فؤاد قنديل : نزهة في حدائق الألم

fuad kandil 5     أخبرني زميلي في المستشفى د. سمير أن كثيرين قرروا عمل مظاهرة كبيرة في ميدان التحرير يوم 25 يناير وأضاف أنه سوف يشارك فيها رغم أنه يوم ميلاد زوجته التي تتهمه دائما بتعمد نسيانه.. قلت له بعد أن حسبت الأيام :
–     سيوافق يوم الثلاثاء .. عندي نبطشية
دخلت عيادة المسالك وانشغلت طول اليوم بالمرضى .. الناس أحوالها صعبة . يعانون من مشاكل كثيرة في المسالك . تعطل أي جهاز في هذه المجموعة يعكر صفو الحياة  ويوشك أن يقضى على الآمال في العيش بسعادة .. المثانة . البروستاتا . الكلى . الحالب . .. كلها مناطق حساسة وتسبب آلاما لا تحتمل . احتباس البول وحده كارثة . صحيح الطب تقدم ..استطاع السيطرة على أغلب الأمراض، لكن هذه الأمراض تظل محنا ثقيلة الوطأة . وتزيد الطين بلة السلوكيات العشوائية والجهل.
–    آلو . نعم أنا . أهلا يا حاج سراج .. طبعا لازم تغسل  لأنها تعانى من قصور كلوي مزمن، نعم .. للأسف .  الغسيل غير كاف ، ولن تعيش العمر كله بالغسيل ، لكن هذا كله سيتوقف إذا تم زرع كلية سليمة جدا لها ،  ليتكم تجدون متبرعا من الأقارب .. لا بأس .غريب غريب ..  المهم أن يكون صالحا ومناسبا جدا .. فحوصات وتحاليل كثيرة جدا للطرفين .. تحاليل للدم والصدر والقلب والشرايين ، وأيضا للجهاز البولي والتنفسي والهضمي  ، ومعرفة نسبة الدهون وقياس مستوى السكر في الدم .. النتيجة في الغالب  ستكون طيبة جدا .
قضت ليلة الأمس تعانى ألما شديدا يعتصر كليتها اليسري . تتلوى وهى تدس ذراعيها في جنبها . تتلوى وهى تحاول أن تدفن رأسها في بطنها . تغمض عينيها وتنضغط ملامح وجهها . تقبض بأسنانها على وسادتها . تلتقط أنفاسها بصعوبة ، ثم لا تجد مفرا من الصراخ :
–    آااااا ه
تسرع إليها أمها ومن خلفها الأب ثم أخوها . تصرخ الفتاة من جديد
–    الحقيني يا أمي
تأخذها الأم في أحضانها .. تسيل دموعها . تتخلص الابنة من صدر أمها وتتلوى بعنف وتجذب شعرها  وتلطم خديها ثم تتكور حتى تلتف ركبتيها حول صدغيها وينام على الساقين شعرها الطويل .. يُحضر الأب الدواء المسكن .. يقول أخوها :
–    أعطيتها هذا الدواء منذ ساعة
يقول الأب في شبه استسلام :
–    ما العمل يا بني؟ .. قال الطبيب لا علاج غيره مع الغسيل إلى أن يحين موعد العملية
تصرخ الابنة :
– يا رب رحمتك
تنهار الأم وتنشج . يعلو صوت دموعها .. يمزق الأسى روحها حزناً على زهرة شباب ابنتها .بل حزنان .. حزن لمرضها ، وحزن لتأخر زواجها.
غير مقتنعة بما يقوله زوجها من أنها ما زالت صغيرة .. كيف تكون صغيرة وقد تجاوزت الثامنة والعشرين؟.
–    لقد تزوجت وأنا في التاسعة عشرة  وأختي في السابعة عشرة ، وصفية ابنة الجيران في الخامسة عشرة .
–    كيف تفكرين في زواجها وهى بهذه الحالة ؟!
–    لو سعيت وسألت واتصلت كانت العملية تمت
انقبض وجه زوجها الحاج سراج وهو يقول بأسى شديد :
–    هل تتصورين أنى أغفل عن الموضوع لحظة ؟. نشرت أخبارا في الصحف وقلت لكل من قابلته . بل قلت لزبائن المحل . آخرهم أمس . جاء رجل ليشترى ذهبا لزوجته فرحا بأول مولود بعد عشر سنوات زواج ، وقلت لسيدة جاءت بعده ترهن ذهبا
–    انشر أخبارا جديدة .. اتصل بمستشفيات ومراكز الكلي ، ربما يذهب إليهم من يود التبرع
هز سراج رأسه مؤكدا على أن المسألة تحتاج إلى عمل كثير
–    عندك حق .
سحب الرجل المكلوم المصحف ومضي في ركن يقرأ. رغما عنه سالت دموعه على الآيات التي لم يعد يراها . مسح دموعه وواصل القراءة . لكنه انصرف لحظات ليفكر في فلسفة الألم .. اعترف في البداية حتى لا تزل قدمه بأن الألم قدر وأنه لا يعترض على قدر ، واعترف أيضا بأن الألم أحيانا يغير الإنسان ويدفعه إلى ما فيه صالحه ، لكن أليس من سبيل غير الألم؟ ، وإذا كان لابد منه فهل يصل مع ابنته وهى في عينه طفلة إلى هذا الحد ؟.. الألم لا ينهش لحمها وحدها. استغفر الله وعاود القراءة بشكل متواصل وبصورة أكثر صفاء  ، سرعان ما تخللت جوانحه وهدّأت من حال الغرفة المحمومة .
دخلتُ على الحاج سراج في محله بالصاغة . أقدم رجلا وأؤخر أخرى. عرفته بنفسي . الموقف شديد الحساسية لكنى اضطررت إليه وناقشته عشرات المرات بل وسألت صديقي الدكتور محسن عما يمكن أن أتعرض له في حالة تنازلي عن كلية ، أكد لي هو وغيره أن كلية واحدة تكفي جدا لتمارس الرياضة حتى سن السبعين . فرح الأب وترك المحل لأخيه واصطحبني إلى الطبيب الذي يتابع حالة ابنته.. ذهبنا إلى مستشفى متخصص في الدقي . سحبوا من دمى الكثير لعمل تحليلات عديدة . النتيجة كانت مناسبة جدا ومطمئنة . أصر الحاج سراج أن أتناول الغداء معه لأتعرف على أسرته .
منذ أن تخرجت من المعهد العالي للحاسب الآلي تقدمت لنحو عشرين شركة ومكتب تتكدس وراءها الأموال والمشروعات .. بعضها اختبروني وأثنوا على قدراتي ووعدوني بأنهم سيرسلون إلىّ في القريب .. مهمة البحث عن عمل مسألة غير مريحة ولا تخلو من المهانة  . ليست كل الطرق مسدودة إلا في وجوه من يقيمون في القاع  وقد ورثوا عن الآباء العدم .. لست وحدي بالطبع . مثلى الملايين يجوبون الشوارع كل يوم فلا يجدون غير الآذان التي لا تسمع والأبواب المغلقة وهزات الرؤوس  الرافضة ، وتنتهى الرحلة في العادة بالسقوط على أرصفة المقاهي ولقاء الأصدقاء لتبادل قصص الرحلات الفاشلة ،  ونادرا ما يجد أحدنا عملا تافها في كافيتريا أو مندوبا للمبيعات ، وأفضلنا يمكنه قبول العمل سائقا على ميكروباس أو تاكسي أو حمّالا في فندق على أمل الحصول على ” تبس ” . تأثرت بشدة من جملة صديق :
–    أنا مستعد لتنظيف دورات المياه لمدة اثنتي عشرة ساعة مقابل عشرين جنيها .
استقر في فكرى أن أفضل مشروع يتناسب مع ظروفي هو أن أفتح ” سايبر”، به عشرة أجهزة كمبيوتر  وبرامج للكتابة والألعاب وخطوط نت . لي صديق لديه محل سايبر به ثمانية أجهزة . أقضى الكثير من الوقت معه . أستمتع بهوايتي في الجرافيك والفوتوشوب والألعاب والمحادثة على الفيس بوك والتويتر ..عندما أضيق أدخل على النت وأبحث عن أنواع الخنافس وأحيانا أبحث عن الجحيم والدود  وهاييتي والهند وجزر ما يوركا ، وقد أضرب كلمة ” الله ” فتنهمر علىّ جبال المعلومات .. أقرأ إلى أن أحس بالجوع ، أقول لشادي :
–    إذا كنت ستأكل اعمل حسابي
فيقول
–    لن آكل
أشعر بالغيظ طبعا ، فأقول له :
–    أنت إنسان سخيف
يضحك ويقول :
–    – حاضر يا سيدي
أسأله : لم تسألني ماذا تحب أن تأكل ؟
تبلغ سمعي ” شخرة ” كبيرة
ينهض ليشترى ساندوتشات الفول وأحيانا  الشورمة حسب مزاج أهله
شادي يريدني موجودا في المحل دائما حتى أقوم بعمليات الصيانة ولا يدفع لي شيئا.
أعجبتني  ريهام ابنة الحاج سراج  .. فتاة رقيقة وجميلة ، وإن كانت نحيلة ربما بسبب المرض وقلة الغذاء الذي هو بالتأكيد بأوامر طبية . فرحَت عندما علمت أن اسمي طارق .. أخوها له الاسم ذاته ..أهلها طيبون وقد أحبوني وارتحت إليهم . فرحوا أيضا لمّا علموا أن اسمي طارق .
حكيت لأمي وأختي ما حدث .. صرختا معا ولطمت أمي خديها .. ندمت أنى صارحتهما رغم أنه كان يجب أن أفعل فالمسألة معرضة للفشل وقد  تفقدني أمي على أساس أنى ولدها الوحيد وأنني ربما أكون ممن يعول عليهم ، بعد أن ارتكب  أبى جرما كبيرا في حقنا فقد مات منذ سنوات دون مقدمات . وإن كان رحيله  في الحقيقة لم يضرنا كثيرا فقد كان عمله كأمين لصومعة غلال  ليس فيها غلال لا يدر عليه مليما غير مرتبه التافه ، ولم تكن لديه أية فرصة حتى للسرقة أو الرشوة .
في الميدان كان الثوار بحر من اللهب والحب والعنفوان .. يهتفون ” مصر .. مصر . الشعب يريد إسقاط  النظام .. يا حرية فينك فينك .. الطوارئ بينا وبينك ” الشباب يتحرك في كل مكان..  ما أروع أن يكون كل هذا العدد وأضعافه في  كل مدن مصر ينحازون لأهلها وقضاياهم !!.. الشباب الحقيقي هو الذي نسى نفسه من أجل تحرير ناس الوطن المسحوقين.. مشهد مثير للانتباه ودليل رائع على الانتماء والحب والرغبة في التضحية .. لم يأت أحد هنا لنفسه أملا في أن  يحصل على نصيبه من التورتة . جاء من أجل الحبيبة .. أما ضباط وجنود الشرطة في زيهم الأسود والمتسلحين بالخوزات والدروع والعصي فقد مضوا بكل عنف يطاردونهم .. يلقون على التجمعات قنابل مسيلة للدموع ومسببة للاختناق .. قنابل أمريكية من أحدث الأنواع .. كان مشهدا بشعا لا تقدم عليه الشياطين عندما رأيت بعيني وأنا في حالة ذهول عربات  الشرطة الضخمة تطلق خراطيم المياه على المصلين .. المسلمون كانوا يصلون ويحيط بهم المسيحيون وقوفا يحمونهم ويدفعون عنهم الشرطة  .. حدث العكس يوم الأحد عندما شرع المسيحيون في صلاة القداس  .. ضحكت عندما وقعت عيني على لافتة يحملها شاب تقول : ارحل . مراتي بتولد والجنين مش عايز يشوفك “” وحمل آخر لافتة مكتوب عليها ” ارحل .. إيدي وجعتني ” وثالث : لو كان عفريت كان انصرف”
التقيت بالدكتور ناجى . دعاني للانضمام إلى مجموعة الأطباء المتطوعين لعلاج المصابين. أقاموا خيمة من الملاءات والمفارش في البداية ، وبادروا من اليوم الأول بتزويدها بكل ما يلزم للإسعافات الأولية . كان لابد من ذلك فليس ثمة فرصة للنقل إلى المستشفيات إلا الإصابات الخطيرة التي تحتاج إلى عمليات وأشعات وتحاليل ونقل دم ، وبعضها إلى جبائر ومسامير.. فوجئت بعشرات المصابين بالاختناقات  ، والمضروبين بالعصي .. رأيت بعيني أربعة جنود ينهالون على شاب ضربا بكل ما يتمتعون به من قوة .. حطموا تقريبا كل ضلوعه، وعندما حاولت التدخل دفعوني بقوة فوقعت ووقعت النظارة و جُرح جانبي الأيسر كله .. قبل أن أشعر بالغضب الشديد على رجال الشرطة وكنت أتمنى أن أقتلهم في تلك اللحظة تساءلت عن سر إخلاص الجندي المصري في الدفاع عن رؤسائه بروحه وهو يعلم أنهم ظلمة.. ويندفع في تكسير عظام كل من يعترض حُكامه حتى لو كان المعترضون طلاب حقوق وأبرياء.
تعاونا في علاج الإصابات الخفيفة وحملنا الخطير نسبيا بسيارات زملائنا إلى مستشفى قصر العيني والمنيرة ، وأبدى أساتذتنا  استعدادهم لاستقبال بعض الحالات في عياداتهم القريبة بباب اللوق وشارع طلعت حرب  ونوبار وشامبليون.. اقشعر بدني من هول ما رأيت .. عدد كبير مصاب بالرصاص الحي في العين .. التصويب جيد جدا ومحدد .. لماذا في العين ؟.. هناك حالة غريبة من العدوانية التي لم يمارسها الجيش المصري في أي حرب ضد الأعداء .. لا يمكن اعتبار من يقترف هذه الآثام البشعة من المصريين أو من البشر  .. بالليل كنت أفكر في حالة رجال الشرطة الذين يقدسون أوامر رؤسائهم ويقتلون المتظاهرين بلا رحمة ، وقد انتهيت إلى أن ما يحدث شيء طبيعي ومتناغم .. هم يدافعون عن نظام خرب وفاسد .. نظام مستمتع بحرمان الشعب من طعم الحياة وأسبابها ، فما الفارق ؟ .. الجنود على دين ملوكهم وليس الناس البسطاء .. هناك رغبة حميمة في إذلال هذا الشعب وشل قواه وتعطيل كفاءته وتحويله إلى شعب من المعوقين .ولكنى أعود فأسأل :
–    هل الضابط المصري يقبل أن يقتل شابا أو يصيبه في عينه حتى لو كان أجره عن كل شاب مليون جنيه؟
عشرات الشهداء كل يوم نحملهم إلى المشرحة لتحفظ جثثهم حتى يأتي أهاليهم للتعرف عليهم وهم في حالة انهيار تنفطر لها القلوب .. في المشرحة شباب في عز الصبا والأمل والحلم ..  رأيت بعيني قوات الشرطة وهى تحاصر مئات الشباب على كوبري قصر النيل بعد أن ضخت المياه الكثيفة عليهم ثم جاءت بسرعة عربتا  شرطة مدرعة واندفعت تهرس جموع الشباب ومن فر منهم جهة اليمين اتجهت إليه بتعمد دنيء وآثم ، وإذا فر إلى اليسار أسرعت إليه  ومرت على لحمه وفجرت رأسه  .. مستحيل  . مستحيل .
ارحل . ارحل . ارحل . ارحل .ارحل.. يا من لا تبكى لنقطة دم تسيل من أصبع بريء ..ارحل . ارحل يا من  تملك القدرة على النوم رغم علمك أن  ملايين الأسر لا تجد عشاءها.. ارحل .ارحل .ارحل.
بالليل شردت لحظات ، وتخيلت الغابات في أفريقيا ، حيث يتقدم الصيادون بمنتهى الهدوء والرحمة ليصطادوا غزالا أو فيلا أو حتى تمساحا ، أقصى ما يفعلونه أن يصوبوا نحوه رصاصة مخدرة مثل قلم الرصاص حتى يهدأ ويستكين ولا يهاجمهم .
لكن رغم بطش البوليس وغباء بعض رجاله فقد استطاع الشعب أن يفرض كلمته ويوريهم العين الحمرا .. والجيش بانت عينه الحمرا .. والآن عين مين الحمرا في التحرير ؟؟!!
كل ما في ريهام  يبعث على السعادة ، حتى أنني إذا جلست إليها لا أود تركها . وجه جميل وبسمة حنون .نظرات حالمة  وملامح منمنمة .. صوت رقيق و رغبة من القلب للاستماع لا للكلام . بسيطة جدا في ملابسها المتوائمة جدا مع شخصيتها . شعرها منسدل على كتفيها وليست له قََصّة بعينها . شعر بني ناعم  ينساب كنهر وديع هابط من قمة جبل . الأغاني التي تحب الاستماع إليها مثلها رقيقة .  تهوى الاستماع إلي أغاني فيروز ونجاة من الراديو أو الكاست ،  ولا تميل لمشاهدة الأغاني في التليفزيون . تحب الجلوس في الشرفة جدا وتحب الليل الساكن ، ومثلى تحب الشتاء .. كيف لمثل هذه الوداعة أن تصاب بمرض شرس يجعلها تتألم إلى درجة التمزق والصراخ .. كانت قد عادت منذ ساعات من مركز غسيل الكلى .
سألتني عن دراستي وعن أهلي . أسفت عندما علمت أنى بلا عمل .وبأنني أعيش مع أمي  .. أختي المتزوجة تزورنا ومعها عيالها الأربعة أو العفاريت الأربعة.
تم فحصى في مركز الكلى وحصلوا على عينات من دمى ودم ريهام وفحصوها طويلا في مختبر المناعة .
اختطفت عدة ساعات من الميدان لحضور مرحلة أخذ العينات من ريهام وطارق .. في المعمل أخذ الأطباء  عينات من التركيبة البروتينية الموجودة على سطح الخلايا الدموية البيضاء ( HLA).. في أحيان كثيرة تختلف هذه التركيبة بين الطرفين وبالتالي يتعذر التجانس بين الكلية الجديدة والجسم المستقبل .
أجرينا اختبارا قياسيا لتحديد الأجسام المضادة (CTA) عند ريهام بوصفها الشخص الذي سيستقبل الكلية في حالة زرع الكلية الجديدة . . أخذنا عينات من دم طارق في مواعيد محددة لمعرفة كمية ونوعية الأجسام المضادة ، كما تمت عملية اختبارات التلازم والتبادل cross match واختبار لمصل الدم من طارق وريهام serum .. قال الدكتور وليم أن كل الذي نخشاه هو أن تظهر الأجسام المضادة عند ريهام وتبدأ عملها في مقاومة كلية طارق  ، هذا هو أكثر شيء يهدد العملية بالكامل .
قبل العملية التي تحدد لها يوم 11 فبراير قمت بزيارة الحاج سراج في الصاغة وقلت :
–    أنا مستعد لإجراء العملية لكنى غير مستعد للحصول على مقابل
اصفر وجه الرجل وسألني عن السر .. قلت :
راجعت نفسي ولم أجدني مرتاحا لمسألة المقابل ، خاصة بعد أن تعرفت على حضرتك وعلى ريهام والسيدة المحترمة والدتها وأخيها طارق وأقاربكم .
قال الرجل وقد خلت أن قلبه يضطرب في صدره وربما فكر أنني أود التراجع .
–    هذا يا بني اتفاق
–     أقسم بالله العظيم أنى سأنفذه
–    الاتفاق مكون من بندين .. عملية ومقابل
–    لن أكون مرتاحا
–    هذا حقك
–    لا .. لن آخذ مليما
–    أرجوك يا بني تفهمني
–    أنا بدأت أشعر منذ تعرفت على ريهام كأن الكلية التي خلقها الله لي  ملكها وحقها
–    يا بني ما تقوله كلام أفلام .. لا يستطيع مثلك أن ينجح في حياته .. الدنيا تسير بنظام وتعاقد وعُرف
قمت وتأهبت للخروج
أسرع الرجل إلىّ وقد فرت الدموع من عينيه . أخذني في أحضانه وسالت دموعه وهو يقول :
–    أرجوك يا بني
سالت دموعي فجأة
ظللنا دقائق هكذا .. كنت في هذه اللحظات أعانق أبي الذي عاد بعد رحيله .. فجأة انحنى الرجل على يدي وهو يقول :
–    ارحم ضعفي أرجوك . أنا سوف أشكر ربى طالما أنا حي لأنه كافأني بك
سالت دموعنا بشكل زائد ، إلى أن قال :
–    ما  رأيك أن يكون المبلغ خمسين ألفا بدلا من ثلاثين
لم أشعر بنفسي وأنا أنتزع يدي من يده وأتجه ناحية الباب ، وقبل أن ألمس المقبض
كان فوقي ..  أمسكني من كتفي وصب نظراته الأبوية في عيني وقال :
–    كن واضحا وصريحا .. هناك ما تخفيه عني وأنا لا أحب السير في طريق مجهول
تأملته لحظات لأحسب وأتوقع تأثير ما سوف أقوله .. ثم عزمت على المصارحة فهي حقه . والحقيقة سوف نواجهها بسرعة بالذات في حالتنا .. قلت وكأني ألقى بقنبلة :
–    أنا يا عمي أحببت ابنتك .. ابنتك ملاك
ضمني إليه وضغط على جسدي ، ثم قال :
–    ما دمت تحبها فلا تتخل عنها
–    لن أتخلى أبدا ولو احتاجت إلى قلبي وكبدي ورئتيّ
–    لكنك قلت إنك محتاج للفلوس كي
–    ربنا لا يتخلى عن عباده
–    هل تحب أن تشتغل معي في المحل؟
–    شكرا .. أنا لا أفهم في الذهب
جلست مع ريهام وسألتها إذا كانت مرتبطة أم لا .. قالت :
–    من ناحيتي لا . لكن ابن عمى يريدني وأبوه طلبني
–    وماذا كان ردكم ؟
–    قال أبى لأخيه  لا أستطيع أن أفكر في أي شيء الآن إلا صحة ابنتي
تجرأت وقلت لها :
–    وأنا أريدك
ابتسمت وتهلل وجهها .. سألتها عن رأيها .. هبت فجأة وغابت لحظة ثم عادت ومعها أمها .. سألتني :
–    هل حقا ما قالته ريهام ؟
–    أتمنى
–    دعني أسأل الحاج عن رأيه .
تركت ميدان التحرير لأبقى مع كبار الأطباء في مركز الكلي حيث أجريت عملية زرع الكلى  . العملية تمت بنجاح والحمد لله تحت إشراف أستاذي الدكتور وليم عصر يوم الجمعة 11 فبراير .. كلفني الأستاذ أنا و الدكتور زاهر بمتابعة الحالة يوميا ، وإبلاغه بتقرير مفصل عنها مع الالتزام بمنتهى الدقة بتناول طارق وريهام للأدوية خاصة ريهام. أسرعت إلى ميدان التحرير فقد كان الثوار يجرون هناك عملية أهم .
بعد يومين خرج  طارق ، وبعد أسبوع خرجت ريهام .. بقيت أتابع حالتها التي تحسنت كثيرا وانتهت بحمد الله عصور الألم  ..لم تظهر أية حالة من حالات رفض الكلية .. بدا واضحا مدى التوائم بين جسدها والكلية الجديدة ، وانتقل هذا التوائم من الجسد إلى الروح فقد أحس الأهل أنهما روح واحدة في جسدين   .. لما تحدد   موعد للزفاف الذي تم  يوم الجمعة الأخيرة من مارس .. قال طارق :
–    لكي يصبح زواجنا شرعي وقانوني يا حبيبة القلب   ولكي لا يشهد على  العقد اثنان فقط بل عشرات الألوف فعلينا إقامة الحفل في التحرير
صرخت  فرحا وابتهاجا لأول مرة منذ عرفها طارق
–    فكرة رائعة يا طارق
غابت عنه العروس رغم وجودها إلى جواره .. حلقت لتتخيل المشهد  والجموع والتليفزيون والصحافة والعالم وهي تصب كل اهتمامها على العروسين .. قامت ولأول مرة تجاسرت على عناق طارق وتقبيله بمنتهي الرغبة العميقة  والحب والإعجاب والنشوة .
تم طبع الدعوات التي حددت مكان الحفل الذي أقيم بحضور الضباط وجنود من الجيش ومشاركة عدة دبابات ومئات من الأعلام المرفوعة والمرفرفة مع نسمات الليل التحريري البديع .
حضرت حفلة الزفاف التي شملت الناس فيها حالة فرح حقيقية بدت على الوجوه ، وعلى الشباب من الفتيات والفتيان الذين لم يتوقفوا عن الرقص والغناء .. حفلة أسطورية مثيرة ومفتوحة  ، وبدا المشهد كأنه في نظري على الأقل احتفال بالثورة وليس فقط بزواج حبيبين.
كان الحاج سراج قد وافق على طلب طارق بألا يمنحه مالا ، وبدلا من المال منحه محلا في عمارته وكلف شركة بملء المحل بأجهزة الكومبيوتر.
تحسنت صحة ريهام جدا وانتهت متابعاتنا لأن الأجسام المضادة لم تظهر مطلقا وإن ظهرت في محل “السايبر” ، فقد هاجمته مجموعة من البلطجية وسرقت كل الأجهزة وحطمت الباب الخارجي والمكتب والكراسي ومزّقت الكابلات .
شعر طارق بالرعب من الحادث الذي هدد مستقبله الذي لم يبدأ بعد .. خففت عنه ريهام القلق والهم ، وقالت :
–    اللي يجيي في الريش بقشيش
بدا الغضب شديدا على طارق وهو يقول :
–    أجهزة كومبيوتر بثلاثين ألف جنيه بقشيش  ؟!
–    ولو مليون .. عوّد نفسك ألا تغضب يا حبيبي
اشترى الحاج سراج أجهزة جديدة ، وطلب من احدي الورش تركيب بوابة لا تحطمها الدبابات ، وهكذا بدأ العمل من جديد بصورة واعدة .
شعرت بسعادة غامرة بالحالة التي كان عليها طارق وريهام .. حاولت أن أفكر فيهما وحدهما بعيدا عن الثورة فلم أستطع .. كل ما توقفت عنده هو الحب.. كنت متيقنا من أن ما حدث في كل أرجاء مصر على يد الشباب وكافة أفراد الشعب كان منطلقه الحب ..  ومع ذلك لم أستطع أن أكتم رغبتي في أن يبعث الله إليّ الهدية الكبرى.. تلك الشابة الجميلة التي يجمعني بها الحب والانسجام ، ويا ليتها تكون مثلي دكتورة مسالك !!

شاهد أيضاً

د.عاطف الدرابسة: روحٌ وحيدةٌ في دوَّامةِ الفراغِ

قلتُ لها : لِمَ تركتِ روحي وحيدةً في هذا الفراغِ ، تسألُ المجهولَ عن أسرارِ …

محمد الدرقاوي: درب “جا ونزل “

مذ بدأت أمي تسمح لي باللعب مع أبناء الحي في الدرب وأنا لا اعرف من …

تحسين كرمياني: يوم اغتالوا الجسر*

{أنت ستمشين تحت الشمس، أمّا أنا فسأوارى تحت التراب} رامبو لشقيقته لحظة احتضاره. *** وكنّا.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *