علي المسعود : رواية (قلب اللقلق) أنتصار لإنسانية الإنسان وحقه في الحياة

ali almasodعن دار فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة، صدرت أخيرا، رواية «قلب اللقلق» للكاتب والشاعر العراقي زهير جبوري، تقع الرواية في 171 صفحة من القطع المتوسط، وصمم غلافها الفنان ستار نعمة.
يتصدى في متنه الحكائي لفترة زمنية في تاريخ العراق, حيث يبدأ انهيار الإمبراطورية العثمانية في نفس الوقت الذي يجعل دخول القوات البريطانية العراق أمام مفصل تاريخي, سيكون له تأثيره السياسي والاجتماعي والاقتصادي الكبير, في تلك المنطقة يتحرك بطل الرواية, ممثل الشارع, شخصية تحوم بلطف في فضاء التصوف الواسع, يدوّن في كل حركة من حركاته, موقفا اجتماعيا أو سياسيا, غير عابئ بالقوانين, مستسلما لصفائه الداخلي الذي يجعله متصالحا مع نفسه, الأمر الذي جعل قلبه أكثر قوة في مواجهة كل أشكال الموت, اللقلق بطل الشخصية هو طائر الحب والحرية, الذي يحلم بأجنحة ترفرف متحديا منطق الجاذبية, وقوانين الواقع.
و تميزت لغة زهير الجبوري بالخرق العنيف الى اللغة الطبيعية الواقعية المباشرة فهي لغة مفرطة في الانفلات بالفاظ خارجة عن المالوف ولكنها تتناغم مع طبيعة الشخصية الرئيسية (اللقلق) التي رسمها الكاتب بحرفنة ومهارة. في حين تجد في مكان أخر لغة، تعتمد كمرتكز بنائي على الجملة الطويلة المركبة. المتطلبة لنفس خاص في القراءة ومراس احترافي في الفهم والاستيعاب, فالكاتب تعمد الى حد المغالاة في توظيف لغة المجاز والمشابهة والترميز والتكثيف والانزياح لتشخيص أحداث ومواقف مختلفة مطروقة بإسهاب (موضوع الحرية –

الروائي زهير الجبوري
الروائي زهير الجبوري

الظلم- الفوارق الطبقية – والاستغلال -الدعارة.. انهيار الإمبراطورية العثمانية) الخ . وهي تيمات باتت اليوم من “الكليشيهات الابداعية”
واعادتها الى مقصلة الفن الابداعي يتطلب عمقا في المناولة الفكرية اكثر من الطرح البلاغي. لكن هذا لا يمنع من كون الكاتب غاص في جمالية اللغة ورونقها مما ضمن للنص جمل مميزة تبهر القارئ. ومما يزيد هذه الفسحة الابداعية رونقا وطراوة كون الكاتب اعتمد على خرق مفهومي الزمان والمكان بذكاء المبدع المتمرس، فلا الزمان في النص زمان بمفهومه الفيزيائي ولا المكان مكان ببعده الجغرافي بل هما خلطة ابداعية تنسج مشاهد درامية ممتعة خارج سقوفها الزمانية والمكانية. لتبقى المتعة الفنية والجمالية الابداعية اكبر مكسب يحسب للكاتب العراقي زهير الجبوري. والنص كنز لغوي ثمين. يحفظ اللغة مرتبتها المقدسة في الابداع الأدبي.. واثني على ذاكرة وخيال الكاتب في وصف مدينة الكاظمية في فترة نهاية الاحتلال العثماني من القرن الماضي.
وما يميز الرواية أيضا الوصف الفني الدقيق للاماكن، للأشخاص، للأزقة، للحركات، للسكنات، وحتى للملابس. وبأسلوبه الشيق جعلنا الجبوري نشم في روايته رائحة النهر ودجلة بالذات, واستطاع اللقلق ان يرسم لنا خارطة للمحلات الغافية على نهر دجلة من البارودية والحيدرخانة وباب الاغا وعكد النصارى والسنك وسوق الصفافير وسوق البزازين وسوق الشورجة, كما جعلنا نعيش طفولتنا من جديد بين أزقة باب المراد الغربي وسوق الاستربادي وطقوس الزيارات المقدسة ومراسيم تلك الزيارة. لقد فتحت رواية “قلب اللقلق” للكاتب والشاعر العراقي زهير الجبوري الباب على مصراعيه للوقوف على هنات وكبوات المجتمع وتطلعات شخوص روايته الحالمة حينا، والرافضة أحيانا أخرى للظلم، والقهر، والتهميش، ساخرة من الأوضاع، مادام قاسمها المشترك هو الإرتواء من معين المرارة المستدامة لذا، فدخول ممالك “قلب اللقلق” هو سفر مثير في عالم من الضحك، والسخرية، والبكاء، والتأمل، والحكمة. عالم يعج بكثير من المتناقضات، والفواجع، والأسرار، لكنه محفز بشكل كبير، وإذا كانت الرواية في دلالاتها السياسية تعبير عن الطبقية، والسيطرة، وبعد الحكام عن هموم المحكومين، فإنها في المجال الثقافي تعبير عن فكر مرتبط بالواقع، وبعيد عنه في نفس الوقت !!!، في حين اتخذت الدلالة الصوفية لشخصية (اللقلق) وجها معقدا، ” فتناول الإنسان كظاهرة اجتماعية او سياسية أي كنتاج ثقافي.  لكني أقف عند معلومة و ردت  في الصفحة ( 86 ) والتي أشار الكاتب في احدى الحورارت الى دكة رشيد واعتقد انه يشير الى دكة ابن رشيد حتى لا يقع القارئ باللبس من دكة رشيد عالي الكيلاني حتي وان اختلف الزمن أكثر من ثلاثين عامأ. والحقيقة انه حلت على بغداد الكثير من المصائب من بينها تلك الحرب التي وقعت اوائل القرن التاسع عشر بين ابن رشيد وابن سعود. كان ابن رشيد احد قادة الجيش ابان حكم احمد فيضي باشا احد ولاة بغداد بالوكالة وحُضيَ بدعمٍ وتأييد منقطع النظير من قبل العثمانيين حتى جهزوه بالسلاح والمأونة لكي يكون محاربا شرسا على خصمه ابن سعود، الا انه لم يحقق ما كان يصبوا له العثمانيون وباءت محاولته بالفشل الذريع، فطول الطريق الممتد بين بغداد والرياض ادى الى استنزاف قوة الجيش ومات اكثرهم جوعا وعطشا. وكنت أتمنى على الكاتب أن يكون حواره أقرب بكثير الى المحكية وأن يبتعد قدر الإمكان عن المفردات غير المستخدمة في العامية او العبارات البذيئة.
kh zuhairوأنا أقول ذلك وأعلم علم اليقين بأن مسألة الحوار في النتاجات السردية العربية من أعقد المهمات على الكاتب، و من المناسب هنا أن أشير إلى أهمية السخرية او ما يعرف( بالكوميديا السوداء ) في العمل الفني وليس بالضرورة على طريقة غوغول أو التركي نسين، ولكنها لا بد أن تعكس حياتنا الواقعية بكل ما فيها من مآس وأحزان وأفراح. إن الحكمة البليغة اتي نستسقيها من هذه السخرية تؤكد حتميتها انطلاقا من توابث مركزية، تضع طعنة الكلمة والموقف حتى ولو كان ساخرأ في مقابل طعنة الحسام لندرك أن الكلام أشد وقعا من الحديد في الأثر والألم والعنف، يفصح الكاتب على لسان بطله (اللقلق) فلسفته في الحياة حين يتحدث عن المقدس فيعرفه بشكل يعبر عن نظرة (لقلق) الى الحياة :
((ما هو المقدس؟ كان يسأل نفسه دائمأ ثم يجيب بوضوح تام: الكائن ألآدمي هو اعظم المقدسات, حريته, إنسانيته وكل ما يعبر عن احترامه وحقه بأن يعيش الصيغة ألآدمية )
في هذا الطرح وعلى اعتبار أن ” فعل الرواية ..عمل فني ذا خصوصيات فردية (و) يبقى واقعا مبدعا باللغة وفي اللغة له فرادته وفتنته وهويته مما يجوز لنا معه القول إن كل شخصية من شخوص الرواية هي واقع ورقي يتماهى أحيانا مع واقع الناس ..ولكنه في ذات الوقت ينأى عنها بعيدا في اقاصي التخييل والحبك السردي فينفلت الكلام من زمنه ومن أفضيته ولا يبقى بينه وبين القارئ غير المعنى المفتوح على التأويل” وينجح الروائي (زهير الجبوري) في أن يفتح المجال على مصراعيه للتاويل أمام امتداد مساحات من البياض ونقط الحدف وهذا التقاط الذكي. لقد شكل البياض والذي تجسد في قلب (اللقلق) سحرا وتمتعا سواء أمام المتلقي ويتطلب
قدرات هائلة وجرأة للتاويل المناسب والدقيق ، واجزم في هذا الصدد أن ” البياض لغة، الفراغ لغة المعضلة يكمن في حسن توظيفه ، ورواية ( قلب اللقلق ) لها ارتباط بالشرط الإنساني، والخطاب المنفلت على الدوام ، لأنه من الصعب جدا الكتابة بكثافة مطلقة، وتركيز كبير، وتضمين قيم إنسانية، فنية، وجمالية، وصور آسرة، وبليغة بعمق مطلق، إن لم يكن كاتبها من طينة خاصة ونادرة. وقد استطاع الكاتب ان يمسك بالعلاقات الاجتماعية بين شخوص الرواية. وفي الرواية يتدخل السارد من خلف ليسير الحوارات بين الشخصيات انطلاقا من رؤية السارد وكأنه يوزع الأدوار على شخصياته،ويتتبع بتمعن كيفية أداء هذه الأدوار، بجرأة عالية استطاع السارد كشف اللثام على مجموعة من المشاهد الساخنة و الجريئة بلغة ترقى بذائقة القارئ،إلى درجة أن السارد يختم كل مشهد من مشاهد روايته بلقطة شفافة وفيها حس انساني تجعل القارئ يتعاطف حتى مع روعة روح الراقصة جرادة مثلآ والتي تنقل القارئ من السرد الروائي إلى السيناريو المسرحي. “اللقلق” الشخصية الرئيسة في النص، هذا الغارق في الواقع حد الجرح، المملوء بإنسانية ودفء عاشق متفرد،رغم كل ما يعانيه, وتنقلنا رواية “قلب اللقلق” إلى أجوائها المختلفة وهو حالة الحرب وموقف اللقلق من الحرب والظلم والتعسف في ظل الحكم العثماني ويكون سلاح اللقلق هو السخرية من الجندرمة ومن الوالي فالكتابة الروائية هنا لها بعد ورؤية إلى العالم ، رؤية مبنية على الصراع والتناقض،
الكاتب زهير الجبوري روائي يحمل هموم المجتمع ويخوض غمار قضايا مصيرية تصادفنا كل يوم في حياتنا المعيشية، إنها قضايا هامة يحملها الروائي في مخيلته ويعبر عنها أدبا في أعماله الأدبية لآننا نعجز عن نقل هذه المعاناة الى مجال الكتابة ألادبية.
وفي الأخير يمكن أن نقول بأن الأديب زهير الجبوري عندما كان يسرد الرواية كانت عينه على الواقع وقلمه على الصيغة التي يعكس بها هذا الواقع المتردي والمتشظي ، رواية تنقل الواقع بلغة أدبية جميلة، تميزت بقاموس خاص ميز كتابات الأديب الجبوري وسطرت له خطا بارزا في مجال الكتابة الأدبية ،كتابة تعبر عن كيفية فهم الروائي المحترف طريقة نقل هذا الواقع دون الوقوع في خطابات أخرى غير أدبية، كتابة تملي عليه كيفية استخراج المعاني والدلالات و المقاطع الفنية والمشاهد المعبرة، رواية تحكي المكبوت في نفس البشر وتعبر عنه بلغة أدبية تمزج بين شعرية المقاطع الشعرية ومنطق ونسق الكتابة الرواية، لغة تمتزج فيها الأزمنة بالأمكنة وكأن الزمان والمكان واللغة شئ واحد، إضافة إلى تعدد ضمائر السراد ومستويات خطاباتهم، وقدرات تلقيهم وأوضاعهم الإجتماعية، وتكوينهم الثقافي وتمثلهم للظواهر وتفسيرهم لتداعياتها وامتداداتها في الزمن وانحصارها, في حين يحيلنا سلوك وحركة “اللقلق” على أبعاد ودلالات أخرى/ السياسية / الثقافية / الإجتماعية ، لتفرز نظرة انتقادية تعطي مفهوما مخالفا ومغايرا للعالم والظواهر والأشياء من خلال اللعب على المعنى والبناء حتي يفاجئ القارئ بالسؤال:
(راودته فكرة غاية في الغرابة دفعها سؤال وجهه لنفسه:هل اللقلق حقيقة أم خيال؟ هل كان محض ذريعة أخترعتها التحولات التي تنقاد لها سريرتي)!!
لقد انتصرت رواية (قلب اللقلق) لإنسانية الإنسان وحقه في الحياة واتخاد القرار واحتفت بالسعادة وتقديس حرية الفكر، وغنت للحرية وكانت لها موقف بالضد من الإستغلال والخنوع وسيادة التسلط.. لتؤسس بأفكارها ومواقف شخوصها الجريئة لكتابة رواية لكنها مغايرة غايتها تحقيق عدالة اجتماعية ورؤية جمالية واضحة المعالم للحياة والإنسان على السواء.

الكاتب
علي المسعود
كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد الاحمد.. السرد المشوش؟

*الاضطراب الذي يصاحب الافكار، وبحسب ما يشير يونغ، انما هو غياب تام لتحديات الوعي، وبلبلة …

صباح هرمز: رواية بيريتوس لربيع جابر

تبدأ الرواية بالسرد الذاتي على لسان الشخص المزمع أن يكتب هذه الرواية، بوصفه روائيا معروفا …

جغرافية المكان في الشعر العراقي
قصيدتا الشاعرين: الزويد وسرمد أنموذجاً
بقلم: د. وليد العرفي

تهدف هذه المقاربة إلى دراسة دلالات المكان بما يحمله من إشارات رامزة ومضمرات تكشف عن …

4 تعليقات

  1. ماجد مطرود

    أنا كنت قدقرأت الرواية هي فعلا رواية جميلة تستحق القراءة وانها تجربة رائعة للرواية العراقية على الرغم ان زهير الجبوري كتبها في ضروف استثنائية كما انها تجربته الاولى في عالم الرواية لكنه نجح فيها نجاحا ممتازة وقد استطاع الناقد علي المسعود في قراءتها من زواية دقيقة تستحق الوقفة والقراءة فالف شكر للكاتب زهير الجبوري وللناقد الثاقب علي المسعود على فتح نوافذ جديدة للقراءة متمنيا من كل قلب المزيد من الابداع والتألق لكلا المبدعين زللكاتب هير الجبوري وللناقد الثاقب على المسعود

  2. زاهر جاسم محمد

    يتبين لنا عند قراءة كتابة الناقد الجميل الأستاذ علي المسعود لرواية «قلب اللقلق» للكاتب والشاعر العراقي زهير جبوري ,بأنه أخذ على عاتقه .أيصال فكرة الكاتب عن تلك الحقب التاريخية ومارافقها بما يريده ويعنيه الكاتب زهير الجبوري وهي بحق جديرة بالدراسة لما لها من تأثير كبير في تاريخ العراق لاحقا وماعاناه العراقيون من ظلم وجور وقهر على مر السنين ..تحية كبيرة للأثنين القاص والناقد وكلاهما كان رائعا في سرده للأحداث

  3. علي المسعود

    الشاعر الجميل ماجد مطرود اسعدني مرورك و قراءتك للمقالة و يشرفني تقيمك لانه صادر من مبدع وشاعرجميل محبتي لك

  4. علي المسعود

    العزيز زاهر الرائع انا سعيد بمرورك و اتشرف بكلماتك الغالية وقراءتك الذكية لمفردات الدراسة و الرواية الاثنين معأ, لك مني مودتي و تقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *