جمال الدين الخضيري : الرجل الذي أضحك الحمار

jamal alkhudairy 2حدّثني رجل من أهل النظر سقط عني اسمه، وأوصاني ألا أبوح بهذه الحكاية لأحد أبدا، فرقّشْتُها خلسة على ما سردها، علّها تكون عبرة ومددا، قال:
“قيض لنا أن نلتقي بصاحب الحمار علال بن شلال نضّر الله وجهه، وبَسَط ظَرْفه، في مجلس والي المدينة حالم بن ظالم، مع ثلة من خاصته وندمائه، منهم نديمه المفضل صاحب القطار رحال النمام، وهو مجلس طافح بالأنس والسمر. وبعد أن دارت كؤوس الراح، وتَشَنَّفَتْ أسماعُنا بأصوات القيان الساحرة، وهامت عيوننا وألبابنا في بساتين أجساد راقصة لا تُسْبَر، تدور كالخدروف، وتنساب لدنة بيضاء كالصوف، اشتد اللغط حول فضائل الحمار ونواقصه، واستشرى النّبْز بعلال وبحيوانه، بتشجيع من الوالي نفسه. وعلال هذا، أعزك الله، سائس لدواب أكابر البلد، وعُرف في المدينة بصاحب الحمار، لأنه لا يمتطي إلا ظهره، ولا أحد أدرى بسريرته غيره، وترسخ هذا اللقب أكثر بعد الحادثة الطريفة التي سأسردها لك، فشغلت الساكنة، وانهمرت على رأس حالم بن ظالم شواظا ساخنة.
ولقد قيل في المجلس على سبيل إثارته:
– أصحيح يا علال أن إحدى أتانك ولدت جحشا جميلا قبل أن تلقى حتفها، لقدر رأوك تحمله بين ذراعيك وتلقمه حليبا..
أجاب مبتسما:
–  أجل يا سادة، إنه جحش يتيم.
عقب أحدهم:– لا تنس حفل العقيقة، متى نويت أن تقيمه.
رد بسرعة بديهة والابتسامة لا تفارقه:
– قريبا، سأقيمه خصيصا لكم، أنتم مدعون، متى ما رأيتم الحمير قادمة فاتبعوها.
علت الأصوات منددة:
– خسئت يا ابن الخبيثة.
قال بهدوئه المعهود:
– لا يأبى الدعوة إلا لئيم.
متى ما رغب أحد في شراء حمار أو سقطت دابته مريضة إلا وقصد علال بن شلال منتفعا بمشورته، أو مصطحبا إياه إلى بغيته، تصوّرْ أن الحمار أعز المخلوقات  إلى قلبه، لدرجة أنه عندما غضب على ابنه بسبب إحجامه عن أداء فاتورة الكهرباء طرده من غرفته وأسكن فيها الحمار.
وفي مجلس سمر الوالي تحدى الجميع أنه قادر على إضحاك الحمار. نعم، أجزم أنه بإمكانه أن يُعْدي هذا الحيوان البئيس بفرقعات من الضحك، ويجعله يستغرق في القهقهة بدل النهيق، وما على الذين يرتابون في أمره  إلا أن يركبوا التحدي إن أرادوا، أو فليتراهنوا معه بما شاءوا، آنذاك سيريهم برهانه نهارا جهارا. كان يرفع من هامته ويقول بثقة طافحة:
– أليس لهذا المخلوق إرث طويل في تجشم المشاق وتحمل صروف الدهر وسياط الإنسان، فالضحك أهون وأيسر من جميع ما قصم ظهره وأدمى جلده، فما الذي يمنعه من ذلك؟ !
يقسم بأغلظ الأيمان أنه بحركة بسيطة منه سيجعله يضحك كأي إنسان.
قال الوالي حالم كارعا قدحه مبللا لحيته، دافعا بالتندر إلى أقصى مدى:
– لو أسعفني في ذلك صاحب القرار الأوحد، لأنصفنا هذا الحيوان وجعلناه شعار البلد، أُسوة بالدول العظمى وأحزابها العريقة الذين ما فرطوا قط في الحمار، جبرا لخاطرك يا علال، لعل الشعب يقتدي به في تحمله لشتى صنوف العذاب.
قال صاحب القطار الذي لا يكف ريقه عن النثار:
– مستعدون أن نضع صورة الحمير في منازلنا وسياراتنا وقطاراتنا، لكن نخاف أن تقوى شوكة علال ويتكالب علينا بعد أن يحظى برضى هذه المخلوقات، ويصبح الناطق باسمها.
رد علال:
– يكفيكم أنكم تعلّقون صفائحها على أبواب منازلكم، وتجعلونها سبلا للخلاص، غريب،  تتلمسون الخلاص من محتاجين للخلاص.. !!
تدخل الوالي بصوت مثقل أبح لفرط ما استقر في بطنه:
– علينا ترويض الجحوش أولا والأخذ بناصيتها حتى نحصل فيما بعد على حمير جيدة.
قاطعه رحال:
– لكن يا صاحب العز والسيادة، يستحيل ذلك، فلي خبرة طويلة في هذا الشأن اكتسبتها باعتباري سائقا للقطار.
رد علال ساخرا:
وما علاقة الجحوش بالقطار؟
سرعان ما عاد إلى كلامه:
– إن أمهلتموني برهنتُ لكم عن هذه العلاقة، ونظر نحو الوالي كأنه يطلب منه التأمين على الاستمرار قبل أن يستطرد قائلا:
– طول عمري وأنا أقطع البراري والفيافي بالقطار، فرأيت من الحُمُر ما لم ير أحد، عن بعيد تلوح لي دواب جاثمة في السكة، حتى بت أميز بين الجحش والحمار قبل أن اقترب منها.
ردد أكثر من صوت:
–  يا سلام على نباهتك، إنه فتح مبين !
غير عابئ بهم، عاد من جديد إلى الكلام بحماس أكبر:
– اعلموا أن الجحش بمجرد ما يرى القطار حتى ينفضّ هاربا معتقدا أنه نجا بجلده، وأنه سيبلغ شأوا عظيما عندما يكبر، في حين أن الحمار يبقى في مكانه لا يتحلحل رغم زعيق المنبهات القوي حتى يدهسه القطار، مدركا أنه حمار مغبون وسيبقى كذلك، والمؤسف أنه متى ما كبر الجحش ووعى محيطه إلا وانساق نحو المصير نفسه عن حب وطواعية، هذا هو باختصار الفرق بين الجحش والحمار.
أضاف وهو يوجه كلامه للوالي:
– إن كل جحش هو مشروع حمار، (سرعان ما ينظر صوب علال متمما كلامه بلهجة أكثر حدة)، ضحكَ أو نهقَ فالأمر سيان.
قامت قيْنة متثنية كاسرة رتابة الحوار الذي انخرط فيه السُّمّار، وقالت بنبرة خليعة ذات معنى:
لن تدركوا هذا المخلوق مهما استحمرتم، ولن تصلوا أبدا إلى نجاعة أخْور حمار، اسألوني أنا..
تناولت دفّا وطفقتْ في الغناء، وكل من في المجلس يردد غناءها بأصوات يطغى عليها التلعثم والغلظة تفوق كل نهيق ونعيق:
ذهبتُ إلى الشيطان أخطب بنته ** فأدخلها من شقوتي في حباليا
فأنقذني منها حماري وجبّتي     ** جزى الله خيرا جبتي وحماريا

تمسك علال بمشروعه الرامي إلى إضحاك الحمار تمسكا كبيرا، اعتقد الحاضرون أن الخمرة لعبت برأسه، وأن حميّا الكأس أخذت منه مأخذها، وجعلته يحتطب الكلام احتطابا دونما ضابط أو رابط. لكنه تشبث بوعده أكثر بعد الصحو وبعد انصرام المجلس، كأن الخمرة كانت سببا في نفض مكنونه، والبوح بما يراوده، فطفق ينثر بثبات في الأنحاء والأرجاء ما تفتق عن خبرته وطول عشرته لهذه الكائنات الوديعة.
ولما انتشر خبر ما ينوي الإقدام عليه بين الناس تفاوتت ردودهم بين مستنكر وبين مشجع، وصار حديث الخدور والتهكم في المجامع والأسواق.
وعندما أفشت امرأته أنها رأته أكثر من مرة ينجح في إضحاك حمارهم، انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، وانتقل إلى مناطق أخرى نائية، وصار نجم الرجل ساطعا، وأُلصقت به بعض الخوارق، ومن ثم أصبحت الرحال تُشد إليه وتتبرك بحماره العجيب.
ولقد امتلأت الصفحات الأولى للصحف والمواقع الالكترونية المحلية وحتى الوطنية بعناوين مثيرة، كلها تتفنن في رصد ضحكة الحمار التي لم يروْها قط: ( ضحكة جوكاندية على محيا الحمار، ضحكة الحمار أنغام وورود، عندما يقهقه الحمار تورق الكروم، ضحكة الحمار لا ريْث ولا عجل كأنها الغيوم،…).
وصل الخبر إلى والي المدينة، وتناهى إليه إصرار الرجل على المضي قدما فيما هو عازم عليه واستمرار تحلق الناس حوله وزيارتهم له. استدعاه وحذره من تماديه في غيه متوعدا:
– أحذرك من مغبة الاستمرار في الدجل، إنك تشغل الناس وتصرفهم عن أمورهم.
أجاب بثقة طافحة:
– ليس دجلا، وبمقدوري أن أبرهن على صحة ما أقوله.
قال الوالي بصوت أخف كأنه يسترسل في موعظة:
– هَبْ أن ما تدعيه صحيح، ألا تعلم أنك تحرض الحمير على الضحك، وتغتصب حقوقها بقلب نهيقها إلى قهقهة.
رد بنفس الثقة وبثبات من لا يود التراجع عن عزمه:
– إطلاقا سيدي، كل ما أقدمت عليه أنني ألجمت أصواتها النافرة وهذبتها.. على الأقل فللضحك معنى..
قاطعه مستنكرا:
– يا للمفارقة العجيبة أن تتحول أنكر الأصوات إلى أنكسها، وعلى يديك أنت !!
سرعان ما عقب كأنه طمع في أن يقنعه:
– ثق يا سيدي أنها أمم مثلنا، ومجراها مجرى الناس، ولها قابلية للتثقيف والتأديب.
عاد الوالي إلى لهجته الناقمة متبرما:
– ما شاء الله، فقد تساوينا، وأصبحنا كلنا حيوانات ضاحكة. مجلجلا بضحكة مثل هدير جرّار.
عقب صاحب الحمار مهدئا:
– وهل ضحك الوالي كضحك باقي الحيوانات، أضْحك الله سنّك؟ !
انصرف وهو عازم أن يتم مشروعه ويقدمه أمام الملأ رغم تحذيرات حالم بن ظالم. فهو لا يدري لماذا ورثوا كل هذا الخوف من الضحك. مازال يتذكر أنه في بعض مجالس السمر حينما يتم الاستغراق في الضحك حتى تعقبه في النهاية تلك اللازمة المعروفة “اللهم اخرج عاقبة ضحكنا على خير” كأنه جريمة من أعتى الجرائم. إذا كان هذا التوجس ناتجا عن الضحك الذي ينتاب الإنسان فلا مِرْية أنه يغدو هجينا عندما يصدر من مخلوق آخر، وأي مخلوق؟ !
ضرب موعدا للذين يودون رؤية ابتكاره في بطحاء المدينة، وهي ساحة ممتدة يُقام فيها سوق أسبوعي. احتشد جمع غفير من الناس لم تشهده المدينة حتى في أعيادها ومواسمها. جاء الوالي متدحرجا بعباءته يسعى. غاب صاحب الحمار عن المكان. طال الانتظار وكثر القيل والقال:
– أفّاك، ضحك على ذقوننا.
– لعله وجد حماره ميتا من كثرة الضحك.
– من قال لكم إنه سيجلب معه حمارا حقيقيا، سيجلب صورة ضاحكة للحمار على غرار صورة البقرة الضاحكة، وهو إشهار لدواء يجعل متعاطيه في قوة الحمار.
قال الوالي بعد أن فقد صبره، وتحلق به الأطفال مستهزئين ناهقين:
– إن لم يأت سأكنس به الأرض.
وعندما لاح من بعيد مهرولا مجرجرا حماره تعالت الأصوات صادحة، وعلت الأصابع
مشيرة نحوه بإعجاب. نفذ وسط الساحة تلسعه الأبصار حتى استقر في وسطها. نظر حوله وبهت للحشود الكبيرة المحيطة به. أحس بهول الموقف الذي حشر نفسه فيه، وأدرك فداحة المأزق الذي سعى نحوه بمحض إرادته، وزاده ارتباكا نكوص حماره عن المضي قُدما. جثم عليه خاطر منذر بالخراب، وتلعثم بصوت وجل وهو يُطوّق رقبة حماره مُربّتا عليها:
– حمارٌ من يرهن مصيره إلى ما قد ينبعث من هذه الرقبة.
سرعان ما دنا من أذنيه الكبيرتين المنكمشتين هامسا فيهما باستجداء:
– بحياتي عليك لا تخذلني، اضحكْ ولا تنهقْ.
بادره الوالي متوخيا أن يبعثر كل أوراقه:
– أَبْعِدْ حمارك، فإنك قد روضته على ما أنت مزمع الإقدام عليه، إليك حماري هذا.
لا مجال للمناورة، خُيّل إليه أنه لو امتنع لانهمرت عليه أكثر من حجارة، ولفتك به الحشد المتربص به، والذي انتظره منذ الصباح. لم يكن بد من قبول عرض الوالي. تفحص الحمار وسحبه نحوه. رفع يده فساد صمت مطبق، تنحنح ثم قال بوثوق وبصوت جهور:
– يا حضرات، الضحك سَهْوٌ رَهْوٌ مع أي حمار، وسترون هذا بعيونكم.
همس أحدهم:
– حتى ولو روى للحمار نكتة فتلزمه سنوات كي يضحك.
ردد آخر:
– صحيح، لكن سيستوعبها الحمار قبل الوالي.
أخرج علال من عبّه قارورة صغيرة وبدأ يدهن بها مؤخرة الحمار وأعْفاجه بعناية ولين، والناس مشدوهون متعجبون، ثم أومأ إليهم بالقارورة قائلا:
– من أدوات العمل، إنها زيت زيتون معجونة بأعشاب ومساحيق.
أردف:
– يلزمني مُحَفِّز للضحك، فالضحك بلا سبب…
لم يغفل الحاضرون لحظة عما يتبدى لهم، الكل انشغل بتصوير هذا المشهد المثير متأبطين كاميرات خاصة، أو مكتفين بهواتفهم النقالة. صمم علال على إحضار مُحفّز للضحك كما سماه، و هذا المحفز عبارة عن أتان تمر أمام الحمار من بعيد. ولما لبوا طلبه وبرزت الأتان، حاول الحمار أن يركض نحوها فلم يفلح في ذلك لأنه كان مشدودا إلى وتد، فاكتفى بالنهيق فلم يستطع إلى ذلك سبيلا، لأن النهيق لا يتأتّى إلا بشدّ عضلات الكفل وسدّ جميع التجاويف والمنافذ في جسم الحمار، فتراه يقوّس أذنيه، ويُوصِد دبره، حتى يدفع بذلك الهواء القوي من جوفه نافذا عبر حلقومه، والذي يتحول إلى نهيق، إلا أن بوتقة مهمة كانت مشرعة عن آخرها هذه المرة بفعل زيت الزيتون. فكلما حاول شد عضلات مؤخرته كانت تنفلت وترتخي، وتتزحلق ملتقى حوافها اللزجة جيئة وذهابا، فخانه نهيقه، وجاء صوته في المقابل عبارة عن فحيح كالضحك، أو بالأحرى جاء ضعيفا أشبه بالخوار، بارزا عن أسنانه الضخمة، فلا تَنِزُّ منه إلا فرقعات ضحك لا تختلف عن قهقهة الإنسان. واختلط هذا مع موجات ضحك الحاضرين، فبدا الأمر غريبا مريبا وسط احتجاج الوالي حالم بن ظالم، الذي رفع عقيرته مهددا:
– يا هالك، لقد احتلتَ على الحمار ولم تضحكه، هذا مسخ .. تهجين.
– ………………. ”
ما أن أنهى حكايته حتى سعيتُ باحثا عن علال بن شلال، جائبا الوهاد والتلال، لكني لم أعثر له على رائحة أو أثر يُقتفى. كلما سألت عنه أحدا إلا ويقول إنه مر من هنا ممتطيا حماره، فأكتفي فقط بجمع ما تناثر من حكاياته التي تفرقت في روايتها السبل واختصمت فيها الظنون.
فقيل من ضمن ما قيل إن الوالي أُعجب في نهاية المطاف بوصفة علال السحرية، والتمسها دواء لزوجته التي تشخر ليلا وتصعق بالشتيمة نهارا، وبعد ذلك مضى يوزعها على أكابر البلد، وقيل إن الحاكم الأكبر ينوي تجريب هذه الوصفة على كافة شعبه لصناعة الضحك في البلد السعيد الذي جعجع به الدهر عن مسراته، وسكنته المآسي  والانتفاضات، والله أعلم.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *