بلقيس ملحم : الباقي من النور (8)

balkis melhemعادل في انتظاري, عليّ أن أذهب الآن..
أصحو على شمس موشاة بالرصاص, فالشمس هنا نفسها التي تشرق في بغداد مأكولة الكتف!! تبدأ في نبش ذاكرتي, أحتمي بمنخل أمي لكنه لا يحميني من حرها لتنشطر روحي عن رغبة شديدة في الاحتماء بأثداء النخيل الطرية لكنني انزلقت في وعورة منافي الأزمنة..

 حاول أن يساعدني, اقترب مني, مد يده إلي فمددت يدي وددت لو أن أحدا لا يرانا لأطوقه..لكنه الخجل, أنهضني من بقعة لزجة لونتني بزخام الحرب  ليمشي بجواري ونحن نقطع الطريق إلى نهر الحسينية من ناحية باب بغداد, يوم أن كنا نذهب سويا إلى بيت خالتي خديجة كل يوم جمعة,نلتهم بلا شعور أصناف الطعام التي كانت تتقنه, أطباق من الأرز العنبر الشهي وتشريب الدجاج واللحم والبرياني, منهينها بالرقي البارد.. وما إن ننتهي من الموائد العامرة حتى نهرب من الدربونة الضيقة إلى الشارع الرئيس حيث يجلس العم رحومي-مبتور الساقين-على مصطبة خشبية أمام ابتدائية مهجورة ليبيعنا بيض اللقلق وهو يغني للبنات بصوته الجميل:
اللقلق علا وطار
علا وطااااار
علااااااا
اللقلق علا وطار
علا وطااااااااار11111علاااااااااااا
وكره ببيت المختار
علا وطاااار
علااااااااااا
اللقلق جانا طاير
مد راسه للمناير
مد راسه للمناير
بعدها يرفع صوته :

 علا وطااااار علاااااا

ينادي على اللقالق التي تحمل الأطفال في لفافاتهم البيضاء ليسافروا بهم ويرجعونهم إلى أهليهم, ليت رحومي يعود اليوم ويفتح معي النافذة حتى يسمع من يصيح بـ

 شعر بنات..

شعر بنات
وين أولي ووين أبات
أبات بالدربونه
أخاف تاكلني البزونه

وينظر هل من بنات حلوات يتحلقن حوله؟ يعاندني رحومي ويستمر في غنائه فأتركه يكسب رزقته الوحيدة وأخرج  مع صبيان وصبيات الحي بصحبة أمهاتنا اللذيذات إلى نهرنا الخالد -نهر الحسينية- ألا تذكر يوم أن  حملتك يا عادل على كتفي؟ وغمستك هناك.. في مياه النهر؟ لاهية عنك أمي باحتساء الشاي وفصفصة الحب مع خالتي خديجة, بكيتَ كثيرا حينها لكني قسوت عليك ببراءتي وعدت أغمسك مرة أخرى في النهر..

أصابتك الحمى بعدها كانت كفيلة بأن تشل أطرافك ثلاثة أيام وتبقيك فاتح العينين تنتظر ملائكة الرحمة لتقبض روحك وتسدل ستار فراشات النور التي كانت تحوم حولك, لم يكن بوسع أمي إلا أن تحملك وأنت بلا حراك, ملتحفا تحت عباءتها, تحملك وهي تمشي بك إلى حضرة الإمام العباس عليه السلام, في صحنه رفعت أكف الضراعة, ابتهلت إلى الله كثيرا ودعت بجاه العباس وراس العباس(الحار) أن يبقي لها الله عادل فلذة كبدها,الأمهات هناك يبكين بنفس طويل, قلوبهن ترتجف ولها صوت حاد تميزه من الأنين المحوم, الأطفال يحتمون في عباءات أمهاتهن الواسعة, بعضهم لف في لفافة بيضاء ولا حراك, وجوههم حائرة وبؤبؤ أعينهن يتسع, تكبر أعينهم كبيضة مسلوقة, وما إن مسحت وجهها بكفيها الطاهرتين, حتى بدأت تدب فيك الحياة, حركت مفاصلك وقمت كمن نشط من عقال!! أذكر أني قفزت فرحة بك حيث ردد الصدى صوت فرحتي وسط الدهشة, فأمسكت أمي بطرف ثوبي لتقعدني فورا, آمرة إياي بإخفاض صوتي فأنا في حضرة صاحب الكف من تخشع له السماوات والأرض ومن فيهن..

نشطت من عقال فكبرت معك شقاوتك..

 كم كنت شقيا يا عادل يوم أن تسورت سياج بستان جارنا حمدان لتنصب لابنته المدللة(حنان)أرجوحة فشلت مرارا  في تنصيبها, يومها ربطت زنبيلا حاكته جدتها نعيمة لتوصلهما بين نخلتين متجاورتين بحبل متين, لم يتناوب على تلك الأرجوحة أحد, كانت هي الأميرة وأنت السلطان, تقبض ساقيها الممتلئتين, تركلها للهواء وتقول لها :ارفعي ساقيك حنان ارفعي.. ارفعي.. ترتفع وتصيح, تبكي بغواية وهي تقول : أقوى .. أعلى..

 تدفعها بقوة وتقول لها : يالملعونة!!

استطاعت أن تركب الفضاء وتنظر الساقية التي طبعت عليها: وجهك الرقيق بيوت اللبن, تنور الخبز, سلال القصب, وأواني الفخار المخمَّرة..طار غبار كثيف غبار تعودت عليه كربلاء وكأننا نحيا به نفسه الغبار الذي كسا سمرة الحسين وخيمة زينب يوم الطف..!!

لم تسمع نصيحة أمي أنت من أَصبت الحُمَّى بالحمى!تحت صفصاف مهجور كنت تلتقي حنان لأول مرة حياتك,جربت أن ترقص رقصة الدلفين فحرستك لصوص الرياح! لتطرد عنك الطيور التي صفقت لرقصتك ووجوه النوارس الضاحكة منك, الصفصاف نفسه لم يندهش منكما لكثرة مرتاديه من العشاق, كيف لا وهو كحقل ذابل لم يصدق كذبة المطر الأبيض, فراح يشعل مع الحطب مزيدا من نار الهشيم, لا فراغ يسد بين ذراعيكما, لم تسمع نصيحة أمي, لقمت ثدييها وتذوقت قبلة المساء, كان لطعمها الساخن قوة جعلت روحك تنسحق تحت صخرة المجراش, فقدت روحك للحظات عاقرت فيها نشوة شفتين مخمرتين, تحت جسدها لم تنسحق أنت فقط, هي انسحقت رغم أنها مخلوقة من اللهب الذي يطبخ قطيعا من الماشية السمينة!

كنت فقط تريد توديعها لحدس مّا طرق خيالك ..

 لفت انتباهك إلى سرعة الموت الذي سيخطفك منها فأردت الانتصار عليه بتذوق قبلة المساء الممنوعة!!

ألا ليت شعري لو رأيتها بعدما اعتُقلْت! لقد خمد لهيبها وضاعت في متاهة العصافير..

 وهل العصافير تتوه!!

من ذلك اليوم وبعد أن فقدنا الأمل في وجودك حيا, صرت خاتمها الضائع وهلعها الدائم ودربها الغير منتهي وعيناها التي تمنت على الله أن ترى النور ولو للحظة واحدة, كأنك قبر مفتوح, جاف ورطب في آن واحد..

 سرُّ من تكون ياعادل؟!!

 وسلطان أي زهرة؟!!

أي نشيج علمتنا إياه؟!!

 أي مطر أنت كي يصل إلى قاع الزنزانة العميقة؟!!

أي حلم احتل يقظتنا؟!!

أي ضوء واخضرار سرقته؟!!

أي مخاض عجَّل بك للموت؟!!

 حين تبهت جذوتك الأخيرة.. لا تبك على نفسك, تنعَّم ببرد الموت وحطب الكلام, فهذا الباب, هذا الليل..يخفي وراءه عينين شهوانيتين لدموعنا الوليدة, دعنا نبكي عنك.. وتفرَّغ أنت لوضع يدك على خد الانتظار كما نضعها على الان على فراتنا المُمَّل وجسورنا الخشنة..

 تكبر فيك الأيام  يا عادل وترسم فيك أحلام شبقة لمدينة تنصلت عن رهبنتك فاغتصبتها أنياب الرماد المحروق في المعابد..

 الأنياب قَطعت رؤوس الرجال ومن تبقى منهم أخصَته  في ساحة المدينة وحين احتج الحليب من خلف ثياب الأمهات, أخرست كل شيء حتى الهواجس, سرقت الزيت من المصابيح, أطبقت على أصوات الثكالى بالشمع الأحمر وتركتهم  وشما يخضب البياض والأفق البعيد, ولأنك قضيت وحيدا في خندقك انشغلت بغيرك..

تنظف الشوارع والثكنات من بقايا أعضاء انتشرت هنا وهناك, غير آبهة لنواحك الأخير ولا لعربدة عوالجك ولا لأغانيك المذبوحة, ما كان منها إلا أن تزج بمراكبك المحروقة في بحر مات من البكاء.. ليتساوى فيه الملح وأسماء المفقودين من الشهداء والأسرى والمنفيين.. واللا جدوى من السؤال عنهم..

وحده سور المقبرة  كان مناضلا معك وصديقا وفيا مخلصا, يلفك تحت جناح ظلمته ليجمعك بحبيبتك حنان بعيدا عن أعين الوشاة والحاقدين, يلبسكما ثوب العتمة لتمارسا طقوس المحبين في لقاءاتهم الحميمة العفيفة, للمرة الأخرى يثبت شجاعته في التكتم على أمرك, لقد حفظ لي عن ظهر ألم بقعة لم أنزلق فيها, إنها المآتم يا عادل هي: ملحمات نكتشفها عادة عند بوابات المقابر حيث الأمهات متسمرات كجراد أصفر, كلهن متشابهات, وجوه شاحبة كالرماد, ملابس رثة ونعال بلاستيكية إما سوداء أو رمادية اللون, لديهن شجاعة غريبة تدفعهن للزيارة في نهاية كل أسبوع.. وكأنهن في كرنفال أسبوعي!!

إذ لا عجب من الفتية اللذين يقبعون خارج سور المقبرة فهم يجرون خيباتهم في عربات أنهكتها قناني الغاز صباحا, يفرغونها ثم يبيعون عليها كل شيء, يطوفون بين الزائرين بمقاهٍ جوالة, سندويشات, سجائر رخيصة, طالطلي, سمسمية, طرشي حامض, ولبلبي برائحة الرارنج الساحرة..

يروجون بضاعتهم بملاحقتك أينما انعطفت, هم نفسهم من يرقص في الأعراس ويندب في عاشوراء ويعدون للجنائز, إنها ظاهرة شعبية ودلالة يجب ألا تندثر, حيث يتسابقون في الصعود أعلى الحافلات الصغيرة يربطون التوابيت وهم يكبرون, يغطونها بالبطانيات الملونة ويرفعون البيارق عاليا وأبواق الحزن الذي ملّهم فافتعلوه!!

هم نفسهم من يتفاوضون معك على أسعار القبور وكأنها قطعة أرض باهضة الثمن, هم نفسهم من يقود عربة يجرها حمار هزيل يحمل أكثر ويسرع لمن يدفع أكثر داخل المقبرة, يسلكون طرقا معبدة بالحصى وقد غصت بالشواهد, يعرفون القبور واحدا..واحدا حيث تتيه العبرات وتقسوا القصص.. أي قسوة يوم أن تدفع أحد الأمهات طفلها وهو ابن العاشرة, تدفعه خارج سور المقبرة ليبيع لها قناني الماء ريثما تنتهي هي من زيارة ثلاثة قبور, واحد منها لأبيه والآخران لأبنيها اللذان قضوا في حوادث متشابهة مثل إعدام أو رصاصة حرب طائشة..

 أحدهم ورطني بسحنته التي ألفت عاهات الزمن, دفعتُ إليه نقودي لأشرب من ماء عينيه, إنها تشبه عينيك ياعادل, عميقة, مالحة ومملؤة بالماء الناطق بالأسرار.. أتذكر؟ يومها عدتَّ متأخرا للبيت, وحين ضربك والدي خوفا من أن يكون سبب تأخيرك أنك(تجدِّي) .. بكيت ملحك الذي فركت منه بضعة دنانير معصورة بالعرق, وهذا ما استطعت أن تبيعه في السوق من الأكياس السوداء التي أبت كعادتها أن تنفذ قبل مغيب الشمس, يومها اقترحت أمي أن يبعث بك أبي إلى هنا.. لتبيع الماء على الزوار والذين ينشف ريقهم تماما فور انتهائهم من الزيارة, فضلا على الهبات التي يوزعونها على أرواح أمواتهم.. فقد كان تكفيك بأن تقرض ساندويشا أو صمونا ساخنا على عجل مدفوعا بقارورة ماريندا باردة, تلك الهبات التي كانت أمي تنصحك بأخذها دون علم من أبي!

فركتُ يده, ومسحت بها دمعتي الأولى, تمنيت حينها لو صافحت أبي وأمي لأخبرهما أني بخير وبأني بجانبك أقف, ولكنهما يرقدان بعيدا عنا في مقبرة السلام, رفعت بصري إلى السماء: عليك السلام يا أمير المؤمنين!

تركني ذلك الطفل متجها إلى زبائن آخرين, لم تغريه السماء الملبدة بالغيوم والشمس التي بدأت تنسل من بينها, كان بوسعه أن يكون مع أقرانه يلعب مثلهم, لكنه لا يستطيع أن يكذب على والديه!!

 أشكك في عدم مقدرتي على التعرف على قبرك, كم تغيرت المقبرة منذ آخر مرة قمت فيها بزيارتك قبل عشرة أعوام.. ياالله!! لقد اكتضت بالقبور وبالصمت معا, البشر هنا استحالوا إلى أرقام قياسية لا يمكن استيعابها والزائرون يزدحمون في الممرات, ليس ثمة أرقام حظ أو جوائز مَّا في انتظارهم, رائحون وغادون وكأنهم في سوق الجنة يتفرجون ولكن دون أن يشتروا منه شيئا!! وهل يشتري الإنسان حنجرته أو قلبه؟

من يؤرشف لنا كل هذا السواد الأعظم؟

هل سينهض الموتى ليطالبوا بموت يليق بهم؟

هل يكفي أن نحيي ذكرى يوم المقابر الجماعية؟!!

كيف لم يقلدوك يا كربلاء حتى الآن منصب مدينة الأحزان؟!!

دعني أستعرض لك يا عادل بعض ما جاء في الإرشيف الحديث, الإرشيف الذي سقط سهوا من ملحمة جلجامش, ذاته الإرشيف قرأته من جريدة وطنية ثم مالبثت حتى فرشت عليها البامية أقطع رؤسها! وألف رحمة على اليّ راحوا! :

مقبرة المخيم وتقع في مركز مدينة كربلاء المقدسة وتم إبلاغ جمعية مراقبة حقوق الإنسان العراقية من قبل شهود عيان عام 2003 وفتحت المقبرة بنفس التاريخ وقد تعرف بعض ذوي الضحايا على أبنائهم وأقاربهم الذين دفنوا أحياء في عام 1991 وكانت المقبرة قد ضمت رجالا ونساء وأطفالا .

 مقبرة الحيدرية وتقع على بعد (50) كم طريق كربلاء النجف, وتم التعرف على موقعها من شهود عيان من المنطقة, الضحايا من الأكراد لذا سميت بمقبرة الأكراد الجماعية, وقد تم دفن الضحايا بملابسهم التقليدية-الزى الكردي- وكانوا أيضا من الرجال والنساء والأطفال ويعود تاريخ هذه المقبرة إلى عام 1991 وتم اكتشافها عام  2003 وقد وجدت آثار لعيارات نارية على البعض من الضحايا, هناك مقبرة أخرى محاذية لها وبذلك تكون مقبرة الحيدرية المسماة بـ(خان النصف) مقبرتين وليست مقبرة واحدة.

 مقبرة المستشفى الحسيني, هذه المقبرة تقع   في مركز مدينة كربلاء المقدسه وتحديدا  داخل المستشفى الرئيسي في المدينة وقد تم التعرف عليها عن طريق شهود عيان أبلغوا الجمعية عن مكانها عام 2003 وتم دفن ضحاياها أحياء.. ووجدت آثار عيارات نارية على البعض منهم.

 مقبرة خان الربع, وتقع على بعد (60كم)على الطريق بين كربلاء والنجف وأيضا تم الإبلاغ عن وجودها من قبل شهود عيان وكانوا ضحايا هذه المقبرة من الرجال والنساء والأطفال والذي دفن البعض منهم أحياء وقد كان ذلك عام 2003 إلا إن المقبرة كانت تعود إلى عام1991  وضمت بجوارها مقبرتين أخريتين ليكون المجموع  ثلاث مقابر في تلك المنطقة.

 مقبرة الطـار, و تم اكتشاف هذه المقبرة من قبل جمعية مراقبة حقوق الإنسان العراقية عن طريق شهود عيان  وتقع هذه المقبرة على بعد حوالي(40)كم على طريق كربلاء الأخيضر في منطقة الطار عام 2003 وكانوا ضحايا هذه المقبرة من الرجال والنساء والأطفال, عملت إحدى المنظمات الدولية في هذه المقبرة وتم فتحها بالكامل وتوثيقها بالصور.

مقبرة الخط الاستراتيجي, وتقع هذه المقبرة الجماعية في محافظة كربلاء وعلى بعد حوالي 5كم من مركز المدينة وتم فتح جزء من هذه المقبرة.

مقبرة حي التعاون, وتقع على بعد حوالي  3 كم من مركز محافظة كربلاء المقدسة قرب حي التعاون السكني

مقبرة حي الشهداء (حي شهداء الموظفين) فى مركز مدينة كربلاء وعلى بعد حوالي 3كم من مركز المحافظة.

مقبرة الوادي القديم (وادي السلام) تلك المقبرة الجماعية في منطقة الوادي القديم وعلى بعد حوالي 1 كم من مركز محافظة كربلاء المقدسة وقد تم فتح المقبرة بالكامل تعرف ذوو الضحايا على معظم الجثث.

 مقبرتي الحي الصناعي, وتقع هاتان المقبرتان في إحدى المزارع المقابلة لمنطقة الحي الصناعي على بعد حوالي  4كم من مركز محافظة كربلاء المقدسة.

مقبرة حي التحدي, تقع هذه المقبرة في مركز محافظة كربلاء وعلى بعد حوالي 4 كم من مركز المحافظة في منطقة حي التحدي المأهول بالسكان.

 مقبرتي الوادي الجديد, وتقع هاتان المقبرتان فى محافظة كربلاء في منطقة الوادي الجديد وعلى بعد حوالي 8 كم على الطريق المؤدي إلى محافظة النجف الأشرف.

 مقابر منطقة الكفل, وهي ثلاثة مقابر متجاورة وتقع على الطريق بين محافظة بابل ومحافظة النجف الأشرف في منطقة الكفل.

مقبرة مستشفى الأطفال, تقع على بعد حوالي 4 كم من مركز محافظة كربلاء على الطريق المؤدي إلى بغداد.

مقبرتي الرزازة, وتقع هاتان المقبرتان على طريق الحج البري قرب بحيرة الرزازة في محافظة كربلاء المقدسة.

مقبرة ميدان الرم, وتقع هذه المقبرة قرب بحيرة الرزازة بالقرب من محافظة كربلاء في منطقة كانت تستخدم كموقع للتدريب على الرماية.

مقبرة دائرة الأمن, وتقع هذه المقبرة على بعد بضع مئات من الأمتار عن مركز محافظة كربلاء في بناية مديرية الأمن القديمة.

مقبرة المقالع القديمة, وتقع هذه المقبرة بالقرب من محافظة كربلاء في منطقة مقالع الرمل القديمة.

 مقبرتي الفندق, وتقع هاتان المقبرتان في حديقة فندق كربلاء السياحي وعلى بعد حوالي  3كم  من مركز المحافظة وكان ضحايا هاتين المقبرتين من الأطفال والنساء والشباب الذين اقتيدوا إلى التحقيق عام 1991 بعد أن أصبح الفندق المذكور مركزا للاعتقال والتعذيب والقتل بعد الانتفاضة الشعبانية مباشرة.

مقبرة سيف سعد, وتقع هذه المقبرة في حي سيف سعد السكني بمحافظة كربلاء وعلى بعد حوالي  4كم  من مركز المحافظة المقدسة.

مقبرتي الشريعة, وتقع هاتان المقبرتان على الطريق المؤدي إلى بحيرة الرزازة بمحافظة كربلاء المقدسة في منطقة الشريعة على بعد حوالي 10 كم من مركز المحافظة.

أولئك الذين ابتلعتهم الأرض ولفظتهم كشاهد على الزمان المر, غير أن هناك من ابتلعتهم دون أن تفلت ذيلا من خيط يدل عليهم ربما اختارات لهم ذلك العدم توثيقا في التأكيد على بشاعة الطريقة التي ماتوا بها!!

في كل مرة يعلن فيها عن مقبرة جماعية يثبت هذا الموت عن كآبته, كم هو كئيب فعلا كشمطاء تمارس الحب على قارعة الطريق دون أن تكترث لرائحة البراز المُتبخِّر من عجيزتها!

قبل أن يعلن عن تلك المقابر الكربلائية يا عادل, شعرت بالطوفان المبكر, يومها سألتني ضفاف وما علامة ذلك؟ فقلت لها أن تفيض المراحيض!!! يومها فاضت كل المراحيض وهَرِمت بغداد بشكل سريع, بخلاف ما تهرم المدن الأخرى.. أخذ الرصاص يرقص في الشوارع بجنون والجنون يبعث بالسناجب لممارسة الحب بمعاناة بين الخمائل الشاحبة, بينما نحن لا نشعر بمعاناة الإنصات إلى صوت الرصاص, كما أن الجلاد لا يطلب من ضحيته الانحناء فسيفه يقطع وردة حياته سريعا.. سريعا قبل أن يستجدي منه الرحمة!!

في تلك اللحظة شعرت بأنني محظوظة!! أتقدم إليك دون أن أتعثر في شراك الموت المنتشرة على مد البصر في مقبرة الوادي الجديد! هذه الشراك التي لا ترحم أحدا, تقوم بمساعدة الخطاطيف لتنهم بشهية, هي والخطاطيف قبل أن يذهب النوم إلى مخدعه: يقتلونه, قبل أن يستحم الصبح في الأنهار: ينحرونه, قبل أن يرتفع الآذان من المساجد: يخنقونه, قبل أن يخرج الصراخ من فم الوليدة: يوئدونه..

 عار على الكلب الناجي من تفجير أصاب موكب تشييع جنازة, عار عليه أن يمشي وحيدا خلف رماد الجثث, عار على الكون ألا يمنحنا يوما طارئا خاليا من أحزان القهوة, عار أن يكون الموت في كل مرة مستعجلا وكأنه يريد أن ينظف جيوبه من كدح النهار, لن يأبه بالصبيان الذين يلعبون في قهقهاتهم في امتداد حدائق بلا أسوار, كما لن يأبه برقصة الهجع الهستيرية والتي يصدرها صوت المذياع, ليست ثمة فائدة من كل المشاهد التي نمثلها عليه, فنحن لا نريد سوى موت يليق بنا كبشر وإحصاء تدرسه الأمم لتتعلم وتأخذ العبرة فقط!!!

أدخل سوق الجنة, ربما كان سوقا للجنة فعلا!! أزدحم مع الزوار, أدخل بين الأشواك الزيتية, هم أيضا يدخلون مقارعين الحزن بفرع أخضر, يلوحون به لموتاهم من بعيد, يزرعونه برفق, بأباريق البكاء يسكبون ماءهم ليسقوه.. يعاتبون الشواهد وهم يتمسحون بها, يعاتبونها على قسوة الموتى اللذين تأخروا في مجيئهم لهم في الأحلام, وحين يرجع الصدى أصوات بكائهم, يجمعون شتاتهم, ويهمون بالخروج.. شحيحة عليهم تلك القبور, يخرجون محبطين من بطانة الموت سيئة الصيت! يشربون كؤوس مسراتهم الفارغة, يخرجون بلا أكياس أو مؤونة تذكر..

 أختلي بك, أقف واجمة.. أحاول أن أجر خطاي الثقيلة, أتنفس أغنيتك في ليلتك الأخيرة, كنت تريد أن تقول لنا شيئا تودعنا به متحاشيا فتح أزرار قميصك لتهذي!! يومها صعدت إلى سماء لا يفصلها عنك سواك فأمسكت بعودك وانحنيت عليه نائحا تغني كما يفعل كريم منصور :

بس تعالوا
بس تعااااااالوا… بس تعالوا
بس تعالوا وفرحوا روحي عذبتني تريدكم

بس تعالوا… بس تعاااالوا
بس تعالوا وفرحوا روحي عذبتني تريدكم
سهري مامر ع الليالي
حالي حال الشمع حالي
والله لو احجيلكم .. احجيلكم..

 من أول حجاية تهل أدموعكم
بس تعالوا…

لو اجيتوا كل عزيز بعمري اطشنه فدى لعيونكم
بس تعالوا لو اجيتو جفوفنا نحنيها
قلوبنا ما تنسى زمنكم بلكت ننسيها
بلكت بختنا يجيبكم بلكت
واشم روايح طيبكم هلبت
هلبت بختنا يجيبكم
واشم روايح طيبكم بلكت
ماصدك حتى لو جيتوا وقعدتوا
عيوني أحس بيها غشى وما كول أنتوا
لأن صرتوا مستحيل
لاتجينوا لابنهار ولا بليل
صرتوا بس ذكرى عزيزه ماتغيب
صرتوا بس جروح بينا وما تطيب
بس تعالوا..

 لو اجيتو كل عزيز بعمري اطشنه فدى لعيونكم..

 أحدهم قطع علي الإنصات لصمت الموتى الثقيل, تراخت قدماه قبلي, جثا على ركبتيه عند رأس قبر دارس, بكى بصوت عالٍ وأخذ يغرز يديه في التراب ويهيله عليه, يولول كالنساء, تطفو على وجهه سحابة ثقيلة من كآبة وحزن, أي جسد ينام تحت هذا التراب يا ترى؟ أهي أمه أم أبوه أم زوجته أم حبيبته أم صديقه أم؟؟ فرك التراب الذهبي حبة حبة.. وبحنجرة ريفية حزينة أخذ بترتيل تعود أن يتلوه في وحدته وسط دهشة القبور منه:

يمـــه يا ااا يمــه

يالحبيبيه يا يمــــه

أنا جيتج يايمه ومالقيتج

ومالقيتـــج.. وانتِ بتابوت الخشب يم باب بيتج

وبيتــــج مالحقت بيج وودعيتج

وودعيتــج عسى قرّبت منيتي ولا منيتج

مينتــــج جان شلون صكيت تابوتج بديّـه!!

بديــــّـه وأنش بيدي عن المنية

عليـــــه عشرتج حلوة جانت يالحنِينه

يالحنينـــه خلافج بعد من ينشد علينه

علينــــه بعدنا بهالعمر تونا بدينه

   بدينــــه ليش من الطفولة تيتمينه

تيتمينـــه وعند راسج جاي تسمعينه

تسمعينــه  حاجيني شتريدين لو ردت ذكرج ياضوى العيـن

العيـــن أعاين على المجان الي بيه تقعدين

يمه يايمه يالحبيبه يايمه

يالجنتي تنادين: بالله خل جهالي إليـّه

إليـــه والله خلها أريد الليلة أعاتب واقل لها

اقل لهـا يالمصايب هاي ما حملها

ماحملهــا مادري منين اجيبن أم مثلها

مثلهـــا أنا الفزيت من نومي واجيتج

واجيتــج وعلى فراشج يايمه ومالقيتج

مالقيتــج صحت يايمه يالحبيبه ونخيتج

ونخيتــج ششفت من دنيتني أنا وفارقيتج

وفارقيتـج وين اهلي يالدار الي ضيعتهم

ضيعتهــم أهم عافوني لو آني عفتهم

عفتهـــم أريد أيامي ذيج الي كضت عدهم

عدهـــم واشلون انطاني قلبي وودعتهم

يمه يايمه يالحبيبة يايمه

يهدأ قليلا ثم يعاود عتابه بالنشيج الذي لو عزف على كمان لتقطعت أوتاره:

يمـــّه!! لويش تركتيني؟

 ألمن أروح؟ ألمن أولي؟

ذنب منو أني أتيتم من بعدج؟

يصير يعني؟ قابل تعوفيني وعشرين سنه ماشايفج وبس من أرجع تموتين.. هيجي.. بكل بساطة؟

يمــــّه, حقج كنت تخافين على رصيدي يخلص من أخابرج, أروح فدوة للرصيد, أروح فدوة ألج يمه, إيه جنت تخافين أسمع صوتج من تبجين, هسه كولي لي الي بخاطرج كله, ماكو أحد يتجسس علينه, المكالمات صارت مجانية.. احجي ليش ساكته.. احجي يالحبيبة احجي……..

التقط غصنا يابسا مكسور, هش به على أحزانه, أخذ يكتب كلمات مبعثرة على التراب, تذكر درسه الأول.. وأصابع أمه التي كانت تمسك بأصابعه الطرية رغم أميتها ومن خلف عدساتها السميكة تحاكي ما هو مكتوب أمامها و تخط معه: دار, دور..

 فأصابته حمى المواويل والدللول:

يا يوم ردي عليَّه يا يوم حاجيني..

يا يوم رد عليه  يا يوم حاجيني..

مشتاق لشوفتج يا يمه, ترى والشوق راميني..

 غريب من بعد عينج يا يمه

 محتار بزماني

 لا هو يرحم بحالي

 لو دهري رماني..

قلبي لو فرح أنت فرحتي

ترد الروح لو يمي قعدتي

يالريحتج طيبة

يالحبيبة يايمه

رتل بشكل هستيري أفهمه وكأن موسكو أو برلين لم تفلح في تنسيته لهجته القح المتبلة بالنواح والأنين.. عفر وجهه الأسمر في التراب, اغتسل به و قبل أن يهم بالخروج أخرج من جيبه قارورة ملأها بحفنات من تراب أمه, رفعها فلمع كسبائك من ذهب.. هكذا يفعل الغرباء إذا!!

أدركت بأني في مصيدة -وردة الأحزان- و التي اشتعلت كالدِّهان!! مصيدة سرقتني منك يا عادل, صدفة ضعت مني وأنا أصوب بصري نحو غبش اللافتات والرقم الطينية المتناثرة هنا وهناك.. أدور حول نفسي أبحث عن قصيدة عنقاء أتوج بها هذا الألم الكافر وهذه الفجيعة المنحوتة, أتصيد ملح الشمس التي بدأت تذوب في حلقي, كأني أريد من يدلني عليّ, على كربلاء التي هي بحجم وطن يسكن كبد السماء, تزاحمني كل الأغاني والمواويل الحزينة التي لا أحفظ سواها, كيف لا نحفظها نحن العراقيين؟ وقد خلق الله الحزن من أجلنا..

 لم أكن مختلفة عن ذاك الذي انتحب عند أمه.. لذا مارست هز رأسي على إيقاع موال حفظه كريم العراقي لكل محزون عن ظهر فاجعة:

يا دنيا انتِ الحرمتيني من أهلي

سكنت الغُرُب من غصباً عليَّه
ادك يا باب و اسأل من عليكم
ضعف صبري و زماني خان بيَّه
شَوَصّفلكم غربتي صدري مخنوك
صوتي مبحوح
دفنتوني بغُرُب و تعالج الروحْ
غريب و كل غريب يتذكر أهله
الام الحبيبة

والدي الحبيب
اخوانـــي
اصحابــي
جيرانــي
احـبابـــي
فَـــــــيِّ البيوت
وك ِمن غيركم دنيايْ تابوت
عذابي فراقكم جنه المنيّهْ

هلي..
مكاني الي احبه بعده موجود؟
حديقتنا بعدها محملة ورود؟
بعدها صورتي تتوسط البيت؟
والأغاني الي احبها من الطفولة؟
لام كلثوم و القُبَّنجي حنيت
للمقهى القديم

 و جاي ابو الهيل
و أبوذياتنا
مقاماتنا
عتاباتنا
و سحر المواويــــــــــــــــــــــل
بحضن دجلة الزوارك هايمة تطوف
و نيران الشواطي

 و سمج مسكـــــــوف

اللــه

الله ينتقم منج يالأيام!!
هلي الطيبين ضاعوا من اديَّه
بيش اعوضهم ياربي

 و انا قلب الطفل قلبي
من يجي براسي هواهم يحرق ثيابي العليَّه

اقرا آيــات و دعائي حنن الغربة عليّه
كل صوركم بجت يمي

 افرجها ربي شلون بيَّه
حقي لو أضعف.. شسوّي؟؟
الأرض مو ارضي
الناس مو ناسي..
الجو مو جوي..
يصير أذل نفسي  واشكي لعدوي؟
يدنية انتِ الحرمتيني من اهلي
سكنت الغرب من غصبن علَّيه
أدك يا باب وأسأل عليكم

ضعف صبري وزماني خان بيَّه

………………………………

الآن.. وبُعيد الانتهاء من الإنصات لنا تسألني المواويل: عجب ألا نفنى مع تلك الحدائق التي ذهبت بأجدادنا البابليين؟!

 أشعر بأن أرواحنا معلقة بالمقلوب, كأننا في أسر الخفافيش الهائمة بنا, ومن فيض هيمانها فينا منعتنا حتى من الكركرة في الظلام, مُكرهين بدجل عفتها, إما أن نبقى متدلين كفريسة سهلة فنموت كالكلاب الضالة أوننتظر أن نتحول إلى دود مُجَنَّح..

 لم أنتظر أن أتحول إلى دودة مجنحة, لذا تظاهرت بالتثاؤب, ارتجفت ثم انفتحت عن زهرة نابتة للتو, خرجت من كم الحزن والبلادة إلى جيب واسع بل وأوسع.. فليس أفظع من أن تسمع ضفدعة تفسد عليك صمت الوادي أو تواجهك لافتة خط عليها بلون أحمر:

 أكتبوا فوق قبري: مات منتحرًا

بحقك أيتها السماء, هل يعربد فينا الموت لهذه الدرجة؟!- أسأل نفسي –

 كنتُ بحاجة إلى البكاء, ولكنه هرب مني, نفسه صُدم, لعله أحس بهزيمته أمام هذا الضجيج الذي أحدثته أنثى الضفادع البشعة لذا تسللت من شِراك البحيرة المتخثرة تحت التراب ولكن طيبتي المفرطة هي من جعلتني أتسمر قليلا أمام المنتحر وأقرأ له الفاتحة..

خرجت من ذلك الشراك وأنا أنفض عن عباءتي الغبار العالق بها كالمسك إلى لافتة غريبة كُتب عليها:

يا دود.. يا دود أكل لحمي وعظمي.. وخلي عيوني السود!!

تبا كيف للعراقيين أن يخترعوا مثل هذه العبارات؟ لم أتصور أن للقبور لسانا طازجا, إنها أشبه بمغرفة كبيرة دارت في قدر القلب.. ودارت حتى أخرجت كل هذا الألم الهائل من العذاب..

 وخلي عيوني السود!!!!

 كلمة واحدة أخرى ليست ببعيدة عن ذلك الشاهد الغريب, كلمة واحدة فقط وأظنها لمجهول لا يعرف من هم ذووه,لافتة كتب عليها بخط مرتبك واضح

( إذكروني).. تقدمت إليها, وقفت واجمة أمام هذا المسجى في ترابه, قبره طويل! ومهجور, يبدو أن صاحبه كان طويلا ورشيقا, ووسيما! الخط كان ركيكا وكأن من دفنه كان على عجلة من أمره! يا لبؤسك أيها الفقير المعدوم لم تمت بسيارة دهستك ولا بفاحشة الكوليرا ولا بمرض السرطان الخبيث وإلا لما هزني قبرك ورماني جاثية عنده!

 أكنت من أولئك اللذين أعدموا بنكتة أطلقتها على السيد الرئيس؟ أم كنت من الفارين من الخدمة العسكرية؟ حتما لم يدفع أهلك قيمة التابوت الذي حملوه إليهم ولا عدد الطلقات التي أفرغوها في جسدك, لذا رموك في كيس قمامة قبالة بيتكم المتهالك كما رميت جثث الكثيرين بلا ذنب يذكر, إنه الموت هنا يمضي قدما ونحن البلد الوحيد المتطور في صناعة الموت ومشتقاته.. يبدأ بتشطيب الأسماء وفق الضرورة ثم يتطور حتى يحصد العميان والطيور والعرفانيين..

أيُّ كَرب ساقني إلى  صاحب هذا القبر؟ أي نجوى؟ أي وحشة؟ لا شيء يربطني به, لا مستند يدل على اسمه, لا صورة, لا إثبات شخصي, لا بطاقة تموينية, لا بطاقة خدمة عسكرية, لا علامة فارقة, ولا وديعة مستأمنة عند حارس المقبرة غير تلك الوصية الكفيلة ببكائي عليه طوال اليوم وكأنه يتعمد أن أتذوق لسعة العظام المكشوفة عن لحمم الوجوه التي  ربما أعرفها وسبق لي أن أكلت معها وشربت!

أذكروني..

 لماذا لم يكتب حفار القبور بدلا منها: هذا قبر عراقي مجهول. ويضع عليه سعفة نخيل يابسة؟ أو قنينة مدهونة بغار سميك؟ كم هو طيب حفار المقبرة وأمين على أرواح الطيبين حين أسدل ستارة الوجع وكتب نهاية الفصول بلون الفحم ليرخيها بطنين السماوات..

أذكروني..

إلهي, لئن أنسيتَه أفراح الدنيا، فإن عزائه فيك بما استقبلتَه من عظيم منك بلقاه، والكشف عن وجهك له يوم المزيد والأمل في رحمتك.. ولئن أبكته صروف الأيام والليالي, فإن عزاءه بكائي عليه عند أعتاب لطفك  وبين يدي جودك..

إلهي ومولاي وخالقي..

لأن أنعمت عليه بنعمة البلاء, فأنعم علي بنعمة الصبر والاحتساب..

إلهي!
أبدل وحشة قبره بأنسك وحر بطن أرضه ببرد نعيمك وضيق مكانه بسعة بابك وزفر الدماء التي تيبست على شفتيه بطيب جنانك وإهانة الموت بعيدا عن والديه بالقرب منك حتى يقتبس من أنوارك وينعم بجوارك..

إلهي ..

إن كنت قد عذبت هذا العبد الفقير في الدنيا فلا تعذبه في الآخرة واجعل له منزلة يدنو بها إلى أنبيائك وأوليائك..

مولاي..
إن كنت قد غفرت له بدعائي فبجاه نبيك وآله الطيبين أسالك أن تجمع له شمله تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ولا باقي إلا وجهك, فإليك أرمي حاجتي وبأعتاب بابك أحتمي وبدعاء نبيك الكليم: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) وبنداء رسولك الصابر أيوب: ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين) أطمع بعافيتك ورحمتك..
إلهي..
يا أقدس الأسرار خبئ قلبه في إناء من آنية خمر الجنة وعلى سفح أخضر متموج دعه يرقص ويرقص! كي لا يطاله سأم الانتظار وساعة النشور..
مولاي….
واجعل ذكراه سلوى للعابرين أمامه وأملا في فقد الذي خسروه وماء بارد على أفئدتهم المحصرمة بثمار الغبار والكآبة والفقدان..

 إلهي..
واجعل لكل من قرأ وصيته وذكره بدمعة أو خفقة جناح نصيب من مروج العشب السارية مع تموج الرياح، ربي وابعث على جسده المثقوب بالدخان: روائح  الزهور التي ما وضعها أحد عليه وأسمعه من حفيف الأغصان.. وتصفيق الأوراق..
مولاي..
أسألك وأنت الذي خلقت فينا الأملُ واليأس و الموت و الحياة والنور و الظلام وأبدعت حين خلقت فينا الأفراح والأحزان أسألك بالرجاء فيك له, أن تفغر له وترحم.. إنك أرحم الرحمين..

مرت غيمة خفيفة فوق رأسي وحطت ثلاثة طيور بيضاء على رأس صاحبنا, حينها وقفت, اعتدلت, نفضت الغبار العالق بعباءتي وشعرت بإعلامي بأن الزيارة انتهت!!

مشيت في طريقي إلى حيث كنت أريد, مستمرة في ترديد وصية ذلك المجهول الذي سلب مني كلمات خذلتني حين انتصبت أمام شاهد قبرك..

 شهقت, قلبي صرخ في السماوات السبع ولهفتي أعادت رجع صوتي: بريقا في عيني الذابلتين وموجا من طيور تنعاني في السرب المموج..

 لا أدري لماذا تذكرت لون قميصك الأصفر؟؟ فقد كان شحوبه يشبه وجهي الفاقع! كأغنية ريفية مخنوقة..

البقاء لله!! وعليك أن تنسى كل شيء يا عادل, عليك أن تفكر بما هو آت, إنسَ أن يعاتبك والدي على بقائك حتى وقت متأخر خارج البيت, إنسَ إشارات المرور التي كادت تدهسك بفضل قناني الماء الذي تبيعه على الطرقات, إنس! لون أظافرك المزيتة بغار الإطارات.. و يدك التي ذاقت لمرة واحدة نعومة الريش حين كنت تحشي به الوسائد في معمل سيد خلف غيلان, إنسَ ورق الجرائد الذي لففت به المواعيد التالفة.. إنسَ القهوة والأصحاب, إنسَ الأحلام الحافية والشموس التي صحوت من أجلها فما جنيت منها غير بائعة لوز تغريك برائحة السكر المحمص وأنت لا تستطيع أن تدفع لها النقود.. وقارئة فنجان تصدقت عليك بنبوءتها, ولما أفرغت لها جيوبك الكالحة أخلت سبيلك بسبابها, إنسَ المفرقعات المفاجئات, إنسَ الخوف والجوع والرؤوس التي فصلت عن رقابها, عليك أن تنسَ الطفل الذي شاب مبكرا, ومص من الرماد حليبه, كن وحيدا كشاطئ غريب لم تطأه سفينة عابرة ولا حتى سرطان بحر ضال!

 تقرفصت وأنا أتهجى ما خط على رخامتك -ما ادخرته لك الحروب-

:

إنا لله وإنا إليه راجعون

“يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي”

الفاتحة على روح الشهيد

 عادل علي مجيد

1964 -1984

 امتدت يدي على رخامتك البيضاء, لمستها بتأنٍ, باردة وأنيقة ولها رائحة لا تختلف عن الزهور البرية التي نمت حول قبرك, داعبت زهرتين نابتتين للتو فابتسمتا, لا أدري كيف ابتسمتُ وتجرأتُ على ذلك في حضرتك!! أخرجت من حقيبتي شمعتين صفراوين جلبتهما معي لك خصيصا من محلَّة الدَّهانة, أشعلتهما ووضعتهما على التربة بكل هدوء..

 وضعتهما كنديم لوحشتك المظلمة..

 واحتراما لتقاليد صمت القبور ورهبة العيون: وقفت أقرأ الفاتحة على روحك كمناجاة ليل لا تنقطع, بعدها أنشدت.. فردد معي صمت القبور :

يوم الفراق بعدكم أبكاني

 ناديت من ألم الفراق بحرقة

 و الدمع قرح بالبكا أجفاني

 هذا الفراق فهل لنا من عودة

 فلقد أزال فراقكم كتماني

 يا ليتهم عادوا إلى حسن الوفا

فلعل إن عادوا يعود زماني

خلعت عني فكرة الخشية من أن يراني أحد فأخرجت بكائي دفعة واحدة, لثمتك من رأسك حتى أخمص قدميك, كدت أختنق بحبات الرمل التي ابتلعتها تعمدا في غسل روحي بك, أحدهم مسح على رأسي, سيدة خمسينية بدينة, فتحت جيبها وأخرجت لي صور أولادها الأربعة والتي أشارت بإصبعها إلى مكان قبورهم المصفوفة, لم تكن بعيدة عنك وكأنها تريد التخفيف من حزني, صبت على رأسي قليلا من الماء وسقتني شربة منه, طلبت مني ببلادة أن أطلب لك الرحمة فقط, فالبكاء الذي بكته الأمهات العراقيات في رأيها لم يعد مجديا في توقف الموت أو تأخره أو في تحسين وضعه على الأقل!!

أدارت ظهرها قائلة:

 كلنا أموات بنيتي والميت ما يشيل ميت مثل ما يكولون..ثم نفثت بآه طويلة.

 حدقتُ في عيني القبر فبكيت وأسمعتها وليتني لم أفعل لتلك المكلومة:

الولد وأولده

والزوج وأوجده

وأخوي من أمي وابوي ما حد يولده

تركت لي فرصة لأعود برأسي خلف تلك الترنيمة العنيدة ولكني لم أجدها, التفتُّ إليك, لم يرد علي أحد, لم أرك مثلا تُطرق رأسك نحوي أو تطوقني بذراعيك كما تعودت منك, شعرت وكأنك تعاتبني على فعلتي مع تلك المرأة الضعيفة.. اقتربت منك أكثر وأسندت ظهري عليك وبدأت أناجيك ببحة قانية كأجنحة حبست في غرفة صغيرة فأخذت تتخبط في رقصة انتحارها البطيء والفانوس يعكس على الجدران ظل الرؤوس النافرة من العروق الزرقاء.. أطبقت أجفاني, مبللة تربتك بمسرَّاتِك! كأني أفترس الحلوى دون الهداية إلى ترميم ذلك القلب البدين بالأسئلة, تفاحة فاسدة: تلك الأحلام التي صورتني محمولة في حصانك الطائر, بل نشيد ميت يردده بوقار: جنّـَازون أطفال.. وجهي رطب بالدموع.. ويد واحدة لا تستره..

أخي عادل, مجيئي إليك حبوى على فتات ذراعي المبتور كان أمنية كبيرة لي وصيد ثمين فوت على لصوص الظلام مناكحة الخفافيش حين بدت لهم فكرة تفجير زوار الحسين كبطاقة دخول إلى الجنة!

 ها أنا أعود إليك ولكن بحشى محروووق.. هذا الإياب يقرض نفسه كدودة تأكل في نفسها حسرة, وذراعي التي حملت إليك يوما ضفاف وهي على كتفي: راحت مع الرايحين! يومها لم تكن ضفاف تعي معنى المقبرة والقبور فأخذت تلعب بينها, تتسلق بعض شواهدها دون قصد, تمسح الغبار بطرف فستانها عن بعض الحروف المتقشرة من أثر مرور الزمن, تركض خلف صبية يفتشون عن الحرامي الذي اختبأ خلف أحد الأضرحة, فتكتشفه قبلهم وهم يضحكون ليتفرقوا بعدها في نزهة غريبة الأطوار, كأنهم يقارعون الحزن بوثبة الحياة! بينما يُفني ذووهم أكبادهم في حضرة من أتوا لأجله.. كم هي مؤجلة أفراحنا كضحاكات المدرسة التي لم يتذوقها هؤلاء السكارى بقروش الزائرين!هي من سحبت أحدهم وأتت به إليك مستجديا بي لأشتري منه قنينة ماء زعم أنه مخلوط بماء الورد المتلو فيه سورة يس لأصبه على زهرة قبرك المثقوب, كانت أمنية سكنت فؤادي مثل طير حبس في قفص لأني أشعر بأنها المرة الأخيرة التي سأزورك فيها.. لن ينفع أن أعاتبك على عدم زيارتك لي في الحلم منذ ستة أشهر فقد تكون مشغولا بترتيب الإقامة لمئات الشهداء اللذين حلوا جيران لكم بعدما لفظهم جسر الأئمة باكيا في نهر دجلة, لا تعتذر فقد أحسنت صنعا بزوار الكاظمية..

 هل فاجأك هذا العدد الكبير من الشهداء؟

لقد قسمنا المحتل إلى شيعة وسنة ثم راحوا يتفرجون علينا.. ولكن كلاهما دخل الجنة رغما عن أنوفهم!!

هل قصوا عليك كيف باغت العدو بغداد؟

وكيف صار الجُعل يُطعم الحيتان من جثة كبيرة اسمها دجلة؟

لابد وأنهم شرحوا لك تفاصيل محرقة الكُهّان السبعة, لقد حفظوها عن ظهر حزن وهم يتمشون على جسر معلق تهتز من تحته سماوات القصب!

سأتلو عليك شيئا من سفر المحرقة*:

سبعة كُهّانٍ من أور..

سبعة حُكماءٍ من بابلَ… سَبعُ أميراتٍ من آشورْ

النيرانُ تُحاصرهم في فردوسِ الوطنِ المغدورْ

يَطردهم وحشُ العتمة… من حقلِ النورْ

…السومريون أَفاقوا من سَماديرِ الرؤى ..

فانفتحت على جَحيم العالم السفليِّ… ألفُ بابْ وجاءَ رَبُّ الجُنْدِ من ممالكِ الحقد..

إلى أوروك…

منتقماً..

فأَشعَلَ النيران في نَخيلها… وأَشعَلَ النيرانَ في الأعنابْ

أيقَظت المليكَ البابليَّ من سُباتهِ البعيدِ..

ضَجَّةُ اللصوصِ في الأسواقْ

وفَزَعت كاهِنةُ المعبدِ في آشورْ

أهذهِ نهايةُ الكون… وهذي فَورَة التَّنّورْ؟!

خائفةٌ عشتار… قانِتٌ تمّوز..

مَنْ هؤلاء؟

انتزعوا الألوانَ مِن ثمارِ حَقلهِ..

وجَرَّحوا الألحانَ… في ليالي الحانْ

نَهبوا ما أبدَعَ الزمانُ.. من كُنوزْ

القادمون من أَرومةِ الخَلِّ… ومن مُسْتَعمراتِ النملِ..

من بقايا مدنٍ منسيةٍ.. من حُقَبٍ وحشيَّةٍ..

من عَفَنٍ في الروحِ..

من عَجينٍ فاسدٍ..

ومن سُلالات الخَراب والخرائبِ..

مَنْ هو انكيدو؟

تَقولُ المرأةُ البَغِيُّ… لم يكن لي صاحباً

ولَمْ يَذُقْ من ثَمراتِ جَسدي… حُلواً ولا مُرّاً

ولم يَكُنْ خِلاًّ لكلكامش… ما رافقَهُ يوماً إلى الماءِ..

الذي خَبَّأَ فيه الجدُّ… سرَّ الموتِ والحياة

…….

تَرتَجفُ النصوصُ في أصابعِ اللصوصْ

تَسّاقَطُ القَصائدُ الأوُلى… كما الأسنانُ في الشيخوخةِ..

اقتربتُ من كاهنةِ المعبَدِ..

كانتْ تَتَخفّى في أزقَّةِ الكرخِ… وكانَ دمُها..

يَمتَدُّ من جراحها إلى فضاء الموت… في المتحفِ

كانَ ناصر بعل يبكي… بَعدَ أنْ جَرَّدهُ الغُزاةُ من خُوذَتهِ

حيثُ رأى الليلةَ… في مواسمِ الأَسلافْ

النارَ والرمادْ

النارَ والرمادْ

النارَ والرمادْ

ليس سوى مرثيةٍ سوداءَ… صارَتْ البلادْ

سمعتُ في غيابةِ المتحفِ… صوتاً يصيحْ

يا أُمَّنا شبعادْ

مَنْ ذا الذي يَطردُنا من لغةِ الملحمةِ الأُولى..

ومَنْ ذا الذي يُحيلُنا إلى تُخومِ الظلامْ؟!

يا أُمَّنا شبعادْ

ليسَ سوى مرثيةٍ سوداءَ… هذه البلادْ

…….

لابد وأنهم قصوا عليك بغداد التي ذبحت بدم بارد, لو تعرف يا عادل كم هو إبريل قاس علينا, يا شهر إبريل أكرهك وأخشاك لأني رأيت فيك وجه الله الغاضب! لقد حولت أمريكا بغداد بحججها غير المبررة إلى حفلة ماجنة يردح فيها جنودها المشاة أولئك أبناء لآباء غير شرعيين!!

يدخنون أعذاق التمر الذي لم يتعودوا على طعمه السكري لذا تراهم يبصقون كثيرا ويطلقون الرصاص على كل من يعبر من أمامهم, غير عابئين بالأجساد التي ستثقبها..

ليسوا أولئك يا عادل من شاهدتهم في الأفلام يتشافهون, ولا أولئك الذين يرقصون في أعياد رأس السنة, إياك إياك.. أن تأخذنك عيونهم الزرقاء إلى مشارب الجمال, أولئك

* للشاعر حميد سعيد

الذين يتلون القرآن بكل حرفية في جوامع وصوامع وزرائب بغداد النظيفة!! يعلنونه من مكبراتهم الصوتية:

-اقتلوهم حيث وجدتموهم-

 كل من هو خارج المنطقة الخضراء رعاع قذرون وإرهابيون يجب سحقهم هذا هو شعار المارينز الجدد, أي شعب هو أعظم بساطة من أولئك النائمين في فرشهم آمنين وهم يتزفَّرون حرقة على من فقدوه في الحروب أو من فرَّ من نيرانها إلى غربة طويلة؟ أي قانون يحرم أن يترجل العراقي على أرض وطنه؟ ألأنهم مشوا على تراب وطنهم استحقوا كل هذا الموت..؟ وكل هذه البشاعة؟ كل هذا الإرهاب الذي لا يميز بين الجاني والمجني عليه, بين من يقود سيارة أجرته ويعصر عرق دنانيره الرطبة المدعوكة بالملح الأسود… يقدر ما سيشتريه من اللحم بمشقة, فهذا يومه السعيد يوم اللحم الذي تحتفل به بطون أطفاله, يحتفلون به مرة واحدة في الشهر, الأغراب اللذين استوطنوا جنة عدن, ينظرون إليه من خلف زجاجهم النظيف, أحدهم يأمره بالوقوف, هو لا يفهم إشارة ذلك الأمريكي المتعجرف:أن توقف؟ وعليك أن تتخيل فقط كيف تهان في بلدك من محتل اعتاد أن يذلنا بجبروته حتى ونحن في أقصى الحاجة إلى رغيف الخبز البارد وإلى حليب منتهي الصلاحية, هذه أمريكا! ربة الكون العظمى, ربته التي تمرضه وتشفيه, تطعمه وتسقيه, تميته وتحييه حسب ما تتطلب حاجتها الشيطانية المسكونة فيها, لقد عودتنا على الحروب وعلى الحصار حتى اعتدناه وصار الأمان هجينا علينا.. ولكن ثمة من لا يستطيع السكوت أكثر..الشهيدة: ليلى العطار, هل تعرفها يا عادل؟!!

كيف أسألك عنها وكل النساء في العراق ليلى وهي التي على امتداد البصر تعانق الأغصان الرطبة والتراب والشجر ثم تستريح على وسائدها الملونة  في عالم لا يزول وخلود لا تؤجله سوى صفارات الإنذار التي تعلن دائما عن أرواح لا تتنفس تحت أنقاض السماء المرتبكة, ها هي ليلى تبصق في طهر الأخيار نكاية في عالم تريد أن تتطهر منه أكثر, وحدها يا عادل من عرفت كيف تُرعب القاذفات الصاروخية وتذل جورج بوش المجرم, تذله بالانزلاق في نفاياته.. هي لم تعد تحتمل كل هذا العذاب لذا قتلوها!!

بوش؟ عرَّابُ المجازر ووريث الشيطان الأكبر, اشتهائي حتى العجز, بستانيٌّ يكنس بذور القطن الطازجة بلحيته ويؤجج بها الجحيم.. ثور مخلص من الدرجة الأولى في حديقة عزرائيل الكبرى, جشع لا تكفيه خبزته, لذا تراه يتسلق خلسة جدار بستان جاره ليضم نعجته إلى نعاجه, يسرق رغيف الأيتام وحليب الأضرعة, يحاصر أوردة المرضى الصفراء بأدوية باهظة الثمن وفوق كل هذا الجشع, يقايضنا عليها بنفطنا!

ليلتهمنا دفعة واحدة دون أن يحاسبه أحد أو يتذكرنا في شربة ماءه الباردة..

 يا الله!! جميعهم يركعون له ويسجدون, يمررون من مؤخراتهم أساطيل ترمي بشررها ملجأ العامرية الكبير- العراق- دون أن يخجلوا من عوراتهم المكشوفة أمام العالم المتحضِّر, كيف لا ؟ وهو الذي يفاخر بنسائه العرايا على الشواطئ دون أن يتفقد عينيه التي تحولت إلى شمع بليد..

بينما تتفقد أنوف الأمهات في بلادي رائحة ذويهم الذائبة في الوسادة أو في قطعة ملابس أو في حذاء غنم بأشلاء ممزقة من قدم محترقة, أولئك العُزَّل بشرفهم, الشيوخ الناسكون والأطفال الحالمون بالأراجيح..

 لم يسمع أحد صراخهم إلا بعد فوات الأوان, لقد خرق القصف الأمريكي قانون الكون بأكمله فأذاب الأصوات المستنجدة وحول الملجأ إلى غابة مهجورة يسكنها مصاصوا الدماء, حتى غدت غير واضحة الملامح بعد أن ذابت جلود الضحايا بين سنين نبتا للتو لرضيع كان مشغول بمص اللبن من أمه الشاهقة بالموت.. اللعنة على أبوك  وعلى كل الي خلفوك يا بوش

 ألم يكن هؤلاء محصنين؟؟

شنو ذنب الأطفال؟

شنو ذنب النساء..؟؟

لماذا يبقى العالم المتحضر صامت؟

ألم يسمع ذلك المكلوم وهو يصرخ أمام كاميرات الفضائيات: أبو الكامرا صوِّر رحمة على أبوك, بناتي ثنين جوا راحو كلهم بالمذبحة كلهم ماشفتهم!!

أنظر أيها العالم لماذا لا تنطق؟

لا يستطيعون حتى التعرف على جثث أحبابهم..

ذابت الجلود والأكباد وتحول الملجأ إلى متحف لصور الشهداء وبقايا لحم ملتصق بالجدران ومقبرة رمزية وضريح مناسب للبكاء, هناك هرب البسطاء من الجحيم إلى الجحيم!!

أي إنسانية في لغة العالم الجديد

ناموا احبابي ناموا

نوم الهنا نومتكم

فلا حصار بعد اليوم لا قنابل ولا بعوض بحجم الطائرات, وكل ما علينا هو أن نتذكر ..

  • نتذكر ماذا يا عادل؟ ها؟ وكل حياتنا أضحت فتات وبقايا من نور يأخذ في الاضمحلال والخفوت.. دعنا إذا نجوع أكثر ونذوب في المشكاة.. دون أن يكترث لنا فحش الأغنياء ودمع القائمين في المحراب! دعني أغني لك شيئا من جراحاتي فأنا أعرف بأنك تهوى وتتقن الإنصات إلى الجراح كما يفعل بنا كريم العراقي وما أكثر الكرماء عندنا:

تذَكَّر..

تذكر كلما صليت ليلا

ملاينا تلوك الصبر خبزا

على جسر الجراح مشت وتمشي

وتلبس جلدها وتموت عزا

تذكر قبل أن تغفو على أي الوسادة

هل ينام الليل من ذبحوا بلاده

أنا إن مت عزيزا

إنما موتي ولادة

قلبي على جرح الملائكة النوارس

إني أراهم عائدين من المدارس

باتت جبينهم المآذن والكنائس

كتبوا لكم هذا النداء

وطني جريح خلف قضبان الحصار

 في كل يوم يسقط العشرات من أطفالنا

إلى متى؟

   إلى متى هذا الدمااااار!!

جفت ضمائركم ماهدَّكم هذا النداء؟ هذا النداء رقت له حتى ملائكة السماء جفت ضمائركم!!

في مدخل فندق الرشيد يا عادل, رسمت ليلى بالفسيفساء لوحتها تعبيرا عن غضب إله العامرية! هناك تستطيع أن تطأ الشيطان بوش بشحمه ولحمه بدمه الناطق على جدران ملجأ العامرية.

هناك في مكة نُصبٌ إسمنتي للشيطان بأحجامه الثلاثة, يرشقوه بالحجارة وهنا في بغداد: مداس مقدس!!

في تلك الليلة..*

 كانت تسهر في مرسمها

 تتصيد من بعض كنوز أصابعها

أقمارا

وسحابا

 وفراشات..

 لكن الألوان اعتكفت في حُق الكحل..
ونامت في برد النسيان أو بعد الألفة..

احتلونا يا عادل احتلونا نشروا ثعابينهم واحتموا كالجرذان في مدينتهم الأم  –خضراء الدمن- والتي أسموها بالمنطقة الخضراء, أقاموا حكومتهم المؤقتة هناك, طوقوها من دجلة الخير! تنظر إليها من سورها العالي وتتـرحم على  جسر الجمهورية من جهة

  • للشاعر حميد سعيد

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.