سلام عبّود : في ليل أوغادين

salam abbodاندفعت نحوي معانقة. شبكت يديها حول رقبتي، فتدلـّى جسدها النحيف على جسمي مثل قلادة، قبّلتُ خدها قبلة خفيفة وهمست في أذنها:
– سنلتقي ثانية حينما أعود من أديس أبابا.
– كم مغفـّلة قبلي سمعت منك هذه الجملة الغبيّة!
جاءني صوتها ورأسها غارق في صدري. دبّت كلماتها مثل نمل وحشيّ فوق جلدي، فلم أجب.
شعورٌ غريبٌ انتابني. أحسست كما لو أنّني عمود مشنقة!
فكّت أصابعها المتشابكة حول رقبتي واستوت واقفة. نظرتْ اليّ بعينين باكيتين ثمّ استدارت مهرولة نحو الجانب الآخر من الشارع. مدّدت يدي لأمسك بها، لكنّها مرّت بخفـّة عابرة مجرى الشارع لتقف في الجانب الآخر، قبالتي تماما.
زاوديتو: وجهٌ صغير، مزيجٌ فريد من قارات وأزمان، عشرون عاما، وجهٌ مائل الى البياض في ليل أوغادين الفاحم؛ عيون ملوّنة، شعر كستنائي ناعم طويل ينسدل على الكتفين، أنف أوروبي دقيق، وشفاه زنجيّة. تلك هي زاوديتو، التي تقف الآن أمامي في الجانب الآخر من الشارع في هذا المساء الأوغاديني الصيفيّ المليء بالضباب.
التقينا قبل أيّام في أوغادين، وعلى وجه التحديد في مدينة ديراداوا، محطـّة سفري الأولى في أثيوبيا، قبل أن أواصل رحلتي الى أديس أبابا. أوّل ما جذبني الى زاوديتو شكلها الفريد المهجّن في هذا الوسط الإفريقيّ. بعد ذلك توالت محاسنها: عبثها الطفولي، أحلامها الكبيرة التي لا تنقطع. لقد أسرني هذا التكوين الطفوليّ الحالم، وهذا المزيج البشري الاستثنائيّ الناعم.
ليلة أمس استضافتني. قالت:
–  أنت دعوتني غير مرّة الى الشراب والأكل والمبيت، وأنا أودّ الآن، قبل سفرك، أن أردّ اليك بعض الدين.
اصطحبتها الى غرفتها الصغيرة المتواضعة، المستأجرة من إحدى العوائل الأثيوبيّة.
غرفتها تشبهها تماما: صغيرة، أنيقة، مشاكسة، يتبعثر في أرجائها خليط غير متجانس من أدوات زينة، وأثات، وصور، وأشياء تعود الى أديان وأجناس وأزمان متعددة، تتوزع بعبث محبّب في أرجاء الغرفة.
اتفقنا على أن نطلق لأنفسنا العنان في الشرب، حتـّى يأخذ منّا السكر كلّ مأخذ. جلسنا في السرير متقرفصين في مواجهة بعضنا. فتاة إفريقيّة بيضاء باحثة عن أحلام ضبابيّة غامضة، وشاب عربي مغامر يبحث عن عدالة ضائعة. لبثتْ طوال الوقت تحلم وهي يقظة. ظلّت تسرد عليّ أحلامها مثلما يسرد راو قصة، أو يعلـّق مشاهد على فيلم، حتـّى خيّل اليّ أنّها ترى أحلامها. أمّا أنا فقد كنت غارقا في بحر متلاطم من فلسفة لا يؤمن بها حتـّى أخلص معتنقيها. ورغم ذلك كنت أصغي الى أحلامها بنشوة عجيبة وأنا شبه نائم.
– أنا لست من ديراداوا. إنّها ليست مدينتي. إنني في الحقيقة لست من هنا.
نطقت ذلك ولم تنظر اليّ، ولم تطلب منـّي أن أصغي اليها، وإنما واصلت مشاهدة حلمها الذي تأكد لي أنـّه كان يطوف أمامها في ظلام الغرفة. تنفـّست بعمق ثمّ أضافت:
– أنا من أديس أبابا، وليست ديراداوا سوى محطة عابرة.
نطقت كلمة محطة ثمّ توقفت، كما لو أنّ شريط الحلم قد انقطع. لكنـّها عادت ونطقت الكلمة مجددا بشكل مفخّم. نطقتها مثلما يضع المرء خطـّا تحت كلمة: ” محطـّة”، ” محطـّة عابرة”.
– أحسّ كما لو أنني واقفة في محطـّة للقطارات، يمرّ المسافرون أمامي ذاهبين الى كلّ صوب، وأنا لا أعرف أيّ قطار سأستقل وأيّة محطـّة ستتلقـّفني.
قالت ذلك وسكتت، تاركة للصمت فرصة للتحرك في فضاء الغرفة المظلمة المليئة بالأحلام. شعرت برغبة قويّة في أن أجعلها تقطع شرودها، وتوقف تدفـّق حلمها، الذي كانت تنظر اليه في الظلام، فقلت:
– ولكنـّك مع هذا ما زلت تعيشين هنا!
– نعم، إنني أعيش هنا. ولكنـّي حينما أجمع ثروة كبيرة سأعود فورا الى أديس أبابا، وسأفتح مطعما أوروبيّا يقدّم الطعام الإيطالي… الطعام الذي كان أبي يحبّه.
صمتت قليلا ثمّ استدركت، كما لو أنّ فكرة مباغتة جاءتها تواً:
– بالمناسبة، هل أخبرتك بأنّ اسمي ليس زاوديتو!
– لا.
– أراد أبي أن يكون اسمي مانويلا، بيد أنّ أمّي أسمتني زاوديتو لأنّها أمهريّة. وأنا كما ترى، لست حبشيّة تماما. أنا لا أنفكّ أحلم باللافتة الضوئيّة الملونة الكبيرة، المعلقة على واجهة مطعمي الإيطاليّ، الذي سأفتتحه في أديس أبابا. مطعم مانويلا للمأكولات الايطاليّة والأوروبيّة.
نظرت اليّ بوجه طفل، وسألت وهي تطلق ضحكة فيها رنّة السعادة والدعابة:
– هل تراها؟
– من؟
– تقول من! تلك اللافتة الملوّنة الكبيرة المعلّقة على واجهة مطعمي الإيطاليّ! ألا تراها؟
قالت ذلك وهي تمدّ يدا رفيعة في الفراغ، وأصابعها تشير الى اللافتة الكبيرة الملوّنة المعلّقة على الواجهة الخياليّة المنتصبة في الظلام السحريّ العجيب الذي يحيط بنا.
– إنني أراك.
قلت لها وأنا أسحبها اليّ وأضمها الى صدري، لكي أملأ الفراغ الأسود العميق، الذي يفصلنا عن بعضنا؛ الفراغ الذي يعجّ بالصور الحلميّة السابحة، المتطايرة من مخيلة زاوديتو. همستُ في الفراغ المظلم الذي يقع قرب أذنها:
– وهل علاقتك بأبيك ما زالت قائمة؟
قلتُ ذلك، ولا أعرف إن كنت قلته بصوت مسموع، أو أنّها لم تسمعني، أو أنّني لم أقل ذلك أصلا! لأنّني لم أسمع جوابا عن سؤالي. ففي تلك اللحظة أخذتُ أشعر أنّ الخيوط التي تربطني بالأشياء المحيطة قد انقطعت، وأنّ المصباح الموجود في داخلي قد انطفأ، وانـّي لم أعد على صلة بأحد. يدٌ ماكرة جرّتني وأغرقتني في بئر النوم العميقة. لا أعرف كم من الوقت استغرقت في النوم. لكنـّني صحوت فجأة مذعورا على صوت دويّ مرعب، تلته أصوات طلقات ناريّة صادرة عن أسلحة متنوعة آتية من بعيد. وبين النوم والصحو أحسست بزاوديتو تمدّ ساقيها الناعمتين فوق جسدي لتعبر الى الجهة الآخرى من السرير، ثمّ تقفز الى الأرض. ركضتْ عارية نحو الباب. فتحته، فاندفع ضوء شاحب من فجر إفريقيّ بارد. أصغت دقائق، ثمّ عادت مسرعة نحوي، بينما كانت أصوات انفجارات جديدة تتوالى.
دخلت مسرعة باتجاهي وهي تلتقط في طريقها معطفا طويلا كان موضوعا على كرسيّ. قالت وهي تجري عائدة باتجاه الباب:
– لا تخرج من الغرفة حتـّى أعود. سأذهب لأستفسر من الجيران.
خرجتْ وأغلقت الباب، فانطفأ الوهج الضبابي الذي دخل من فرجة الباب، وساد ظلام مستفـِّز في الغرفة.
حاولتُ مع نفسي أن أجد تفسيرا ملائما لما يحدث، ولم يكن ذلك بالأمر العصيّ. فأنا أعرف أنّ النظام الأثيوبيّ يواجه منذ سقوط هيلا سيلاسه مقاومة وأعمال عنف. أصدقاء كثيرون حذروني من ذلك قبل سفري. رئيس تحرير الجريدة التي أعمل فيها قال لي ممازحا: ” الدخول الى أوغادين ليس كالخروج منها!”. بيد أنـّي لم أتوقع أن تكون يد المعارضة قد امتدت لتصل الى هذه المدينة البعيدة. حاولت أن أشغل نفسي ناظرا الى أشياء الغرفة. جاهدت لكي أتبين شيئا ما من معالمها. لكنّ كلّ شيء ظلّ يغرق في العتمة. فقد اختفت صور القطارات السائرة في دروب مجهولة، وصور الوجوه الأوروبيّة، والأقنعة الإفريقيّة، وصور العذراء، وصور يسوع المتنوعة، المسيح الأسود والمسيح الأبيض، التي تغطي أجزاء واسعة من جدران الغرفة. أضحت الأشياء عبارة عن لطخات سود ناتئة، في فضاء معتم، بالغ العدوانيّة.
دخلت زاوديتو مسرعة ولكن بحذر، وأغلقت الباب. تبيّنت قامتها وهي تسير مخترقة كتلة الظلام. وضعت كفـّها على حافة السرير، عبرت فوق جسدي، واستلقت الى جانبي، لصق الجدار. تحسّست يداها جسدي بلمسات خاطفة، ثمّ نهضت شبه واقفة في السرير. خلعت معطفها ورمته في ظلام الغرفة وهي تقول:
– ليس من اللياقة أن تكون عاريا وحدك في السرير.
– لم تقولي ماذا حدث؟
قلت مستفسرا، رغم أنـّني كنت أتوقع أنّها ستبادر الى قول ذلك من تلقاء نفسها.
– لا أعرف، لا أحد يعرف، لكنّ الجميع خائفون.
– ممن هم خائفون؟
– من كلّ شيء. لكنّ الذي يقلقهم هو قوّة وغرابة أصوات الانفجارات.
– وما الغريب في الأمر؟ هذا أمر اعتيادي في بلادكم، منذ أن تولى منغستو السلطة.
نطقت ذلك بثقة العارفين، فجاءني صوتها مملوءا بالخوف والقلق:
– ليس بهذه الصورة المرعبة. هناك انفجارات واغتيالات، ولكنّ ما نسمعه الآن غير ذلك. ما نسمعه يشبه الحرب.
سكتتْ، بيد أنّ آخر الكلمات التي نطقتها ” الحرب” ظلـّت معلـّقة في الظلام، تنبض وامضة من دون توقف. ” ترى هل هي حقا حرب؟ ولكن حرب من ضد من؟”، تساءلتُ في سرّي، بينما كانت مانويلا تلوي جسمها في السرير مثل أفعى، تخرج نصف جسدها من السرير، تمدّ يدها في الظلام، وتضغط على زرّ الإضاءة، فينتشر ضوء شاحب يعيد للأشياء بعض معالمها.
– هل من الملائم أن يضيء المرء الغرفة في هذا الوقت؟
– غرفتي تقع وسط البيت، وتلك النافذة الصغيرة تطلّ على ساحة البيت، ولا تُرى من الشارع، فلا تخف!
أجابت بهدوء العارف، ثمّ أضافت بانعطافة مباغتة، مستخدمة مقدرتها الفريدة على المشاكسة السوداء:
– وماذا يحصل! السجن هو السجن، بنور أو بدون نور، أليس كذلك؟
أحسست أنّها لم تكن تسأل، وإنّما كانت تقرر حقائق تعرفها، فلم أجب، واكتفيت بمراقبة جسدها الذي أضاءه المصباح الشاحب. هي جالسة الى جواري، على حافة السرير، بكلّ عريها، صامتة، ساكنة كتمثال، ظهرها العاري يواجهني، وشعرها الكستنائي الناعم يتبعثر على كتفيها. تحسستُ نهايات شعرها المنسدلة على ظهرها، فارتجف جسدها، واندفعت حبيبات مجهريّة ناتئة عمّت جسدها، فشعرت بوهج حركة الجلد تسري في أناملي، بينما كان جسدها يرتعش ارتعاشات خفيفة مضطربة.
– من فضلك، هل تستطيع أن تبعد يدك؟
نطقت كلماتها من دون أن تلتفت اليّ، وواصلت مداعبة مسيحها الذهبيّ الصغير، المحمول على ذراع أمّه العذراء، المعلـّق في سلسلة تطوق عنقها. قرّبتْ يسوع وأمّه من فمها وقبّلتهما وهي مغمضة العينين. نظرتُ بحيرة الى جسدها الجميل الساكن المتصالب أمامي وأنا متردد بين أن أتكلم أو أواصل الصمت، خشية أن يثور جلدها مجددا بذلك الوهج الحبيبيّ المباغت، الذي أطلقه حينما لمستها. لكنّها لم تمهلني طويلا، إذ سرعان ما استدارت نحوي وأمسكت يدي ووضعتها على كتفها وهي تقول مبتسمة:
– ها أنا أضعها حيث كانت.
– ولماذا أنت ساكنة وحزينة هكذا؟
– لست حزينة، ولكنـّي كنت أكلـّم أمّنا مريم.
– ماذا قلتِ لها؟
ترددتْ قليلا في الإجابة، ربّما انشغالا بترتيب جواب لائق، وربّما هي تحاول أن تكبت إحدى جمل مشاكساتها السود الجارحة، ثمّ نطقتْ بصوت بارد ومحايد:
– قلت لها أشياء خاصّة.
– وهل هي خاصّة الى الحدّ الذي لا تودين قولها لي.
– نعم، أليس من حقيّ أن تكون لي أحلامي الخاصّة، التي يعرفها أحد سواي؟
– ولكنـّك قلتها لأمّنا مريم.
قلت ذلك وأنا أحاول تخفيف نبرة العناد الغريزيّ، التي ظهرت على صوتها، والتي ربّما تلازمها كالعادة حينما تغلق نفسها فجأة. ودّدت أن أفتح سبيلا جديدا لمواصلة الحديث، فأضفت:
– أنتِ باذخة في العطاء، لو كنتِ أنانيّة لفسّرتُ الأمر تفسيرا آخر، ولكنـّكِ لست كذلك.
– ولكنّها أمّنا كلـّنا. هي ليست أيّ أحد. هي أمّ البشر جميعا، أمّ المسيح، ابن الله.
تدفقت الكلمات من فمها مسرعة:
– وما دمت فضوليّا الى هذا الحدّ المزعج، سأقول لك ذلك، ولكن بشرط واحد، هو أن لا تزعل من كلامي مهما كان.
– ولماذا أزعل؟
نطقتُ كلماتي وأنا أحسّ بشيء من القلق. كلماتها الحذرة المنبّهة جعلتني، في لمح البصر، أنفصل عنها شعوريّا وجسديّا. تمهّلتُ قليلا ثم أضفتُ بلامبالاة مصطنعة، وأنا أفكّر في سرّي، في محتوى ما ستقوله عنّي، لا في ما تحسّه هي وما تشعر به شخصيّا:
– إنّ أسرارك ملكك وحدك، وهي أحلامك الخاصّة. وهل يحقّ لمسافر، عابر سبيل مثلي، أن يتدخل في شؤونك الخاصّة!
– لا تفسّر الأمر بهذه الطريقة البشعة! أنا أشعر بالسعادة وأنا معك الآن، ولكنّ ذلك يخصّ…
قطعتْ كلامها وقرّبتْ جسدها من جسدي. أمسكتْ بمعصمي، كما لو أنّها تودّ الإمساك بي كي لا أهرب منها، وأضافت:
– لا تزعل. المهم في الأمر أن لا تزعل إذا كان جوابي لا يعجبك. فأنا أعرف أنـّك ربّما تكون واحدا منهم. فأنت تحمل جواز سفر عدنيّا، من جمهورية اليمن الشيوعيّة.
دهمتني رغبة في أن أقلـّد طريقتها في الكلام، مشدّدا على كلمة لكن، فقلت:
– و”لكن” من أولئك الذين تعتقدين أنـّي منهم؟
هزّت يدي بقوّة وهي تنظر في عينيّ قائلة:
– ولا أريدك أن تنفعل بهذه الطريقة. لقد صلّيت لأمّنا مريم ورجوتها أن تمحقهم، وأن تبيدهم عن بكرة أبيهم.
حوّلت بصرها في اتجاه النافذة المغلقة وواصلت:
– قلت لها: يا أمّنا الطاهرة مريم، الى متى سيطول عذابي، والى متى سيستمر ليل هؤلاء الملحدين القتلة! اجعلي هذه الليلة آخر ليلة يحكمون فيها البلاد. دعيني غدا، حينما ينبلج الفجر، أمدّ رأسي الى الشارع فلا أرى صورهم المرعبة معلـّقة في الطرقات، وشعاراتهم وأعلامهم الحمر تملأ الميادين. امحقيهم يا أمّ المسيح، ابن الله، واجعلي الشوارع تعود الى بهجتها السابقة!
أمالت جسدها النحيل المضطرب نحوي، ووضعت صدرها الذي بدا أكثر عنفوانا وهي تتحدث فوق جسدي، فأحسست بذلك الوهج الغامض يسري مجددا عبر جسدها الى جسدي، وأحسست أنّ جلدي مغطى بملايين الحبيبات الحسّاسة المستـَفـَزة. وضعتُ قبلة خفيفة على شفتيها الزنجيتين الصاخبتين وأنا أقول لها برقـّة المحايد:
– لست ضد أحلامك، ولا أظنّ أنّ النظام الحالي ضدها أيضا. أنت جزء من الناس الذين يمثلهم النظام. أنت موظفة استقبال في فندق، أنت لا أكثر من فتاة جميلة حالمة لا تملك سوى قوّة عملها تبيعها للآخرين.
– تريد أن تقول إنـّي فقيرة!
تساءلتْ بعجرفة، فأجبتُ بسرعة وثقة تامتين:
– نعم، بكل تأكيد. إنـّك واحدة من الفقراء الذين يمثل النظام مصالحهم، النظام الذي تودين زواله.
نظرت اليّ نظرة غامضة، لا أعرف على وجه اليقين كنهها: إشفاق أم استهجان، وقالت:
– يا رب العالمين! ماذا ذنبي أنا إذا كان هذا النظام يدّعي أنّه يمثل الفقراء. هو يمثلني لأنـّي فقيرة. لكنّ المشكلة هي انـّي لا أودّ أن أكون فقيرة. فهل سيمثلني هذا النظام غدا حينما لا أعود فقيرة؟ إنّ نظامك الذي يقوده منغستو هيله مريام لا يريد للناس إلاّ أن يكونوا فقراء لكي يستمرّ في تمثيل مصالحهم. ولكن الى متى؟
نطقتْ كلماتها وسكتت، وهي تركز بصرها في عينيّ بإصرار وعناد، ثمّ أمالت رأسها وهمستْ في أذني وهي تمدّ يدها الى صدري متحسسة الشعر المتناثر فوقه:
– قلت لكَ إنّني لا أودّ الحديث في هذا الموضوع، لأنـّك ستزعل، لكنـّك كنتَ مصرّا على سماع رأيي، وهذا جزاء العناد.
طوقتها بذراعي وأنا أقول:
– أنت على حقّ.
– على حقّ بماذا؟
تساءلتْ ووجهها غارق في صدري، لكنـّي لم أجب، بل واصلت الضغط على جسدها، الذي أخذ يلتفّ تحتي مثل أفعى، ثمّ ينسحب برقـّة من الطوق المحكم المضروب حوله. دفعتْ كتفي بعيدا عنها، ثم تسلـّقت جسدي. امتطت وسطي ووضعت شعرها الناعم فوق وجهي، وراحت تتحرك منزلقة على جسدي اليقظ. أخذتُ أبعثر شعرها بين أصابعي بلذة طاغية، وأنا استمتع ببهجة جنونها العفويّ المباغت. ومن خلل خصلات شعرها المتباعدة رأيته.
كان واقفا على مقربة منّا. فوق رأسي مباشرة. هنا، على الجدار الملاصق للسرير، على لوحة نسيج قماشيّة. مسيحٌ أبيض الوجه والتقاطيع، يحمل عصا سحرية، وخلف رأسه هالة من النور. عيناه الواسعتان الرماديّتان تنظران اليّ بتمعن وإصرار. بدا وجهه قريبا منـّي حتـّى أنـّني أحسّست أنـّه على وشك أن يرفع عصاه السحريّة. وللحظة خاطفة رأيت عينيه تتحركان، ويسراهما تطرف.
– هل نمت؟
جاءني صوت زاوديتو وهي تهزّ كتفي، كمن يحاول ايقاظ نائم، ثمّ أضافت:
– هل أنت تعب؟
– لا، لكنـّي أشعر أنـّه يتلصص علينا. انظري اليه، إنـّه ينظر الينا بتلكما العينين الرماديّتين.
أجبتُ زاوديتو، بينما أدارت هي وجهها نحو المسيح، الذي ما انفكّ يواصل النظر الينا.
قالت وهي تشير اليه:
– هذا! تعني هذا؟
– نعم، ومن غيره هنا، معنا، في هذه الغرفة!
انسحبت زاوديتو من فوق جسدي برقـّة وليونة. نزلت من السرير متـّجهة نحو ردائها الملقى على الأرض. لبسته فبدت أكثر فتنة على ضوء المصباح الشحيح. عدّلت شعرها بأصابعها وجلست على حافة السرير تتبادل النظر مع السيّد المسيح.
– هل تعرف أنـّني وهو الكائنان الوحيدان الأبيضان في هذه المدينة التي تعجّ بالزنوج من أحباش وصوماليين وأفارقة. إنـّه ليس ابن الله فحسب، كما تعتقد. إنـّه حارسي وشقيقي.
أصغيت الى كلماتها وهي تنطقها بهدوء تام وودّ أخـّاذ، من دون أن تظهر عليها أمارات السخرية أو مشاعر المبالغة. فقد كانت تتحدث عن شخص قريب، قريب جدا، تعرفه ويعرفها.
# # #

صحوت فجرا. هل هو فجر؟ لا أعرف، لكنـّي لم أجد زاوديتو. الغرفة معتمة، لكنّ عتمتها أقل سوادا مما كانت عليه قبل نومي. الصور المعلـّقة على الجدران بدت مفهومة المعالم الى حدّ ما. من مكاني أستطيع أن أرى بعض ملامح صور السيّارات والوجوه الأوروبيّة، وصور السيّد المسيح. برودة الغرفة وشحوب الصور والأشياء المحيطة بي جعلتني أغمض عينيّ لا إراديّا وأشمّ بعمق رائحة الأنثى، بقايا رائحة زاوديتو المدوّخة، التي ذكرتني بالحرب.
الحرب وزاوديتو تتغلغلان في مشاعري وتتداخلان مثل كابوس. نظرت حولي فخيّل اليّ أنّي حبيس هرب سجّانوه وتركوه وحيدا في بقعة نائية، مجهولة، لا يعرف شيئا فيها وعنها.
دوارٌ خفيف دهمني، كما لو أنّ السكر عاد الى رأسي. هل يعود السكر بعد صحو؟
قدمٌ ركلت الباب. امتدتْ ساقُ زاوديتو في الغرفة، ثمّ ظهر قوامُها كاملا، وهي ترتدي ملابس الخروج. دخلت تحمل صينيّة الأكل، وهي تمشي بحذر. كم هي بهية! تقدمت نحوي مبتسمة. وضعت الأكل قرب السرير وهمست:
– صباح الخير، ولو أنّ الوقت يقرب من الظهر.
رفعتُ رأسي بتثاقل واضح. نظرتُ الى عريي، والى الباب المفتوح. نهضت زاوديتو وسارت مسرعة نحو الباب وأغلقته وعادت ضاحكة:
– أردت أن أمرّنك على التعري.
قرّبت رأسها من وجهي. مدّدت كفي ولمست خدّها، فمدّت يدها مسرعة وعانقتني وهي تضغط على رأسي بشدّة. فكـّت يديها واعتدلت وهي تقول بصوت ودود، حاولت جاهدة أن تنتزع منه نبرة القلق والاضطراب.
– رأسك يؤلمك أليس كذك؟ قم لتغتسل وكلّ بسرعة…
– بسرعة! لماذا؟
– قبل أن يبرد الأكل. أنت تحبّ الأكل ساخنا، لا تقل…
نهضتُ. لم أدعها تسترسل في التوضيح. أعرف أنـّها تناور. رافقتني الى الحمّام صامتة وانتظرتني عند بابه حتـّى خروجي. عدت معها وشعور غريب ينتابني، شعور السجناء.
مشت أمامي. سرتُ خلفها طائعا كأسير. توقفتُ بباب الغرفة. دخلت هي. جررتها من يدها. استدارت نحوي، فأدركت أنـّها جاهزة تماما لأن تقول الشيء الذي استعصى عليها وظلـّت تخفيه وتؤجل قوله.
– رجوتك أن تأكل بسرعة لأنـّنا يجب أن نغادر الغرفة في الحال.
– نغادر؟
– قصدي تغادر أنت، لأنـّهم سيأتون في أيّة لحظة.
– من؟
– الميليشيا الشعبيّة.
– الحمر؟
– نعم، أصحابك الحمر.
– الذين رجوتِ أمّنا مريم أن تمحقهم؟
وضعت يدها على فمي بعصبيّة، وهي تجرّني الى داخل الغرفة، ثمّ قامت بإغلاق الباب من الداخل وقالت هامسة:
– نعم، ولكن لا تتحدث بصوت عال.
– أسرعتِ بتسليمي اليهم؟
– نعم.
نطقت الكلمة بغضب يشبه الحقد وأدارت وجهها. نهضت وراحت تُشغل نفسها بالتقاط بعض الملابس المرميّة على الأرض، ثمّ شرعت تتصنـّع ترتيب فراش السرير.
كانت ترتـّب مشاعرها. هي لا تستطيع مواجهتي، لأنّ عفويتها المشاكسة ستضطرها الى الردّ بعنف يعادل عنف اتهامي لها.
ساد صمت حاد، طويل، مربك، سمعت خلاله رشقات متتالية صادرة من أسلحة خفيفة ومتوسّطة آتية من مكان بعيد. استدارت زاوديتو نحوي، كما لو أنّها استجابت لرشقات الرصاص، وقالت:
– التبليغ عند الناس هنا إجراء طبيعيّ، لأنـّك أجنبيّ.
لم أتكلم. رشقات رصاص أخرى أتت من بعيد ومنحت زاوديتو جرأة أكبر دفعتها لأن  تضيف قائلة:
– كان لا بدّ أن يفعل أحد ما ذلك، لأنـّنا في حرب. ألا تسمع؟
– انقلاب؟
– لا. حرب. القوات الصوماليّة عبرت الصحراء واجتاحت أوغادين وهي الآن في قلب ديراداوا. لقد أمضينا ليلة أمس هنا تحت سيطرة دولة أجنبيّة: الصومال.
أردت أن أستفسر أكثر، لكنّها جرّتني من يدي برقـّتها الجبارة، وأخذتني، مسلوبا، الى الكرسيّ المجاور للسرير وأجلستني، كما لو أنـّني ابنها الصغير المدلل والمشاغب.
جلستْ الى جواري على حافة السرير، وراحت تسكب الشاي وتقول بالنبرة الجديّة ذاتها، من دون أن تنظر اليّ:
– ملعقتا سكر، أليس كذلك؟
وضعتْ السكر في كأس الشاي وقدمتها لي من دون أن تنتظر جوابي.
– المهم، زال الخطر الآن. تمّ القضاء على القوات الصوماليّة المهاجمة. نحن الآن من جديد تحت سيطرة الحكومة الأثيوبيّة. لذلك فإنّ التبليغ عن وجودك عندنا أمر ضروريّ، لأنّ الميليشيا الشعبيّة بدأت بتفتيش الأحيّاء بحثا عن الفارين. إنّها قوانين الحرب، كما تعرف.
لم أجب. أحسست كما لو أنّي أرفرف في الهواء، معلّقا من عنقي. رائحة الحرب، وثقل لحظات الصمت، واضطراب وجه زاوديتو، وهذا المكان الغريب الذي يحيط بي، جعلتني أعجز عن تجميع مشاعري. هل تخونني زاوديتو لكي تبرئ ذمّتها؟ من أنا في هذا الوجود الغامض؟ ماذا أمثـّل لها؟
زاوديتو لم تزل طاغية الأنوثة، على الرغم من أننّي لم أعد قادرا على النظر اليها بعمق. شيء ما يحول بيني وبين النظر الى داخلها. أمّا الغطاء الخارجي لوجهها فقد بدا لي محيّرا. لم أعد أعرف حقيقة موقعي هنا، في هذا المكان المجهول، أمام هذه المرأة الرقيقة، العنيدة، الأليفة، الغامضة.
– كُل! أنت صامت، كُل!
– بسرعة؟
– نعم، بسرعة، لأنـّهم كما قلت لك سيأتون. ويجب أن نغا… تغادر فورا.
– أغادر بهذه السرعة! أتريدين منـّي أن أغادر؟
– نعم، أريد أن تغادر.
– كأيّ عابر سبيل؟
رفعت يدها، كما لو أنـّها تريد أن تصفع الفراغ الذي يمتدّ بيننا، ثمّ أنزلت يدها وكوّرت قبضتها، ضاغطة على أصابعها بقوّة، ثمّ قالت:
– أرجوك، لا تجرحني!
– الحمر؟
– نعم، الحمر. ولا بدّ أن تعرف أيضا، أنـّني من بلـّغ عنك وليس أصحاب البيت.
شرقتُ بجرعة الشاي، بينما ظلت زاوديتو ثابتة، كما لو أنـّها كانت تعرف أن ذلك سيحدث، وأنـّي سأغصّ أمامها بجرعة الشاي. تخلـّصتُ من كأس الشاي اللزجة والساخنة بارتباك واضطراب، وأنا أواجه شدّة تماسك زاوديتو وعبثيتها القاتلة، التي طالما افترضتها فيها وخشيتها.
وقفتُ من دون إرادة منـّي. كان جسدي يحتجّ على وجودي المبهم في هذا الموقف المبهم والمكان المبهم. وقفت وأنا لا أعرف مَنْ أمَرَ جسدي بالوقوف. لم أعد أعرف ماذا يتوجب عليّ أن أفعل. أأنا أسير! أسير عندها! أسير لدى هذا المحيط الغريب، الذي يطوقني بغموضه! وقفتُ وأنا فارغ الرأس، لا أعرف أيُسمح لي بالخروج من الغرفة والبيت؟ وحتـّى لو سمحوا، فإلى أين وأنا أجهل طرقات المدينة والحرب قائمة!
– أنا التي أبلغت فرع الميليشيا. لأنـّي لو لم أفعل هذا لكانوا اقتحموا البيت. لأنـّك أجنبيّ، وأنا أعرف بحاسّتي أنّ مالك البيت سيبلـّغ. لذلك عجّلت وذهبت بنفسي الى مالك البيت وطمأنته وقلت له بأنـّك يمنيّ جنوبيّ، ولم أذكر أنـّك عراقيّ.
– تريدين أن تقولي بأنـّك فعلت هذا لكي تحميني، لا لكي تحمي نفسك و…
– لا يهمّ من يحمي من الآن، ولا أريد أن أفسّر سلوكي.
– أقمتِ ببيعي اليهم احترازا؟
– لا.
– الحبّ إذاً؟
– ولا هذا أيضا. رغم أنّي أكره أن تسخر من عواطفي.
قامت، من دون سبب واضح، توجهت نحو الباب، فتحتـْهُ ببطء شديد، كما لو أنـّها تتحرك وهي نائمة. نظرتْ الى ضوء الفجر أو الظهيرة الغائمة، ثمّ أغلقت الباب وعادت بالهدوء نفسه وواصلت قولها:
– أنا لا أستطيع أن أبيعك اليهم، حتـّى لو أردت. أتعرف لماذا؟ لأنـّك بعتهم نفسك قبل أن تأتي اليّ. قبل أن تغدو أسيرا عندي. هل فهمت؟
– إنني أمزح معك. هذا مجرد مزاح، ربّما بدا ثقيلا بسبب…
أدارت وجهها، أغلقت روحها في جسدها الصغير الناعم.
دهمني شلال الغموض. غموض الحرب، وغموض وجودي، وغموض عواطف زاوديتو. لم أعد قادرا على التفريق بين جدّها وهزلها، بين جدّي وهزلي، بين السخريّة المرّة والواقع الأكثر مرارة الماثل أمامي، بين عواطف الحبّ والكره، بين زاوديتو ومانويلا. لم أستطع كبح جماح ثورتي على نفسي، لم أعد قادرا على احتمال فشلي في أن أكون عفويّا وطبيعيّا كزاوديتو.
– زاوديتو، لم أعد أستطيع التفريق بين الجدّ والمزاح في كلامك.
قمتُ، بالضبط، كما فعلت هي قبل قليل. مشيتُ مثل نائم واتجهت نحو الباب. فتحته ببطء ونظرتُ كما نظرتْ هي، وأنا أفتش عن ذلك الشيء الغامض الذي نظرتْ اليه زاوديتو، ذلك الشيء الذي لا أدري ما هو! فمن يستطيع التفريق بين الهجوم والدفاع، بين الحرب والتحرير، بين الأسر والحرية، بين الكره والحبّ، بين الأنانيّة والتضحية، بيني وبين زاوديتو. من يستطيع! زاوديتو أنا لا أستطيع، أتسمعيني؟
وكما لو أنّ زاوديتو كانت تسمعني بحقّ. جاءت اليّ ووقفت الى جانبي على حافـّة الباب المفتوح، وهو  أمر لم تفعله من قبل، حتـّى في أوقات اللاحرب. وضعت رأسها على كتفي وراحت تشاركني النظر الى المجهول. ومن بين خصلات شعرها جاءني صوتها ناعما، أنثويّا، صاعقا لشدّة صدقه:
– أبلغت عنك، لأنـّني لو لم أفعل لكانوا اقتحموا البيت وأخذوك. فالقوات المتقاتلة لم تزل، كما تسمع، تتبادل الاشتباكات، ولم تتم تصفية بعض الجيوب المعزولة داخل المدينة. إنـّها الحرب، ألا تفهم؟
طوّقتْ خصري وجرّتني برقـّة، ثمّ أغلقتِ الباب. سرنا الى حافـّة السرير. حافـّة السرير بدت لي مثل حافـّة الكون. هنا بدأ عالمي وهنا ينتهي.
جلستُ فجلست الى جواري على حافـّة السرير. جلست صامتة تتأمل حيرتي وتبادلني حيرة مماثلة، وهي ترتـّب أفكارها. ربّما هي تعيد ترتيب أحاسيسها وعواطفها وهي تراني مبعثرا ضائعا أمامها.
نعم هي الحرب. حرب الصوماليين مع الأثيوبيين. ولكن، أيّة حرب تلك التي تعتمل في داخلك يا زاوديتو؟ أين أقع من هذه الحرب؟ وما أمثـّل لك الآن، الآن، في لحظة الخراب هذه؟
– بالمناسبة، أخبرتهم أنـّك أحمر مثلهم.
نظرتْ اليّ بمكر وابتسامة مكتومة تختفي بين شفتيها المقاتلتين.
– وعدوا بأن يعطوك تصريحا بالمغادرة، وسيوفرون لك مقعدا في سيّارات نقل خاصّة ستتحرك بمرافقة قافلة عسكرية لمغادرة المدينة بعد ساعات الى المناطق الآمنة. ولأنـّك أجنبي يتحتـّم عليك المغادرة. لم تعد أسير حرب. تصور! كنت أتخيلك أسير حرب، وأتخيل نفسي آسرتك.
قلت مازحا، وأنا أدرك إدراكا تاما أنّ الخيط الفاصل بين الجدّ والمزاح قد زال تماما منذ أن بدأت رشقات الرصاص:
– تأسريني كي تحرري نفسك!
صمتت زاوديتو لحظات، ثم قالت تخاطب نفسها، بصوت تهكميّ:
– أنا أقول حرب، وهو يقول كي تحرري نفسك! إنـّها الحرب! ما هو صحيح في الحرب ربّما لا يكون صحيحا في غير الحرب.
نعم، ما هو صحيح الآن لم يكن صحيحا قبل ساعات، أيتّها الفيلسوفة العارية.
نظرتُ الى المسيح المعلّق في اللوحة، فرأيته شاحبا، ينظر الينا باندهاش وهو لا يكاد يفقه شيئا من حوارنا. تنبهت زاوديتو الى نظراتي، التي وجهتها الى مسيحها وحاميها، فانتعشت روحها، على الرغم من إدراكها أنـّني لا يمكن أن أنظر اليه بتسامح أو صفاء حقيقيّ. فهي تعرف أنـّنا أعداء أبديون. لكنـّها بدت راضية لأنّ عدوّي الصامت، ذا الهالة الغامضة والعينين الرماديتين تمكن من إجباري على الالتفات اليه والإقرار بشرعية وجوده، وواقعيّة حضوره بيننا، في لحظة عاطفيّة عميقة وحاسمة كهذه.
ضحكت زاوديتو مثل طفلة وهي تراني متلبّسا بالنظر الى غريمي المصلوب على الجدار.
حينما تضحك زاوديتو تبتسم العتمة، تبتسم الأحجار، تبتسم الأشياء كلّها، حتـّى وجه الحرب العبوس، المقيت، يفقد تجهّمه.
سكبت ضحكتـُها على روحي موجة عاتية من الشجاعة والكرم العاطفي والأخلاقي المباغت والزائف. أحسست أنـّني قادر الآن على التخلي عن بعض أنانيتي المفرطة، وأنـّني أستطيع أن أزايد حتـّى على السيّد المسيح بعواطفي. لمستُ خصلات شعرها الراقدة بحنان على كتفها وقلت بحماسة:
– هل تعرفين أنـّني أستطيع البقاء هنا رغم الحرب. بل سأبقى. نعم سأبقى. فأنا صحافيّ صديق، حتـّى أنـّني أحمل رسالة شخصيّة الى رئيس تحرير صحيفة (العلم).
لبثت زاوديتو تنظر اليّ بإشفاق وهي تهزّ رأسها يمينا ويسارا، ثم قالت:
– وهل تعتقد أنـّني غبيّة الى الحدّ الذي أفوّت فيه فرصة ثمينة مثل هذه! لقد أخبرتهم عن ذلك من تلقاء نفسي، رغم أنّي لا أعلم بموضوع الرسالة؛ لكنّهم رفضوا بشدّة. قالوا لأنـّه صحافي صديق لا نريده أن يبقى هنا، فالأمور ليست بأيدينا تماما. لذلك لا أحد الآن في هذه الفوضى يجرؤ على إعطائك تصريحا بالبقاء. لا يريدون لصديق مثلك أن يقع في الأسر!
أقع في الأسر! أسر من؟ فكـّرت وأنا ألمح السيّد المسيح يتأرجح طليقا في السلسلة الذهبية المتدلـّية بين نهديها، فقلت مشاكسا، مقلـّدا دعاباتها السود القاتلة، لكي أستفز روح التحدي فيها، في محاولة أخيرة منيّ للانتصار على خيبتي واسترداد شيء من ثقتي بنفسي:
– لم أشعر قبل هذه اللحظة أنـّني ثمين الى هذا الحدّ!
قبل أن تفتح زاوديتو شفتيها المقاتلتين دُقّ الباب دقات خفيفة، فانتفض جسدها وانقبض وجهها. نظرتْ الى بعينين باكيتين، كما لو أنـّها تستأذنني أو تعتذر منـّي، وركضتْ مثل مجنونة نحو الباب. فتحتِ الباب فواجهها رجالُ الميليشيا الشعبيّة.
# # #
زاوديتو تقف أمامي الآن بوجهها الفتيّ الأبيض وشفتيها الزنجيتين وأحلامها التي لا عدد لها، تقف مثل مشلولة، يفصل بيننا عالمان قاهران، عالم الحدود التي تفصل بين البشر وشارع اسفلتي فارغ، لا تعكر سكونه المخيف سوى سيّارات الجيش المسرعة، التي تخلع القلب من موضعه، عند مرورها المدوّي.
بدت زاوديتو حزينة حزناً لم أكن أتوقع أن تكون عابثة صغيرة مثلها تمتلكه. كيف لي أن أتصور أنّ هذا القلب الصغير المشتـّت الأخضر يكتنز هذا القدر العظيم من الكآبة واللوعة.
هل حقاً أنا عابر سبيل؟ قلتُ في سرّي وأنا أنحني لأحمل حقيبتي، كي أتوجه الى محطـّة سيارات النقل، في شوارع خالية من المارة. فلم يكن هنا في الشارع المقفر سواي وزاوديتو وزمجرات السيارات العسكرية المارّة بسرعة البرق.
الآن، أنا هنا وزاوديتو هناك، على الجانب الآخر المقابل من الشارع، تحيط بها هالة من الضباب والأسى. حملتُ حقيبتي ومشيتُ بضع خطوات، بينما ظلـّت هي واقفة في مكانها تنظر اليّ بعينين شاردتين. استدرتُ اليها، وضعتُ الحقيبة على الأرض، وحييتُ جسدها الضبابيّ. رفعَتْ ذراعَها من جديد متمتمة بشيء ما وهي تلوّح لي بيدها. قالت شيئا لم أفهمه، لكنـّها بدت وهي تحرك يدها، كما لو أنـّها أحد المودعين الواقفين على رصيف محطـّة للقطارات، يلوّح بيده وهو يرى من يودعه يمرق أمامه في النافذة الزجاجيّة الغائمة، الآخذة بالتسارع.

عدن 1988

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: الأخضر بن يوسف

وَلِهٌ بهذا الليلِ . في النهارات : أنتَ منشغلٌ بالأرض تجتث ُ ما تكدّسَ في …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية …

الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها على الطريق السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *