طلال حسن : تار والسندباد (رواية للفتيان) (2/2)

talal hasan     ” 8 “
ــــــــــــــــــــ   

في نومه المضطرب ، المتقطع ، رأى سندباد فيما يراه النائم مراراً تار ، ومراراً كانت تقول له ، وهي تشير إلى نفسها : أنا .. تار .
حتى كاد يظن ، أنها حلم مما يراه في نومه ، وليست حقيقة واقعة ، لولا كوز الماء ، وكومة الفواكه ، وصرة الطعام ، فهو لا يذكر أنه رآها ، إلا عندما كان أسير عمائه الغامض .
وأفاق قبل شروق الشمس ، جائعاً ، ومتعباً بعض الشيء ، ورمق صرة الطعام ، الذي جاءته به تار يوم أمس ، بنظرة خاطفة ، وهمّ أن يفتحها ، ويسكت جوعه بما تبقى فيها من طعام ، لكنه أرجأ ذلك ، على أمل أن تأتي تار قريباً ، ويتناولان معاً طعام الإفطار .
وأغمض عينيه ، وراح مرة أخرى يتأملها ، وكأنها تقف أمامه ، شعر فاحم ، وعينان سوداوان  ، وبشرة فتية وصافية ، و .. ترى من أين هي ؟ وهل يعقل أنها تعيش وحدها مع أبيها ؟ و .. وتسلل النعاس إلى عينيه مرة أخرى ، وسرعان ما استغرق في نوم عميق .
وأفاق سندباد بعد حين ، دون أن يعرف كم استغرق في النوم ، وفوجىء بتار ، تقف على مقربة منه ، وبين يديها صرة طعام .
وعلى الفور ، اعتدل في فراشه القش فرحاً ، إنها حقيقة إذن ، وليست حلماً ، فنظرت إليه بشيء من الدهشة ، وقالت : صباح الخير .وابتسم سندباد ، وقال : صباح النور .
وصمت لحظة ، ثم قال مشيراً إلى نفسه ، وقد اتسعت ابتسامته : أنا .. أنا سندباد .
واتسعت عينا تار فرحاً وحيرة ، فتابع سندباد قائلاً ، وهو يشير إليها : وأنتِ .. أنتِ تار .
وتمتمت تار فرحة : سندباد .
sindabad 2وابتسمت وكأنها انتبهت إلى نفسها ، وجلست إلى جانبه ، ثم فتحت الصرة ، وهي تقول : لابد أنك جائع ، تعال نأكل معاً .
وراحا يأكلان على مهل ، وهما يتبادلان الحديث ، وقال سندباد متأملاً تار : رأيتك الليلة في منامي مراراً ، كما أراك الآن ، حتى خشيتُ أنك حلم من الأحلام ، ولست حقيقة .
وتضوعت على شفتي تار ابتسام فواحة ، وقالت : الحلم أنتَ ، أنتَ يا سندباد .
وتوقف سندباد عن تناول الطعام ، وهو يتأملها وقال بصوت فرح : تار ..
ونظرت تار إليه ، ثم قالت : لم أستطع أن أحضر باكراً ، فقد تأخر أبي في الذهاب إلى الصيد ، ربما كان متعمداً .
ونهض سندباد ، ونهضت تار معه ، وأمسك يدها ، وقال : تعالي نتجول قليلاً في الخارج .
وانقادت تار له ، دون أن تتفوه بكلمة ، وحين خرجا ، وراحا يسيران بين الأشجار ، قال سندباد : حدثيني عن نفسكِ ، يا تار .
وردت تار قائلة : بل أنت حدثني عن نفسك ، أريد أن أطمئن إلى أن ما أراه ، وما أعيشه ، ليس حلماً ، وإنما حقيقة .
ونظر سندباد إليها ، ثم قال : أنا سندباد ، تاجر من بغداد ، أتنقل من مكان إلى مكان ، وذات يوم ..
وراح سندباد يروي لها بالتفصيل ، ما حدث له ولأصحابه في جزيرة الرخ ، وكيف غرق الجميع ، وكاد يغرق معهم ، لو لم يتعلق بلوح من الخشب ، وألقاه الموج ، ربما بعد أيام ، على شاطىء هذه الجزيرة ، وهو في الرمق الأخير .
وتوقف سندباد عن الكلام ، وهما تقريباً على مشارف المرتفع المطل على شاطىء البحر ، وتقدما صامتين ، وتوقفا عند المرتفع ، ونظر سندباد إلى تار ، وقال : هذا أنا .. سندباد .
وصمت لحظة ، ثم قال : هذه الجزيرة جنة ، وبك يا تار جنة أروع ..
وابتسمت تار ، وتمتمت فرحة : أشكركَ .
وتابع سندباد قائلاً : لكني أريد أن آخذك بعيداً ، آخذكِ إلى جنتي .. بغداد .
ودمعت عينا تار ، ولم تتفوه بكلمة ، فأمسك سندباد يدها ، وقال : لنعد الآن ، يا تار ، وأريد أن تحدثيني في الطريق عن نفسكِ .
وسحبت تار يدها برفق من يده ، وقالت : سأحدثك في ما بعد ، عليّ أن أعود الآن ، فأنا أخشى أن يعود أبي ، ولا يجدني في الكوخ .
وأضافت وهي تتراجع : اذهب إلى كوخنا مباشرة ، سآتي غداً ، انتظرني .
ومضت تار منحدرة نحو الشاطىء الرملي ، ووقف سندباد يتابعها ، حتى غابت .

     ” 9 “
ــــــــــــــــــــ     

فوجئت تار ، حين وصلت الكوخ ، بأبيها يجلس عند المدخل ، وما إن اقتربت منه ، حتى نهض واقفاً ، وقال : جئتِ في وقتك ، يا تار ، أكاد أموت من الجوع .
وتوقفت تار على مقربة منه ، وقالت : لم تتأخر اليوم أيضاً في البحر .
فردّ باكول قائلاً : لكني هذه المرة ، جئتُ بثلاث سمكات رائعات .
ودخلت تار الكوخ ، كاتمة دهشتها ، فأبوها اليوم يبدو غريباً في هدوئه وتعامله معها ، ولحق بها باكول ، وهو يقول : لقد نظفتُ السمكات الثلاث ، وأشعلت النار في الموقد .
ونظرت تار إلى السمكات الثلاث ، وقالت بصوت أرادته هادئاً : لن تنتظر الغداء طويلاً ، سأشوي واحدة منها في الحال .
وتوقف باكول صامتاً للحظة ، ينظر إليها ، ثم قال : الجو دافيء ، لنتغدّ في الخارج إذن .
وردت تار ، دون أن تلتفت إليه : كما تشاء .
وشعرت تار بأبيها ، يقف للحظة صامتاً وراءها ، ثم يستدير ، ويمضي خارج الكوخ ، وبقيت جامدة بعض الوقت ، ثم أخذت إحدى السمكات الثلاث ، وراحت تشويها على النار .
وفكرت تار ، وهي تشوي السمكة ، ثم وهي تأكل مع أبيها ، تحت شجرة قريبة من مدخل الكوخ ، إن أباها ، على غير عادته ، هادىء اليوم ، رغم ما يبدو عليه أحياناً من شرود ، أيعقل أنه عرف بأمر سندباد ؟ لا ، وإلا لثار ، وغضب ، و .. مهما يكن ، لتنتظر ، لعل ما تفكر فيه مجرد أوهام .
وفي صباح اليوم التالي ، استيقظت تار على أبيها ، يهمّ بالخروج من الكوخ ، فنهضت على عجل ، وقالت : لدينا ما يكفينا من الطعام ، لا داعي لأن تذهب إلى البحر اليوم .
وردّ باكول ، وهو يخرج من الكوخ : لن أذهب إلى البحر ، أريد أن أتغدى اليوم حماماً .
ولم ترتح تار لقول أبيها ، فلحقت به إلى الخارج ، وقالت : أرجئها للغد ، فقد آتي معك ، ونصطاد ما تريده من حمام .
وقال باكول ، وهو يبتعد : لا ، سأصطاد الحمام اليوم ، ابقي أنتِ في الكوخ ، حتى أعود .
لكن تار لم تبقَ في الكوخ ، فما إن ابتعد باكول ، متوغلاً في الغابة ، حتى مضت مسرعة ، تكاد تهرول ، إلى ملاذها ـ الكوخ .
وفوجىء سندباد ، وكان ما يزال راقداً في فراشه القش ، بدخول تار عليه ، وهي تلهث ، فهبّ واقفاً ،
وقال : تار .. !
وقاطعته تار قائلة ، وهي تكاد تدفعه : سندباد ، هيا أخرج من هنا ، واختبىء ..
وقال سندباد مندهشاً : مهلاً ، يا تار ، اهدئي ، وأخبريني ما الأمر .
وأمسكت تار يده ، وسحبته وراءها إلى الخارج ، وهي تقول : أبي يصيد الحمام في الجوار ، وأخشى أن يراك .
وتوقف سندباد وراء إحدى الأشجار ، وقال : على العكس ، يا تار ، هذا ما أريده .
وتطلعت تار إليه متأثرة ، وقالت : ليس الآن ، يا سندباد ، ليس الآن .
وابتسم سندباد ، وقال : لابد أن أراه ، وليكن هذا عاجلاً وليس آجلاً ، فأنا أريدك ، يا تار ، وأريد أن آخذك معي إلى بغداد .
ودمعت عينا تار ، فرحاً ! من يدري ، وقالت : سندباد ، كم أخشى أن لا أرى بغداد .
فقال سندباد : بل سترينها ، قولي نعم ، يا تار ، وسترينها ، سترين بغداد .
ولاذت تار بالصمت ، ودمعتان تجولان صامتتين في عينيها السوداوين ، فقال سندباد : لم أسمع منك بعد ، نعم ، يا تار .
وتكلمت دمعتاها ، وانحدرتا فرحتين على وجنتيها ، ثم قالت : نعم .
وتناهت إليهما حركة من بين الأشجار ، فتلفتت تار خائفة ، وقالت : لعله أبي .
ونظر سندباد صوب مصدر الحركة ، ثم قال : لا تخافي ، لعله غزال .
ثم التفت إليها ، وتابع قائلاً : يا غزالي .
ورفرفت ابتسامة فرحة فوق شفتي تار ، وقالت : من الأفضل أن أسرع إلى الكوخ الآن ، قبل أن يعود أبي من الصيد .
وتراجعت متلفتة ، فتبعها سندباد ، وقال : سأنتظرك ، يا تار ، سأنتظرك .
فدفعته تار برفق إلى الشجرة ، وقالت : ابقَ هنا ..
، يا سندباد ..
ثم ابتعدت عنه قليلاً ، وقالت : ربما غداً .
وقال سندباد : ليس ربما ، يا تار .
ومضت تار مبتعدة ، وهي تبتسم قائلة : غداً .. غداً .. غداً .

     ” 10 “
ـــــــــــــــــــــ

وصلت تار إلى الكوخ ، لاهثة متقطعة الأنفاس ، فقد قطعت تلك المسافة مسرعة ، فرحة ، قلقة ، تكاد تجري ، خشية أن يعود أبوها من الصيد ، ولا يراها ، كما أرادها ، في الكوخ .
وشعرت ببعض الراحة ، عندما عرفت أن أباها لم يعد بعد ، وعاودها القلق ، إذ تذكرت ما تناهى إليهما ، هي وسندباد ، من حركة مريبة ، صدرت من بين الأشجار ، وفكرت أنه ربما لم تصدر عن غزال ، كما ظن سندباد ، وإنما عن أبيها ، الذي كان يراقبهما من بين الأشجار .
ثم ما الذي ذكره اليوم بصيد الطيور ؟
إنه لم يصد طيراً منذ فترة طويلة ، وهو يقول دائماً ، إنه يفضل تناول السمك على الطيور ، وحتى على الأرانب والغزلان .
لابد أن في الأمر سراً .
أيعقل أنه لمح سندباد مرة ، أو شك في وجود أحد في الغابة ؟
من يدري ، إنه حذر دائماً ، ويحرص أن لا يعرف أحد ، من سكان الجزر المجاورة أو غيرها ، بوجودنا على هذه الجزيرة .
وجاء باكول ، بعد منتصف النهار ، يحمل حمامتين يلوث الدم ريشهما ، ومدّ يده بهما إليها ، وقال : نظفي هاتين الحمامتين ، واشويهما .
وأخذت تار الحمامتين ، وهي ترمقه بنظرة سريعة ، وبدا لها طبيعياً ، وخمنت أنه لا يعرف شيئاً عن سندباد على الأغلب ، ولم يلمحه على الجزيرة مطلقاً ، وإلا لثار وغضب و ..
وانصرفت تار تنظف الحمامتين ، وتعدهما لتشويهما على النار ، وانتهت من تحضير الطعام ، عند العصر تقريباً ، فجلسا داخل الكوخ ، وراحا يتناولان طعامهما صامتين .
وعلى عادته ، لم يأكل باكول إلا لقيمات قليلة ، حتى نهض ، وهو يقول : طعام لذيذ ، أنت ماهرة كأمك الراحلة .
ورفعت تار عينيها إليه ، وتفحصته بنظرة خاطفة ، وقالت : أنت لم تأكل شيئاً يذكر .
وردّ باكول قائلاً : لقد شبعت .
وتطلع من مكانه عبر الكوة ، ثم قال : أنت شابة ، كلي حتى تشبعي .
ثم اتجه إلى الخارج ، وهو يقول : سأغتسل في النهر ، ثم أتجول في الجوار قليلاً ، وقد لا أعود إلا عند حلول الظلام .
وما إن خرج باكول ، ومضى مبتعداً ، حتى نهضت تار مفكرة ، ترى أين سيمضي ؟ إلى النهر حقاً ، أم .. ؟  من يدري .
وعلى الفور تسللت إلى الخارج ، وراحت تتابع أباها بنظرها ، من وراء إحدى الأشجار ، ورأته يسير نحو الجدول ، كلا ، إن شكوكها ليست في محلها ، فها هو يذهب ليغتسل و .. وربما يتجول قليلاً هنا وهناك ، ثم يقفل عائداً إلى الكوخ ، ويأوي إلى فراشه ، وينام .
وما إن غاب باكول ، وهو في طريقه إلى الجدول ، حتى عادت تار حالمة إلى الكوخ ، وتراءى لها سندباد ، إنه مثلها شاب ، ربما أكبر منها بقليل ، وهذا أفضل طبعاً ، أسمر بعض الشيء ، وكأن الشمس لوحته كما لوحتها ، آه سندباد .
وتراءى لها سندباد ، وهو يحضنها بعينيه السوداوين المحبتين ، ويقول لها : أريدك ، يا تار ، وأريد أن آخذك معي إلى بغداد .
آه بغداد ، وفكرت ، كم أخشى أن لا أرى بغداد ، ونظرت عبر الكوة إلى البعيد ، إلى ما وراء الجزيرة ، وإلى حياتها القاحلة فيها ، وقالت : بل سأراها مهما كان الثمن .
وخطر لها باكول ، وبدا وكأنه ينظر إليها مترقباً ، آه ما العمل ، لابد من بغداد ، وإلا الموت في العزلة والجدب و .. ، ولكن أباها .. باكول .. إنها جزء من حياته .. ما العمل ؟
وهزت رأسها .. والدموع تجول في عينيها .. وتمتمت : سندباد .. لا .. لا .. لكني أريد بغداد .. أريد بغداد .. أريد بغداد .

” 11 “
ــــــــــــــــــــــ

أوى سندباد إلى فراشه القش ، رغم أنه لم يكن يشعر بالتعب أو النعاس ، ربما لأنه أراد ، أن يغمض عينيه ، وينفرد بتار .
لكنه ما إن أغمض عينيه ، وأراد إحضار تار ، حتى انتبه إلى وقع أقدام خفيفة ، تدب على الحشائش في الخارج ، أهي تار !
وفتح عينيه الملهوفتين ، وبدل تار رأى رجلاً ربما تجاوز الخمسين ، يقف في مدخل الملاذ ـ الكوخ ، محدقاً فيه كأنه يدرسه .
واعتدل سندباد ، وعيناه على الرجل ، ثم قال : أنت باكول ، والد تار ، على ما أظن .
فرد باكول قائلاً : نعم ، أنا باكول .
ونهض سندباد ، وقال : أهلاً ومرحباً .
وقال باكول : أهلاً بك .
وأشار سندباد متردداً ، إلى فراش القش ، وقال : ليس هنا غير هذا ..
واستدار باكول ، وقال : لنخرج ، ونتمشَ قليلاً في الجوار ، ونتحدث .
ومضى باكول إلى الخارج ، فلحق به سندباد ، وهو يقول : كما تشاء .
وراحا يتمشيان جنباً إلى جنب ، بين الأشجار الكثيفة ، المثقلة بالأزهار والثمار والطيور، وقال باكول بصوت هادىء : يبدو أنك لست من هذه الجزر ، يا ..
وصمت باكول ، فقال سندباد : اسمي سندباد .
ورمقه باكول بنظرة سريعة ، وقال : هذا ما توقعته ، واسمك غير معروف هنا .
وقال سندباد : نعم ، أنا تاجر من بغداد ، وقد حطم الرخ سفينتنا ، ولم ينجُ أحد غيري ، فقد تعلقت بلوح خشبي ، ورمتني الأمواج ، وأنا بين الحياة والموت على ساحل هذه الجزيرة ، وأنقذتني تار .
ولاذ باكول بالصمت ملياً ، ثم قال : سندباد .
وردّ سندباد : نعم .
وقال باكول : أريد أن أكون صريحاً معك .
وقال سندباد : هذا ما أريده .
ونظر باكول إلى البعيد ، ثم قال : هذه المنطقة من المحيط ، تتكون من جزر كثيرة ، متفاوتة الأحجام ، لكن معظمها جزر صغيرة ، حتى إن بعضها لا يكاد يسكنها أحد من الناس ، كهذه الجزيرة .
وصمت لحظة ، ثم قال : وليست كلّ هذه الجزر الصغيرة متآلفة ، فبعضها على خلاف شديد مع البعض الآخر .
ورمق سندباد بنظرة خاطفة ، ثم قال : وشاء القدر أن أرتبط بفتاة ، هي أم تار ، كان أهالي جزيرتها على خلاف شديد ، مع أهالي الجزيرة التي أعيش فيها ، وعلى هذا جئنا إلى هذه الجزيرة ، غير المأهولة ، وقررنا أن نعيش فيها .
ونظر سندباد إليه ، وقال : يبدو لي أن تار صغيرة بالنسبة لك .
وردّ باكول : نعم ، فنحن لم نرزق بها إلا بعد مرور أكثر من عقد عل اقتراننا .
وصمت لحظة ، ثم قال : ولم يمض ِ على مولدها سوى أربع أو خمس سنوات تقريباً ، حتى مرضت أمها مرضاً شديدا ، وسرعان ما رحلت .
وتوقف سندباد ، عندما صمت باكول ، وقد تحشرج صوته ، ثم نظر إليه ، وقال : هذا يعني أنكما عشتما ، وحدكما معاً ، في هذه الجزيرة المنعزلة ، طوال هذه المدة .
وقال باكول بصوت مبلل بالدموع : نعم ، فربما ما كان ليتقبلها أهل جزيرتي ، ولن يتقبلني أهل جزيرة أمها ، وهكذا بقينا وحدنا ، لا أحد لي في هذه الحياة غيرها ، وليس لها أحد غيري .
وسار سندباد صامتاً ، فسار باكول إلى جانبه ، وقال : هذه الجزيرة منعزلة ، لا تمر بها المراكب التجارية ، وإذا أردت أن تعود إلى بلدك ، فعليك أن تذهب إلى الجزيرة المجاورة ، وهي لا تبعد عن هذه الجزيرة مسافة طويلة ، يقطعها طوف به شراع ، في يوم واحد .
وتوقف سندباد ، ونظر إليه ، وقال : ليتني أحصل على مثل هذا الطوف .
ورد باكول ، وقد بدا عليه الارتياح : لدي طوف ، في الطرف الآخر من الجزيرة ، وسأزودك بشراع  جيد ، أنت إنسان طيب ، يا سندباد .
ونظر باكول إلى سندباد ، وقال : الشمس ستغرب قريباً ، لابد أن أعود إلى الكوخ .
فقال سندباد : رافقتك السلامة .
ومضى باكول مبتعداً ، وهو يقول : رجاء إذا رأيت تار ، لا تقل لها إننا التقينا .
ولاذ سندباد بالصمت ، ولم يرد عليه بكلمة واحدة ، وظل يتابعه بعينية الحزينتين المحبطتين ، حتى غاب تماماً بين الأشجار .

     ” 12 “
ـــــــــــــــــــــ

في اليوم التالي ، مضى باكول إلى البحر مبكراً ، حتى قبل أن تستيقظ تار ، وقد غادر الكوخ ، دون أن يفكر في تناول طعام الفطور .
وحين استيقظت تار ، ولم تجد أباها في فراشه ، نهضت على عجل ، ومضت تبحث عنه خارج الكوخ ، وفي الجوار بين الأشجار ، لكن دون جدوى .
وعلى الأرض ، رأت تار آثار أقدام أبيها باكول ، تتجه قدماً نحو البحر ، وتوقفت حائرة مفكرة : ترى ماذا يجري ؟
لقد عاد أبوها باكول البارحة ، بعد حلول المساء بقليل ، وتناول معها طعام العشاء ، ثم أوى إلى فراشه ، دون أن يوجه إليها كلمة واحدة ، وسرعان ما غطّ في نوم عميق .
لابد أن في الأمر سراً ، وهذا ما عليها أن تعرفه عاجلاً أو آجلاً ، وقفلت عائدة إلى الكوخ ، وجمعت بعض الطعام ، ووضعته في صرة ، ثم انطلقت مسرعة إلى الملاذ ـ الكوخ .
وكما لم تجد أباها في الكوخ ، حين استيقظت صباحاً ، لم تجد سندباد في الملاذ ـ الكوخ ، فخرجت مسرعة ، تبحث عنه في الجوار ، لكنها لم تجد له أثراً  في أي مكان .
وأسرعت إلى الجدول القريب ، المنساب بين الأحراش الزاهية الخضرة ، لعل سندباد يجلس على ضفته ، تحت إحدى الأشجار ، لكن لا أثر لسندباد هنا أيضاً .
وتوقفت على ضفة الجدول ، متلفتة حولها ، ترى أين مضى سندباد ؟ وهل ثمة علاقة بين اختفائه ، واختفاء أبيها باكول ؟
وقفلت عائدة إلى الملاذ ـ الكوخ ، على أمل أن يكون سندباد قد عاد ، بعد أن تجول في الجوار ، دون أن تصادفه ، لكن لا فائدة ، فسندباد لم يكن في أي مكان بحثت عنه فيه .
مهما يكن ، سيعود سندباد ، فأين يمكن أن يذهب ؟ والجزيرة صغيرة ، وغير مأهولة ، ولا سبيل للخروج منها .
وجلست تار ، في ظل الشجرة الوارفة ، أمام الملاذ ـ الكوخ ، تنتظر سندباد ، وستبقى تنتظره حتى يعود ، لعلها تقف على السرّ .
وقبيل العصر ، لاح سندباد قادماً ، من جهة شاطىء البحر ، فنهضت تار متشوقة ، وأسرعت إليه ، وهي تهتف : سندباد .
وتوقف سندباد ، وقال بدون حماس : أهلاً تار .
وتغاضت تار عن عدم حماسه ، وقالت : جئت منذ الصباح ، يا سندباد ، وقررت أن أنتظرك هنا ، مهما تأخرت .
ومضى سندباد نحو الملاذ ـ الكوخ ، وهو يقول : أخشى أن يكون الوقت متأخراً ، يا تار ، إن الشمس تكاد تغرب .
وقالت تار : سندباد ..
ونظر إليها سندباد ، دون أن يردّ بكلمة ، فتابعت قائلة : أين كنت ؟ إنني قلقت عليك ، ولقد انتظرتك منذ الصباح ، حتى الآن .
وأبعد سندباد عينيه الحزينتين عنها ، ناظراً إلى البعيد ، وهو يقول : هناك طوف ، في الطرف الآخر للشاطىء ، لقد أصلحته ، وهيأت شراعه ، وسأبحر به غداً صباحاً  .
وواصل سندباد سيره ، متجهاً نحو الملاذ ـ الكوخ ، فلحقت تار به ، وهتفت مندهشة : سندباد .
وتابع سندباد قائلاً ، دون أن يتوقف : هذه الجزيرة الصغيرة منعزلة ، ولا تمر بها المراكب ، وسأبحر إلى الجزيرة المجاورة ، وهي جزيرة كبيرة ومأهولة ، والمراكب التجارية الكبيرة ترسو فيها بين فترة وأخرى .
وأسرعت تار ، وسبقت سندباد ، ووقفت في مواجهته ، عند مدخل الملاذ ـ الكوخ ، وقالت : سندباد ، ما الأمر ؟ أصدقني .
ونظر سندباد إليها ، ثم قال : تار ، والدك في هذه الجزيرة ، والعمر يتقدم به ، وليس له أحد في هذا العالم غيرك .
وأطرقت تار ، وقد لاذت بالصمت ، فتخطاها سندباد ، ودلف إلى داخل الملاذ ـ الكوخ ، دون أن يضيف كلمة واحدة .
ولبثت تار في مكانها برهة ، لا تدري ماذا تفعل ، ثم مضت منحدرة نحو الكوخ ، وفي عينيها السوداوين ، دموع حائرة متذمرة حزينة ، تريد أن تعرف الحقيقة ، لتنحدر فوق الخدين الشابين ، لعلها ترتاح قليلاً .

     ” 13 “
ـــــــــــــــــــــــ    

وصلت تار إلى الكوخ ، وقد حلّ الليل ، ونظر إليها أبوها نظرة سريعة ، لكنه لم يسألها عن سبب تأخرها ، وأين كانت حتى ذلك الوقت .
وجلست في فراشها مقطبة ، دون أن تتفوه بكلمة واحدة ، فقال باكول مشيراً إلى سفرة الطعام : أعددتُ الطعام ، وانتظرتكِ ، هيا نتعشَ .
ورمقته تار بنظرة سريعة قاتمة ، دون أن تردّ عليه بكلمة واحدة ، فقال باكول : هيا يا ابنتي ، هيا ، تعالي نأكل .
وهذه المرة ردت تار قائلة ، من غير أن ترفع عينيها إليه : كل أنتَ .
ونظر باكول إليها ، وقال : تعالي كلي ، فأنتِ على ما يبدو ، لم تأكلي شيئاً طول اليوم .
وبدل أن تردّ تار عليه ، استدارت ببطء ، وتمددت في فراشها ، وقد جعلت وجهها إلى الحائط ، فاقترب باكول منها ، ثم جلس بجانبها ، وقال بصوت هادىء : تار .
لم تردّ تار ، فقال باكول بنفس الصوت الهادىء : أنتِ لم تعودي صغيرة ، يا تار ، وهذه الجزيرة الصغيرة ، المنعزلة ، وغير المأهولة ، لم تعد تناسبك .
وصمت ملياً ، وهو يعرف أن تار بدأت تنصت إليه ، ثم تابع قائلاً : هناك حولنا ، جزر كبيرة ، مأهولة ، سنختار واحدة منها ، وننتقل للعيش فيها ، في أقرب فرصة ممكنة .
وتململت تار ، ثم قالت بصوت دامع : أبي .
ورد باكول : نعم .
فتابعت تار قائلة ، بصوت تبلله الدموع : اليوم قابلتَ .. سندباد ..
ولاذ باكوم بالصمت ، فسكتت تار لحظة ، ثم قالت بنفس الصوت ، الذي تبلله الدموع : لم يقل لي هذا أحد ، لقد قابلتَهُ ، وتحدثتَ إليه .
ولبث باكول فترة في مكانه ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة ، ثم نهض بتثاقل ، وأوى إلى فراشه ، لكنه لم ينم إلى ساعة متأخرة من الليل .
وباكراً أفاق باكول ، صباح اليوم التالي ، على صوت نسائي ، يهتف به من أعماقه : باكول .. انهض .. ابنتنا تار .. تار .. تار  .
هذا صوت زوجته ، لكن زوجته رحلت منذ فترة طويلة ، فمن أين تناديه ؟
وفتح باكول عينيه مذهولاً ، قلقاً ، ولم يجد تار في فراشها ، فهب من مكانه ، وأسرع إلى الخارج ، يبحث عنها في الجوار ، وتوقف بعد حين ، لم يكن لتار أثر في أي مكان .
ولمع في فكره هاجس ، لقد عرف أين هي ، وعلى الفور ، انطلق نحو الشاطىء ، فقد خمن أنها ستكون هناك ، وبالفعل رآها تقف على المرتفع ، الذي يطل على البحر ، فاقترب منها لاهثاً ، وتوقف إلى جانبها ، وراح ينظر حيث كانت تنظر .
ومن بعيد ، رأى الطوف ، الذي دلّ سندباد عليه ، يشق الماء ، بشراعه الأبيض ، مبتعداً عن الجزيرة ، وسندباد يقف فيه ، والدفة في يده .
وأحست تار ، منذ الوهلة الأولى ، بباكول يقف إلى جانبها ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة ، ويتابع معها سندباد ، وهو يبتعد ، ويبتعد ، حتى يكاد يختفي ، في الأفق البعيد .
وأنصت باكول ، وسمعها تتنفس من بين دموعها ، فقال بصوت متعاطف : تار .
ومن غير أن تلتفت إليه ، قالت تار : راح سندباد ، يا أبي ..
وقال باكول ثانية : تار .. تار ..
فتابعت تار قائلة : راح .. ولن أراه ثانية .
ومدّ باكول يديه ، وأخذها إلى صدره ، وقال : عندما التقينا ، أنا وأمك ، وكنا فتيين ، واجهتنا ظروف صعبة تعرفينها ، فاخترنا مصيرنا بأنفسنا ، هذا حقنا ، اخترنا الحياة في هذه الجزيرة الصغيرة المنعزلة ، وكان ما كان .
وتمتمت تار من بين دموعها : أبي ..
وقاطعها باكول قائلاً ، وهو يربت على ظهرها : إنني أعرف الجزيرة ، التي سيذهب إليها سندباد ، فأنا الذي دللته عليها ، هيا ، سنلحق به بقاربنا ، وقد نصل إليه ، قبل أن يصل إلى الجزيرة  .

        5 / 9 / 2013

شاهد أيضاً

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

د.عاطف الدرابسة: أعيدي الطَّريقَ إليَّ ..‎

قلتُ لها : لن أُصغيَ إلى دمعكِ بعدَ اليوم فنصفي صارَ في الماء .. لن …

شذرات
حمزة الشافعي
تودغة/المغرب

(1) ظل سحابة، استراحة نملة، إرهاق. (2) جدار أحجار، ألعاب ثقيلة، هروب طفلة. (3) ورقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *