علي الامارة: قراءة في كتاب جابر خليفة جابر القصصي: طريدون (الحلقة الأولى)

في كتابه القصصي -المعنون طريدون الصادر عام 2006 عن اصدارات جيم البصرة- يقدم القاص جابر خليفة جابر نصه في عدة مستويات من القص والرؤية والتوصيل وعدة محاور زمانية ومكانية وسردية متداخلة ومتعاونة مع بعضها لترتفع بالنص الى اعلى مستوى من التأويل في مساحة التلقي ولتتيح فرصة تأليفية للمتلقي من خلال تفاعله القرائي مع النص المنطوي على فراغات تاويلية ضامنة للمتلقي امكانية ملاها بالذهاب مع النص الى مناطقه المجهولة واسراره الكتابية ومكتوماته النصية وطبقاته البكر المغرية بالابحار النصي حد ان يركب القارئ سفينة الكتابة مع المؤلف مشاركا اياه مخاطر الرحلة النصية وسحر كلماتها وجمالية اسرارها على اساس ((ان تاويلات النص وتعدداتها متعلقة اساسا بمؤهلات القارئ، فالنص بمثابة بصلة ضخمة لا ينتهي تقشيرها))كما يقول محمد مفتاح في – مجهول البيان-
فالمؤلف يركز منذ المطالع الاولى من النص بانه – سيرويها بعدة طرق – لانه يصارح قارئه ضمن متن نصه بان..
(القصة لا تصف حقائق محددة … بل تخلق صورا)
لكن قارئه الطامح الى المشاركة في التاليف يتجلى من خلال تصريح الراوي المقابل او البديل..
(في أي طريدون حدثت قصتك، في تلك الغارقة قبل الميلاد ام التي بعده بالفي عام ام ما بينهما من طريدونات وموانئ .. ؟) لتنفتح ستارة السرد على مانشيتات تؤثث الحدث والزمن القصصي وتستبطن المكان بادق تفاصيله وان كان هذا المكان رجراجا موزعا بين مدينة وسفينة كما يعلن
(المانشيت الاول : الغوص) بل ان ظلام الاعماق هو بؤرة السرد ومنطلقه نحو التكثيف والاثارة، فمن خلال السرد..
(.. كنت انسج حكايتي ومفرداتها واركبها خيطا .. خيطا وعقدة، عقدة اولف بينها وابثها، والاخرون خلفي، يهتدون بي وياخذون عني .. )
ومنذ المانشيت الاول نحس نحن القراء المشاركين بان الارض تتحرك تحت اقدامنا فطريدون المدينة التي – ابحر منها هذا المركب – هي نفسها طريدون المتوغلة في اعماق البحر والرواية .. بل اننا نغرق شيئا فشيئا في اعماق النص عندما تغرق طريدون في ظلام بحر مجهول ..
(حتى تخالنا نغذ السير في طرقات طريدون الغارقة في ظلام متراكم .. مر بالمدينة في احدى مراحلها..)
ان هذا التداخل المكاني هو تداخل لمفردات السرد كلها من زمن وحدث وشخصيات .. بل يتعداه الى وعاء السرد – النص – الموزع او المتداخل بين بر الكلمات وبحرها بين غرق المدينة في البحر وغرق القارئ في النص..
(وبما ان السفينة – المدينة تنشر هياكلها الخشب مع امتداد الحكايا وعلى طول الزمان..) فاننا ايضا القراء البحارة متلقفو بصمات النص ورواته المتعددون نمتد مع فضاء النص الزماني ونحمل عبء لا نهائيته لاننا مصرون على المشاركة في النص والدخول في كلماته وحروفه لنشكل جمله وتعابيره من هواجسنا وضياعنا فيه .. فهو على اية حال بحر واعماق مظلمة ومجهولة .. لكننا قراء مؤلفون ورواة بدلاء وجدنا لنا مكانا في النص قادرون على مسك دفة النص ومنعها من السقوط في هاوية القراءة. فقد اجلسنا المؤلف منذ بداية الرحلة في كابينة القيادة وهو يمخر في عباب الرواية واهوالها ..
كل شي تحت ايدينا .. خارطة النجوم، محرك بخاري، اسطرلاب، جدول فلكي، مسبار وعدة غوص .. فضلا عن اننا نرتدي بدلات التلقي الزرق كبحارة متماهين مع النص حين صار سفينة .. !
ثم يفصح لنا مانشيت الخرائط بان مدينتنا سفينة غارقة في اعماق الزمن ولكننا قادرون على تلمس طريق الابحار والعودة الى شاطئ الزمن عبر خلاصة مرسومة ضمن الخارطة هي احلام متحولة الى احلام حرب، احلام امان، احلام نساء احلام صفوة تشكل طريقا لابحار المدينة هو طريق الاحلام .. فاذا كان المانشيت الاول يوعز الى التماهي مع كتابة النص وقراءته وانكشاف دواعي انبثاقه عبر الغوص في اعماق اللحظة التي تجعل من طريدون نصا قابلا للتاويل والتمظهر على مدى البحر او البر او النص فان مانشيت الخرائط يدخلنا في طريق المدينة السفينة، اما مانشيت الجدران فتقودنا فيه لغة قص شعرية الى قلب الحكاية وقلب المكان وذاكرته الغائصة في اعماق الارض ..
(اجتاز الزمان المزخرف وادخل، يقودني طابوق الارضية العريض، ويتبعني طابور المريدين الى ذاكرة الشناشيل الاخرى الغائصة في الارض .. )
اما قلب الحكاية والمكان معا فهو جدار تمركز عنده الحدث لانه الشاهد بخدوشه وجراحه ونداءاته الخفية على الفقدان والاحلام المدفونة في عيون معصوبة واياد مشدودة الى اسفل الظهر باصابع طليقة تحفر حكايتها على ذاكرة الجدار حتى تجعل منه ضريحا .. صدور من ضوء مشرعة لرصاص الظلام تدفع ظهورها الى قلب جدار المدينة الجانحة في امواج الزمن لتنفخ في الجدار القدرة على الروي والشهادة على ما حدث .. لسان التراب المتخذ من القصة جدارا .. تتساقط عند اسفله الجثث كلمات وادعية ودموع ثكالى .. حد ان يصيح قبطان المركب الترابي – طريدون –:
(لا مدينة بلا جدران ولا جدران بلا اضرحة)
ليعلن مانشيت الاضرحة – التي قامت منذ قيام طريدون التي ..
(فارت وانتفضت، ونفضت رقاد المدائن ونحرت على جدرانها خيرة شبابها ..) فصنعت لهم اضرحة على وجه الارض او في اقصى القلوب .. كيف ترسم هيئة مدينة من هلام تجعل من عشاق البحر لها امتدادا ترابيا وذاكرة جديدة لقصور وحدائق .. ينسحب امام بهائها البحر ليمنحها تدفقا ارضيا على حساب زرقته اللامتناهية وشواطئه المبحرة باتجاه الاعماق .. حتى البحر لا يقف امام تدفق طريدون الارضي او ابحارها فيه ..
لذلك كان لابد من (الانقاذ : كمانشيت اخير) .. فالبحر يستدرج المدينة الى غواياته واعماق حكاياته والمدينة تزحف في العراء خارجة من لوعة النخيل وخضرة الشناشيل وصفرة الامل الصحراوية .. لم يبق الا الماء افقا للحكاية وشاهدا على اشتعالها ..
(فكل الكينونات هنا قريبة من الاشتعال)
فمن تراه يستمر مع وهج الحكاية وقد تقطعت الحبال وانجذبت الى السطح لكن عقد الكلمات لم ينفرط فثمة شواهد ورؤى تنبعث من قلب طريدون من اعماق الكلام تصف (الخرائب والازمان المتشابكة) ..
هكذا حيث تصبح المدينة سفينة والحكاية رحلة وغوصا في اعماق محفورة على شكل امنية على مسلة الماء لا يقرؤها سوى الذين يجيدون لغة القلوب الغارقة حيث ينتقل الراوي العليم الى التشخيص وذكر الاسماء والاحداث لكي تستمر الحكاية وتنكشف افاقها ..
من هنا زحفت الحكاية نحو شخوصها .. ابطالها الذين سيعلنون ارثها الحدثي الحروفي ويؤثثون فضاءها الزمني بالذكرى والمشاهدة العيانية والفعل الدرامي فها هو الكابتن شهاب البحر يخرج من اللوحة الزمانية والمكانية ويدخل في قناة بين النخيل والاعناب ويقف في دار ريفي قديم ليصبح شاهدا على بصمات تملا اللوحة لبسطال اسود محفورة اخاديده بقسوة على اللوحة ..
فهنا تاخذ طريدون الحكاية بعدها الثالث الذي هو اللوحة بعد ان اخذت بعديها الاول المدينة والثاني السفينة .. حين بدا الفصل الثاني بـ – تخطيط اول – يقول:
(فجرا : في قلب اللوحة جنحت طريدون قبالة مصافي النفط قريبا من الجرف الغربي .. ).
لتدخل مكونات السرد كلها في قلب اللوحة ومن هناك نتابع الحكاية من بين الالوان والظلال وحركة الفرشاة وانتشار الزيت واثار حركة اصابع الرسام .. وهي ترتعش فوق المصائر.. والملامح والازمنة التي تجذبها اللوحة الى بؤرتها السردية .. فثمة لغة اخرى غير لغة الكلمات تؤرخ لطريدون وتراقب حركة البحارة بمنظار تشكيلي وتصويري يحيط بفضاء طريدون ومساحة توالدها وانعكاساتها على الماء .. وصولا الى بعدها الاول حيث الشوارع والازقة والبيوت النائية والجدران التي شهدت الاحداث فصارت مخبرا لها.
اللوحة- السردية – ترسم اليوم بتفاصيله الوقتية التي تحمل الحدث في طياته وتشير الى الاشخاص الذين يسيرون في فضاء اللوحة مشكلين عمقها وتنامي ظلالها والوانها وما يخبئها فعلهم الدرامي الذي تقتبسه اللوحة من الحكاية او الذي توسع الحكاية به مداها السردي باستعارتها الوان اللوحة السردية او القابلة للسرد .. ففي الفجر : في قلب اللوحة جنحت طريدون، وفي الضحى : تلاشت الوان المشهد الخلفي، غاضت فسحة اللازورد، وبعد الظهيرة يقول الكابتن شهاب البحر : كانت تخطيطات بالحبر الملون يتغير شكلي فيها، ثم غروبا : يقول الكابتن : الوان الجدران طين، باحة واسعة تتوسطها سدرة وبرحيتان ..
هكذا تستوعب اللوحة الزمن اليومي للسرد وتسحب الحكاية باتجاه تشكيلاتها اللونية، والحدثية .. كما يشير اليها البطل الخارج من قلب اللوحة، والشاهد على الحدث او صانعه.
(لقد تركت اشكالي كلها وغادرت اللوحة مغامرا بكل شيء ..)
وفي عنوان (الظل والحاشية) فمثلما تماهت طريدون السفينة مع اللوحة وتداخلت معها في رسم المكان والحدث فقد سحبت بهذا التماهي البطل الذي يروي الحدث – الكابتن شهاب البحر – ليتحد مع رسام اللوحة فالكابتن يخرج من اللوحة والرسام يخرج من السفينة ..
(هناك في اقصى الزرقة رايته، رايت الرسام المجهول بدا شبيها لي وغريبا عني في أن يرتدي بدلتي وحذائي ولمحته يغادر طريدون مجذفا تجاه الظل . )
ثم ما يلبث ان يكمل الروي بما يؤكد هذا التوحد بين الشخصيتين الكابتن والرسام فيمتد بالقول ..  (مضى الشط بي الى صدور الانهار وقادتني الضفاف) وهي تكملة لطريق او رحلة الرسام الذي نزل من طريدون باتجاه الجرف وظلال النخيل فكان الظل المراد به في فصل (الظل والحاشية) هو ظل البرحية وهو ظل القلب وغرامه المزروع في ذلك البيت حيث الفتاة التي هيأت لهذا الظل شجرة حب وارفة وهو بالتالي ظل الحدث و الحكاية المرسومة في واجهة اللوحة كمدينة متحركة، وهو ظل الزمن – الضحى – الذي امتلا بهواجس العشق والترقب والامل..
(وان ظلا اخضر يجذبه اليه..)..
اما الحاشية فهي التعليق على الحدث خارج اللوحة .. هي التسرب الروحي الى هامش الحياة والوقوف على حوافها تأملا وترقبا وتوثيقا .
وفي فصل (زوارق وافاريز) يعود الكابتن الى اللوحة او على الاقل نصفه الاسفل في اللوحة حيث السفينة كلها هناك فعندما ..
(تمايلت احبار اللوحة – كأن السفينة كلها تغرق).
والقوارب هي حلقة الاتصال بين اللوحة والشاطئ بين صورتي طريدون البرية والبحرية .. ولنكن اكثر دقة ونقول المائية لان طريدون ما تزال جاثمة بجنوحها على صدر الشط بعيدة عن حلم الاهوال البحرية .. فصار سكانها – بحارتها اشبه بسكان البر المزروعة اقدامهم في تراب الاقامة الثقيل والمعرضة الى الاعتقال والتلاشي .. (اريد الابحار معكم، هل استطيع ..؟
– ما الفرق دكانك والباخرة كلاهما لا يبحر.. ).
وكأن قوارب الانقاذ التي تشبه قلب الفتاة العاشقة حري بها ان تنقذ ساكني البر الى البحر ، ساكني البر الذين يمضون في التيه والغياب والنسيان ..
(قال جاره : اصعدوه في لاندكروز مظللة الزجاج ومضى) ..
افاريز الطابوق المنحنية على احلامها تعاني البقاء الصعب وتتودد او تتوسل بقوارب النجاة التي تعاني العطل هي الاخرى .. من يدخل الناس في اللوحة وهل تكفي هذه اللوحة الجانحة لاحتواء الهموم الارضية دون ان تختل الوانها وتسيح احبارها في الماء .. صارت اللوحة هي المخرج الوحيد من السجن الارضي الآخذ بالضيق حد الاغتيال .. زوارق وافاريز تحاول العناق باياد معطلة وفي زمن مريض ..
في (لوحة زيت )عنوان الجزء الاول من الفصل الثالث تتمرأى المدينة بصورها وحدثها على انعكاسات الزيت وتتراءى طريدون بواقعية كثيفة..
(ساح الزيت ومن انعكاساته تراءت طريدون ..)
فراى – احد – صورته مترجرجة في قلب البساط. و – احد – هو احد البحارة او احد سكان طريدون او احد ابطال او شخصيات الرواية التي يعطيها المؤلف هذه التسمية ذات المجهولية والمعلومية في آن واحد، مجهولية الفرد وذوبانه في الوان اللوحة وشخوصها، ومعلومية الجماعة وتشكيلها المشهد العام للوحة الطريدونية .. فكما للمدينة وللسفينة تفاصيل رؤى وتشكيلات صورية وحكائية تدل عليها مفردات القص ومكوناته فان للوحة تفاصيلها ومكوناتها التي تشكل الحكاية باسلوبها الفني وانزياحها التصويري .. ففي هذه اللوحة يتمظهر الزيت كمكون رئيس لهيئة اللوحة وخطابها الحكائي بمظاهر عدة سواء شكلته فرشاة بيد بشرية ترصد المشهد العام وتدخله في فضاء اللوحة او شكلته يد القدر او المصادفة حين يسيح الزيت بحركة عشوائية فيتخذ اشكالا عشوائية عدة هي الاخرى، لكنها تشير الى قدر او زمن يلف المدينة فتتمظهر قدريتها في فضاء لوحة او في فضاء ماء وابحار .. لقد كان فضاء اللوحة خطابا سرديا لونيا مندمجا مع خطاب السرد اللغوي الذي سحبه الى عملية السرد وجعله عنصرا فاعلا ومكونا موحيا من مكوناته .. لكنه مكون تعبيري لا شخصاني او زمني او حدثي. مكون يحاول استدراج كل مكونات السرد الى فضائه اللوني .. بساط على باب المقصورة – لوحة زيتية – تتراءى فيه الاسرار وكانه عين سحرية وشاشة تتنقل وتصطاد الحدث ..
(وفي جيب صدريتي نسخة من المفتاح، كان مرسوما على حاشية البساط فقصصت الرسم لئلا يفضحني والقيته عبر الكوة في الظلام ..) ..
ان ثراء الغموض في كتاب طريدون القصصي يحفز التاويل على ان يتحرك فيه باكثر من اتجاه معتمدا على تعدد المحاور التي تناول بها الناص النص واتاح لحركته التأليفية مساحة ديناميكية تتوالد منها مساحة التاويل وطاقته الكامنة على المشاركة في النص عبر فسحة التلقي وتجلياته ازاء النص القصصي ..لينتقل من الدلالة الوضعية الى الدلالة الرمزية كما يوضح ابن عربي في الفتوحات المكيةحيث يميز بين ((المضمون الاول الذي هو النص من حيث دلالته الوضعية، والمضمون الثاني الذي هو النص من حيث دلالته الرمزية )) كما يذكر كمال عيد في – فلسفة الادب والفن – او ما يسميه ابن عربي ((وجه الرسالة الاول (العبارة) في حين يسمي وجه الرسالة الثاني (الاشارة) … )) كما يذكر سعيد الغانمي في – اقنعة النص – ففي طريدون فسحة من الوسع او الفاعلية التاويلية بحيث يستطيع المتلقي بموجهاته القرائية ومجساته الاستنباطية ان يستقرء المشهد القصصي او النصي ويضيف اليه او يعيد تركيب مكوناته النصية المترجرجة كرجرجة الزيت على بساط اللوحة او رجرجة الباخرة على امواج دفينة او رجرجة المدينة على قاعدة زمنية زئبقية .. لا تبقي حالا على حاله حتى الاشجار فيها قابلة للمشي والهجرة والرثاء ..
مدينة منكوبة بزمنها المهدور مثل دم جدرانها وانهارها وابنائها واحلامها .. الشواهد كثيرة والشهود قلة فالشهادة الادبية تتطلب تخميرا للنص وذاكرة سليمة خارجة من اتون الحدث ومنفتحة على اجيال مائية منعتقة من سراب الهجير وفالتة من غبار الزمن .. الشهادة الادبية نص محفوف بالامل والالم والكلمة القادرة على الصدم والاستفزاز ومداهمة الفضاء التاملي للاخر الواقف بحذر على طرف المعادلة الكتابية الصعبة حيث لا وقت للكلام سوى الايحاء والتلميح والاشارة بما تبقى من ادوات الكلام الى ما تبقى من هواجس المدينة وشواخصها ..

في افق التاويل

.. للقارئ نصه ايضا في مساحة التاويل مثلما للكاتب نصه .. نص القارئ ذاك الذي يختبئ بين السطور .. النص الذي تهمس به الكلمات دون ان تبوح به على سطح الصفحة الكتابية .. النص الذي يتوغل به القارئ مع النص المكتوب الى اعماق الصفحة حيث يتدرج القارئ مع هذا النص الذي يترسب في قاع الصفحة الى ان يستقر في القاع فيصبح نص القارئ المؤول المنغمس مع موحيات النص … اذن لنقل ان نص الكاتب فوق على سطح الصفحة اما نص القارئ فهناك في القعر او في قاع الصفحة .. هو النص المخبوء في الصفحة لا النص الظاهر .. النص الماخوذ والمدفوع بقوة التاويل الى الاعماق ،النص المسحوب من الافاق الى الاعماق، الافاق للكاتب والاعماق للقارئ. ولكن أي كاتب واي قارئ .. ؟
كاتب الافاق الذي يجعل من وسع افاقه النصية ملاذا للقراءة وحصة للمشاركة في سلطة التاليف، الكاتب الذي لا يحتكر النص بافق تاويلي ويجعل القراء مشاهدين خارج شاشة العرض النصي .. بل يفتح شاشة العرض على قاعة الحضور فيدخل الجميع الى  فعالية النص في شاشة نصية ذات ابعاد مجسمة وتجليات متوالدة تغري المشاهد – القارئ – بتجليات قرائية متوالدة ايضا ..
واي قارئ. ؟ القارئ القادر على تسلم جمرة النص من موقد الكتابة مثل الشعلة الاولمبية والذهاب بها الى اعلى نقطة من مكان العرض او الاحتفال بالنص ..
القارئ ذو الابوة على النص القادر على تخليصه من يتمه واجابته على اسئلة الوجود التي يطرحها النص – الطفل-
باستمرار .. هذا القارئ الاب حامل اعباء النص المجيب على اسئلته سواء بالاجوبة الحقيقية المجردة او بالاجوبة التاويلية او التاليفية التي تصبح شيئا فشيئا نصا يترسب في قاع الجواب او قاع الصفحة كما نوهنا ..
ليس هناك حد للحدث في طريدون الرواية سواء كان هذا الحد زمنيا او مكانيا .. بل ان الحدث يسبح على حدود الزمن الى زمن اخر خارج حدود اللوحة الزمنية لذلك اختير الزيت في اللوحة لمحاكاة هذا السيح او الانزياح مثلما اختيرت الباخرة لما في دلالة الابحار من انزياح مكاني وزماني وبالتالي انزياح حدثي .. كل شيء قابل للانزياح في طريدون بدأ من المكان الذي هو وعاء الحدث ووعاء مكونات السرد الاخرى .. من هنا صارت صعوبة الامساك بحدث متحرك ضمن وعائه المكاني المتحرك .. زمن عائم على ماء يعوم معه الحدث وقد تعوم معه الرؤية والرؤيا الكتابية الملاحقة لهذا الحدث والمتقصية لحيثياته الشخصية او المكانية .. هذا التحرك السردي الرجراج في طريدون جابر خليفة جابر وسع من افق التاويل لدى القارئ وتحركه القرائي مع النص من ناحية وقطع فكرة الطريق الواحد الى النص من ناحية ثانية، بدد الطرق وقطع السبل المؤاتية الى طريدون فعلى القارئ ان يبتكر سبيله اليها او يختار الطواف حول النص ومراقبته من الخارج كمن يراقب مدينة غريبا عنها وهنا يسقط القارئ في غربة النص، او الغربة عنه ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.