تابعنا على فيسبوك وتويتر

hatef bashbosh 3ينقلنا الروائي الى المشهد الذي يجمع جعفر مع بهية في التياترو ……
(راحا عائمين على سرير يحلق في هواء وأفق تهفهف فيه طيور شبق مزقزقة ثم بغتة يرى من بعيد وهيبة فيجفل.. يذكر وهيبة تأتيه من الصدى العالي والصارخ في أذنيه  وهيييييييييييييييييبة).
السرير يقع فيه القلب المحترق والنازف حباً , المطعون بسكاكين العشق ,  ظنا منه أنه سوف يحصل على الملاذ الآمن لفرط الحميمية .
تقول الكاتبة السويدية (آن ماري برغلوند ), السرير هو الذي يغذي الحزن ويوقظ المواجع , ولذلك يسمى مخدعا , لأنه يخدع الشخص , فيتصور أنه يلتقي بالحبيب , الذي ماعاد هناك فرصة للالتقاء به في الواقع .
محمود درويش يقول…… لم أجد أين أنام /لاسريرُّ أرتمي في ضفتيه/ مومسُّ مرّت وقالت /دون أنْ تلقي السلام /سيدي : إنْ شئتَ عشرين جنيه.
ولذلك نرى جعفر الهالك حبا , الذي لم يحصل على هنيهة منzaid alshahed 3 الوصال مع حبه الأول وهيبة , يخرج من التياترو مذعورا تاركا وراءه إمرأة ( بهية) أيضا أحبته من كل جوارحها رغم كونها مومس في ماخور , لكن هل تصلح إبنة الماخور لرجل ذو سمعة وسط أهل بلدته , أنهُ جبلُ التقاليد والاعراف الذي يقف حائلا أمام منحر هذا الحب.
هذه هي معاناة العاشق الفنان , الذي يرى بعد فترة وجيزة , أنّ المومس أيضا روح بشرية من حقها الحب والمعاشرة الانسانية , كما وإنها أيضا لها القدرة على أن تحب حبا حقيقيا خالصاً , وتستمر علاقته بعض الوقت مع بهية , لكنّ القوّاد (مالك الماخور) يلاحظ ذلك فيضع حدا لهذه العلاقة التي لم تجلب له المال , فيكون الفراق مع بهية والى الأبد أيضا.
بعد اليأس من لقاء حبيبته ( وهيبة) التي شدّت الرحال مع عائلتها الى ديالى مسقط رأسها , يتزوج جعفر زواجا تقليديا حاله حال كل العراقيين الذين يتزوجون دون انْ يعرفوا زوجاتهم ولايرونها الاّ في في يوم العرس .  الكثير من المثقفين العراقيين وعلى مستوى عالي في الفكر , والذين كانوا ينادون برفع الحاجز بين الرجل والمرأة , تزوجوا زواجا تقليديا , بحيث لم تسنح لهم الفرصة في التعرف على زوجاتهم الاّ في يوم زفافهم ,  إنها الازدواجية الشخصية التي يعيشها الفرد العراقي  والتي لاتوجد لها مثيل في سائر البلدان .
يظل جعفر يعيش على الذاكرة برغم زواجه, دائمُ التفكير بوهيبة (الحب قصير جدا والنسيان طويل جدا وروحي غير راضية لفقدها ,,,, بابلو نيرودا ) , هذا يعني الحنين الى الصبا وذكرياته , الكائن الحي هوعبارة عن نسيج من الذاكرة المتواشجة من الطفولة حتى الممات أو عبارة عن ذاكرة قادمة من الماضي صوب المستقبل, وهذه الذاكرة يتخللها الكثير من الاشياء الملموسة والمحسوسة التي وظفها الروائي كي تعكس لنا مسار حركة التأريخ العراقي بما فيه من الدلالات والرؤى , بما فيه من وشائج تشكّل النسيج العراقي بأكمله . الحب الذي جمع جعفرمع وهيبة , أراد به الروائي انْ يصور لنا مدى قساوة تلك الحقبة الزمنية , على نفسية العاشق والمعشوق , كما انّ جعفر ووهيبة هما رموز الفترة العراقية المنصرمة و مصراعي الواقع الاجتماعي العراقي أنذاك .
يصبح جعفر اباً , وتمضي الاعوام به , لكنّ الاقدار تأتي مرة اخرى في بغداد لاجتماعٍ يحضره الموظفون القادمون من جميع المحافظات مع عوائلهم , كان يحلم جعفر في أن يرى وهيبة ثانيةً اذا شاءت الصدفة , كان ينظر اليها كآلهة الجمال . لكنه لم يفلح أيضا , فهو كان فراقا حتى الممات .
kh zaidيحاول جعفر أنْ يجد له مخرجا آخر مما هو عليه , يريد ولادة جديدة من الممكن أن تنقذه من شظايا الحب التي لاتزال تتطاير صوبَ عينيه ,( يقول غابرييل ماكيز … لايولد البشر مرة واحدة يوم تلدهم إمهاتهم وحسب ….فالحياة ترغمهم على أنْ ينجبوا أنفسهم) .ولذلك يظل جعفر محتمياً من شدة الضيق والكمد بفن الرسم , إذن هو الميلاد الجديد , وهو البوح الذي يلجأ اليه بين الفينة والاخرى كي يخفف من النفس المغمومة في التفكير بوهيبة التي رحلت دون رجعة , رحيل ربما أراد منه الروائي أنْ يوصل لنا رسالة ثانية مفادها , أنّ الرحيل هذا هو بمثابة القطيعة التي حلّت بين الطائفتين منذ ذلك الوقت وحتى الان لم تلتقيا أبدا على برالامان.
يتطرق الروائي الى تلك الحقبة الزمنية والغليان الذي كان يشوب موجة الشباب الثائر أنذاك , الشباب الذي كان يحلم بالحرية والعدالة , والعيش بسلام , وكيف كان مقر أتحاد الشعب الذي تعرض للانتهاك ,  يعرض الافلام السوفيتية , التي تكشف عن الرجال والنساء , النساء اللاتي يعملن سوية مع الرجال , وكيف يرفعن الخمار . هؤلاء يحلمون وجعفر كان بحلمه الذي لم يتحقق , حلمهُ هو الفوز بوهيبة .
جعفر كان يعيش في دوامة التفكير بالناس الجهلة , وهذه واضحة من خلال الحوارية والمشاهد الصورية التي تدور بينه وبين صديقه المسيحي من أهالي الموصل الذي عاش فترة من الزمن في بلدان الغرب وتطلع على الفن والادب والثقافات المختلفة والتحرر من القيود , ثم عاد مع الاحتلال البريطاني , يقدم النصائح الى جعفر المسلم , بينما الاخرون يعتبرونه كافرا لأنه جاء مع الاحتلال , يقدم له كل مايملك من علم ومعرفة في الفن أكثر مما يقدم له العراقي المسلم , الذي لايؤمن بالفن , بل يعتبر الفن نوع من الشيطنة , كان يقول له بأنه معجب برسوماته الانطباعية , يحدثه عن الانطباعيين الاوربيين ومنهم مانيه ومونيه وبيساور ورينوار وسيسلي , وكان يحثه على المضي في الفن على خطى دي لاكروا .
عجيبُ غريب أمر المسلمين أنذاك , نراهم دائما بعيدين عن الفن بشتى فروعه , ولذلك نرى الذين أثروا الفن العراقي سابقا في مجال الموسيقى والغناء هم كل من صالح الكويتي الملحن وهو يهودي الجنسية والذي غادر العراق مرغما الى إسرائيل , وعفيفة اسكندر المطربة الصدّاحة مسيحية , والمطربة سليمة مراد هي الاخرى يهودية والتي تحدّت كل أصناف الضغوطات كي تغادر العراق لكنها بقيت في بغداد حتى مماتها في السبعينيات, لحبها الشديد للعراق .
جعفر وتفكيره بالناس البسطاء والجهلة , وما ألمّ بهم من مصائب وويلات دون أنْ يحركوا ساكنا , دون أنْ يغيروا ما بأنفسهم نحو الافضل , جعله يقول لصديقه إلياس……
(ألا تستطيع التاثير بهؤلاء , الا يمكن تنويرهم ؟).
فيجيبه صديقه إلياس …..
(أنهم يخوضون في برية الجهل والعماء ياجعفر. لقد جاع أهلي في الموصل ومات الكثيرون منهم هزالاً ,لقد أكل جوعى الموصل لحم البشر بعدما أجهزوا على القطط والفئران. )
إلياس قال هذه الكلمات والدموع تنسكب من عينيه , وكأنه يريد أنْ يقول لنا , أنّ هذه الشعوب ينطبق عليها المثل القائل (  لاتحاول أنْ تعلّم الحمار الغناء , لأنك بذلك تهدر وقتك وتزعج الحمار) .
كان جعفر كلما عرض عليه مجموعة تخطيطات يهتف:
(عظيم أنت انطباعي العراق بلامنازع , تسير على خطى  بيساور!)
يحدق في الرسومات والتخطيطات , ويهتف:
سأضمك الى الانطباعيين وأجعلك واحدا منهم .
آآآآآآآآآآآآآآآآآه صديقي إلياس!
(ما إنْ مرّت ثلاثة أيام حتى تناقلت الألسن خبر إغلاق مكتب السيد تومسن ولم يلتق جعفر بإلياس أبداً) .
وهذا فراق أبدي ثالثُّ يشهده جعفر بعد فراقه حبيبته وهيبة , ومن ثم فراق بهيّة فتاة التياترو , ثم صديقه إلياس وهو فراق أشبه بالموت , الموت الغير طبيعي الذي يشهده العراقيون على مر الأزمنة , وكأنها رسالة من الروائي , مفادها أنّ العراق لايشهد سوى القطيعة المتواصلة حد الفراق الابدي والموت بين أفراده المتناحرة والمتحابة.
يشهدُ جعفر موجة التظاهرات التي عمّتْ أرجاء العراق أنذاك كما نرى أدناه ……
(الشرطة ينتصبون في موقف المتوتر المتاهب وجمعا من المتظاهرين يقفون على بعد عشرين مترا يهتفون بشعار كثيرا ما ردده الشيوعيون .. سنمضي سنمضي الى مانريد وطن حر وشعب سعيد)  .
التظاهرات التي تقام بشكل مستمر ضد الانظمة القمعية من قبل الشباب الذي لايعرف غير حب الوطن , عكس مانراه اليوم مع الافكار الاصولية الغارقة في سماء السواد والطائفية والعرقية التي أدت الى خراب العباد والعماد . ثم يشهدُ نتيجة ذلك موت وارد السلمان الذي زار جعفر ايام سجنه 1935 , يموت وارد وهو في عمر الشيخوخة, يموت وهو يقود التظاهرة مع الترديد النغمي ( سنمضي , سنمضي ….الخ), حاملا رموز المطرقة والمنجل للدلالة على الفكر الذي ينتمي اليه .
تنقلنا الرواية الى اللقاءات التقليدية اليومية للناس في المقاهي لقضاء الوقت , والأحاديث التي تدور بين الناس والتي يتخللها الدخول في أحاديث السياسة , حيث ديدن العراقيين حتى اليوم . نقلتْ الناس خبراً مفاده أنّ جعفر قد أعتقل من قبل السلطات  كما نرى من هذه السطور أدناه …….
(الاحاديث في المقهى ذهبت الى ابعد من ذلك فقالت ان الشرطة داهمت بيت جعفر في منتصف اللليل ووضعت يدها على بنادق واعتدة خبئت لتزويد العصاة في السماوة).
لكن جعفر في هذه المرة لم يسجن كما في عام 1935 , بل يضطر أنْ يهرب الى البادية ,وهو في آخر أيامه , ويعتزل فترة من الزمن في بادية السماوة الغربية , مع البدو , خوفا من الأعتقال والمطاردة , عزلة أرادها أن تكون وجودية , لكنه سرعان مايكتشف بأنه بحاجة الى الالتصاق بالناس , فيصاب بمرض شديد أقعده عدة أيام ولم ينفع معه أي دواء , أنه مرض الحنين الى الوطن والاحبة والاصدقاء , فيعود مرة اخرى الى أحضان المجتمع بدفئه و صقيعه , أراد أن يكون لامنتميا , لكنه لم يستطع , لأن روح الوطنية والحميمية هي من صفات الفرد العراقي التي دمرها المجرمون الملكيون والبعثيون  .
ثم تستمر الرواية حتى تأخذنا الى تلك الفتاوى التي أطاحت بعبد الكريم قاسم والشيوعيين , وراحت من جراء ذلك خيرة من الشباب العراقي المناضل ومنهم الشاب الذي التجأ الى بيت جعفر بعد مطاردة الحرس القومي له , وهذا المشهد يتناول بداية سقوط عبد الكريم قاسم , لأن الرواية تنتهي مع بداية إنقلاب شباط الأرعن . زوجة جعفر المرأة الطيبة تساعد الشاب في الاختباء من مطاردة الحرس القومي , حيث تخبأه في الغرفة العلوية من البيت والتي أدت به أنْ يرى صورة وهيبة التي رسمها جعفر أيام الحب العذري , منذ ثلاثين سنة , وهي الآن منطرحة بين الملاءات العتيقة والاشياء الاخرى . ينجو الشاب من قبضة الحرس القومي , وتسنح الفرصة له في المضي مرة أخرى في العمل الثوري , ولم يرى هذا الشاب الصورة ثانية, إلاّ في المعرض الفني للرسم الذي أقامه جعفر في أحد القاعات ,  حيث يقف جعفر أمام ضابط وهو مدير شرطة السماوة الجديد القادم من محافظة ديالى وهو رمز البوليسية حينذاك ورمز القومية والبعث المجرم , الضابط القادم الى المعرض كذباً , بل جاء لاصطياد المثقفين والثوريين , لكن الضابط هنا, يُصعق حينما يرى لوحة من لوحات المعرض هي وجه أمه وهيبة , فيستفيق تحت صحوة الضمير نوعا ما ,حيث يتذكر كيف رَوَت له أمه عن الحب الطاهر الذي جمعها بشخص ما أيام زمان  . في هذا المشهد الموسيقي نقرأ نوع من الفنتازية الجميلة ودعوة الى الحب ,  إذ لايوجد في تقاليدنا من يعلم بحب إمه الى شخص اخر ويظل صامتا , بل يرفع خنجره صونا للعرض. فحينما يدخل الضابط القومي الى المعرض لغرض التفتيش وصيد الوطنيين , ويرى هذه الصورة الشبيهة لأمه فيعرف أنّ جعفر هو من كان حبيبها في سالف الزمن , فيعفو عنه لتأريخه الناصع مع أمه , فيخبر جعفر بأنها ماتت قبل عام بعد انْ أخبرته بحبها اليه , فيعرف جعفر عن خبر وفاة حبيبته الأبدية وهيبة من إبنها الضابط بعد كل هذه السنين التي عاشها على أمل اللقاء بها مرة أخرى , يعلم أنها بقيتْ على الوفاء ولم تتزوج حتى علمت بزواجه .
قد يكون الضابط هو الخير وسط الكثير من أوباش البوليس والحرس القومي , فالخير موجود في كل زمان ومكان , حتى بين رجالات السلطة الجلاوزة , ولو أني لم أرّ جلواز بعثي واحد قد نال وسام الشرف . كما وانّ المشهد هنا مثير للجدل رسمه الروائي لنا , اذ يحضر الى المعرض كلا من الشاب الضحية ,الذي رأى الصورة أثناء هربه من الحرس القومي , مع الضابط الجلاد ويا لسخرية القدر .
(ماتت وهيبة ولم تفارقها أيام حبهما العذبة , الرائقة , البريئة)  .
المرء يعرف أنّ العلاقة بينهما إنتهت , ولكنه يتمسك بها ولايستطيع أنْ يوقف إستحواذها عليه, وهكذا يستمر الضياع والشوق , أو يحل الانكسار في حالة الفراق القسري(شطر قلبي شطرين ومضى بعيدا, تاركا وراءه قلبا منكسرا ……..دوروثي باركر ). ماتت وهيبة لكنّ أنين الناي باقياً وسيبقى  , حتى بعد أنْ يفنى الوجود .
ثم يموت جعفر ميتته العادية , في بداية النفق البعثي في عام 1963 الذي لم يدخله بل مات على أعتابه , فارتاح من حقبة زمنية , جلبت الكثير من المصائب والويلات على شعبنا الصامد بوجه الكثير من الجرائم البعثية , يموت جعفر ويلقى نفس مصير حبيبته وهيبة , الموت هو المصير المشترك لجميع بني البشر والحيوان , للملوك والحمير , يموت في نفس النهر الجارف الذي حمل حبيبته , ولكن الأثنين على مسافات متباعدة من جريان السيل الابدي الهادر , الذي يجعل من الطرفين في الجهة القصوى من التباعد وعدم اللقاء , هذا يعني أنهم تفرقوا مثل تفرّق أبناء الوطن منذ ذلك الوقت حتى الان , تفرّق نتيجة البغضاء والحقد بين الطوائف , ولم نعرف متى تستفيق هذه الامة من هذه الفرقة  التي لمّا تزل تنخر في جسدها  .
(مات جعفر ميتة في وقتها المناسب فلو قدر له العيش أسابيع معدودة لشهد إنقلابا هزّ الوطن بأكمله  في يوم جمعة رعناء من شباط أرعن , أذّن بأنهار دم تدفقت على أرضه) .
يقول تشرشل( كل شخص يموت الميتة التي يستحقها) …… يموت جعفر وفي قلبه حسرة من رؤيا وهيبة ,  أي أنها حسرة  في أنْ يرى هذا الوطن تحت راية السلام والحب , وتحت  سماء الوئام والالفة والتآخي , مات في وقت يدخل فيه العراق نفق مظلم جديد أدخله في إتون ومحرقة القتل والعنف الدموي , مات في بداية انقلاب شباط الاسود على أيدي البعثيين , مات مع نهاية الثورة التموزية القاسمية . مات جعفر مع بداية عنف جديد , عنف يولد من عنف , وإنّ الذي يقرأ هذه الميتة لجعفر , يستشف انّ الموت هو راحة لكل عراقي من هذه المآسي التي تتناوب دائما وأبدا على مر العصور  , منذ احراق الملك السومري الذي كان محبوبا من قبل العراقيون أنذاك , ولكن سرعان ما إنقلبوا عليه وأحرقوه هو وعائلته , منذ ذلك الوقت والعراقييون من نكبة الى نكبة .
يموت جعفر مثلما يموت الآخرون  , ولم يبقّ منه سوى الجسد البارد وجملة من الذكريات , تعيش لدى أحباءه , يموت جعفر ميتةً جعلها الروائي البارع زيد , نقية , دافئة , محبوبة , ويتوجب علينا رثائها على طريقة (قسطنطين كافافافيس ) حينما يقول ……..أيها الجسد , تذكر كم كنتَ محبوبا ومرغوبا/تذكر العيون التي نظرتْ اليك/ والأصوات التي بحّتْ من أجلك/ لقد أصبحَ كل شئ وراءك.
كلمة أخيرة بحق الروائي ………
زيد الشهيد دراميا مذهلا علاوة على كونه شاعرا حيث قرأنا له ( أمي والسرواويل) . ينطلق بنا في هذه الرواية الى مقاييس الشرف والعدالة المتأصلة في بدن الانسان , حتى تتجسد في ذلك السياسي الذي يسير به حقده الى إحراق معالم وطنه مدعيا الحرية والعدالة على طريقة روبسبير في فرنسا ونيرون في ايطاليا .
زيد الشهيد حاذق في صنع رواياته يستطيع إبتكار سرد الثيمة الروائية, بشكل مريح , له الكثير من الأدوات الأبداعية , ومفردات السرد ورموزه , إضافة الى ثقافته الاكاديمية والموضوعية والذاتية , وبكونه مثابرا ودؤوبا , يحب التجديد, له القابلية على إنتاج الكثير من المفاهيم الأجتماعية , إجتمعت هذه كلها لتلبي مايريده الطموح الروائي.
زيد الشهيد في هذه الرواية قال لنا ماقالهُ رينيه ماريا ريلكا  … الماضي لن يعود /والأمل لن يعود/ هو لايعرف أني أحترق/ولايعرف أني أذوب/ لكنّ الاشجار تشع بالضياء/ والطيور تغرّد بفرح/ وأنا أشعرُ بأني وحيدة.
في هذه الرواية استطاع زيد أنْ يدق أسفين الايجابي , ويخلع السلبي , وقد أعطى الصيغة الملحمية للشخصيات وكيفية تحركها مع الوقائع في جدلية الحب والموت , في بوح ملحمي وتجسيد فني , للحالة العامة , من خلال الحالة الخاصة للفرد , والمتمثل بجعفر , فنجد البطل يتحرك في الأزمنة الممتدة والأمكنة الواسعة ,. مع الحركة المستمرة للشعب عبر الزمكان , إبتداءا من الاحتلال البريطاني والذي تبرز فيه معالم الخير والشر , السلبي والايجابي . فهناك صراع مستمر بين الخير والشر على مر الأزمنة المتعاقبة في العراق .
زيد الشهيد يترك بصمته الحقيقية على التأريخ السياسي والاجتماعي والعادات التي يتسم بها مجتمعنا العراقي في تلك الحقبة الزمنية التي كان زيد جزءا منها حسب توافق عمره البايولوجي , كما وأنه عرّج على السمة الميكافيلية , وكيف نرى حين ينام الضمير ويموت لدى الساسة , فنعرف بأنهم هم الذين أغرقوا العالم ببحور من الدماء , هم الذين شيدوا الخراب والدمار.
في النهاية لايسعني سوى أن أقول من خلال فحوى الرواية ماقاله الشاعر الامريكي الشهير (والت وايتمان)……. لن يضيعَ شئ في هذه الدنيا , ولن يضيع …. الجسد , الشيخوخة, البرودة ….. يبقى لهيبُ العناق تحت الرماد .

أدناه روابط الحلقة الاولى والثانية……
http://www.alnaked-aliraqi.net/article/18225.php
http://www.alnaked-aliraqi.net/article/18385.php

هاتــف بشبــوش/عراق/ دنمارك


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"