, تقلَّبت كبيضة مسلوقة تفرغ طاقتها الشبيقة في محاولة النجاة من القضاء عليها بين الأسنان المتعفنة.. ودون أن يشعر بها أحد وهي تتذوق ببراءتها صلخ الماء المغلي لجلدها الأبيض انتهت محاولة النجاة..
ماذنبي يا تموز؟ وقد حرَّضتني على قبول فكرة البقاء مسجونا مدى الحياة..؟ تعدني بفراش بارد وبكاء متواصل وحيطان تخرج منها رائحة من عبروا إلـى المشانق, مؤلمة عقيدةو الخلود!! أن تخلد في جحيم الدنيا, أن تعجز من أن تتحول إلى عصفور أو تتحنط في رغبة مكتومة كرقم طيني محفوف بالزجاج, أن تنقر بأصابعك على قضبان الأبواب كي تتذوق ولو لمرة واحدة طعم الموت الغريب من ضربة عود أو عزف قانون.. العصفور صار أفضل مني حالا, هو يلتقط بقايا الأرز من المجاري المتعافية على امتداد الجرف, المطر أيضا يمـرح في الأزقة وفوق سطوح البنايات القديمة, ليتخبط فيه الأطفال وهم يغنـون له تحت المزاريب, حتى الجنود أحسن مني حالا..!! ينزل المطر عليهم فيتعاركون مع قطراته وهم يُصلُّون للرسائل أن تصل!!
هيا ادخلي أيتها الرصاصة ادخلي بسرعة وكوني رصاصة الرحمة أريد الحفاظ على لوني البرتقالي,السواد يخيفني أكثر ويجعلني أكثر شهية للموت القريب, لو أني شرنقة لتفسخت عن بكرة الزمن.. لكنها سُلالات الحـزن التي تخيط فـيَّ الذكرى مثلها مثل العدم حين يتأبط الانتظار وكأن المطر الموحش قد ضرب لي موعدا معه, سأنخرط حينها في مهمة صعبة, وسأشترك مع الكلاب في نزهـة قريبة تجوب أحياء بغداد الفقيرة تبتغي فضلات الطيور والأحراش وموائد المآتم التي يأخذها المطر إلى أقصى لذة المستنقعات, هناك فضلت أن أُخرج سيجاراتي وأن أباهي بها المزابل وكل تجاربي الفاشلة بالكتابة إليك..
سأنفث بدخانها وأحرق كل ما بداخلي بنفثة واحدة..
ابتعدت قليلا عن الكلاب, انفصلت عنهم حيث وجدوا من هو خير مني رفقة.. فاصطدمت بعامود كهرباء مُعطَّل, كانت الدنيا (سودة) أكثر مما سبق فأحسست بحاجتي إلى العامود!! احتضنته وشددت من وثاقي به, لم أقبله فقد خشيت أن أتحول إلى جسد شرير لا إلى عصفور بريء, استمريت في عناقي الطويل كدت أفوز بلذتها: لذة الحب الخاسر, بكيت ثم صرخت بداخلي: وك أريدج!!
لم أبارح العامود مما استفز ضحكة مخنوقة أخرجتها كطفل بليد لايعرف كيف يربط حذاءه أو حتى يرتدي جواربه بنفسه.. حضنت العامود أكثر وكان هذا كل شيء..!! كل ما حولي مقفر يابس لاروح فيه.. كأنه الفراغ الذي لا حدَّ له.. لم أشعر برهبة المكان فقد زرع فيني ذلك العامود غرورا  لم يدفعني إلى اللـجوء مثلا إلى شجرة تقف غريبة مثلي ولا إلى السماء التي كنت متعودا النـظر إليها باعتبارها صديقا حميما للصعاليك والفقراء والمظلومين والبؤساء أمثالي, السماء التي لطالما أرتني إياها أمي حين كانت تذهب بنا في نهاية الأسبوع  إلى بيت جدتي في العباسية, هناك تطلب مني عدَّ النجوم ونحن نفترش السطوح.. وهي تحكي لي جمال ابنة السلطان وعشيقها حسن حمَّال الجرار.. وأنا أتناوب عدَّها مع أختي حتى يأخذنا الخدر وغمامة وجه أمي الصافي.. أنام ولا تنـام أختي, أكذب عليها وأصدر صوتا لشخير عميق كي أهرب من سؤالها المألوف: بعدك صاحي يا وكح؟ لا أتلذذ بخداعي لها ولكني أستمر في التحايل عليها: طيرتـي من عيوني النوم …
أكبر ويكبر العذاب, العذاب الذي امتلك نفسا طويلا جرَّاء مقارعته لأحلامي, ألوذ به ويلوذ بي, هل تصدقين ذلك؟ كلانا يبلل الضحكة بملح الدموع, يتبلها بالمزيد من العذاب ذاته.. يالله كيف خلق الجمال في انكسار دمعة تنـزل من عينيك عتابا على حبنا الذي افترسته عيون المخبرين, لو أنك بكيت فرحا كيف سيكون شكل عينيك؟؟ هل ستقصرين عن قبلة مخبؤة داخل شرنقة طـازجة؟! صدقيني لا عهر في تبادل القبل ياحبيبت..  ولكنها القبل هي التي كانت عاهرة حين أقصرت عنَّا.. فبدأتُ بتحطيم أثاث الغرفة التي كان يؤيني فيها صديق لي أعدم من قريب.. دون أن تغريني البيرة لأحتسيهـا مع غجرية كانت كثيرا ما تتردد على غرفة ملاصقة لي ولما لم يجبها أحد أخذت تطرق علي ذليلة الحال, لم أرد عليها أيضا كنت مشغولا بغلق بنطالي العتيق والذي أيقنت على خسارتي إياه قبل أن أموت بالرصاص!!
العذاب يعود إلي مرة أخرى يحاول أن ينكرني,أن ينفي فكرة حبي لك, ما أشقى أن تدفعك الرغبة إلى النسيـان.. أو يدفعك الجوع إلى التوقف عن الاستجـداء بالسنابل الفارغة من الحبوب أو يدفعك بأن تمسك بيديك اللتين تعودت أن تفتحهما كل صباح للنور كما تفتح باكرا أبواب الزَّقُـورات والمسجد والكنائس والمعابد لصلوات الناسكين, تماما كما يفتح الفضاء خيوطه لتُفتِّلها زغزغـات العصافير المولودة فوق الأشجار والنوافذ, ومن ثم يقوم الديكة الصالحون بتنظيم الفوضى الرتيبة تحت أسقف الأبنية..
فوضى الصباح الباكر تمنحني أن أقول لك صباح الخير دون أن أهتم بأني لم أكوِ قميصي قبل أن أنام أو أبالغ في رش الكولونيا المتعافى بالنشوة أو دهن شعري الكثيف برغوة لا تميزني عن الآخرين بكثير هي نفسها فوضى أخلاقيات العفة المغلفة بأدبيات العشاق, هل تصدقين بأن أحد يرفض مضاجعة من يحبه؟ أنت شخصيا لو ضاجعتك فستذوقين لذة الخط الفاصل بين ردفيك المرتفعين كما تقذفين لذة مجنونة في احتضانك من الخلف, ولسع لحمك المشحون بدفء قبيلة من النساء..
.
.
.
ذلك الفراغ الأبيض..
( محوتُ الكلام حبيبتي لأني أريده همسا في روحك فقط, فلا يطلع عليه أحـد سوانا..) ولما أيقنتُ بأن النصال بدت وشيكة مني. أغلقت عني كل نوافذ الشتاء أغلقتها وبدأت في تمزيقي, سكاكين ورماح وعالم مليء بضجيج مدوي, معلنـا عن انتهاء الهدنة مع العذاب –الصديق-.. آه يا جلجامش لو كنتُ شاعرا مثلك, لو أذنت لي بالقفز على رماحك التي نصبتها في النهر!! لكنه كان دبقا وزلقا.. وكنت أنت من سبقتني بآلاف السنين.. دون أن تجرحك أنياب التماسيح.. لذا تمزقت أكثر ولم أعد أكترث لا بالشمس التي استلقت على العشب, ولا بعطـر أنوثتك الذي تناوبت الأكواب في التَّعبِّي منه, فأنا من سقيت نفسي منه ألف مرة في غيابك وما تبقى من آثارك على المشط الخشبي والمرآة الصغيرة ومشـابك الشعر وأحمر الشفاة وملابسك الملقاة على سرير الحديد وبقايا أعقـاب السجائر والشموع المذابة والمناشف المبللة بك وهي تبوح بالتهامك كاملة وتكسير صوت عظامك الدقيقة المختبئة تحت لحمك المكدس الناعم, كنت تتلوين فوق فروة رُسم عليها نمر ذو عينين واسعتين.. لو قامت أختي بجمع ذلك وصرِّه لي!! لما حدث ذلك دون أن نبوح بكلمة نقولها ثم نستريح.. كلانا كان يقضم ريقه ويؤمن بفكرة واحدة, فكرة أن نعود غرباء تحت الأرض دون أن يحاسبنا أحد.. أتذكرين في أول يوم للحب, في أول لحظة ابتداء كانت في بستانكم, يومها باضت عصفورة في شباك غرفتي.. قشرنا فيما بيننا برتقالة واحدة, وببساطة شديدة تعانقنا حتى سقطنا على الأرض, كلانا ضمد الضفتين كي لا تفيض الساقية, تقولين كفى.. بصوت رقيق يكسر زجاجات الزهور ولكني أفهم منه طلبك بالمزيد, تكيدين بي وأنت النبع الصافي.. وكأننا في مصعد يوشك على الوقوف فجأة, تقومين بلف خصلات شعرك الطويل, تسرحينه بمشطك الذي تعودت حمله في حقيبتك, ثم تدسينه تحت الحجاب, كل ذلك كان أجمل بالتأكيد وأكثر بقاءا من اللذة نفسها..
(غدا أو بعد غد قد أعود إلى كربلاء, لقد فهمت من أحد المقرر الإفراج عنهم بأني وسعود الرمَّاح بريئان ونحن كذلك.. لن أبعث لك برسالة أخرى, ستجديني فاتحا ذراعي, سيقوم أبي بإعداد وليمة كبيرة احتفاء بي, وسألتهم الخروف مثل ما يلتهمون هنا التماسيح النيئة أمامنا!!) أخالك صدقت مثل هذه المزحة؟! وحيد أنا وغارق في التفكير كسفينة نظرت أسفلها فوجدت قفارا.. ها أنا ذا أرتعـش والظلام هو كل ما يحيط بي.. كوني بخير وإلا فاعذريني, أي نهاية يمكنني أن أتخيلها لنفسي سواك!!
أحبك..
طويت الرسالة ودسستها في حقيبتي مرة أخرى, لم تكن بعيدة بغداد كانت تلوح من بين البنايات البعيدة والبساتين المنتشرة هنا وهناك..
اللعنة! اللعنة! اللعنة! قلتها وأنا أستمع لحديث خرجت منه رائحة غبار المترفين بالفرح.. يخرج من راديو الحافلة وهو يتلو تهاني الأصدقاء والمحبيـن والناس السعيدة بأعياد رأس السنة, تذكرت الجحيم الذي يلف بنا ويضيق من خنـاقه, أعدت الظرف إلى حقيبتي, دون أن أفكر في كلمة واحدة قرأتها, كانت قراءتي مثل الممحاة السرية, تمحو ولا تمحو!! كنت بليدة لدرجة أني أغلقتهـا دون أن أمررها على صدري الذي خفق بشدة وهو يفتحها ابتداءً..
أخرجت هاتفي المحمول وقد ظهرت إشارة الأبراج أخيرا, هاتفت زوجي الذي كان في انتظاري بلهفة مع ضفاف.

**************

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.