مجيد الأسدي : قراءة في رواية(6 أيام لاختراع قرية) للروائي علي عباس خفيف

majid alasadiهذه رواية ملتبسة تثير اشكالية معقدة يستند فيها الخيال على الأسطورة والخرافة والوهم.تأتي الإشكالية من جعل الوهم واقعا تسرده احداث غرائبية لا عقلانية.
ان الكلام عن (المشغل السردي) وذكر أشخاص لهم حضور حقيقي بيننا يتبنون نقاشا بين مؤيد ورافض فيما اذا كان ممكنا  (في الحكي)حديث الموتى وتكلم الصغار لغة الكبار!وأنا أتساءل ببراءة فيما اذا كان حديث (المشغل) حقيقة أم انها محاولة من الكاتب لتبدو الأحداث واقعية ومن ثمة ينطلق في سرد حكايته؟وهذا ما أراده ليأخذ بيدنا   في رحلة عجائبية يموه فيها شخصيته كسارد محايد لا علاقة له بمسار الأحداث وإنما القاها على راو تسيطر عليه الوساوس والهلوسات اختار له اسما من أعضاء(المشغل) و(كاظم مظلوم نجم) –الذي يكرر الكاتب اسمه احدى عشرة مرة في ثلاث صفحات!- وهو شخصية شبحية تخيلها الراوي- تجالسه قرب النهر وتروي له أحداثا لا وجود لها –كصاحبها- الا في مخيلة (ناصر) وهذا يقودنا الى راو وهمي آخر يمتلك أسرار الحكاية كلها ..انه الصبي صاحب (مفكرة الأحلام) /الخرافة..
نحن –اذن- ازاء حكاية تختلق فيها الأسماء لتطلق على شخصيات شبحية غير موجودة إلا في مخيلة السارد(المحايد) الذي يتفنن في اضفاء الواقعية على الوهم وعلينا أن نسايره كي نفك مغاليق (حكايته) التي بدت واقعية بأسلوبها وسردها مع اننا لا نصدق ان هناك (مفكرة) ولا صبي اسمه(بريس) هناك قرية جنوبية زالت وانزوت وها هو السارد يزيل ما انهال عليها من ركام قديم بأسلوب شيق متين وسرد متمكن حتى ليبدو انه يقول الحقيقة على لسان أشخاصali abbas khfaief عرف كيف يخترعهم…
تقول الناقدة (يمنى العيد) وهي تتحدث عن شخصية (أوديب) الملتبسة في مسرحية (سوفوكلس)((ان شخصية أوديب المأزقية تخفي هوية الراوي المتحكم بالنص ,أي بالقول فيه,حتى ليبدو المنطق الذي به تترابط الأفعال,في هذه الحكاية منطقا ملتبسا,وربما أغرى بنقيض له..))1
تستوقفني عبارة الصبي لناصر(-اكتب,لا يذهلنك الحديث (عن بيت سنحة) فقد عاشت هذه القرية قرونا كقبر, أو كشيء خرج من الكوابيس أو انبثق من المستحيل) لم تتشكل هذه القرية الا بعد ان حط(السروجي) رحاله فيها .وهو بعد شخصية يمتزج فيها الغموض بالتناقض!فبالرغم من مساعدته لأهل القرية وتنسكه ,قام بسمل عيونهم بصقوره التي سملت عينيه هو الآخربعد مماته !أليس في هذه الظاهرة تلميح الى انعدام البصيرة وعدم رؤية الأشياء على حقيقتها كما أراد(السروجي) لأهل القرية؟ بالمقابل نواجه غازيا آخر يقتحم القرية بوسائله الحضارية حيث يمخر مياه النهر بزورقه البخاري حاملا كامرته وكأنها(الشمس) كما تقول ام الصبي,يمسح بها عناصر القرية ليتمكن من السيطرة عليها عن طريق أعوانه (الغريب,حامل الهراوة) الذي يقضي على سطوة (السروجي) بقتل الصقرومن ثمة يتوسط المجلس في (الديوان) منتزعا السيادة من شيخها الأصلي.

kh ali abasوهذا الاستطراد والقطع المتعمد لأحداث الرواية  من كلام عن (افراسياب) واستقلاله عن الحكم العثماني ثم وقوفه بوجه الأطماع الفارسية )وثورة (ابراهيم بن المهدي)ضد الحكم العباسي وما تبع ذلك من مجازر وتلال من القبور الجماعية ,ألا يحيلنا الى ما مرت به هذه القرية من أهوال؟!وما ذا يعني كلام (قصي الخفاجي) للسارد المحايد انه كان يتمنى((أن يبقى ناصر قوطي) تحت ذلك التأثير حتى النهاية…لكي تمتليء القرية بأرواح الغرباء والذئاب المحطمة الرؤوس والصقور الميتة والعوران الذين ينقر عيونهم الصقر وتبقى تنز طيلة حياتهم سائلا أصفر حتى نهاية الخرافة))
السؤال الذي تثيره هذه الرواية :ما الذي يرمي اليه المؤلف من وراء كتابتها ما دمنا نعرف أن لا كتابة تخلو من هدف والا فلا داعي للكتابة أصلا؟
خلق الرب الكون في ستة أيام واستراح في اليوم السابع.أما ناصر قوطي أو سمه ما شئت فقد اختلق القرية الخرافية في ستة أيام ولم يسترح,بل انهاها بلوحة مضببة تدون مآسي العراقيين من (نبوخذ نصر) و(طريدون) الى جرائم المقابر الجماعية.
يشير (امبرتو ايكو) انه على الكاتب ان يترك القاريء يستخلص النتائج التي يريدها ((لأني أعتقد أن الروائي ليس مرغما على تقديم تأويلات لعمله والا لا فائدة في كتابة روايات ,اذ ان هذه الروايات هي أساسا آلات لتوليد التأويل))2
وانا أنهي قراءتي لهذه الرواية الأشكالية,أعترف أني شعرت باللذة لأجوائها الغرائبية وتشجيعها للمتلقي بالتوغل في أعماق أحداثها..انها رواية تستحق أن تقرأ وتستحق أن يتعب القاريءمتوغلا في أجوائها…
—————–
1-(الراوي/الموقع والشكل)ص11
2-من مقدمة (اسم الوردة)

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *