مقداد مسعود : من الأشرعة يتدفق النهر ؛ قراءة في الحداثة الشعرية العراقية (4)

mokdad masood 4 صياح الديكة
شرط التسمية…
 الشاعر بلند الحيدري في…(حوار عبر الأبعاد الثلاثة )

-1-
تحاول قراءتنا الإتصالية التأكيد أولا على أن الحوار الفاعل في(ألأبعاد الثلاثة) هو حوار بين الواحد والكثرة،الواحد غير المنمّط والكثرة المغروزة بقناعتها في حالة قارة مطلقة اليقين. تلك التي ترى في تجاوز الواحد/الأبن ..لنمطيتها خرقا وقتلا لأبوتها ، لذا تقرر مقاضاة ضلالته بالقتل، ،فأن الكثرة من أجل أن تشرعن سلطتها القضائية،تقرر اطلاق تسمية على ألأبن،قبل تنفيذ حكم القضاء فيه:
(ماأسمك؟
لم أعرف لي أسما..لاأذكر ماأسمي
فلقد ماتت أمي
وأنا لم أولد بعد بمعنى في أسم
ولأني لم أعرف من كانت أما..قتلت أبي
أقتلت أباك؟
أقتلت أباك قتل..
ت أبي.
سموا القاتل محمودا أو أحمد مسعودا أو أسعد
أسما يدنيه من الصلب/27-29)..نلاحظ أن كلا الطرفين يحاول تفعيل عملية التسمية لتقوية حضوره الذاتي،الكثرة وهي(في غيبة الحاضرين)
نصبت نفسها لمقاضاته،وحوارها مع الواحد متعال وتحديدا بعلو منصة القضاء،وألأمر لديها محسوم،عبر بديهيات وضعتها هي:
boland alhaidari(من لاأسم له لاأم له)
(من لاأسم له نكرته أبوته/33)
من حذف الواحد عن التسمية ؟حقا (لقد أسقطه حقدهم في الغربة) بعد أن(سحبوا أرضهم من بين خطاه/33) ..أن الكثرة يحملون التسمية حمولة سالبة،خلافا لذلك يحاول الواحد:
(أعطوني لأصير به حبكم في ألأرض)
(لأصير وعد محبة/32)
وكذلك في قوله( ياناس هبوني أسما/ أسما يحملني وعدا/رعدا/ مطرا/45-46) وهنا نتساءل
ماذا يبغي ألأبن من وراء ذلك؟ ولماذا لايتخذ اسما معينا؟ وما الذي يضطره للتوجه الى هذه الكثرة لتشرعن(شرعية) وجوده عبر تسمية تطلقها عليه؟ هل يريد التماهي في الكثرة عبر التسمية؟ الى حد الموت صلبا:
(ياناس هبوني أسما
أسما يدنني من الرب
أسما يدنيني من الصلب/66)
كأن الموافقة من أجل تجاوز النأي بالدنو تسمويا!
وهل في التسمية خلاصه من الشعور بالذنب الدموي:
(فأنا ياناس بلا أسم
سكين أوغل في قلب أبي/46).
وصيرورة محبة الواحد/ألأبن مرتهنة بعطاء تسموي يسبغ عليه :

(أعطوني أسما لأصير به حبكم في ألأرض)
أن مطالبة ألأبن بهذا العطاء ،تجعلنا نتساءل:كيف يكون الواحد حبا لمن لايملكون سوى الغل والبغضاء…؟
في(أنشاد المنادى) (2)يتساءل مارتن هيدجر:ماذا يعني بصورة عامة أن تسمى ؟هل هو مجرد أعطاء أسم؟ وكيف يتم التوصل الى ايجاد ألأسم؟
-2-
واذا كانت الأسماء،تفرضها ضرورة معينة ،فأن لها في (حوار عبرألأبعاد الثلاثة)وظيفة اشارية متعددة  الأبعاد والوظائف:
*(ولأني بلا أسم قتلت أبي)/دافع للجريمة
*(أسماؤنا صلباننا)/ وظيفة الرافعة
*(نتعذب فيها)/ حاضنة العذاب
*(يعرفنا الرب بها يوم الدينونة)/ أداة معرفة /ص32.وحين يطالبهم الواحد بتسمية :(أعطوني أسما)،نلاحظ أن عطاؤهم مرتهن بشرط قاس
:(لن نعطيها مالم نعرف وجهك في القاتل
أو وجهك في المقتول/).ونلاحظ أيضا أن تصنيع التسمية ليست فاعلية ذاتية ،بل شهادة آلآخر وهبته لشرعنة حضور الذات في الكثرة..أن أفعال الكثرة في التسمية،هي أفعال لاتخرج عن شروط المؤتلف اجتماعيا بقسوته…(بأسم الرب سيعدم
بأسم الشعب
بأسم القانون ).وهي شروط تلفيقية تزعم انها المفوه الشرعي الشمولي المطلق من خلال نسقها الثلاثي:اللاهوتي/الإجتماعي/ القضائي.
-3-
الولادة الثانية للكائن البشري وكذلك الحيواني :تكون النزول من رحم التسمية..وقد تكون الثانية هي ألأولى،فلكل منا كنية محببة يختار بنفسه في سنوات الهوى الجامح.أو الحلم الثوري.
-4-
ولادة التسمية،هي آصرة ألأتصال بين الأبن والأم
(ولأني لم أحمل أسما
لم أعرف من كانت لي اما/ص37)،
بل هي شرطها: لم أحمل أسما ——-:لم أعرف أما.
وهنا نتساءل : من يحمل من؟ هل أنا أحمل أسمي؟ ام أسمي يحملني؟ أم هي شركة ،يحمل كلا منا آلآخر..ويحتمله؟ …لكن الكثرة تعمل على قلب الفاعلية،وتصيرها من تسمية :اتصال/حياة،الى تسمية/انفصال/موت (أسماؤنا صلباننا)،كأن هذه الكثرة وحدها صاحبة الحق بالتعامل مع المسميات من خلف الشائع والمألوف تسمويا،وهي بالطريقة هذه تعلق فاعلية التسمية.وضمن مبادىء الضبط ألأجتماعي المتراكمة تلقائيا والمسماة بالكونفورميا، وتحديدا وفق النمط القبولي ألأيجابي*يناشد الواحد الكثرة (أعطوني أسما يدنيني من الصلب/ص45)،
نلاحظ هنا انتصار الكثرة على الواحد، من خلال (برمجة المفاهيم والملفوظات من اجل تجهيل المعلوم وتدمير معقوليته الذاتية بأحالته الى اللاعقلانية الغيبية بتصييره مغيوبا) وتسمية الكثرةشرط لابد منه لشرعنة الصلب،رغم انها تسموية اعتباطية(سموه اسما يدنيه من الصلب/ص27)…
أن السمات الخاصة للأسم العلم بحسب جون كوين(3)،لها قدرتها اللامحدودة في أحداث التجانس،ومن خلال هذه السمات يحاول الواحد التماهي في الكثرة الرافضة له،لكنها محاولة لاتتجاوز المراوحة في مكانها، مراوحة لاتوصل لغير الولادة الثالثة،اعني نزوله من رحم الشهادة تلك الشهادة التي تغمر بشاعة الموت /صلبا/شنقا،تغمرها بمياه الخلود،كما يعلن ذلك صوت ألأم:
(ابني لم يشنق
ابني ما مات ) ..هذا ألأعلان من ألأم،يجعل الكثرة في حيرة…
( من مات اذن قرب المفرق؟
والمرأة تلك المرأة
من كانت ؟ من؟ ).
-5-
لنفترض أن الواحد،حصل على تسمية من  الكثرة،هل ستغض الطرف،عن تجواله البري الأنفرادي؟ قد حصل على تسمية مثبتة له في عشر هويات،صادرة من عشر جهات منسجمة من سلطة السلطة،ستتعطل الهويات العشر،ويتحول ألأسم العلم(بلند بن أكرم) الى اسم اشارة(ياهذا) ويتحول البريء الى(مدان)،ويقاد الى الإعتقال وهو يعي أن هوياته،(ماكانت ألا شاهد زور)* فألأسماء تعود ملكيتها لمن يملك(البحر والليل وجميع ألأرصفة السوداء)..نرى انها المهيمنة ذاتها في العملين الشعريين العائدين للشاعر الكبير(بلند الحيدري) والفرق بين(أنت مدان ياهذا) و(حوار عبرألأبعاد الثلاثة)،هو الفرق بين نص،بسيط، غنائي،مقروء من قبل مساحة واسعة من القراء هو(أنت مدان ياهذا) وبين نص شعري مركب،له مكتبة نصية تشتمل على(فلسفة الحق/هيغل)(التراث المسيحي)(نظرية فرويد حول النفس البشرية المثلثة ألأنا)
اضافة الى مكابدات الشاعر في غربته واغترابه وهو يفتتح (حوار عبرألأبعاد الثلاثة)بصرخة المتوجع

(يا انتم..
ياغيبة الحاضرين
ياأيها المارون كل ليلة،ببيتي المنكفىء ألأضواء
الحاملون ليلي الثقيل في صمتكم المرائي
أنا هنا.. أموت من سنين..ازحف من سنين
خيطا من الدماء،بين الجرح والسكين .

*ثبت:
(1)الأعمال الشعرية/للشاعر بلند الحيدري/دار العودة/1972
(2)مارتن هيدجر/انشاد المنادى/ص106/ت:بسام حجار
(3)جون كوين/ اللغة العليا/ص99/ت :أحمد درويش/المجلس ألأعلى للثقافة/مصر/1995
(4)قصيدة(أنت مدان ياهذا)/ أحدى قصائد(اغاني الحارس المتعب)./الأعمال الشعرية
* حول نمط القبولي ألأيجابي:(يشتمل هذا على أكبر عدد من أبناء المجتمع،والذين ينتسبون بغالبيتهم الى المستوى العام من حيث درجة الوعي،التي يتسلحون بها، كما انهم يتميزون بقدرتهم المحدودة، على بناء علاقات ديالكتيكية فكرية مستقلة، ازاء ما يجهلون من ظواهر،وأقل من هذا قدرتهم على ألأستقلالية في صياغة تفسيراتهم للعالم الخارجي ولبنائهم الداخلي،وتجدر ألأشارة الى أن تعبير(القبولي ألأيجابي)له دلالة سلبية في الفعل،له دلالة المحافظة والخضوع التام للأدارة العامة/ص193-194/د.محمد الدروبي/وعي السلوك/الكونفورميا/وأنظمة السلوك/دار كنعان/ط1/2004

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.