الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » مسلم السرداح : رحلتي لصيد الثعابين

مسلم السرداح : رحلتي لصيد الثعابين

moslem sirdah 5حين اراد ان يذهب الى رحلة صيد – كما قال لي – طلب مني الذهاب معه ، واشترط علي التكتم ، رغم انه يعرف طبيعة تكتمي الشديد ، وقال لي انها مهمة سرية وخاصة . كنت احب رحلات من هذا النوع . حيث الصحراء او الماء ، حيث الحرية التي تصاحب الشعور بما ياتي من افعال مفاجئة وانت تحاول صيد طريدتك وترقبها . وكما يعرف الصيادون ليس مهما نوع ما تحاول صيده ان كان صقرا او سمكة او طائرا او غزالا . المهم هو تلك الرحلة التي تذهب لها ، والطقوس التي تمارسها . و حين دعاني للرحلة كان يدور في ذهني واحدة من تلك الطرائد التي تعارف الناس عليها ، وما يصاحب ذلك من متعة . ولم يكن قد دار بخلدي انه سيدعوني الى الصحراء القاحلة ، والى صيد الثعابين .
كانت الثعابين في مخيلتي حيوانات غريبة يقشعر بدني لذكرها . بل وتخيفني اكثر من اي مخلوق اخر وذلك بسبب تلك الاساطير التي تحاك  حول هذا النوع من الكائنات التي جعلت بعض القدماء يقدسونها ويعتبرونها رمزا للطب والموت والخلود على السواء . واشمئزازي من مقدار الغباء المنطوية عليه وحملها السم القاتل الذي يكفي ليقتل عشرة اشخاص من حية  واحدة . وربما كان اكثر ما يخيفني فيها قدرتها على الانزواء وعنصر المفاجاة . ثم ذلك الملمس الناعم وانزلاقها على السطوح دونما جلبة تذكر . اللهم الا ذلك الصفير الذي تحدثه اوقات التزاوج والاختلاء وصفو المكان لها .
حين ذهبنا للوهلة الاولى وكنت مقشعر البدن من فكرة اننا ذاهبون لهكذا رحلة ، كانت تدور في ذهني تلك الحكاية – وكان حكاها لنا معلمنا في احد الصفوف الابتدائية – عن ان المارين عبر غابات الامزون كانوا  يباغتون باحدى الافاعي الضخمة الملتفة مع اغصان الاشجار المعمرة تهجم عليهم بغتة وتبتلعهم . انه منظر مرعب حقا ان تكون نهاية احلامك وطموحاتك واغانيك وسعيك للحياة ،وغير ذلك ينتهي في بطن افعى تفرز عليك عصاراتها وتبتدئ بالتغذي على جسدك الجميل .
حين ذهبنا وكان من معي  مجموعة محترفين كما علمت ذلك من فحوى حديثهم وتجاربهم في هذا النوع من الصيد ، كان يراود  مخيلتي  فكرة انهم سوف يذهبون الى الصحراء وسيبحثون ويبحثون وحين لايجدون اي افعى سنعود خالي الوفاض من حيث جئنا اذ من سيجبر افعى كبيرة كانت ام صغيرة على الخروج من ثقبها المحكم في باطن الارض لتصيدها مجموعة من الناس الغريبي الاطوار . هذا ما كنت افكر فيه حين تحدث احد افراد المجموعة من انه في احدى المرات كان قد قتل افعى كبيرة عثر عليها فجاة في الصحراء وكان طولها وحجمها مرعبا . قتلها واراد ان يريها للناس ليصدقوا ان في صحرائنا المسالمة يوجد هكذا نوع من الافاعي التي تباغت وتبتلع الغافل . يقول انه حين قتلها ووضعها في صندوق سيارته وراح يسير ، وكان احد افراد شركة تعمل في الصحراء سمع بعد فترة حركة غير اعتيادية خلفه في  السيارة وعندها ارعبته فكرة ان الافعى لم تكن ميتة وانها انما تبحث عنه لتقتله لان الافاعي تثار من اعدائها . وبدا له بعد ذلك  انه كان يتخيل ذلك .
حين ذهبنا الى مكان صيد الطرائد  وسط الصحراء. وكانت مجموعة من القاعات القديمة المتهالكة منخفضة السقف تركها الجيش بعد نهاية احدى الحروب الكائنة هناك . وكانت سقوفها مغلفة من الاسفل بالفلين الابيض ثبتها الجنود بالمسامير لحمايتهم كما يبدو من اثار الطبيعة ومن الحيات والعقارب . لكنها كما يبدو قد اصبحت فيما بعد مكانا لتزاوج الحيات وممارسة عشقها  ووضع بيوضها. فتكاثرت على نحو لايصدق  .
كانت الحيات منتشرة تملا ارجاء المكان  وتنتشر في الارض وعلى الجدران وتتدلى من السقوف  وخارج الغرف . وكانت هناك عشرات بل ومئات الافاعي ، التي ما ان احست بوجودنا حتى راحت تفح فحيحا مخيفا ، وعندها راح افراد الطاقم الستة ، يجهزون ادوات صيدهم ، البسيطة ، وهي عبارة عن عصا وكيس .وهنا بدات عملية الصيد وكانت سهلة جدا بالنسبة لافراد الطاقم – باستثنائي انا – الذي كنت خائفا منزويا مترقبا ردة فعلها لكثرتها وقدرتها على صرع اعدائها لو تكاتفت مع بعضها ولكن كما يبدو فان معظم  قوة الكائن ، اي كائن ، تكمن في العقل وليس في مدى قوة السلاح الذي يحمله . وبما ان الافاعي كائنات تتصف بالغباء فكانت وبمجرد ان يضع صيادوا الافاعي عصا متوسطة الطول كانوا يحملونها يضغطها احدهم فوق  ظهرها حتى تبدا قوتها بالتضاؤل فياتي صياد اخر يحمل بيده كيسا من القماش ليدخل راسها وباقي جسدها من ثم ليقوم بعد ذلك بلف الخيط على فتحة الكيس .
كنت ارفض الفكرة . فمن جهة كنت رايت تقاريرا تلفازية تعتبر الافاعي ومثيلاتها من الكائنات كالتماسيح والسلاحف ثروات وطنية تسعى الحكومات للحفاظ عليها . ومن جهة اخرى يعتبرونها كائنات قابلة للانقراض لذلك يسعى علماء البيئة والمدافعون عن حقوق الاحياء افرادا ومنظمات حمايتها . لذلك حين طرحت الامر على الداعي ، اراد طمانتي انهم لايقتلون الثعابين التي يصيدونها ولن يبعثوا بها خارج البلاد  . انهم يقومون بمهمة جمع الثعابين واكثارها لتقوم بمهامها المرسومة لها . ولم اعرف لحد هذا الوقت ماهي طبيعة تلك المهام . ولم يخبرني احد شيئا عنها .
استطاع طاقم صيدنا ملئ عشرات الاكياس بافاع مختلفة الاحجام والاعمار ، وذلك بالرغم من انها كلها ناعمة الملمس غبية قاتلة لاتميز بين جاهل وعالم ، بين متعاطف ام عدو . والغريب انهم وكنت انظر لهم فقط ، قاموا بانزال الاكياس عند تخوم احدى القرى النائية ، حيث تم فتح الاكياس واحدا واحدا عند شاطئ نهر صغير ، كانت القرية النائية تقع على ضفتيه وتركوا الافاعي تنال حريتها وهي تخرج متلوية بسرعة وهي تحاول ما امكن الاسراع في الهروب .
حين انُجزت مهمة صيد الافاعي عدنا ولم يقل لي احد منهم ،  ان كانت تلك الرحلة الشبيهة بالكوابيس المزعجة بالنسبة لي ، فيما اذا كان ما فعلوه هواية ام مهمة مدفوعة الثمن . ولكن كانت بين الحين والحين تصل الى سمعي حادثة  موت بعض الاشخاص ملدوغين بافاع في اكثر من قرية بعيدة عن تلك القرية التي انجز فيها طاقمنا مهمته المجهولة . ما اثار في راسي الشكوك والتساؤلات . ومنذ تلك الرحلة المثيرة للجدل ،  وانا لا اعرف سبب دعوتي لها ان كان مصادفة ام ترويجا للخوف والرعب .
كان ذلك قد حدث منذ عهد قريب وسياتي اليوم ، بعد مرور الوقت ، الذي ساعتقد فيه ربما ، اني كنت اعيش في حلم . وساخرج عن تكتمي ، وقد لايصدقني احد . او يقال بلد غريب الاطوار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *