د. فاروق أوهان : زوج الأرملة ، ، ، وحصان القائد*

farooq aohan 7        أمام حسان كومة من أعقاب السجاير ، وعدة أقـداح مـن المـاء ، توحـي للناظر أنه قلق، ينتظر ميعاد اللقاء مع أحد ، لكنه كان انتظارا من نوع آخر ، فما زال حسان يفكّر في الأرملة التي مات زوجها تحت أقـدام حصـان القائد ،  فقد تداعت صورتها إلى فكـره عندمـا وقـع نظـره عـلى العجـوز النمساوية ، تسَرّح شعرها في كازينو   فيينا   وقد انشغلت عـن العـالم   كله، وهي تحدّق بمرآتها العجوز ، ذات الشروخ ، وألوان وجههـا المتـداعي تحت وطأة الزمن، يملأ هـذه المـرآة مزيحـا مـن كـل طبقـات للمسـاحيق ، وألوانها ، وكأنها أغلفة سـلوفان شـفافة تغلـف بتراكمهـا آثـار الـزمن الغادر ، ليعود لها الصبا والشباب ، الذي افتقدته ، بينما تتضح بـانجلاء هذه المساحيق كل تأثيرات الزمن ، وكم يتحسر المرء عند حصوله فجأة عـلى صورة قديمة له ، أو فلم مثّله ، فيفقـد بهـذه الحسـرة انتمـاءه ويتنكـر لسلوك ذلك الفرد الذي غاب في أعماق المرآة ..
ولا يحس حسّان مثل العجوز بزميلتها التي جمد تفكيرها هـي الأخـرى ، ربما على تداعٍ غير مرصود ، هو نوع من إغفاءَات الشيخوخة ، لأنهـا ظلـت ترَكّز نظرها في زاوية المنضدة البرونزية ، وكأنها حالمة ناعسـة، تغفـو بين فينة وأخرى ، لذلك لم يجد حسّان صعوبة في فهم المكونات العجيبة في هذا العالم الصغير حوله ، وتناهى إلى سمعه صوت الأرملة يقول له :
– إن الشمس برزت أشعتها أسفل سماء بطن حصان القـائد ، هـذا كـل مـا أتذكره من تلك اللحظات ، وكأنها لقطة فوتوغرافية واحدة ، أنسـتني معنـى الموت ، موت العزيز زوجي .
لذلك تزور الأرملة يوميا ، تمثال حصان القائد في حديقة   سان مركوز منتظرة تلك اللحظة التي تبرز فيها أشعة الشمس أسفل سماء بطن الحصان الذي يظل مخضرا كأوراق الربيع حتى عندما يذيب مطر  آذار  ثلج الشـتاء ليجعل البرونز صدئا ، متغيّر اللون وكأنه نوع مـن أنـواع لحـاء الشـجر الجديد في انباته .
وجال حسّان ببصره في أطراف الكازينو الهادئة ، هـدوء الـزمن ، ممـا  جعله يشعر بحـنين إلـى الاسـتقرار ، والهـدوء ، بعـد أن أضنـاه الهـروب والترحال ، فقام ليسمع حوار الأرملة وهي تناقشه مرارا :
– وهل ستبقى أبدا مع سرير الأرق المتنقّل ، لقد تعبت قدماك ، وأضنـى فكرك السؤال ، أسئلة شتى عن الحفل الأخير ، وعن الربيع ، وعن  ، ، وعن  ، ، ، وعن كل الذكريات ؟
– لا أدري  ، ، لا أدري كم بَُعد الوطن عني ، وكم صار الفارق بيننـا ، كم من الأهل والأصدقاء قد رحلوا ، إلى غربـة داخليـة وهـم فـي الـوطن ، ينتظرون الغياب ، ينتظرون كل غائب ، في المنفـى ، وفـي الحـرب المدمـرة ، أولا والخاسرة في كل مرة إلا من جنوح الدكتاتورية، وأسمع غناء ناسهم ، كما نغني نحن في الغربة شوقنا ، لكل شـارع  ، ولكـل بـاب، ولكـل نخلـة ، وللتراب في أرض حبلى بالثمار القادمة .
– لقد التبس عليك الأمر ، حالما هربت مـع سـريرك المتنقـل ، بـأرجلك الناعسة ، إلى شيخ التجوال الدائم ، تتمنى أن تسـتعير عيون طـائر ليلي ، ليرى بدلا عن أرض بلادك من فوق سمائها العالية ، فضاع منك خيط الربط :
– إنه خيط الناس ، وليس خيطي الذي ضاع .
فتجيب وكأنها قدره :
– لا بد أن تجاري السلوك العام .
– إنني لا أستطيع السير في مسالك الآخرين  ، ،
وأحس بصوت حوارها الصامت ، تشاور فيه ذهنه الراقد حـتى عـلى سـرير التنقل المتغير الذي صار قطار تجواله الدائم :
– لقد جلب لك الضنك هذا السرير ، لأنه مع تنقله السريع متغير أيضا ،  نزق ، مجافٍ ، لقد كنت معه عندما دعوته بالسرير حجري العيون ، ثم تركتـه  في الجبل مع أسلاك السمع ، وفوق أغصان اللوز المضطهد في ربيع الضفـادع الداعية للخصب ، رغم تداعيات الحرب الغاشمة ، ،
ويقاطعها كأنما يقاطع بذلك أفكاره :
– أتعجب كيف تتذكرين تفاصيلي ، ، فأنا لا أتذكر ، ،
قاطعته على عجل ، ،بقولها  ، ،
– لقد هربت من سريرك إلى الأرض الجنوبية ، لكنه ذهـب قبلـك ، واتخـذ لنفسه شكلا جديدا، فجعلك تنجرف في تجارب ، وتجـارب ، فـوضعت الوشـم فـي يديك ، وفضّلت الصمت.
ويتحسس حسّان وشم السيجارة التي كان قد أطفاءَهـا على راحـة يـده اليسرى ، فيحن للكلام ، للصراخ ، للبكاء للضحك ، للتألم بصوت عالٍ ، لكنه ، ماذا ، ، ، وفجأة ينظر أمامه إلى حيث العجوز التي جعلتـه يتـداعى ، طـوال هذه المدة ، فلا يراها ، فقد رحلت مع صديقتها ، وظلت عـلى المنضـدة بعـض آثارها ، من أحمر شفاه على حافة فنجان القهوة ، وقطع نقـود تصورهـا مـن عصر الأمبراطورة تيريزا  ، ،
فيهمس لنفسه ، وبصمت مرير :
– إنني أتساءل عن الأنشودة الأزليـة ، لـذلك أفضـل الصمـت ، ولا شـيء
غيره ، ، ،
وقام ليشتري علبة دخان جديدة ، تاركا وراءه كـل تلـك الأعقـاب مـن السجاير ، وقطع نقود صغيرة من عهد نوري السعيد ، مودعا هذا المقهى إلـى  مقهى آخر .

* – نشرت هذه القصة في جريدة النصر العراقيـة العـدد(127) بتـاريخ 15\11\1967 ، وأعيد نشرها في مجلة المنتدى في الإمارات فـي العدد (84) سبتمبر 1989 . نشرت ضمن مجموعة قصص بعنوان الحصان والثلج عن دار مكتبة الحياة ببيروت 1997.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *