محمود عوّاد السنمّار : في ذكرى رحيل الشاعر الكبير “علي الشيباني”

 

صورة الراحل الكبير علي الشيباني من الاستاذ محمود السنمار
صورة الراحل الكبير علي الشيباني من الاستاذ محمود السنمار

“ألق أوراقك … أقل لك ….. أنت لن تربح  إلا في خسارتك”
هنري ميشو

عدم استيعابك ظليمة متواصلة أيها الشباني اللامع بكل ما أنفرط من قـــلائد عذاباتك
فأيامِ شمسكَ تلوين لانعطافات نبـــوية أخــفقت عين الضوء في رصده ,وتكـوين ملامح برؤى
مُعمقة ,تبتعد عن ملء أوراقٍ صحافية وتحــويلُك لسرديات حزبوية وأخرى إتكائــية ,كإتـــكاء
القشور على اللب كقيمة تحمل الصدارة في الـنظر إليها بمــنظار الفائدة والاستفادة,من عطرك
الإنساني ,قالوا عنك معقداً بحكم ما توصل إليه اضمحلال عقــولهم في مقاييسها التي يسخر
أصغر شقٍ في حذائك الذي تفضله على الكثير من المتــغابين حنقاً وجهلاً في احتضان خلجات
عُزلتك الفظيعة ,بعد أن أضعت كل شيء,أبنوك كئيباً في المنصات والصـحف مدعين أنك كنت
ذا نزعة انعزالية,كنت أبسط من هامش في كل أستذكاراتهم لك ,كنــت تــــستلذ بطعم العلقم في
عشقهم,وهم يقطرون الشهد بتجاهلك,كنت مزيجاً من خسارات إنسانية ابتدأت بأنكيدو وصولاً
لأصغر نطفةٍ ,مؤملٌ لها أن تنبت روحاً, كنت بياناً يؤرخ ضياع الكينونة في خضــــــــم تجليات
الأزمنة الـــــــذبيحة, رأيت الذات تُداس غطرسةً ,فأوضحت لنا بتعريفاتك لكل مرحلة ائتلق بها
الزمن الشرس,وهتفت مدويا أن الزمان مسحوق بأقدام أناسه  بعكس  هنري ميلر وادعائه أن
(الإنسان مسحوق بعجلات الزمن) الزمن الذي منحتهُ الشعر بكسر أصنام القولبة المعتاد
عليها فمنحك مسافات تُقطعها فُرادى ذهاباً وجيئة من روحك لروحك من عقلك لعقلك,من همك
لحلمك, جعلوا منجزك طباعة منشوراً وأهملوا منشـــورات أوجاعك تئنُ حنيـــاً وطنياً واحتراقا
شعبياً, اقتربت منهم بخساراتك المتتالية فابتعدوا عنك بربـــحٍ جنوهُ من عذابات أوقاتك الخالية
من فرحٍ آتٍ , زينوا تخليهم عنك بحجج زهايمرية ,لكنـــــــــــهم فشلوا في تأصيل هذهِ الأعذار
فكنت زهايمرياً طوعياً وليس انصياعا , عامداً على تناسي فداحة أفعالهم فــــــــأخـذت التــأمل
بعيداً عنهم وافترشت أيامك شمساً وغفوت عليهن كنسرة على رائحة فراخها المغدورات بسمْ
الأراقم , لم ينصفك حتى من اعتقدت أنهُ نبي إلهامك؟,نبضت بكل شيء,بشجو الأم المتشحطة
لغياب ضناها حباً وانصهارا للهفة قلبها الذي هو أشبة بجرف طين مختمر صبحاً في النوارس
وأنت تُنادي (أمي طشت غيبتي بماي العصر) ومما لاشــــــــك فيه أنك لا تلون الجمـلة الشعرية
بكلمات اعتباطا , بانسيابية تكون نسيجاً غرائبياً , روحهُ الاحتجاج وبواعثهُ انقيادك لرتق
الواقع , تتصيد الاعتراض حتى في اختيار لون الأقلام فأي شخص ٍ كآن يجرؤ علـــــى التوقيع
بالأخضر, كثُـــيرون من ادعوا أنهـــم قدموا لك المعونة والمساعدة, لكن بنطالك الذي جبت به
صباحات عشيقتُك (الديوانية) أماط اللثام عن ادعاءاتهم المبطنة, من تنصب في الأمس كمنظر
فاشل للنيل من آفاق جمالك الشعري وقف اليوم ليٌنادي أنا من فعل لهُ كيت وكيت ,حتى مُريدك
فهم أصناف ,صنفٌ أراد بناء كيانٌ لهُ بالتقرب وصنف أحس جزء من السـاحة شٌــــــــغلت فيك
فنشغل تزلفاً لها والتصنيفُ يطول ,وبين التزلف والتكلف هجعت نفوس القــــلائل تـرنو نـحوك
بعتبٍ يتطاير من عمق الروح كتطاير خطــــاك على أغنــــيتُك التي أتمـــــــمت الـشدو بها قبل
الرحيل بثلاثة شهورٍ كقـــطعٍ  تلـــقتها روحك ,فســـمعناك وأنت تُدندن  لوعـــةً ،ًببكائيةِ (على
تراب المر حبيبي) وأحباؤك كثارٌ تارةً نراه الوطن وتارةً الشعب المنتصر لهُ بــ (دكتاتور,وليل
التتار,ووو) وأحياناً تُنثر فجيعةً لفقدان الصاحب كدرويش المهجر,نديمك “عزيز” المنبثق منك وإليك ألماً عميقاً لا يعرف الهجوع يوماً ,أما الغاوون فكلما وجهدوا لقصــــــائدك اتهاما ونعتوه بأنها متعالية بمادتها الغرائبية تذكرت رامبو صـارخاً فيــهم ( دع الشـاعر ينــــفجر بتــوترهِ نحو أشياء لم يسمعُ بها أحدٌ ,ولم يُسمها أحد) ,رأيــتُك لا متناهياً في إزاحــة السحب عن أشعة نبواءتك ,اصطبرت مراراً وتكراراً حتى قالو عنك لو كان يمتلك قدرةً كلاميةً لما ابتلعه سكوت مطبق ,متناسين أن ‘‘ العبقري سيد الصمت وعبده’’ على حد تعبير فولي,واحتراقا دعني أقولها بكل ثقةٍ أن مشكلة نصوصك بريئة كل البراءة من البداوة بشكلها ومضمونها بما حولك من محيطٍ يُسوق ويُطالب بهذا, أنفرد بك الوعي فانفردت فيه أمام مرأى المتـــشبثين بأوراق ديست رماداً بأقدام شرر المــعاصرة ,وليس من باب الامتداح ,بل من  باب التعريف بطعم ضيائك ,إنني كلما تمعنت بنصٍ من جمـــالياتك ,بعد الانتهاء ,أهـــجــــــسكُ تهــــــمس برأسي كـلوتريامون ‘‘ يجب أن تكون لي كائنات تشبهني,, والحـــقيقة يامعلمنا , لا أجد من يشبهك ولو وجدوا لانفلقت الدنيا بشــــعرائها أيامُ شمسٍ , شمس قمت بتأثــيث قرصها بتوهجاتٍ قل نظيرها في ساحة الجــنون الفني في المفردة الشعبية مثل ( الــــمــــاي مفـــتوح وغركان و……….) وبوضـــوحٍ تامٍ أرى لو اكتفيت برفع لافتتك العظيمة التي مطلعها ‘‘ جرح المودع الندة شوغة الليل…..،،لحزت نفـــس الرفعة والألق والتـــميز , فـــهنري ميشو صرخ نــيابةً عــــن ضمــيرك وعنا جميعاً بإحدى قصائده ‘‘ ألق أوراقك …. أقل لك  .. أنت لن تربح إلا في خسارتك ,, وفي النهاية ولانهاية معك , أتمنى قبول اعتذاري في ما أبديـــتهُ بحقك , فأنني على علمٍ بسموِ عطائك وإن ما احترقت فيه تجاهـك من كلــمات ما هو إلا حزنُ يُراودني على الدوام ِ ,فأي كلامٍ يفي بالغرض . ولا أخفيك سراً عندما اشتقت لاشتقت لأشتعل في الحبر من باب العرفانِ لمنجزك تعثرت مرات عديدة ’ ليس تقصيراً بل إجلالاً لطاقـــتك الحية الخلاقة , فإليك أنــــتمي في العذر ثانية من كل أشيائك ومسافاتك الناضـجة بالــوجد السرمدي الناصع.

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: هل كان للهجة تميم أن تسود وتمسي لغة العرب؟

منذ أيام الدرس الجامعي في الجامعة المستنصرية، استرعى انتباهي، ونحن في درس النحو العربي، وتحديداً …

فكر الاختلاف باعتباره فلسفة أخرى: جيل دولوز نموذجا
الحسين أخدوش

تقديم عام حول الموضوع صرّح ريمون بيلور في مقال له حول “دولوز فيلسوف رحّال”: “سوف …

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *