شوقي يوسف بهنام : حجازي والبحث عن السيدة ؛ قراءة لقصيدة (الطريق إلى السيدة)

shawki yuosif 5يواصل الشاعر ( احمد عبد المعطي حجازي ) في الإعلان عن همومه وعذاباته ويبدو أن الإعلان لم يؤدي إلا إلى المتاهة ، فقد ظل في رحى هذه المتاهة ولم يجد من يمد إليه احد أي يد . ولكن مع ذلك ظل يسير في الدرب رغم كل شيء . وها هنا ، يعيش الشاعر هما من هذه الهموم .. أعني من خلال قصيدته ( البحث عن السيدة )  فهو يعود القهقرى إلى الطفولة .. وربما تكون طفولته أو تكون موقفا رئته مخيلته فتقمصه وعبر عنه . ترى من تكون هذه السيدة التي يبحث عنها هذا الشاعر ؟ .  ولنرى إذن ما هي تلك العذابات .. نقرأ معا في المقطع الأول منها :-
_ يا عمّ …
من أين الطريق  ؟
أين طريق السيدة ؟
_ أيمن قليلا ، ثم أيسر يا بني

قال … ولم ينظر إلي ! ahmad abdulmuati hijazi 2                                           (الديوان ، ص 113)

****************
هذا هو المقطع الأول إذن . وهو يتضمن سؤالا يطرحه الشاعر وهو يبحث عن الطريق . وما يمكن ملاحظته هنا هو أن بطل النص أو القصيدة  لا يزال   طفلا ، وهو على ما يبدو قد ظل الطريق .. فطرح هذا السؤال . والمسألة الأخرى هي أن هذا العم دله وأرشده وهو لم ينظر إليه . عدم النظر هذا جعل من الشاعر أو الصبي أن يشعر بالمرارة .. أعني مرارة اللامبالاة من قبل الآخر ، على الرغم من مناداته له بمفردة ( يا بني ). والشاعر وضع علامة التعجب تعبيرا عن تلك المرارة وإشارة لها .  يبدو أن هذا العم قد انشغل بدخان شيشته !! وقدح الشاي الذي بين يديه . وهذا الانشغال جعل من الصبي  أن يمضي في طريقه على ضوء دليل هذا العم و لا يلوي على شيء . يقول الشاعر معبرا عن تلك الآثار التي خلفتها مرارة اللامبالاة هذه :-

وسرت يا ليل المدينة
أرقرق الآه الحزينة
اجر ساقي المجهدة ،
للسيدة
بلا نقود ، جائع حتى العياء ،
بلا رفيق
كأنني طفل رمته خاطئة
فلم يعره العابرون في الطريق ،
حتى الرثاء .
(الديوان ، ص  113-114 )

****************
kh ahmad hijaziإذن هو قد مضى في الطريق إلى السيدة .. ونحن نميل إلى الضن إلى أن هناك علاقة قد تكون غير مباشرة بين سيدة القصيدة ومزار السيدة زينب في القاهرة . الشاعر هنا ، يبدو أنه قد جاء من مكان بعيد عن القاهرة .. أو قد تكون السيدة رمزا لأحلام الشاعر بالانتماء وحنان الاحتضان الذي فقده الشاعر في قريته . وبهذا تكون السيدة لا شيء غير المدينة بضجيجها و زحمتها والصخب الذي يميزها . إذن الشاعر جاء يبحث عن ذاته .. عن أحلامه وطموحاته . أيا كانت هوية السيدة فأنها تعتبر بمثابة الملجأ الآمن للشاعر . وما نلاحظه في هذا المقطع ، هو أن الشاعر لا يزال يعيش مرارة اللامبالاة . وقد اتسعت دائرة هذه المرارة وازدات مرارة . حتى وصف نفسه بأنه لقيط رمته خاطئة !! . ومع هذه المرارة يعيش الشاعر أحلاما وردية وتغزوه مشاعر أمل براق . يصور لنا الشاعر هذه الأحلام على النحو الذي نجده في المقطع الثالث . حيث يقول :-
إلى رفاق السيدة
اجر ساقي المجهدة
والنور حولي في فرح
قوس قزح
وحرف مكتوبة من الضياء
( حافي الجلاء )
وبعض ريح هينِ ، بدء خريف
تزيح ذيل عقصة مغيمة ،
مهمومة
على كتف
من العقيق والصدف
تهفهف الثوب الشفيف
وفارس شد قواما فارعا ، كالمنتصر
ذراعه ، يرتاح في ذراع انثى ، كالقمر
وفي ذراعي سلة ، فيها ثياب !
(الديوان ، ص 114 – 115)

******************

الشاعر لا يزال يجر ساقه المجهدة نحو رفاق السيدة .. أعني للحاق بركبهم . وعلى طول المقطع ، هناك سرد لرؤية الشاعر حول حركة الحياة وهو في طريق نحو سيدته . والمهم في هذه الرؤية أن هناك أحلاما وردية تدغدغ الشاعر وتزيد من مرارته في وقت واحد . أن إحساسه بالغربة وسط هذا الزحام قد تزايد عندما رأى المنظر الذي يأخذ بلب جميع البشر . منظر رجل و امرأة يسيران ذراعيهما يرتاح أحدهما على الآخر . وما يزيد من روع رؤية  هذا المنظر في ضلوع الشاعر هو انه يمشي وبيده سلة ثياب . يا للمفارقة بين منظر ذراع الفارس المرتاح في ذراع  أنثى  ذراع الشاعر خالية ألا من سلة ثياب .. قد تكون ممزقة لا ستر ألا عورة الشاعر !! . أن سلة الثياب هذه هي رمز واضح لحالة الإهمال negligence الذي يلقاه من قبل الآخر . وهذا الذي رأيناه من خلال قراءاتنا السابقة لقصيدتين من قصائد الشاعر . . هل تنتاب مشاعر الغيرة jealousy  ومن ثم الحسد envy  شاعرنا من هذه المقارنة بينه وبين ذلك الفارس ذو القوام الفارع ؟ كيف ينظر الشاعر إلى جسده .. إلى نفسه .. إلى حاله .. في تلك اللحظات . من المحتمل .. بل من المؤكد أن مشاعراً سلبية أليمة قد استبدت بالشاعر . و يتابع الشاعر السير وفي الوقت نفسه فأن عيناه لم تتوقف عن مراقبة حركة الآخرين . يقول الشاعر في المقطع الرابع :-
والناس يمضون سراعا
لا يحفلون ،
اشباحهم  تمضي تباعا ،
لا ينظرون
حتى إذا مر الترام
بين الزحام ،
لا يفزعون
لكني اخشى الترام
كل غريب ههنا يخشى  الترام  !
واقبلت سيارة مجنحة
كأنها صدر القدر
تقل ناسا يضحكون في صفاء
اسنانهم بيضاء في لون الضياء
رؤوسهم مرنحه
وجوههم مثل الزهر
كانت بعيدا ، م مرت واختفت
لعلها الآن أمام السيدة
ولم أزل اجر ساقي المجهدة !
(الديوان ، ص 115 – 116)
****************
هؤلاء هم الآخرين إذن .. أو هكذا بدوا أمام ناظري الشاعر . كل منشغل بذاته … بهمومه … بعذاباته … يمضون إلى غاياتهم . والشاعر بينهم غريب كلي الغربة .الترام لم يألف الشاعر وجوده أو استخدامه . هذه الخشية من الترام دليل على عدم ألفة الشاعر بمظاهر المدنية الموجودة في المدينة بعد . قد يكون الترام رمزا لخوف الشاعر من الضياع بين الآخرين . وهنا الصراع الذي يحيا أعبائه الشاعر .. فهو قد غادر وهجر موطن سكناه ، يمكن أن يكون هذا الموطن قرية نائية في جنوب الصعيد . وهذا الهجر كان سببه ضياع ذات الشاعر هناك . هذا الضياع هو الذي دفعه إلى المجيء إلى هنا للبحث عن ذاته في أحضان السيدة !! أعني المدينة . ولكن في المدينة تخلص من ضياع القرية ليدخل في ضياع آخر هو ضياع المدينة . هنا في المدينة ليس إلا الزحام .. والزحام رمز استخدمه الشاعر لحقيقة المدينة وجوهرها . حتى الناس مختلفين لا يشبهون الناس في قريته أو البيئة التي جاء منها . ويبدو أن الشاعر قد أصيب برهاب  الزحام Agoraphobia  أو Ochlophbia  ( 1 ) . أن الوصف الذي قدمه للناس في هذا المقطع والمقطع الذي يليه إنما ينطلق من أن اعتبار أن الشاعر لم يتأقلم أو يتكيف مع أجواء المدينة وفضائاتها . وبالتالي هناك نفور وتباعد وفواصل لم تختزل أو تذوب بين القطبين … أعني الشاعر والمدينة . وهذه علامة من علامات التصلب rigidity   في شخصية الشاعر . وفي المقطع الخامس ، سوف نلاحظ بكل جلاء ، ضغوط المدينة على الشاعر . المدينة لم تفهم الشاعر .. لم ترحب به .. لم تقدم له العزاء … لم .. لم … لم .. ! لنصغي إلى الشاعر في المقطع الخامس من القصيدة لنرى كيف أعلن  الشاعر عن خيبة الأمل في المدينة وأعلن عن إفلاسه وعدم قدرته على التواصل مع هذا الوحش الكاسر الذي   لا هم له الإ الابتلاع engulfment وهو ( تعبير يصف شكلا من الحصر أو القلق الذين ينقصهم الأمان الانطولوجي الأولي ، يحس فيه المرء  ، في علاقاته بالآخرين ، بأن الآخرين يشكلون تهديدا هائلا لذاته  يكاد يبتلعها ) ( 2 ) .   يقول الشاعر :-
والناس حولي ساهمون
لا يعرفون بعضهم … هذا الكئيب
لعله ملي غريب
أليس يعرف الكلام
يقول لي … حتى … سلام !
يا للصديق !
يكاد يلعن الطريق ! ما وجهته ؟
ما قصته ؟
لو كان في جيبي نقود !
لا . لن أعود ثانية بلا  نقود  !
يا قاهرة !
أيا قبابا متخمات قاعدة
يا مئذنات  ملحدة
يا كافرة
أنا هنا لا شيئ ، كالموتى ، كرؤيا عابرة
اجر ساقي المجهدة
للسيدة !
للسيدة ! .
( الديوان ، ص 117- 118 )

*****************
لا ندري كم أمضى الشاعر في غربته هذه . ذلك الإحساس بهذه الغربة يتلاءم والشحنات النفسية في هذا المقطع . أن ثورة الغضب التي صبها الشاعر في هذا المقطع ، أخذت توجها اختلف في نوعيته عن الغضب  الذي كان سائدا في المقاطع السابقة .. صحيح أنه كان غضبا على المدينة في هيئتها العامة ، ألا أنه في المقطع الخامس اخذ يتبلور نحو قيم ومظاهر الاعتقاد فيها . ها هو بصر الشاعر يقع على غريب آخر في المدينة .. ربما يكون معتوها أو مجنونا أو .. أو . إذن هنا وجد الشاعر من يشاطره الغربة ويقاسمه أحزانها . فهو ليس الوحيد إذن من يعاني إشكالية الاغتراب . كانت دهشة الشاعر هي أن هذا الغريب الآخر لا ينطق . هل تكلم كثيرا ونادى مرارا ولم يستجب له أحد فمل الكلام والنداء وكان الصمت هو ابلغ إشارة للإبلاغ !! . هل شتم هذا الآخر أيضا القباب والمآذن ووصفها بالإلحاد والكفر مثلما فعل هذا الوافد الجديد .. أعني الشاعر ؟ لقد توعد الشاعر القاهرة ، وسواء أكان المقصود هو العاصمة بالذات أم القاهرة بمعنى الابتلاع والالتهام فالأمر واحد عند الشاعر . نعم توعد لها بأن لا يعود إليها بلا نقود .. أعني صفر اليدين  . والمعنى الرمزي هوالاسلحة الدفاعية  لمواجهة صخب المدينة وأعبائها . أن فشل الشاعر إلى أن يصل إلى السيدة  أمر لا يمكن   تجاهله . وعلى الرغم من أن هذا الفشل وهذا الإعلان السافر بالانسحاب والعودة فأن الحنين إلى السيدة لا يزال يدفع الشاعر إلى  أن يجر ساقه المجهدة لكي يجد له مكانا ما في هذه المدينة .. و لا ندري هل وصل إلى درب السيدة أم ظل الطريق  إليها مرة أخرى .

الهوامش :-
1-    د. الخولي ، وليم ، الموسوعة المختصرة  في علم النفس والطب العقلي ،1976 ، دار المعارف ، القاهرة ، ص 48 ، 200 .
2-    د. الحفني ، عبد المنعم ، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، 1978 ، دار العودة ، بيروت ، ج1 ، ص 269 .

شاهد أيضاً

نــجــيب طــلال: مهرجان مَــسرح الهــواة : تأجيل أم إلــغاء ؟؟

الــــــــــــواو: إنه فاتحة ((وباء)) أو بالتأكيد تلك جائحة كورونية ؛ لاتهم التسمية ؛ مادام المرء …

شوقي كريم حسن: نزار الفدعم…. سردية اللقطة السينمائية.

*السينما، كما اعرفها ، مثول جمالي بين يدي الخرافة، ومحاولة توثيق سريات الوجود السردية، التي …

دور أدباء المنفى في صناعة مسوغات مجتمعاتهم الأصلية
رواية (رياح القدر) لمولود بن زادي أنموذجاً
أبو يونس معروفي عمر الطيب

لا يمكن تصنيف المثقفين بصفة عامة بما في ذلك المنفيين كطبقة واحدة أو وفقا لأسباب …

2 تعليقان

  1. شكراا على هدا التحليل و جزاك الله خيراا على هدا العمل

  2. شوقي يوسفب بهنام

    شكرا على هذا الاطراء واتمنى ان ان تكون كل اعمالي عند حسن الظن
    مع التقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *