الرئيسية » نصوص » مسرحية » طلال حسن : السندباد البحري (رواية للفتيان) (2/الأخيرة)

طلال حسن : السندباد البحري (رواية للفتيان) (2/الأخيرة)

talal hasan     ” 8 “
ـــــــــــــــــــ

اقترب سندباد متلفتاً ، من كوخ الصياد العجوز  ، ثم طرق بابه بهدوء ، وتراجع قليلاً ، وراح ينصت ، لكنه لم يسمع رداً ، فتقدم وطرق الباب ثانية ، ووقف جانباً ينتظر .
وفتح الباب ، بعد قليل ، وأطل منه الصياد العجوز ، وما إن رأى سندباد يقف جانباً ، حتى اتسعت عيناه دهشة ، وقال : إذا كنت إنساناً ، وليس جنّياً ، فأنت عربي .
وردّ سندباد ، دون أن يتحرك من مكانه : نعم ، اسمي سندباد ، وأنا عربيّ ، من بغداد .
فقال الصياد العجوز : آه ، هارون الرشيد .
وقال سندباد : أنت تتكلم العربية .
ولمعت عينا الصياد العجوز الخابيتان ، وقال : في شبابي ، عملتُ مع تجار عرب ، وتعلمت اللغة العربية .
ثم تنحى قليلاً ، وقال : عفواً ، تفضل ، نحن أيضاً نكرم الضيف مثل العرب .
ودخل سندباد الكوخ ، فأغلق الصياد العجوز الباب ، وأشار له أن يجلس ، وقال بصوته الشائخ : تفضل ، اجلس .
وجلس سندباد على حشية قديمة بالية ، وقال : عفواً أيها العم ، أخشى أن أكون قد جئت في وقت غير مناسب .sindabadفقال الصياد العجوز : لا عليك ، إنني أعيش هنا وحيداً ، بعد أن توفيت زوجتي ، ورحل ابني عن هذه الجزيرة إلى جزيرة بعيدة ، أنت تعرف الشباب ، هذه الجزيرة لا تلبي طموحه .
وصمت الصياد العجوز لحظة ، ثم قال : عفواً ، عليّ أن أكون عربياً معك ، فأنتم العرب تكرمون الضيف أولاً وقبل كلّ شيء ، قبل أن تسألوه عن الهدف من الزيارة .
وهمّ سندباد أن يتكلم ، فقاطعه الصياد العجوز متابعاً كلامه : عندي لبن وخبز ، هذا عشائي ، أم تريد أن ..
وقاطعه سندباد قائلاً : بل خبزاً ولبناً .
وعلى الفور ، وضع الصياد العجوز أمام سندباد ، رغيفاً من الخبز ، وإناء فيه شيء من اللبن ، وجلس قبالته ، وقال : تفضل ، لنأكل معاً .
وراحا يأكلان الخبز واللبن ، دون أن يتفوه أحدهما بكلمة واحدة ، وتوقف سندباد عن تناول الطعام ، فتوقف الصياد العجوز هو الآخر ، ونظر إلى سندباد ، وقال : عفواً ، يا بنيّ ، لا أريد أن أتدخل في شؤونك ، لكني لا أعرف من أين أتيت إلى هذه الجزيرة ، فأنا لم أرَ سفينة ترسو على شواطئنا منذ فترة طويلة .
فتطلع سندباد إليه ، وقال : أنت محق ، لقد مررتُ بظروف لا تصدق .
وصمت لحظة ، ثم قال : كنت في سفينة ، مع عدد من التجار ، وفي وسط البحر ، رأينا جزيرة صغيرة خضراء ، فنزلت إليها مع بعض التجار ، دون علم القبطان ..
وتوقف سندباد عن الكلام ، فهز الصياد العجوز رأسه ، وقال : لابد أنها كالعادة ،  لم تكن جزيرة صغيرة .
فقال سندباد : نعم ، كانت دون أن نعرف ، حوتاً ضخماً  ، كأنه جزيرة صغيرة خضراء .
وقال الصياد العجوز : هذا ما تصوره العديد من البحارة والمسافرين ، المتشوقين لرؤية البرّ ، فدفع بعضهم حياته ثمناً لذلك .
ونظر سندباد إلى الصياد العجوز ، وقال : وهذا ما حدث لنا ، فقد غرق العديد ممن نزلوا معي إلى ما ظنناه جزيرة خضراء .
وسكت سندباد ، وهرب بعينيه هذه المرة ، عن عيني الصياد العجوز ، فأطرق الصياد العجوز رأسه ، ثم قال : يبدو أن هناك سراً ، لا تريد لسبب من الأسباب ، أن ترويه لي .
وتوقف الصياد العجوز عن الكلام ، لكن سندباد ظل مطرقاً رأسه ، دون أن يتكلم ، فتابع الصياد العجوز قائلاً : هذا حقك ، لكن يا بنيّ ، كن حذراً من الملك ، فهو شرير للغاية .
ورفع سندباد رأسه ، ونظر إلى الصياد العجوز ، وقال : لعل هذا لا يكفي ، قد أقع في أيدي الملك وأعوانه ، مهما كنتُ حذراً ، لابد أن أغادر الجزيرة ، وبأسرع وقت ممكن ، ولهذا جئت إليك ، لعلك تساعدني في ..
وسكت سندباد متوجساً ، وتلفت الصياد العجوز حوله ، ثم قال بصوت خافت : بنيّ ، من الأفضل أن تذهب ، أخشى أن يكون أحد أعوان الملك ، يراقب الكوخ .
وعلى الفور ، وبدون أن يتفوه بكلمة ، هبّ سندباد من مكانه ، وتسلل إلى خارج الكوخ ، ومضى تحت جنح الظلام ، عبر أشجار الغابة ، إلى مكمنه ، بين الأشجار الكثيفة ، القريبة من شاطىء البحر .
  
    ” 9 “
ــــــــــــــــ

في منامه ، رأى سندباد فيما يرى النائم ، أكثر من كابوس ، أحدها ، ولعله آخرها ، مجموعة من الغربان الغريبة الضخمة ، انقضت عليه فجأة ، لا يدري من أين ، وصاح به أحدها بصوت منفعل شرس : انهض .
وفتح سندباد عينيه مذعوراً ، وإذا مجموعة من الحرس ، المدججين بالسلاح ، يحيطون به من كل جانب ، يتقدمهم حارس ضخم شرس ، أشار له برمحه غاضباً : هيا ، انهض .
وهبّ سندباد واقفاً ، وقد تملكه الخوف ، وقال  متمتماً : الملك !
وعلى الفور ، أشار له الحارس الضخم برمحه غاضباً ، أن تحرك .
وتحرك سندباد ، متعثراً في مشيته ، بين الحرس المدججين بالسلاح ، وسار به الحارس الضخم ، عبر الغابة ، إلى قصر الملك ، الذي تحيط به حديقة واسعة الأرجاء .
وأخذه الحارس الضخم ، إلى داخل القصر ، وقاده عبر ممرات عديدة إلى غرفة العرش ، حيث الملك ووزيره العجوز .
وانحنى الحارس الضخم للملك ، وقال : مولاي ، هذا هو الغريب .
وحدق الملك في سندباد ، ثم أشار للحارس الضخم ، أن أخرج ، فانحنى الحارس الضخ للملك ، ثم مضى إل الخارج .
وخاطب الملك سندباد قائلاً : ما اسمك ؟
فردّ سندباد : اسمي .. سندباد .
وصاح الملك : قل يا مولاي ..
وعلى الفور قال سندباد : يا مولاي .
وتابع الملك صائحاً : وانحنِ .
وانحنى سندباد على الفور ، وظل منحنياً ، فقال الملك : اعتدل .
واعتدل سندباد خائفاً ، فقال الملك : والآن أنظر إليّ ، وتحدث .
ونظر سندباد إلى الملك ، وقال متأتئاً بصوت مضطرب : مو .. مولا.. ي ..
ثم التفت إلى الوزير العجوز حائراً مستنجداً ، فقال الأخير : جلالة الملك المبجل ، يريد أن يعرف أولاً ، من أنت .
فردّ سندباد متردداً : أنا تاجر .
وتساءل الوزير العجوز : من أين أتيت ؟
فقال سندباد : من البحر .
ونظر الملك إلى الوزير ، وهو يتميز غيظاً ، فتابع سندباد قائلاً : كنت في سفينة ، مع مجموعة من التجار ، ورأينا وسط البحر ، ما ظنناه جزيرة صغيرة ، فنزلنا إليها ، وإذا هي حوت ضخم ، سرعان ما غاص في البحر ، وغاص معه العديد من التجار .
وصمت سندباد لحظة ، ثم تابع قائلاً : وكتبت لي النجاة ، فوصلت إلى هذه الجزيرة .
وصاح الملك غاضباً : سباحة !
ولاذ سندباد بالصمت ، فقال الوزير العجوز : لابد أن جدتك كانت سمكة قرش ، يا سندباد .
وفغر سندباد فاه ، ثم قال : لا يا سيدي ، أنا كما ترى ، إنسان .
واقترب الوزير العجوز منه ، وقال : سندباد ، أخبرنا ، وكن صادقاً ، كيف وصلت ، من وسط البحر ، إلى جزيرتنا هذه ؟
ولاذ سندباد بالصمت ، فانفجر الملك غاضباً : أريد الحقيقة ، والحقيقة وحدها .
واقترب الوزير العجوز من الملك ، وقال : سنعرف الحقيقة منه ، يا مولاي ، عاجلاً أو آجلاً .
وزام الملك ، كاظماً غيظه ، فالتفت الوزير العجوز إلى سندباد ، وقال : ستكون الليلة ضيفاً علينا ، في السجن طبعاً ، وسندعك تفكر حتى الغد ، وبعدها ستقول لنا الحقيقة ، أو تكون طعاماً لسمك القرش في البحر .
ثم التفت إلى الباب ، وهتف : أيها الحارس .
وعلى الفور ، أقبل الحارس الضخم المتجهم ، وانحنى ثم قال : سيدي .
فقال الوزير العجوز : خذ ضيفنا هذا ، وأودعه السجن حتى الغد .
وأخذه الحارس المتجهم ، وأودعه زنزانة داخل سجن تحت القصر ، وأغلق عليه باب الزنزانة ، ومن إحدى الزوايا المظلمة ، جاءه صوت واهن يتمتم : بنيّ .. سندباد .
والتفت سندباد مندهشاً ، وقال : من ! الصياد ؟
وتقدم الصياد العجوز منه بتثاقل ، وقال : لقد أخذوني حالما خرجت من كوخي .
وهزّ سندباد رأسه ، وقال : عفواً أيها العم ، لقد سببت لك أذى شديداً .
فقال الصياد العجوز : لا عليك ، هذا قدري .
وصمت لحظة ، ثم قال : لقد سألوني عنك ، فأخبرتهم بكل ما أعرفه ، لكن هناك أمر لم أسألك ، ولن أسألك عنه ، وهذا ما يريدون أن يعرفوه منك ، ولعلهم إذا عرفوه سيتخلصون منك .
وصمت الصياد العجوز ثانية ، ثم قال : الوزير العجوز ثعلب ماكر ، غدار ، احذره .
وبعد منتصف النهار ، جاء عدد من الحرس ، وأخذوا الصياد العجوز ، وقبل أن يخرجوا به من الزنزانة ، نظر إلى سندباد ، وقال بصوت واهن حزين : وداعاً ، يا بنيّ .

     ” 10 “
ــــــــــــــــــ

في اليوم التالي ، عند حوالي الضحى ، دُفع باب الزنزانة ، ودخل مسؤول السجن ، ومن حوله عدد من الحرس المدججين بالسلاح .
ونهض سندباد متثاقلاً ، فهو لم ينم ليلة البارحة ، إلا في ساعة متأخرة من الليل ، بعد أن جاء الحرس ، وأخذوا الصياد العجوز إلى مصير مجهول .
وحدق المسؤول في سندباد ، وقال بصوت جاف : وزير جلالة الملك جاء لزيارتك ، إنه في غرفتي  الآن ، سآخذك إليه .
ولاذ سندباد بالصمت ، فتابع المسؤول قائلاً بنبرة تهديد واضحة : أنصحك أن تعمل بما يأمرك به الوزير ، وإلا فسيكون مصيرك مصير الصياد العجوز .
وأطرق سندباد رأسه ، دون أن ينبس بكلمة ، فتابع  المسؤول قائلاً : هيا ، تعال معي بسرعة ، الوزير ينتظرك .
وخرج المسؤول مسرعاً من الزنزانة ، وهو يقول للحرس ، الذين يحيطون بسندباد : خذوه ، والحقوا بي إلى غرفتي .
واقترب الحرس المدججون بالسلاح من سندباد ، ودفعه أحدهم بشيء من الخشونة ، وقال : هيا ، لا تتماوت ، تحرك .
وتحرك سندباد ، وسار مفكراً بين الحرس المدججين بالسلاح ، في أثر المسؤول المتجهم ، الوزير العجوز ينتظره الآن في الغرفة ، وينتظر منه الحقيقة ، ويا للحقيقة التي يصعب تصديقها ، وهل يمكن أن يصدق الوزير العجوز أو الملك ، أن من أنقذه من الغرق ، وجاء به إلى هذه الجزيرة ، هي حورية البحر  ؟
واندفع مسؤول السجن إلى غرفة ، لا يبدو أنها زنزانة ، لابد أنها الغرفة الخاصة به في هذا السجن ، وقال لسندباد : تعال ، ادخل .
ودخل سندباد الغرفة ، وإذا هو وجهاً لوجه مع الوزير العجوز ، الذي نظر ألى المسؤول ، وقال : دعنا وحدنا .
وانحنى مسؤول السجن ، ثم تراجع قليلاً وقال : أمر سيدي .
ثم أسرع بالخروج ، وأغلق باب الغرفة ، ونظر الوزير العجوز إلى سندباد ، وقال : بنيّ سندباد ، جلالة الملك يبلغك تحياته ، واعتذاره .
وفغر سندباد فاه ، دون أن يتفوه بكلمة ، وتابع الوزير العجوز قائلاً : لقد وقع خطأ ، فمكانك ليس هنا في هذا السجن الرهيب ، وإنما في قصر من قصور الملك العامرة .
وصمت لحظة ، محدقاً في سندباد ثم قال : سندباد ، نحن نعرف كيف وصلت إلى الجزيرة ، ولعل في هذا معجزة ، تنقذ جلالة الملك .
وصمت الوزير العجوز لحظة ، وقد شاع الحزن في قسمات وجهه الشائخ ، ثم قال : إن الملك مريض ، يا سندباد ، ولن تشفيه إلا من أنقذتك وشفتك من جراحك .
ونظر سندباد إلى الوزير العجوز مذهولاً ، فمال عليه الأخير ، وأضاف قائلاً بصوت ذي معنى : الحورية .. حورية البحر .
واتسعت عينا سندباد ذهولاً ، لكنه لم يتفوه بكلمة واحدة ، فقال الوزير العجوز : نحن نعرف كلّ شيء عنها ، ونعرف أنها زارتك مراراً ، وهذا يدل عل طيبتها ، وما نريده منك أن تدعوها لزيارة الملك ، لعلها تعالجه وتشفيه .
ونظر سندباد إلى الوزير العجوز ، وقال : أنا لا أستطيع أن أعدك بشيء ، صحيح أن الحورية أنقذتني ، وعالجت جراحي ، ولكني لا أستطيع أن أضمن موافقتها على الحضور إلى القصر .
ونظر الوزير العجوز إليه ، ثم قال : أنت محق ، لكن حاول ، فقد توافق ، وهذا عمل خيّر ، لن ينساه لك جلالة الملك .
وتلفت سندباد حوله ، ثم قال : أنا في السجن .
فقال الوزير العجوز مبتسماً : هذا كان خطأ ، سنصلحه في الحال ، وقد خصص لك جلالة الملك واحداً من أجمل قصوره ، وستسكنه ما شئت ، حالما يلتقي الملك بالحورية .
ومدّ الوزير العجوز يده ، وأمسك بيد سندباد ، وقال : تعال معي ، يا سندباد ، سأخرج بك من السجن ، وأرجو أن أراك في قصرك الملكي ، في أقرب وقت ممكن ، وهذا يتوقف عليك .

     ” 11 “
ــــــــــــــــــــ

عاد سندباد إلى مكمنه ، بين الأشجار الكثيفة المطلة على شاطىء البحر ، الذي لم يعد مكمناً ، فهو حرّ الحركة في الجزيرة كلها ، بعد حديث الوزير إليه ، وإطلاقه من السجن .
وأول شيء قام به ، بعد أن ارتاح قليلاً ، تفقده للصياد العجوز ، فتجول على الشاطىء ، لعله يراه أو يعثر على أثر له ، وبدل ذلك عثر على القارب ملقى فوق الرمال ، وكأنه جثة هامدة ، غادرتها الحياة منذ فترة طويلة .
وقبيل المساء ، توغل سندباد في الغابة ، قاصداً كوخ الصياد العجوز ، وحين لاح الكوخ مختبئاً بين الأشجار الكثيفة ، بدا له موحشاً مهجوراً ، قد غادرته الحياة ، مثلما غادرت القارب الملقى على رمال الشاطىء .
وطرق سندباد الباب ، وانتظر قليلاً ، لكن أحداً لم يردّ عليه ، وطرقه ثانية وثالثة دون جدوى ، فمدّ يده إلى الباب ، ودفعه برفق ، وبدا الكوخ من الداخل ، موحشاً لا أثر فيه للحياة .
وتوقف سندباد ، لم يشأ أن يدخل ، والصياد العجوز غائب عنه ، ترى أين هو الآن ؟ يا للمسكين ، ربما كان ضحية لزيارته ، آه .
وقفل سندباد عائداً إلى مكمنه ، بخطى حزينة تائهة ، عبر أشجار الغابة ، وجلس بين الأشجار الكثيفة ، المطلة على شاطىء البحر ، وسرعان ما استغرق في نوم عميق .
وأفاق مراراً خلال الليل ، وغالباً ما كان يتطلع نحو السماء القاتمة ، التي لا يُرى في أعماقها ، غير نجوم متباعدة ، تنبض بأضواء بعيدة ، فيتحول بعينيه نحو الشاطىء الرملي ، ويرهف السمع ، فلا يسمع غير المياه ، وهي تزحف فوق الرمال ، ثم تنسحب متراجعة إلى البحر .
وتراءى له الصياد العجوز ، أكثر من مرة ، وهو يقول له : احذر الوزير العجوز ، إنه ثعلب ماكر غدّار .
وفكر سندباد ، ربما كان الصياد العجوز على حق ، فها هو المسكين يختفي ، لا أحد يدري أين ، وما هو مصيره ، لكن الوزير العجوز نفسه ، وعلى العكس من الملك الشرير ، عامله برفق ، ولم يطلب منه سوى أن يحاول إقناع الحرية ، بأن تزور الملك ، وتحاول معالجته .
وتراءى الملك الشرير لسندباد ، وكأنه يقف الآن أمامه ، بثيابه المزركشة ، وخنجره اللامع ، وجنونه الخطر ، ذلك اللعين ، لا يبدو مريضاً ، لكن من يدري ، لعل مرضه غير ظاهر ، مهما يكن ، فليأخذه الشيطان ، ويخلص الجزيرة منه .
وقبيل الفجر ، أفاق سندباد على صوت يعرفه ، يهتف به : سندباد .
واعتدل سندباد ، باحثاً عن مصدر الصوت ، الذي ظنه حلماً ، وتمتم هامساً : لؤلؤة !
وجاءه صوت لؤلؤة ، ليس من الحلم ، وإنما من وراء شجرة قريبة : أرجو أن يكون المكان آمناً ، يا سندباد .
وردّ سندباد قائلاً : اطمئني ، يا لؤلؤة ، تعالي ، لا أحد هنا ، أنا وحدي كما ترين .
وبرزت لؤلؤة من وراء شجرة قريبة ، وتقدمت منه متلفتة ، وهي تقول : يخيل إليّ ، يا سندباد ، أن الحرس يتربصون بي ، في كلّ مكان من الغابة ، لا أدري لماذا .
وردّ سندباد قائلاً : إنه الملك ، يا لؤلؤة ، يريد أن ..
وقبل أن يتم سندباد كلامه ، انقض عدد من الحرس المدججين بالسلاح ، من وراء الأشجار ، يتقدمهم حارس ضخم ، عكر السحنة ، وأحاطوا كالطوق الحديدي بالحورية لؤلؤة .
وتلفتت الحورية حولها خائفة ، وصاحت مستنجدة ، حائرة ، متوجسة ، بصوت مضطرب : سندباد !سندباد !
واندفع سندباد نحوها ، وهو يقول : دعوها ، أنتم ترعبونها ، دعوها ، دعوها ، سآخذها بنفسي إلى الملك .
وضربه الحارس الضخم بطرف رمحه ، وهو يقول : ابتعد أنتَ ، هذه مهمتنا .
وتهاوى سندباد على الأرض ، والدماء تنزف من جبهته ، وتوقفت الحورية بين الحرس ، تنظر إليه بمرارة ، وقالت : هذا ما لم أتوقعه منك أنت بالذات ، يا سندباد .
ودفعها الحارس الضخم أمامه ، وقال : هيا ، الملك ينتظرك على أحرّ من الجمر .
ومضت الحورية ، يحيط بها الحرس المدججون بالسلاح من كلّ جانب ، والدموع تغرق عينيها الزرقاوين ، اللتين بلون البحر .

     ” 12 “
ــــــــــــــــــــ

بعد تناوله لطعام الفطور ، راح الملك يتهيأ للذهاب إلى قاعة العرش ، تساعده كالعادة ، جاريته الشابة ، وحين انتهى من ارتداء ملابسه ، ووضع التاج على رأسه ، تأملته الجارية جيداً ، وقالت : أنت اليوم مستبشر ، يا مولاي .
وبدت في عينيّ الملك الضيقتين ، اللتين قلما تبتسمان ، نظرة حالمة ، وقال : رأيت الليلة في المنام أنني أطير .
فقالت الجارية الشابة مستبشرة : ليتحقق حلمك ، يا مولاي ، وتطير .
وهنا دخل الحاجب مسرعاً ، وقد علا وجهه الفرح ، وقال : مولاي ، أبشر .
والتفت الملك إليه متلهفاً ، فتمتمت الجارية الشابة فرحة : ستطير ، يا مولاي .
واقترب الحاجب من الملك ، وقال : جاء الحرس بحورية البحر ، وهي الآن في الجناح المخصص لها ، مع الوزير .
وعلى الفور ، انطلق الملك خارج جناحه ، والحاجب يهرول في أثره ، وتابعتهما الجارية الشابة بنظرها ، وهي تقول : طار الملك .. طار الملك .. طار .
واندفع الملك إلى الجناح المخصص لحورية البحر ، وإذا الوزير العجوز يقف منتصراً ، وعلى مبعدة منه ، تقف الحورية متكدرة حزينة ، لكن هذا لم يخفي جمالها النادر .
وتوقف الملك مبهوراً ، إلى جانب الوزير العجوز ، محدقاً في الحورية ، وتمتم : لؤلؤة!
ومال عليه الوزير العجوز ، وقال بصوت هامس ، لا يكاد يُسمع  : لقد تحقق لنا بخداع سندباد ، يا مولاي ، ما لا يمكن أن يتحقق ، بأية وسيلة أخرى ، مهما كانت .
لكن حورية البحر سمعته ، وأدركت ما يرمي إليه ، مما زاد في كدرها وحزنها ، سندباد إذن لم يتواطأ معهما كما ظنت أول الأمر ، آه سندباد .
وقال الملك ، وعيناه مازالتا تحدقان في الحورية : اسمعني جيداً .
وقال الوزير العجوز : إنني أسمعك ، يا مولاي ، لك الأمر ، وعليّ الطاعة .
فقال الملك ، وعيناه الشرهتان تلتهمان حورية البحر : هذا الشاهد ، يجب أن يختفي .
فردّ الوزير العجوز : أمر مولاي ، سيتكفل زوار الفجر من الحرس ، تنفيذ هذه المهمة .
وتقدم الملك من الحورية ، وتوقف على مقربة منها ، يتأملها وكأنه يتأمل تحفة نادرة : لؤلؤة ..
وحدقت الحورية فيه ، دون أن تتفوه بكلمة ، فتابع الملك قائلاً : أنتِ لؤلؤة حقاً .
وابتسم الوزير العجوز ابتسامته المعروفة ، وقال : لا تليق إلا لملك مثلك ، يا مولاي .
وقال الملك ، وعيناه مازالتا تلتهمان قسمات وجه الحورية : وهذا ما ينبغي أن يكون .
ومال الملك على الحورية : لؤلؤة ..
وتراجعت الحورية قليلاً ، دون أن تتفوه بكلمة ، فتابع الملك قائلاً : أصغي إليّ جيداً .
وحدقت الحورية فيه ، ومرة أخرى ، لم تتفوه بكلمة ، فقال الملك : الجميع في هذه الجزيرة يعرفون ، أن ما أريده أحصل عليه ، أو أزيله من وجه الحياة كلها .
وصمت الملك لحظة ، ثم قال : أنت لي ، لقد حصلتُ عليك ، وستكونين لي ، أو لا تكوني ، ستكوني الأولى بين جواريّ ، لؤلؤة لآلئي ، أو لا تكوني أيّ شيء .
وتراجع الملك قليلاً ، ثم قال : هذا جناحك ، وستكون لك وصيفاتك ، سأذهب الآن ، وحين أعود ليلاً ، أريد أن أراك لؤلؤتي حقاً .
وخرج الملك من الجناح ، ولحق به الوزير العجوز ، وهمس له ، وهما في طريقهما إلى قاعة العرش : مولاي ..
وردّ الملك ، دون أن يتوقف : صحيح إنها لؤلؤة ، لكنها امرأة ، وأنا كما تعرف ، لم تقف في وجهي امرأة ، مهما كانت .
وقال الوزير العجوز ، وهو يسير في أثر الملك : أنت محق ، يا مولاي ، ولكن علينا أن لا ننسى أنها حورية من حوريات البحر .
ودخل الملك قاعة العرش ، وقال وكأنه يضع حداً لحديثه مع الوزير العجوز : لم أنسَ ، ولكن لا تنسَ أنت ، من أنا ، أنا ملك الجزيرة كلها .
وتوقف الوزير لحظة ، وقد لاذ بالصمت ، ثم دخل قاعة العرش ، في أعقاب الملك ، وتوقف على مقربة منه ، دون أن يتفوه كلمة واحدة .

     ” 13 “
ــــــــــــــــــــ

بين عشية وضحاها ، وعلى غير المتوقع ، تغير الحال ، ليس في القصر وحده ، وإنما في الجزيرة كلها ، وانقلب كل شيء رأساً على عقب .
كيف جرى هذا ؟
ومن كان وراءه ؟
هذا ما لم يعرفه ، وربما لن يعرفه أحد ، حتى النهاية .
ففي ساعة من ساعات الليل ، اختفت الحورية لؤلؤة من القصر ، واختفى معها تماماً ، ويا للغرابة ، الملك الشرير نفسه ، وكأنّ لم يكن له وجود مطلقاً ، في أي مكان من الجزيرة .
هذا ما عرفه الجميع ، منذ فجر اليوم التالي ، لكن ماذا حدث بالضبط ؟
وكيف حدث ذلك ؟
هذا ما لم يعرفه أحد من السكان .
قيل ، والعهدة على القائل ، أن الحورية هربت من القصر ، هربت وحدها ؟ أمر لا يعقل ، لابدّ أن أحداً ، والحالة هذه ، قد ساعدها على الهرب ، ولحق بها الملك ، وكما اختفت الحورية ، مثل ـ فص ملح وذاب ـ اختفى الملك ، دون أن يترك وراءه أثراً يذكر .
وقيل ، وهذا أكثر غرابة ، ولا معقولية ، أن ابن عم الحورية ، وهو من جبابرة أعماق البحار ، ويقال أنه كان خطيبها ، تسلل إلى القصر ليلاً ، كيف حدث ذلك ؟ وأين كان الحرس المدججون بالسلاح ؟ المهم هذا ما قيل ، تسلل إلى القصر ، فأخذ ابنة عمه الحورية ، ومعها أخذ الملك نفسه ، بعد أن قيده ، وكمم فمه ، ثم غاب الثلاثة في عتمات أعماق البحر .
وعلى الفور ، تجمع الناس حول قصر الملك فرحين بالخلاص من الملك الشرير ، وسرعان ما اتجهوا نحو السجن ، وأطلقوا سراح الملك الطيب ، عاونهم في ذلك جميع الحرس ، وحملوه على الأعناق مهللين ، وعادوا به إلى العرش ، وعاد كلّ شيء إلى مجراه الأول ، قبل أن يغتصب الملك الشرير العرش ، ويحكم الجزيرة وأهلها الطيبين ، بالحديد والنار .
ودعا البعض إلى إلقاء القبض على الوزير العجوز ، وتقديمه إلى القضاء ، ليقول فيه كلمته العادلة ، لكن الملك الطيب ، وربما لكبر سن الوزير ، فضل أن يعزله ، ويبقيه في قصره ، لا يغادره مطلقاً ، حتى النهاية .
وعلم سندباد بما جرى ، وشعر بالفرح لنجاة الحورية من براثن الملك ، وإن ظل على شعوره بالمرارة ، لما قد تظنه فيه .
وفي اليوم التالي ، أرسل الملك الطيب في طلب سندباد ، واستقبله مرحباً في قاعة العرش ، وقال له : نحن نعتذر عما أصابك ، وهذه ليست من شيم أهالي هذه الجزيرة ، ولك أن تبقى بيننا معززاً مكرماً ، أو تعود إلى وطنك ، على أول سفينة ترسو إلى شواطىء جزيرتنا .
وبدا سندباد مرتاحاً إلى ما قاله الملك ، لكنه قال : أشكرك ، يا مولاي ، إنني مشتاق إلى أهلي ووطني ، وأفضل العودة إلى الوطن .
وابتسم الملك الطيب ، وقال : لك هذا ، وقد خصصنا مؤقتاً قصراً من قصورنا تقيم فيه ، إلى أن ترحل إلى وطنك .
وبدل أن يسكن سندباد القصر ، الذي خصصه له الملك الطيب ، عاد إلى مكمنه بين الأشجار الكثيفة ، التي تطل على شاطىء البحر .
وانتظر في مكمنه ، يوماً بعد يوم ، وليلة بعد ليلة ، وخاصة عندما اكتمل القمر ، وصار بدراً ، أن تأتيه الحورية ، ولو مرة واحدة ، ليوضح لها أنه لم يخنها ، وأنه لم يغدر بها ، ويبيعها للملك الشرير ، ولن يبيعها حتى لقاء لآليء العالم كله .
وذات ليلة ، غاب فيها القمر ، استيقظ سندباد من نومه فجأة ، كأن أحدهم أيقظه ، ففتح عينيه ، وخفق قلبه فرحاً ، فقد لمح على بعد خطوات منه ، في عتمة الليل ، لؤلؤة كبيرة تشع ، فهب واقفاً متلفتاً حوله ، الحورية لؤلؤة كانت هنا ، جاءته وهو نائم ، وقدمت له أعز ما تملك ، اللؤلؤة الكبيرة ، التي أهدتها لها أمها ، لتحييه وتقول له ، إنها تعرف عواطفه ، وتعرف أنه لم يخنها ولن يخونها .
وأخذ سندباد اللؤلؤة الكبيرة بين يديه ، ولعلها أكبر لؤلؤة في العالم ، وضمها بين يديه ، وكأنه يضمها إلى قلبه ، وهي مازالت معه ، وستبقى معه حتى النهاية ، فهي هدية لؤلؤة البحر ، الحورية الحبيبة .. لؤلؤة .

     ” 14 “
ــــــــــــــــــــ     
      

هيأ الخدم ، على عادتهم كلّ مساء ، مجلس سندباد ، الذي يسمر فيه مع أصدقائه وخاصته ، ليلة كلّ يوم .
وأقبل سندباد ، وقد ارتدى أجمل ملابسه ، وجلس في مكانه المعتاد ، فتقدم منه الحاجب ، وقال : سيدي سندباد .
ورفع سندباد عينيه إليه ، وقال : نعم .
فقال الحاجب : ضيفنا الحمال ينتظر في غرفته أمركم ، يا سيدي .
فأشار له سندباد قائلاً : اذهب ، وأتي به .
وانحنى الحاجب قليلاً ، وقال : أمر سيدي .
ومضى الحاجب ليأتي بالحمال سندباد ، واتكأ سندباد على إحدى الوسائد الوثيرة ، وراح يستعيد سريعاً ما قرر أن يرويه للحمال .
سيحدثه  في الرحلة الأولى ، عن الحوت الضخم ، الذي ظنوه جزيرة ، وعن طائر الرخ ، في الرحلة الثانية ، وكيف أن محيط بيضته ” 50 ” خطوة ، وسيحدثه عما رآه ، في الرحلة الثالثة ، من جنّ وعجائب المخلوقات البحرية ، وفي الرحلة الرابعة ، سيحدثه عن العواصف ، التي حطمت السفينة ، وكيف أنه نجا مع بعض أصحابه ، بعد أن تعلقوا بلوح خشبي ، ووصلوا إلى جزيرة قوم عراة ، وسيحدثه عن الرخ ، في الرحلة الخامسة ، وكيف انقض على سفينتهم ، وأغرقها بمن فيها ، لأن التجار كسروا إحدى بيضاته ، وقتلوا فراخه ، وأكلوا لحومها ، وكيف أنهم تاهوا في البحر ، في الرحلة السادسة ، وتحطمت سفينتهم قرب إحدى الجبال الشاهقة ، ولجأ الناجون منهم إلى جزيرة ، فيها كنوز من الجواهر والياقوت والمعادن الثمينة ، كما سيحدثه عما جرى له ، في الرحلة السابعة والأخيرة ، التي وصلوا فيها إلى الصين ، وكيف صادفوا بعدها ، عدداً من الحيتان الضخمة الشرسة ، التي هاجمت إحداها السفينة وحطمتها ، ولم ينجُ أحد غيره ، حيث تعلق بلوح من الخشب ، وصل به إلى إحدى الجزر المأهولة ، عاد بعدها إلى بغداد ، وأقسم أن لا يسافر ثانية ، بعد أن استغرق في رحلاته السبع ” 27 ” عاماً .
وتململ سندباد في مكانه ، وفكر ثانية ، سيحدثه عن كلّ هذا وبالتفصيل ، ثم يكرمه ، ويمنحه مبلغاً من المال ، يقيه شرّ الحاجة والعوز ، لكن شيئاً واحداً لن يحدثه عنه ، كما لم ولن يحدث أحداً عنه ، وسيبقى في داخله ، كما اللؤلؤة في قوقعتها ، نعم الحورية اللؤلؤة ، لن يحدثه عنها ، وستبقى تضيء داخله ، وتدفئه ، طول العمر .
وأفاق سندباد على الحاجب ، يميل عليه ، ويقول : سيدي .
ورفع سندباد عينيه إليه ، وقال : نعم .
فقال الحاجب : الضيف سندباد ، يا سيدي .
وتنهد سندباد ، وقال : أهلاً به ، ليتفضل .
وأقبل سندباد الحمال ، وجلس حيث أشار له سندباد ، على حشية وثيرة قبالته ، وقال له : أهلاً بالضيف العزيز سندباد ، سأحدثك الليلة عن رحلاتي السبع ، التي استغرقت ” 27 ” عاماً .
واعتدل سندباد الحمال في جلسته ، وقال متلهفاً : كلي آذان صاغية ، يا سيدي .
وبدأ التاجر سندباد ، يروي للحمال سندباد ، رحلاته السبع ، الواحدة بعد الأخرى ، ولكن ، وكما قرر منذ البداية ، لن يروي له ، أو لغيره ، لا الآن ولا في المستقبل ، حكايته الغريبة ، التي لا تكاد تصدق ، مع حورية البحر .. لؤلؤة .

19 / 7 / 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *