بلقيس ملحم : الباقي من النور (6)

balkis melhem-2-
أحاديث المهد!

حالما رفعت ضفاف صينية العشاء حتى حدقنا في بعضنا البعض, ثمة تنهيدته قطعت صمتنا.. ضغطت على يديه:
–    عمري أنت خايف؟
–    على ضفاف
–    ضفاف! مو صارت مره الله يحرسها
–    تنقصها الثقة بنفسها إنتي ما تشوفيها شلون تمشي على أطراف أصابيعها!
فجلجلة ضحكة مني: صحيح قصيرة لكن مثل ما يقولون: إحذر ممن دنت هامته إلى الأرض! فما دامت ذكية وجميلة فلن يضرها شيء..

كنت أعرف ما يؤرق أباها,إنه يخاف علي أكثر منها, يخاف أن يفقدني قبلي فحين تكبر الأشياء الوحيدة في حياتنا نبدأ نخاف أن تضيع منا أو نضيعها, فنتشبث بها كعنقود أمل يتدلى من الروح, كلانا يحتاج الآخر,أجدنا ملتصقين  كالشمع, معجونين كالطين, محنطين كمومياء أفلا نخشى أن يسرقنا لصوص المتاحف؟؟ فقد رسمنا الدرب حتى خاتمة الحزن التي مضغها كل عراقي ! لقد عثر عليَّ بينما كنت أبحث عنه يوم أن ماتت في حياتنا الآمال والأحلام, وبعد أن قطعت منا شجرة الجنة التي نستتر بها حال تكشف عوراتنا أمام أنفسنا!67b8a94e07931427db143809بالرغم أنها لا تعلم حتى الآن بموعد سفري القريب تحديدا, إلا أنها تقرأ كل سكون في داخلي, كل نبضة تخبرها بأني قريبا ما ربما أغادرها, هي المرة الأولى التي ستصحو دون أن تراني بجانبها, إنها تترجم تصرفاتي حتى العشوائية منها, ذات مرة وأنا أكنس حوش البيت رأيتها تنصت لي في عمق لذيذ وأنا أردد أغنية جميلة لفيروز:

سلم لي عليه.. آآه
قول له إني بسلم عليه
أنت يلي بتفهم عليه
سلم لي لي عليه سلم
بوس لي عينه
وهي ومفتحهن عينيه
وبوسه بخده
طول لي عليه
فهمت عليه كيف سلم؟
سلم
قول له عيونه مش فجأة بينتسوا
وضحكات عيونه ثابتين ما بينهضوا
مادري شبو
وبعرف شبو
مطبوعه بذاكرته
ماتبحثوا
عم تبحثوا؟
ماتبحثوا
ما تبحثوا
ماتبحثوا
ماتبحثووووو
سلم لي عليه سلم

الصباح يغني من أجل فيروز.. تركت مكنستي جانبا, حتى وجدتُني وسط حضني أخلخل أصابعي في شعرها الناعم وهي تنام على فخدي -وسادتها المفضلة- رفعت إليَّ عينيها الواسعتين وبدأت تشتبك معي في أسئلة طويلة, مما جعلني أمرر كفي على وجنتيها الباردتين..
– طيب شرايش أقص لج قصة سلطانة والشطرة؟
أغمضت عينيها ثم فتحتهما, هزت رأسها إيماء بالبدء..
–  سلطانة التي تشبهك كثيرا كانت تميزها بشرتها النضرة وعيونها الواسعة
–    وهل تعرفينها؟
–    ربما أكثر من نفسي, رغم أني لم أراها إلا في هلام خيالي.. هل تحبين أن تتعرفي عليها أكثر؟
–    بالتأكيد.. قالتها متحمسة
–    رفضت الزواج من كل شاب غني تقدم لها, ورضيت بشاب بسيط, عمار ابن الفلاح زامل, كان هو فارسها المنتظر الذي سافر بها إلى حيث ما كانت تحلم به يوما وهو أن تعود إلى مراتع الطفولة, حيث نهر الغرَّاف, ورائحة الجنوب التي صبغتها..إلى الشطرة تحديدا سافرت, أقامت هناك حيث تنام أمها في مقبرة الإمام العباس ابن الكاظم عليه السلام.
–    خطية, يعني أمها ميته!
–    نعم حبيبتي, عاشت سلطانة كاليتيمة ذلك حين طُلقت أمها فخلفتها وحيدة تناضل, ولكنها خسرت حروبها من أجل الحياة, عاشت مع زوجة أبيها الشريرة عشرين عاما, كانت مليئة بالمكيدة والوشاية والآلام, وعلى شفا جرف كاد ينهار, طفرت حياة إليها فنبتت كبذرة برتقال رماها أحد المارة في بستان الله الواسع, إلا أن حياتها عادت لتكون مرهونة بهور عظيم, تعيش ثم تموت وتموت ثم تعيش.. لقد تغير كل شيء في الشطرة التي تعشقها, فالمدينة  بدت فارغة من وجوهها التي كانت تمتلئ بالماء, لقد زرعت السنون مكان أعين المارة: حفرتين جافتين, تخرج منهما قوافل النمل الأحمر, النمل الذي كف عن الاستماع لدبيب الغبار على الأرواح المستسلمة وراح يترنح لضجيج الشارع مخلفا ورائه خرير النهر وأطفالا يسبحون في برك المجاري ونفايات البلدية المتعافية, رغم الشمس التي تضحك بعفوية وتزأر منتصرة على المزاريب التي تزرع المزيد من الطحالب والزهور الصفراء..
المسكينة كانت تبحث عن وجوه ربما تتذكرها, كانت مثلا تتصنع الوقوف أمام حانوت جدها دعبل والذي يبيع العُقُل التي كان يحيكها بيده, إلا أنها لم تجد سوى براويز خشبية تحمل نعوش الذكرى لسرير دافئ, رسالة حب, طفل محشو بين ثديي أمه, خجل فتاة, وثغر النهر الذي حاول أن يصرخ لكنه لم يستطع!
–    أمازالت تعشق الشطرة رغم خرابها؟
–    طبعا يا ضفاف, لا يوجد بشر يحبون وطنهم مثلنا, إننا نقترفه كجلجامش وحمورابي, نقيمه في دواخلنا مملكة وجنة عدن.
–    وبعدين؟
–    عاشت بقرب نهر صغير,تمارس الحب كما تفهمه, تغترف من نافورة البلور الزنابق التي تنعس في يدها وتكركر.. لكن ذلك الفرح لم يطل, لقد نطحها ثور حظيرتها وهي تقوم بتنظيفه, أمضت يوما ونصفا تئن على فراشها القصبي حتى ماتت بين أحضان زوجها الفلاح الطيب..
–    يوم, بالج سلطانة محظوظة؟
–    لويش هالسؤال؟
–    في نظري أنها محظوظة لأنها ماتت بطريقة طبيعية وسليمة, على الأقل أسلمت روحها بهدوء تام! ومن غير مفاجئات..
–    يوم, سووا لها مأتم جبير؟
–    القرية مشت خلفها بمن فيها: حزن المروج, مشجب القلب, وظلال الراحلين…
–     مو قلت لج محظوظة!

لا أدري كيف تجرأت وقصصت عليها قصة كهذه! انتزعتني مني حتى اختلطت أنفاسنا برائحة الدموع, كنت أنصت لكل خفقة منها, كانت تتكلم بصمت ذكي ورهيب, نياط قلبها تجلدني, كانت تتوسل بأن لا أتركها للزمن..
فالسيوف اللامعة ليست كافية للمقاومة في زمن لم يعد قرص الإسبرين خلا وفيا للقلب..
مضغتني ضفاف وهي تسألني:
وفي أي شيء أشبهها؟ لا أريد أن أموت في حظيرة جواميس حيث تحتشد الديدان والبراغيث أريد أن أموت وأنا أفتح رئتي على اتساع الغابات وأطلق ما تبقى لدي من عصافير محبوسة..
احتضنتها بقوة فما لبثت حتى شفيت مني حين قضمت وجنتيها الناعمتين, وسألتها إن كان التشابه لا يعني التطابق تماما, فكون سلطانة صافية الروح فأنت كذلك!
أغمضت عينيها بهدوء ونحن ممددتين تحت نقر المطر الذي حاول أن يمحو من ذهنها صورها القلقة..
أما أنا فقد واصلت نومي الذي كان عميقا ومليئا بالرغبة الكبيرة في فقدان الذاكرة, بعد أن فقدت الثقة في الأشياء الجميلة…

************

قبل خروجه للمحطة ونحن في منتصف الدقيقة الحاسمة للحب, دق باب الغرفة, ميزت بأنها أصابع عمي, يا ترى ما الذي أخرجه من مخدعه في وقت كهذا؟ لبست قميصي على عجل, ربطت على رأسي منديلا, وفتحت له الباب, بينما كان جاسم ممددًا على السرير..
–    صباح الخير عمي خير عن شاء الله!
عبس في وجهي, كان متجهما ومرتبكا..
–    وين جاسم؟ نادي لي اياه بسرعه
في ثواني معدودة لبس دشداشته ثم خرج إليه, كان مرتجف وهو يقبل رأسه ويده التي سرعان ما سحبها منه غاضبا, نظراته إليه كانت عنيفة وحادة!! لأول مرة أرى عمي بهذه الحدة, كأن سيولا وفيضانات ساخنة سكنت عينيه, كأنه يكشط من غيماتنا الحميمية أفراحنا الصغيرة, فنحن لا نجد لأنفسنا مخرجا من حيرة غضبه هذه, حتى ندخل مرة أخرى في مسالك الظلمة والبارود الأعمى الذي رمانا بلسعته الأولى
–    خير إن شاء الله!
وفي لحظة انفجر بسمنفونية بكاء كسنمنفونية حرائق نينوى الأبدية, مضمرا في أكداس لغة عينيه فاجعة ما..
– ومن وين يجينا الخير؟! قبل دقيقة خابرني جارنا  كاظم أبو تيسير من مدينة الشعلة,آآآآآآآه أخوك نعمان استشهد هناك بمفخخة وأنت بعدك نايم مثل النسوان ياجبان!

رفع يده ليصفعه لكنه أنزلها قبل أن تصل إلى وجه جاسم, فجأة تعانقا.. ما يمكنني أن أتذكره جيدا هو ما جادت به نياحة جاسم  قاطعا قلبي ألف قطعة, فعلا كان كالنسوان في نياحته على أخيه, ملأ المكان صوت بكائه:
ليتك كنتَ طاغية, لمت ولم تستحق سوى اللعنة.

رحل نعمان مع عقارب الساعة التي تفننت في خلق أعذار للموت, فهي لا يهمها أن تعلنه مع الصفصاف والمطر,أو مع الرصيف وباعة الأكياس وليف الجسم, أو مع الجسور التي تنحني للشهداء, أو مع السرادق الكبير وصوت عبد الباسط الرخيم, أو مع النعوش الموقوفة على روح عبد الأمير والتابوت المستعمل..
هي لا يهمها أن تبصق على الربيع وهو يغفو على أجنحة الفراشات, كما لا يهمها أيضا أعناق الورد وهي تضطجع وسائد الأرق.. رحل ولسانه حاله يقول:
هل متُّ حقا؟
وانطفأت شمعتي؟
أما من أحد يحتفل معي بالظلام؟
لقد أضاء لي النصل وجه قاتلي, وردَّ علي شهيقي بألف زفرة..

حالة الاستنفار في بيتنا بلغت حد الذروة, فبالرغم من شحوبها إلا أنها نشطت في القصيدة العنيدة لون كحلها الأسود, وبدأت تُهذِّب الكثير من شراسة أحزاننا, تعلق قلوبنا ساعة حائط  كي لا نسمع دقاتها المرتبكة, تدير وجوهنا عن المرآة حتى لا نكتشف أخاديد الألم.. وقد أفرغت فيها الينابيع مياهها قبل أن تطمرها سرفات الحرب بأشلاء الصفصاف وصرنا نتصرف مدفوعين من أنفسنا مع بعض الأقارب والجارات في تنظيم مأتم آل عبد المحسن, صففنا خمسين كرسيا تقريبا جلبتها لنا أم صافي, كانت قد ادخرتها لزفاف صافي والذي سرعان ما محت وجوده أضابير الداخلية قبل سبع سنوات.
برفقة ضفاف فرشت بنات الجيران بسطا خوصية, وفي خلال ساعة من الزمن كان بيتنا ممتلئ بالمعزيات, بدأن في صب القهوة وتوزيع  المهفات  – المكيفات العصرية المتنقلة- عليهن, في حين أقيم للرجال سرادق متواضع في أول الزقاق.
رحيل نعمان- نديم الأمسيات- كان بمثابة فوضى عارمة صعّدت من هذيان الحمى.. فشيعته إلى دواليب الأقدار العفوية, العفوية التي أخرجت أسرابا من طيور الحب لتغطي وحدها خبر وفاته, فرقصت وهي منكسرة, رقصة الوداع في العشاء الأخير, ذلك بعد أن عجز جارنا الرقيق ياسر علوان عن تربيتها والإنفاق عليها, لذا صادف يومها أن يطلق سراحها لتتلقى فسحتها الأولى مع الأحزان.
لم تكن الطيور وحدها من تأثر بالخبر, أبناء العشيرة والأصدقاء  توافدوا من كل مكان, من كل قرية ومدينة.. بيتنا الصغير تحول إلى حقل لعباد الشمس وإلى معلم سياحي مهم يحرص الكثير على زيارته, فحتى تصل إليه بسهولة لابد لك من إتباع خريطته الجديدة , لا يكفي أن نكون على امتداد الشارع الذي تقع فيه جمعية الميثاق مثلا أو بالقرب من البدالة الرئيسية أو بالقرب من ملعب حيدر فيكو أو خلف سوق النداوي أو أمام المستوصف الطبي..
فعمَّتنا المولدة أصبحت أكثر شهرة من غيرها وأدق في الوصف الجديد, حيث تتربع معظم أزقة الأحياء الراقية والمتعفنة على حد سواء, معلنة وفاءها ووقوفها مع محنة العراقيين بشخيرها المتواصل لست ساعات.. كديناصور هرم نهض من موته مستبسلا لإنقاذنا, فهو لا يُمل من صوته ولم يشتكِ منه أحدا حتى الآن, خصوصا أبو كريم صاحب الحل السريع لكل عطل يصيبها, يدهن المحرك بيديه الشريفتين! وينفث فيه الروح قبل أن ينكمش ويعلن قرب انتهاء صلاحيته, لذا فبيتنا يقبع في الزقاق العاشر قرب مولدة محمد الوكيل, هذا طبعا بعد أن تجتاز خمس سيطرات وحاجزين كونكريتيين نصبا  مجددا بعد اعتداءات متكررة على جامع مصعب بن عمير الكائن بشارع الكنيسة.

بعد مرور أيام العزاء الثلاثة كانت بحبوحة الفرح المؤقت الذي خرج من شقوق مراكب ضفاف قد انحسر وبدأت تتشظى كل الشقوق, تنفجر بطاقة عجيبة كعبق يخرج من بين الأشواك وحفيف غابة مورقة بالفراشات..غير مبالية بالندوب التي تضرج جسدها الغض ولا بآلام قدميها التي رافقتها منذ ولادتها, فهي تتلاشى منا تدريجا لأجدها تصعد إلى السطح في كل ليلة خصوصا حين يغيب والدها خارج المنزل, يطيب لها التحديق في وجه القمر, تناجي الله والنجوم وشخوص حقيقين أوقن بأنها تعيش بداخلها كغيمة ماطرة وسنابل ونصف آخر لتفاحة حمراء, تفك أزرار القصيدة بشفتيها, تتموسق في مقطوعة حب, تكتبها من ورق القلب الموجع وتعصر حبرها من دمع العين, تدون اللحظة بوشم الزمان, الزمان الذي صار يكبر فيها ويجعلها تتقدم في العمر أكثر مما ينبغي..
نظراتها المرتقبة تغري بالدخول إلى مدينة آمنة, لا تسمع فيها سوى صوت الأنين الخارج من فوهات الجدران المكلسة بالبرودة والحنين..
في معبدها هناك..
كنت أستمع إلى نحيبها وهو ينكسر في أول انعطاف, ليتلاشى مع سقوط الجثث التي كانت تسمعها وهي تستغيث بلا جدوى.. ترقص رقصة معبد في ظلمة خالصة وهي تدور حول نفسها.. نازعة من رأسها العزلة والشموع والمقاعد الخلفية, حتى فرت العصافير من تحت ثيابها إلى أفق بعيد كانت قد أنهته بزفرة طويلة جدا جدا..
عزلتها الموروثة مني, جعلتها كثيرة الأسئلة والحيرة, وحين لا تجد جوابا لا تتردد في الدوران حول نفسها مرة أخرى, ترقص كصوفية محترفة وإلى أن يغشى عليها تكون قد وجدت جوابا شافيا!
وجدتني ألتصق بها ونحن نتناوب ملاءة الغيوم, نتبادل أدوار شيخ طريقة وطالبا للهداية, كانت تلك فرصتها الوحيدة لإخراج  الزفير المتراكم منذ عام تقريبا.

تعرفتْ عليه ونحن في زيارة لمنزلهم الكائن بالغزالية, كحمامتين غريبتين تقفان على نافذة لامعة, تبادلا نظرات خجولة وأحاديث عابرة.. واليوم يأتي ليفتح صماما يقذف بحممه في ساحة تترنح بين الحرب والسلم, يمشي خطوة ويضيع فيها كجندي كسرت ساقه وهو يلقي بنفسه في خندق مهجور, جاء بطيفه الممسوح بسمرة الظلال, يلتمس في المأتم الهداية إليها, لينقل أطباق اللحم و( التمن الذابل من الدهن الحر) لتقدمها ضفاف وبنات عمها إلى المعزيات, وقبل أن ينتهي الجميع من الطعام تذكرت أن (لكّامة) قريبون من بيتنا يسترقون أخبار المآتم والأفراح فحملت إليهم عن طريقه صحنا تلتحفه قطع اللحم الكبيرة, كانوا كما كانت! على موعد عامر مع ما يملأ بطونهم  به, وما يملأ شهية لقائهما..
لم يتبادلا سوى النظرات البريئة, ثم عادت إلى المأتم لتمارس ما يمارسه الكبار, سمعتها نغما مبحوحا يدوي في صحن الدار وهي تعزي نفسها في عمها:
الدعوات بالرحمة والمغفرة لموتانا وموتاهم, وطول العمر لمن تبقى على قيد الانتظار..
بعدها تبدأ لعبة السلوان والنسيان لتشرك ضفاف مع بنات عمها في الأحاديث اللذيذة, تنزوي مع وداد ابنة عمها ظافر التي تكبرها بخمس سنوات وهي تقول لها: يلله خلي نسولف!
يهذرون كثيرا, شيئا فشيئا حتى يأتي دور الحب وقصصه, تهذيان بأحلام تتلاطم بلا قاع وتمتد بلا ساحل وتسيح بلا كحل, لا نهايات مرسومة حيث البياض بليد والرموش المضطربة لا تصلح  للغريق أن يتشبث بها..
كانتا ترقبانني بعينين شاردتين, أقرأ فيهما انتظار الياسمين لزبد المواعيد! ربما كانت ضفاف هي الأوفر حظا, فقد استطاعت أن تشم الهيل من بقايا فنجان الشاي الذي شرب منه الغريق فلعقته حتى القاع..
بينما هو غادر وتلاشى كالزبد..

**********

حرصت بأن أكون بجوار ضفاف تلك الليلة, أكثر من والدها, لأنه بطبيعة الحال كان بجانب عمي المسكين الذي أكلته السنون والفواجع, ورمته عظاما هشيمة للزمن..
سألتها وأنا أرفع استكانات الشاي لأضعها في أدراج المطبخ:
–    هل وجدت وداد من تحبه؟
–    أمي, لقد شنقوها بشرائطها البيض ونشروا فتات قمحها في بستان صرفت عنه قنوات النهر..
–    ألم تستغث بفزاعات الحقل؟
–    آآآه..انتهى كل شيء, أخباره منقطعة بعد أن سافر إلى عمَّان, حتى الأحزان لم تُجدِ معه, لقد تصلبت شرايينه ولم تمل إلى الوجوه الناظرة, حتى صنعت منه بطلا قوميا في مواجهة الحياة, فالحب ضُعفٌ وهو لا يصلح للأقوياء, العراقي اليوم صار يتقلب بعذاباته غير مبالٍ بالأرصفة التي تبصق عليه, وحين تنساب عذوبة الأحزان  من المزاريب يفتح فمه لسماء الوطن قائلا: الحمد لله والشكر ,آني أحسن من غيري!
–    صحيح , انتي أحسن من غيرك!
–    أمي أخاف أن أركض وأنا حافية فأنزلق في منتصف الطريق, حياتنا مبللة بالمفاجئات, والحماقات تطرقنا في كل حين, أخاف أن نذبل على صخرة قبل أن تلتف أغصان السواقي..
خرجت من المطبخ دون أن أجيبها بشيء, لا أدري أكنت مزهوة بفتاة كهذه؟ تتكلم بطريقة مهذبة ومثقفة, وبوثوق تام وكأنها طالبة في السنة الرابعة من الكلية, أم كنت خائفة فعلا من أن تنزلق وهي تركض إليه!!

في لحظة ممتلئة كهذه لا يمكننا بحال أن نمسك بخيط دموعنا الملتاعة وحتى نرتعش كالعصفور.. يكون قد أخذنا منتصف الليل إلى سكونه وهدوئه..

تعود ضفاف لأسئلتها الكثيرة, أكثر ما يحيرها هو موت عمها نعمان, كيف يموت بهذه السهولة؟ ذلك الإنسان الجميل الطيب الذي تخاف أن ينكسر إذا ضحك وتخاف أن يذوب إذا بكى..
كيف مات بكل هذا العنف؟!

وضعت ما بيدي من أطباق وقربت كرسيا إلى جانبها حيث كانت تتصفح في جريدة تهتم بأخبار الضحايا فقط.. سألتني عنه وعن كركوك التي قدم منها فأجبتها:

–    عيناه حلوتان وحزينتان في آن واحد, ولأن حروفه ممنوعة من الكلام صرخ بصمته المجنون ونفخه بأجمل مقطوعاته في مزمار رشيق..
جرب أن يتحدى وطأة الحرب, لكنها كانت أقوى منه, جميع من كان في المعهد الموسيقى وفرقته الموسيقية اختفى, منهم من هاجر ومنهم من اعتزل ومنهم من قتل, فكر هو بنفس المصير بعد أن تلقى تهديدا من أحد المجاميع الإرهابية, فهرب إلى كركوك, لكنه واجه المصير ذاته حيث البؤس.. لا عمل, لا حبيبة, لا صديق, ولا وطن! جاب الطرق كلها فما وجد سبيلا سوى أن يحمل المسافرين من كركوك إلى طوز خورماته والحويجة ودبس, ولما تدبر عنده مبلغا جيدا ليبدأ حياته, عاد جذلا إلى بغداد, لتتطاير أشلاؤه وتجتمع في السماء..
–    وهل حقا تجتمع في السماء!
لقد صممت أذنيَّ حين أخذ والدي في الحديث عن جثته الممزقة, قال أنهم لم يتعرفوا عليه إلا من خلال جرح وجدوه إثر عملية جراحية كان في خاصرته.
–    نعم ستجتمع بنور يوم قيامته, فميتاته الخمسة عزمت على التجسد, حتى أصابعه الصغيرة المعكوفة ضربت هي الأخرى موعدا مع الريح..
لنقرأ على روحه الفاتحة..

بقيت رافعة يدها, تمتمت بأدعية بعد قراءتها ولما مسحت وجهها الأبيض, أمرتها بأن تنشر الملابس, لم تتأخر, نشرتها ثم عادت إلي وفي يديها فرعين من نعناع نفاث الرائحة قطفتهما من حوض مقدمة المنزل, خدرت لي أبريقا من الشاي ثم صعدت به إلى حجرتي فرأسي كان محشوًا بالصداع..

منهكة جدا, أتمدد على فراشي, لا أقوى التقرفص عليّ ولا  الانبطاح على بطني, بطني؟ آه .. كم يعجبني الانبطاح عليه فهو يذكرني بحالة عشق ولت ولن تعود!
بطني يتقلص متجها يمينا وشمالا وأنا أسمع ركلات رجليه وذراعيه الصغيرتين, أضحك بألم لذيذ فيتوقف عن الركل, يعاود مرة أخرى لمزحه الثقيل فيوجعني, ألتمس مكان أذنه الصغيرة, أمسكها بلطف: دا تتشاقى ويايه ها! فيجاوبني بانقلابه على بطنه, أتابع نبضه فأفرش أصابعي المدببة على قلبه الصغير, أتحسسه, لا يزال صغيرا وسريع النبض, أسر إليه بما يمكن أن تسره أم لوليدها, أناجي الرحيق على وتر الندى : إذا كنت صبيا سأسميك علي.. نعم سأسميك علي لتكون عاليا شامخا كجدك, ستكبر في أحضاني كالبقلة الصفراء, سأرعاك وأسقيك بماء عيوني وأربيك أحسن تربية.. إذا بلغت سبع سنين سأحج بك إلى النجف, سنصلي هناك ونسجد ونسكب أحر الدموع في حضرته, سنذهب بك أنا ووالدك إلى كل الأماكن الجميلة, سنلعب معك في حديقة الزوراء التي لن تغلق أبوابها أبدا وسنسبح في دجلة والفرات وننغمس في فضاءات النور, ستنام وتصحو على صوت الديكة في بيوت المجاورين لنا, ثم تذهب إلى مدرستك باكرا وحين تكبر سأخطب لك أحلى بنت  في بغداد وستنجب لي سبعة صبية وسبع صبيات, ليس لدي إلا أنت وضفاف! لا تخاف عيوني, لن تعيش حروبا ومآسي مثلنا, والضحى الذي رسمناه من بعيد قوسا غافيا مع المطر..! و الآن.. نم يا حبيبي نم..
أحمله على كتفي إلى (الكاروك)  وأنا أمرر أصابعي على شعره الخفيف, أهزه وأنا أغني له دللول لو ليله خلي ينام..
ولما خلد إلى نومه, تمددت ثانية, دهنت بطني المنتفخ بزيت الزيتون وأنا أقرأ وأنفث وأهذي..
كأنه يعرف أن أباه في طريقه إلي, مال بوجهه وراح في شخيره الطويل..
أما جاسم فامتدت يده إليَّ, شبرني طولا وعرضا, كأنه يكتشف لأول مرة مالدي من سهول وهضاب ومرتفعات, فقضم فاكهة حمراء غريبة تسكن خلفي في أسفل الظهر تماما, كنت أجهل أن شامة كهذه يمكن أن تشفيه من غيابي! انتهى منها ثملا بملوحتها وحيث أتعبني النوم على (صفحة) تسلقني برئة ثالثة, حط رحاله هناك, فالتصقت أنوفنا ببعض,لأول مرة تذوقت طعم دموعه الساخنة, ليطير النخيل بنا بعيدا, حيث مروج زرعت لنا بين السماء والأرض هناك .. نطيل القبلة فتعصرنا زجاجتين بلا كؤوس!
الضوء الخارج من الفانوس تلاشى, والعشب الذي نمنا تحته فركناه فانعصر منه زيت أخضر, كأننا نمارس الموت ببطء خصب..

لم أتصور أننا سننشط من عقال, لكن موعد انطلاق الحافلات أجبرنا على النهوض ..
النهوض أعاد إلي بسرعة كل شيء, قام معه زوجي ليكمل المهمة فحتى عباءتي وضعها على رأسي, تقدمني وهو يحمل حقيبتي وسلة أخرى جهزتها ببعض الطعام, تمر وخبز وكعك وعلبتي عصير وقارورة  ماء معدنية. عمي وضفاف ينتظرانني في صحن الدار, كانت تقلب يديه وهي تقول له:
جدو أظافيرك طويلة! راح أقص لك إياهم.
أعارها بعض الاهتمام حين ابتسم في وجهها فخفف عني وطأة ما سأخلفه لها من العناية به ..
قبلت يده ورأسه وطلبت منه الدعاء, وصاياه لي كانت طويلة وعريضة والتي لم تخلو من تحميلي المسؤولية في حال حدوث أي مكروه لهم أثناء غيابي!
لم تسعفنا النبضات المرتبكة في الوصول سريعا إلى كراج النهضة.. فالاختناقات المرورية والسيطرات والحواجز جعلتني أفكر في مشروع خرافي أقدمه للبرلمان وهو أن تمنح الحكومة لكل مواطن عراقي طائرة هيلوكوبتر.
فكرت وفكرت بدهاء حتى اهتديت إلى استحداث وزارة للبطاريات الجافة والتي سنستفيد منها بالطبع في شحن طياراتنا الخاصة! ضحكت مني ضفاف فلمع في عينيها العسليتين بريق صافٍ.. أنا لعنت وزراء النفط والكهرباء, المواصلات والمجلس بأكمله من أوله إلى آخره..
خضعت سيارته للتفتيش وبعدها أخذ وصلا ممن يقف عند بوابة الكراج ركن سيارته بعيدا فالكراج مزدحم جدا, سيارات نقل عتيقة تحمل ملتاعين وشرطة وفقراء تشم منهم رائحة الفقر بعينه, يفدون إليه كل يوم ليتقاسموا خرائط مرسومة على جبينهم المخطط, أبتلع ضحكة ساخرة وأنا أتفرس في وجوه من يقفون خلف عدسة مصور أحد الفضائيات العربية وهو  يصور مراسله الأنيق: يااااه لهاي الدرجة صرنا مشهورين إحنا العراقيين وعرضه للتفرج!!
أكثر ما شدني ودفع روحي للانبلاج, هو اكتظاظ الريح بأصوات سائقي الحافلات والذين بدوا مجتهدين في نسيان البؤس والخسائر وأكوام الحديد الصدأ من الحروب وكأنهم في معركة اسمها الرزق, ناشرين صدورهم لفصول جديدة من الملح والخبز والحياة, ظهروا وكأنهم فعلا يعلنون عن أنفسهم, عن هوياتهم.. ويعبرون عما يدور بخاطرهم فأصحاب الحافلات يلصقون على حافلاتهم عبارات مختلفة من شعارات أحزاب وفضائيات وأندية رياضية وغيره..
أحدهم كتب على بهبهانيته: محبوبة علاوي وبس, آخر كتب: يارب احميها واحفظ من فيها, تتوسط الحافلتين كيا رمادية اللون خط عليها: هذا الوطن ما نبيعه أخوان سنة وشيعة, خلفها تقف سيارة جيمس كانت كفيلة بإنزال دمعتين حارتين من عيني حين قرأت ما كتب عليها: راجعين يا أهلنا.. أتبعها ببيت شعر جميل:
فقد طفتُ في شرق البلاد وغربها     وسيرتُ رحلي بينها وركابــيا
فلم أرَ فيها مثل بغداد مـــنزلاً     ولم أرَ فيــها مثل دجـلة واديا
زوجي  يمسك بيدي كطفلة ضائعة, يسرقني من شرودي إلى شرود آخر: بالطبع لا تعرفين! أمي كانت تنتظرني هنا في نفس المكان حين كنت أعود خائبا ببدلتي الخاكية وبسطالي الثقيل من جبهات الحرب في الجنوب, أتكرع نخب الهزائم التي شربناها خلف سواتر الرمل والإسطبلات والخنادق الرطبة كل شيء كان ينتظرني أيضا, المشاهد ذاتها تتكرر, أطفال يبيعون السجائر, نساء متلفعات في السواد يأتون إلى هنا كبائعات الكيمر الطازج وهن يصحن بالمصقول والعلك والحب,حتى رمزي بائع الصحف أتخيله يصيح معهم على صحفه, لم يتغير فيه شيء, سوى صلعته الجديدة التي كشفت عن لمعان سحري,  صعاليك ينتشرون هنا وهناك, يلتصق أحدهم بمؤخرة فاتنة فتنهال عليه الضربات من كل مكان فترتفع (هوسة) ليس لها أول ولا آخر, الغريب أن من فعل فعلته هذه, كان يناضل من أجل الوقوف بساق واحده! يبدو أنه أهدى ساقه اليسرى للحرب.
انفصلت أصابعه عني…هرست شفتي ومضيت إليّ.. أمضغ حرقة الوداع وطعم الفراق, خفت أن أكسر أضلاع ضفاف, كما أن بطني صار كبيرا ولا يحتمل أن أعصره أكثر مما عصرته..
يتدافع الركاب نحو الباب المتأرجح وكأنه سيذهب بهم إلى الجنة..
وما إن اتخذت مقعدا خلفيا بجاب النافذة حتى بدأت أنا الأخرى أتأرجح على المصطبات, ممسكة بطني بيدي الوحيدة, أخفي وجهي عن ظلال  أيديهم الملوحة, وأنا منكسة إياه نحوي, وحتى أذن للحافلة بالمغادرة وبالخرج إلى فضاء الطريق السريع, فتحت نافذتي لأستنشق غبار من مشوا من هنا وودعوني..كانت فرصة للتنفس صاعدا فقد أحسست باختناق رهيب, فرائحة العرق لم تصمد أمام العطورات الرخيصة, روائح نفاثة لا تطاق تشبه رائحة المسالخ وهي تعج بجلود الميتة ودماء وروث البهائم, ليست بعيدة عن مسالخ الأحزاب والجماعات الفاشية حيث تنتشر مقارها وأعضاؤها في كل مكان, سائح دم المغدورين على جباههم, سيماهم في وجوههم من أثر القتل! تمنيت لحظتها وأنا أشم تلك الروائح أن أقول لهم: اتفوووو.. لكن أين هم الآن؟ وقد استقلوا مواكبهم المهيبة.. والأمريكيون, ألا يشمُّون مثلي؟ ألا يزعجهم ذلك وهم يدققون في هوياتنا داخل الحافلة؟ لابد أنهم لا يشمون سوى رائحة النفط الزخام.. وقلق العيون التي ترقبهم.. ازدحام وبقع تنطبع على ظهور وآباط المحتشدين المكدسين في الممر الضيق حيث يبحثون عن مقاعد شاغرة, إنهم متشابهون فيما بينهم فغالبهم تظهر عليه سحنة الجنوب وفقر أهله المقذع.. علت هوسة نهاية الحافلة.. لكن سرعان ما انحلت بعد أن وجدوا امرأة بدينة مثل كيس إسفنج قد استقلت مقعدين, تلبس عباءة سوداء بلون الملح, قذرة جدا وكأنها واصلت سفرها البعيد, أصابع أقدامها منتفخة وكبيرة وقد خرجت من الأمام بعد أن قطع شعث نعلها البلاستيكي الأسود أيضا, تنظر إلى الجميع بوقاحة واشمئزاز, أقاموها من مكانها وأقعدوا رجلا ستينيا بجانبها فانحشرت أكثر,قذر هو الآخر, أكمامه مبقعة من آثار وجبة مسح بها كمه, بيده مسبحة طويلة كان يفاخر بها أقرانه, يحركها بين أصابعه وهو بعيد عن التسبيح والتهليل, يفتل في شاربه الذي طالما أقسم به, يميل من عقاله أكثر وكأنه يطبع علامة مسجلة لعشيرة ما, فلاح ربما, صائد جواميس يلبس نظارة متسخة ومن تحت دشداشته الكالحة يطل بنطالا ترابي اللون.. ألم أقل بأنه فلاح.. المهم أنه شكل حزاما مانعا يلف بالمرأة التي ربما سيغازلها قبل وصوله بنحنحته الجهورية!
أحدهم وقف وقد بدت عليه ملامح الثراء المفاجئ! يلبس ثيابا غير متناسقة تنم عن ريفيته المعدمة, يتحدث بلهجة ريفية صرفة وكأن بغداد لم تفلح في تهذيب لسانه, لديه الحق في أن يعتز بهويته! أمسك قضيبه وبدأ ينحته في مؤخرة من كانت تقف أمامه دون أن تحس, لا أدري إن كانت فعلا لم تحس أو تشعر! ألصقه أكثر حتى خمد وارتاح دون أن تتحرك هي أو تبدي امتعاضا مثلا…
الروائح النفاثة عادت من جديد… لتمتزج برائحة قشور البرتقال واليوسفي وشطائر البيض المسلوق, الذباب صار كثيفا أمام طعامهم المكشوف وأياديهم المتسخة, يأكلون بسرعة وكأنهم يستعجلون حربا ضروسا مع بطونهم, لا أحد هنا يأبه بالذباب, حتى تلك المرأة الثلاثينية والتي أخرجت من فتحة صدرها ثديا متورما بالحليب تتوسطه حلمة فاتحة اللون لتدسه في فم طفلها قبل أن تخفيه بشالها المزكرش بينما التهمتها العيون الشرهة بالنظرات.. لم تهش على الذباب الذي حام حول أنفها المهم هو أن يلتقم الرضيع حصته.. يواصلون أكلهم, طقطقة أسنانهم الصفراء تذكرني بأحاديث نساء الزعفرانية حين يتناقلن أخبار القرية, يغسلن ثيابهن على حافة النهر وهن يرمين فصام المشمش المرتوي من بين شبابيك أسنانهن, أما ظراط اللذين أسرعوا للنوم  فشكل عندي غثيان يستمطر بغيمة باردة, مدت لي إحداهن من كانت بجانبي كيسا فارغا للاحتياط, بعد أن أحست بغثياني الشديد, شكرتها على معروفها معي, الحافلة تعج بمزيج من اللغط والحديث الجانبي مما يزيد من دوار رأسي ويشتت أفكاري ويطرد النعاس من عيني, بعضهم كان يتفوه بنكات بذيئة بصوت نصف مسموع مع أنه في الخمسين من عمره, يبدو أن فتاة عشرينية تجلس قبالة(الخايب) وقد أغرته حقيبتها البلاستيكية والتي شفت عن قنينة حمراء لطلاء الأظافر ومبرد طويل, قامت بتنغيم آهاتها بشكل مهووس مما يبعث على الشبق في (أثول) رجل..
من حسن الحظ أننا توقفنا عند سيطرة أولى, ما حدا بي أن أنزل وأفرغ ما في كبدي المتراكمة,حين هممت لأركب ثانية لمحت في عيني جندي أمريكي حديثا يغازل به أحد المسافرات الحسناوات من خلال الشباك, بقية الجنود مما كانوا معه جلسوا في الظل واقين أنفسهم من حرارة الشمس, وقد وضعوا على أعينهم نظاراتهم الشمسية التي تخفي حقدهم, سيقانهم اليمنى يلفونها على اليسرى وكأنهم الأسياد ونحن العبيد, يدندنون بألحان غربية يسمعونها من سماعات موصولة بمحرك للاسطوانات المدمجة, متململين من حياة تافهة كهذه, يتحسسون رشاشاتهم وأسلحتهم الخفيفة كل دقيقة, بصحبتهم كلب بولسي يلاعبونه..
أمامي كان مقعدها, اقترب من نافذتها وهو يفتل في شواربه الشقراء, من متى والأمريكان يربون شواربهم؟ بل ويفتلونها؟
لابد وأن لهؤلاء الجنود( ربعا) من الحرس الوطني يدربونهم على وطن جديد فأخذوا منهم هذه العادة, تسمر أمامها وهو يحك عضوه, حدست بأنه ربما كان عراقيا! ربما؟ لم يخب ظني فالجندي أصلا عراقي متجنس بجنسية أمريكية, هكذا بدا من عينيه ولكنته التي تنصل منها, فتحت الفتاة نافذتها له, سمعتها وهي تعاتبه وتصيح عليه بشجاعة وتؤدة: شيل إيدك يا نذل, كافي سركتوا من عدنا حريتنا الي تنفسناها لحظة سقوط الصنم!
تابعت سخطها وهي تتمتم: العميل باجر ينهزم من يكطعون عنه الدولارات, دا روووح زين روووح إلى الجحيم, إلى الزانية مالتك أمريكا.. اللعنة عليك ياتنويري ياديمقراطي, بالك أمريكا إجت بالريموت كنترول وفتحت لك باب الجنة, روح كول الهم مستشفيات ماكو دوا ماكو مدارس ماكو كهرباء ماكو مي ماكو كل شي ماكو.. هسه روح اردح وياهم بالكريسمس روووح….

صفق لها قلبي بشدة وسقط أرضا في نفس الوقت حتى عاد إلى مكانه.. نعم, أظنُّ أنه لم يسمعها, وإلاَّ!!
قطعنا بعد ذلك عشرة كيلوات متواصلة..
ترددت بداية أن أتقدم لأجلس بجانبها, تريثت فأخذني شرودي, أنا أطرق بصري نحو الطريق, الطريق الذي لا يشبه إلا درب من مشوا فيه, طريق كرار لا فرار, إيه كربلاء يا أرض الطفوف تذكريني بمن قال فيك:
تمشي إليك توسلا خطواتي*
وأعدها إذ أنها حسناتي..
ووددت لو أن الطريق لكربلاء..
من مولدي سيرا لحين مماتي..
لأنادي في يوم الحساب تفاخرا..
أفنيت في حب الحسين حياتي..
لوصل زحف لحسين..
لو تعبت مني الرجلين.

من هم المجانين بك؟
نعم المجانين نحن.. أدورُعليّ, أشم بخور أمي ليلة خروجي من الظلمات الثلاث, أواصل نشيد دموعي الحرة:
مجنون وحبك علمني..
ما أساوم وأخضع هيهات..
هيهات الذلة تعاشرني..
والي مات بدربك ما مات..
جم طاغي حاول يمنعني..
وارفع رايات الثارات..
لبيك لحد قطع المنحر..
صوت الدم يصنع ثورات..
مشاية تقصدك أنصارك..
وعن عادة ورغم الأخطار..
و كل قطرة سايلة من نحرك..
أنشودة بدرب الأحرار..

أصبح رأسي ثقيلا وأنا أتفرس وجوه من كان في الحافلة,جميعنا متعب منهك ومصاب ربما بالجنون العقلي, تجاعيد المسنين وحدها كانت كفيلة بسقوطي مغشية عليّ, دخلت بعدها في نومة خفيفة,مليئة بأطياف مدينتي التي ستظهر لي كفنار في بحر عظيم..

لم أشعر إلا و مطب إسفلتيي مفاجئ, سقط رأسي على كتفها, تزامنت يقظتي بيقظتها وهي تصرخ:
يا يسوع!
ابتسمت في وجهها
– حتى أنتي مجنونة مثلنا!
أردفت سؤالي بابتسامة عريضة انفرجت عن أسنان صغيرة جميلة كاللؤلؤ
–    نعم, فقد استحلفتني بالله صديقة لي بأن أحضر حفل زفافها في كربلاء ووعدتني أن

•    للسيد عبدالخالق المحنة

تحقق لي أمنيتي, فقد طلبت منها أن تذهب بي إلى الحسين! أنا أيضا أحبه ومعجبة بنموذجه الشجاع, أنتي من كربلاء؟
–    نعم, أصلي من كربلاء يعني مولودة فيها, من منطقة المعلمين, طيب من تنتهي من زيارة صديقتك خلينا نشوفك.
–    شكرا , لن أمكث هناك سوى يومين, هل تصدقين.. أنا احببتك منذ أن رأيتك تصعدين الحافلة, ما رأيك أن تعطيني رقم هاتفك؟ وحين أعود إلى بغداد ستكون لنا لقاءات بالتأكيد, بصراحة تنحبين من أول مرة  يا..
–    عفراء علي
–    فاتن عزيز
تصافحنا وبكل سرور تبادلنا أرقام الهاتف, ثم صمتنا..
هي بدورها أخرجت كتابا, وبدأت تقرأ فيه.

العجاج رهيب والرؤية تكاد محجوبة, يبدو أن العواصف الرملية ستستمر لعدة أيام, يعاودني حديث نفسي: فاطمة يا ابنة البياع, أتراك نجوت من تفجير شارع 20 ؟ أين هي الآن أراضيك؟ وأين هي سماؤك؟
قبيل مغادرتي فقط علمت ذلك,عذرا لم يسعفني الوقت لأطمئن عليك حبيبتي, لكني مضيت في نذري معك, أتذكرين..؟ حين نذرنا جميعا بأن نمشي على أقدامنا للحسين إن تحقق ما دعوناه, تمنيت أن تشفى ابنتك رُسل من السل فشفيت, وتمنيت بأن أرزق بمولود أسميه علي, وها أنا انتظر, سأحمله معي يوما ما ليطوف في حضرة أبي الأحرار, وسيحملني معه يوما ما  لنطوف بالكعبة المشرفة, أتراهم تركوك لتتمي نذرك؟
زاحفة على بطن المسافات أنا, أراني أزعب دلو صبر من بئر بلواي فأُسقيني شيئا فشيئا حتى يبرد حر قلبي.. تتنمل أطرافي, غير عابئة برفسه الذي أخذ يشتد, يبدو أنه يتقلب معي على ذات المسافات..
أتراه مستعجلا خروجه؟
أطرد عني هذا الفأل, فأنا لا أزال في شهوري الأولى..
ترنحت يمينا وشمالا: يالله! خرجت مني مثل نفس طويل.. سيطرة أخرى وأخرى يعني أنه سيطول بنا الطريق..

على الطرف الآخر من الحافلة رمقني بنظرة ملوثة وهو يفتل شاربيه, لم أظن أني سأعجبه بذراعي المبتور, إنهم مايشمون رائحة امرأة بمفردها حتى يفتشوا عن حيلة للتقرب منها, استمر في فتح عينيه الشرهتين, تمتمت وليته سمع: عمى بعيـنك إن شاء الله!!!
لا أدري لماذا شعرت بالخوف والقلق رغم اكتضاض الحافلة بالمسافرين, فاتن منشغلة بالقراءة في كتاب بغير لغتنا وأنا ألملم عبائتي, أنفض عنها الغبار وأحك علكة التصقت بالأسفل منها, أظافري مقلمة وقطعة الثلج التي ملأت بها مطارتي ذابت تركتها تسبل لتغطي قدمي,وهو لايزال(يباوع عليه) ..
التفت للوراء علني أجد من يسليني ويطرد عني ارتباكي وقلقي.. حينها لم أتردد في طلب الإذن منها لأجلس بجانبها, فكان لي ذلك, نحيلة جدا لدرجة أن مقعدا واحدا قد استوعبنا, بدأت بالحديث معها وكأني أعرفها منذ زمن, أبديت إعجابي بموقف فاتن من الجندي المتحرش, أُعجبت مثلي فأمسكت بيدي الباردة, ضغطتُّ عليها فاشتعلت وردا يقطر من وجنتيها الحمراوين, في عينيها حزن نائم, وعلى طرف شفتيها تنزلق قصة طويلة تصارع البقاء على قيد الوطن المغدرو, ناصبة راية بيضاء في وجه هذا العالم الصامت المغرور..
كانت عائدة مع عائلتها في رحلة علاج من بغداد إلى بعقوبة, حين شارفوا الوصول إلى قريتهم- الحديد- واجهوا نقطة تفتيش وهمية, أنزلوا كل من كان في السيارة بمن فيهم والدتها وزوجها وأخوها المقعد!
اقتيد الرجال إلى جهة مجهولة, بينما بقيت هي ووالدتها في نوبة بكاء طويل وتوسل متواصل, استحلفتهم بشرف أمهاتهم ألا يمسوهم بسوء, لم يلقوا لها بالا ولم تفلح هي في ترتيب قصيدة بنمط من يسنح له فرصة أخيرة للعيش, ربما يكون الشيطان بعينه أرحم منهم, ما سمعته هو ما رددوه من ضرورة تطهير المنطقة من الشيعة, لتعيش في ظل دولة العراق الإسلامية فقط.. لم تكن تعرف عن أي دولة يتحدثوا عنها؟ الجبناء لم يعرفوا أنها سنية! ليلعنهم الله ألف لعنة فالإسلام منهم براء.
بعد ساعتين ألقيت مع والدتها على قارعة الطريق ومن بين السراب والكتل الرملية, مرت سيارة متلكئة,توقفت فأسعفتهم إلى حيث يقصدون لكنها فضلت أن تعود من حيث أتت, فرسالة تهجيرهم وصلت بالصوت والصورة, شواهد العيان هم الضحية نفسها!!
فكل ما أبقوا لها هو رائحة الموت المنبعث من جثتين مذبوحتين بطريقة وحشية, كانت قد وجدتا متأخرة ليلا على قارعة الطريق..
إيــه بعقوبة البرتقال!
هل تصلين صلاة الوداع قبل أن تخرجين إلى بساتين الحصاد؟
كم هو عدد البرتقال الذي سيسقط في حياض المستنقعات؟
وأي ناقلة تتسع لرفع أنقاض الحقول المحترقة؟
أكانت أرملتك جميلة لهذا الحد حتى تفقد حظها من الدنيا الشقية مرة واحدة؟ فيموت زوجها وأبناؤها السبعة أمام عينيها دفعة واحدة لتنزوي باردة بين أنقاض الجثث الساخنة, مقرفصة وبليدة أمام عقيلتها الكبرى, تقرأ لها مرثية الفراغ الذي امتد بينهما.. حيث تركض المليشيات بخيولها وتصهل في اتساع جرحها العميق..
أفتني في أمري أيها الشيخ الوقور, أحقا أنت من امتدت يدك لتغسيل أبنائك الممزقين بثقوب الرصاص حين صفَّرت الريح في القرية الخربة وتركتك وحيدا تصارع الضوء الداخل من فجوات المدفعية المأجورة, وأنت تشم رائحة القنابل الريفية من جلودهم المتفسخة, كيف يحدث كل ذلك؟ وأنت لا تزال على قيد الحياة!! موشحا بحفر غائرة في جبينك, مطفئًا بشجاعة آخر شمعة من همومك المستبدة.. مثل زهرة مسافرة في مهب ريح وباب يبكي زيت أصابعه المبتورة, وفوق ذلك تبحث وحدك عن آخر موال متيبِّس في القرية ومنديل فتاة متدل من نافذة متيسبة أخرى.. عن مفقودين تحت سقف المدرسة الوحيدة المحطمة, حيث لا أمهات يصطحبن بناتهن وهن عائدات بالحقائب ولا قناة يستحم فيها الصبية ولا عشب يصلح للمواشي.. غير قمامة تجمعها جميلة بنت المختار عوَّاد وهي  تعطب بها ما تبقى من ذكرى اليوم المشؤوم, لا رجالا تبقوا بعد أن اقتيدوا معصوبي العينين, لاشيء يبقى سوى جدران يعلوها السخام الأسود ونواح يملأ الكون الفسيح وذكرى مغرورة لسرير محطم ابتاعه زوج لعروسه وصندوق خشبي منقوش كُسرت منه مرآته المزخرفة وصورة لزوجين جميلين وكلاب تشمٌّ فينا كل شيء حتى عورات النساء, كم كنت قويا متماسكا أيها الشيخ الوقور, إلى أن بكيت بين ذراع ابنتك الصغرى, حينها انحنيت انحناءتك الأخيرة…
ليغسلك الأمريكيون العتاة بدم بارد!!

بعقوبة..!!
أن نجرب الضحك فهذا ضحك على أنفسنا, أن نتذوق الأمور الصغيرة فهذا انشغال بالمفضول عن الفاضل, أن أتصور بناتٍ في أعمار الزهور يقطنون بساتينك يشممن رائحة البرتقال  ثم يحشين أحشاءهن بسُمِّ رجالات القاعدة فهذا عصرجديد للخرافات!

أخرجت من صدري قرآنا أحفظه, تخيلت نفسي وأنا تحت قبة مذهبة وقد أحاطتني  مراياها البراقة وصوت نافورة قريبة يحدث صدى رقيق في جنبات الضريح المفروش بالسجاد الثمين, تمايلت عليَّ ككعكة سائحة حتى بردت أطرافي وأنا أنظر في عينيها الخضراوين, شعرت بأمان عليل فعيناي لم تتعود سوى النظر في الرماد وحطام الزجاج الذي يتراقص ساخطا بعد كل انفجار أو عبث الهروات الديمقراطية!

سألتها عن بغيتها من كربلاء إذا, فأجابت:
–    أنا الآن في مهمة خاصة, أحاول جهدي إنهاء إجراءات حضانتي لولدي الوحيد والذي انتزعته جدته التي تسكن كربلاء خوفا عليه من نذر الشؤم!
بدأت تهذي دون أن أنظر إليها, كأنها أخرجت لسانها من بئر مطمور منذ قرون صارت تدخل في قصة وتخرج من قصة, حتى شكل عمتها وصفته لي, تلك أم زوجي– بياعة المهافيف- كارثة بمعنى الكلمة, هكذا كانت تحكي عنها جسمها أبيض, مكور ومترهل.. لم تعرف من هذه الدنيا سوى حياكة القش ونعالها النايلون, ثم تأتي تطالب بحضانة ولدي الوحيد بل تأخذه بالقوة ولم يبق من العمر شيء, لو أنها تجمع التوت الأحمر وتعصره لكان خيرا لها لو أنها صبغت به شفتي ابنتها العانس لو… ثم أنها ….
شعرت بأني ألحس الثرى, كلامها كثير وقصصها لا تنتهي, لكنها سرعان ما عادت لتقص تفاصيل أكثر عن قصة تهجيرهم والجثتين..
اكتفيت فقط بخفض رأسي وإغماض عيني التي توارت خجلا من الحياة:
من أين يخرج هؤلاء المجرمون؟
من أرض البرتقال والبساتين؟
ألم يكن النخيل يوما هو من يحمينا؟ ويظلنا بفيئه؟
ألم يقف شامخا مبتسما في منتصف الصور التي التقطناها أيام زمان مع طلاب جامعة بغداد؟
كم أطعمنا من تمره اللذيذ وعلى سعفه وكربه انتفشت أقراص الخبز..!
أتقتلنا بهرز؟
أيغدر بنا الهويدر؟
أين أنت يا خانقين؟ مابك لا تنطقين؟
وأنت يا جلولاء؟ أتراك غرقت مع شموع الخضر في الخريسان؟
أعلم بأن الغرباء  يستوطنون سواد عينيك التي طالما قدمتميها قرابين لمحبيك, كنت تعشقين الحياة فما بالك اليوم تعشقين كل هذا الموت وبدناءة!
يا أيها الزمان الكافر لقد ورثت لنا الخفافيش التي لا تستحي أن تتناكح أمامنا علانية وزرعت حفرك تحت عشبنا الندي ولونت السماء ببقع زيت حمراء..
لماذا إذا لم تقم القيامة حتى الآن؟
لم لم يخرج المهدي المنتظرعلى الأقل؟ ألم ينتشر الفساد في البر والبحر؟ أحسد كلكامش لأنه مات متواضعا وترك الحياة لتدب في ما تبقى من أرواح خيرة, العاهرات فقط من صارع السعال حتى الموت, كان شيئا فظيعا أن تموت بالحمى, أو السعال..
أتوسط الحيرة فيحيق بي مكرها, فياغرا تجلدي لم يستجب لنداءاتي الخفية, احترقت, تفتت, أصبحت رمادا في مذبح الأحزان..
أيها الخفاش على وقع أناشيدك قدمنا قرابين لأوثانك.. ألم تنتهي بعد؟
هيا قم ازرع فينا جثث الورد الغافي!

************

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.