طلال حسن : السندباد البحري(رواية للفتيان) (1)

talal hasan شخصيات الرواية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ السندباد البحري
2 ـ السندباد الحمال
3 ـ الخادم
4 ـ القبطان
5 ـ الجد ماجد
6 ـ التاجر حسن
7 ـ الحورية لؤلؤة
8 ـ ابن عم الحورية
9 ـ الصياد العجوز
10 ـ الملك
11 ـ الوزير العجوز
12 ـ الحارس الضخم
13 ـ السجان
14 ـ مسؤول السجن
15 ـ جارية الملك
16 ـ حراس
sindabad     ” 1 ”     
ـــــــــــــــــــ

طوال فترة الصباح ، من يوم تموزي قائظ ، ظل الحمال سندباد ، منهمكاً بحمل قفصه ، الذي ينقل فيه ما يتبضعه بعض الزبائن ، ويسير به متعباً إلى بيوتهم ، مهما كانت بعيدة .
وعند منتصف النهار ، أوصل ما تبضعه تاجر من خضراوات وفواكه ولحوم إلى قصره ، الذي يقع في حيّ التجار ، وقفل عائداً إلى السوق ، وقد هدّه الحرّ وشدة التعب .
وفي طريق العودة ، مرّ بقصر ضخم ، بابه موارب ، وقد بدت منه حدائقه الواسعة الغناء ، التي جاءته منها روائح طيبة لمختلف الأزهار ، وأنسام عذبة ، فيها شيء من الرطوبة الباردة .
وتوقف الحمال عند الباب الموارب ، وتلفت حوله وقال بصوت واهن : إنني متعب جداً ، فلأجلس هنا قليلاً ، ريثما أرتاح .
وجلس الحمال متنهداً ، ونظر عبر الباب الموارب ، ثم قال : يبدو أن هذا القصر لتاجر غنيّ جداً ، ترى ما علة أن يكون هو تاجراً غنيّاً ، وأن أكون أنا مجرد حمّال ؟
وصمت لحظة ، ثم قال ساخراً : العلة واضحة ، لقد  تزوجت أمي الغريرة حمالاً فولدتني حمالاً ، أما هذا التاجر ، فقد كانت أمه أكثر ذكاء من أمي ، فتزوجت تاجراً .
ومن بين أسنانه الجائعة ، الغاضبة ، تابع الحمال قائلاً : لن أدع ابنتي تتزوج حمالاً ، مهما كان السبب ، هذا إذا تزوجتُ ، وصار لي بنت ، في يوم من الأيام .
وأغمض الحمال عينيه المتعبتين ، اللتين أثقلهما النعاس ، ويبدو أنه استغرق في النوم ، فقد أفاق على صوت رجل آمر يهزه قائلً : أيها الحمال ، أفق من نومك .
وأفاق الحمال ، وما إن رأى من أفاقه ، حتى هبّ واقفاً ، وقال بصوت مذنب مضطرب : عفواً ، يبدو أنني غفوت .
فقال الخادم : لا عليك ، تعال معي ، سيدي التاجر  يريدك .
وبدا الخوف على الحمال ، حين سمع هذا ، وقال : عفواً ، يا أخي ، ماذا فعلت ليستدعيني سيدك ؟ كنت متعباً جداً فغفوت ، و ..
وقاطعه الخادم بصوت هادىء : اطمئن ، أنت لم تفعل شيئاً ، لقد سمعك سيدي عرضاً ، ويريد أن يتحدث إليك ، تعال معي .
ورغم خوفه وتردده ، سار الحمال وراء الخادم ، حتى دخل به غرفة واسعة من غرف القصر ، يقف عند أحد نوافذها رجل في أواسط العمر ، يرتدي ملابس تزينها الأحجار الكريمة ، فنظر الرجل إليه ، وقال : أهلاً ومرحباً بكَ ، تفضل اجلس .
وفغر الحمال فاه ، فهو لم يعتد من قبل ، على مثل هذا الترحيب والمعاملة الطيبة  ، من صاحب قصر في مثل هذا الغنى ، ثم قال : عفواً ، يا سيدي ، أنا .. أنا حمال .
وابتسم الرجل ، وقال : وأنا تاجر ، كلانا يكدح من أجل لقمة العيش ، ما اسمك ؟
أجاب الحمال بصوت متردد : اسمي .. اسمي سندباد .. يا سيدي .
واتسعت ابتسامة الرجل ، وقال : يا للصدفة ، أنا أيضاً اسمي سندباد .
وتمتم الحمال مندهشاً : السندباد البحري !
وهز سندباد رأسه ، وقال : بالضبط ، هكذا أعرفُ ، السندباد البحريّ .
وصمت لحظة ، ثم قال : كنتُ على مقربة من باب الحديقة ، قبل قليل ، وسمعتك صدفة تتكلم .
وقال الحمال متردداً : عفواً سيدي ، أرجو أن لا تظن أنني أحسدك ، فقط أردت أن ..
وقاطعه سندباد قائلاً : لا عليك ، أنت ضيفي اليوم ، سأحكي لك ما لم أحكه لغيرك .
ونظر عبر النافذة ، المطلة على حديقة القصر ، وكأنه ينظر إلى الماضي البعيد ، وتابع قائلاً : اسمك سندباد ، وأنا سندباد ، سأحكي لك ، وكأني سأحكي ما سأحكيه ..للسندباد .

     ” 2 ”      
ـــــــــــــــــــ  

بعد الغداء ، أوى التاجر سندباد إلى فراشه كالعادة ، يريد أن يرتاح قليلاً ، ويفكر في ما سيرويه لسندباد الحمال ، عند لقائه به اليوم ، خلال ساعات الليل .
وكما فكر منذ البداية ، قرر أن يروي له كلّ شيء ، ومنذ البداية ، وإلا ما قيمة الرحلات السبع ، مع كلّ ما فيها من مغامرات وغرائب وأخطار ، إن لم يتحدث عن الدافع الحقيقي ، الغامض ، الذي يكمن وراءها جميعاً ؟
وأغمض التاجر سندباد عينيه ، وأرهف سمعه ، وكأنه يريد أن يسمع ثانية ، ذلك الصوت ، الذي سمعه لأول مرة ، قبل أن يبدأ رحلته الأولى ، ولم يعرف وقتها حقيقته ، ومن أين يأتي ، يهيب به أن تعال .. تعال .. تعال .
من هنا بدأت الرحلة الأولى ، والتي كانت أساس  الرحلات كلها ، وربما لولاها ما كانت رحلات السندباد البحري السبع .
واستجابة لذلك النداء الغامض ، تعال .. تعال .. تعال ، جمع سندباد ما ورثه عن أبيه من ثروة ، واشترى بضاعة مناسبة ، ليتاجر بها مع التجار الراحلين صوب الجزر والمدن والأقطار البعيدة ، عبر البحار المختلفة ، التي سيراها للمرة الأولى في حياته .
بدأ رحلته من بغداد ، عاصمة الخليفة هارون الرشيد ، متجهاً بتجارته إلى ميناء البصرة ، حيث يتجمع التجار ، من مختلف أنحاء العراق ، وينطلقون على المراكب الشراعية ، نحو شتى الأقطار في العالم  .
وركب سندباد من البصرة ، مع مجموعة من التجار ، إحدى تلك المراكب ، وانطلقت بهم صوب البحر ، في صباح مشرق ، تهب فيه أنسام دافئة رخية عذبة .
ومنذ الساعات الأولى ، لدخولهم البحر ، تعرف السندباد على عدد من تجار الموصل وبغداد والبصرة ، ومدن العراق الأخرى ، وراحوا يتجاذبون أطراف الحديث ، حول رحلاتهم المختلفة ، والمتاجرة في مختلف الجزر والمدن والأقطار البعيدة .
كما تعرف على البحارة ، والقبطان الشاب ، وتعرف على جده ماجد ، الذي تجاوز السبعين ، والذي مع ذلك ولعشقه الشديد للبحر ، ومعايشته له فترة طويلة ، يصرّ عل مرافقة حفيده ، في كلّ رحلة بحرية يقوم بها .
ولعل حبّ القبطان الشاب لجده العجوز ، وإرضاء له ، كان يوكل له أحياناً ، قيادة المركب ، وتوجيه دفته ، وخاصة إذا كانت الرياح هادئة ، والبحر ساكناً  ، عاقل الأمواج .
وعند منتصف النهار ، في اليوم الثاني لدخولهم البحر ، توقف سندباد عند سياج السفينة ، ينظر إلى الآفاق البعيدة ، وقد اختفت اليابسة تماماً ، ولم يعد يرى حوله ، سوى مياه البحر ، تمتد زرقاء هادئة على امتداد البصر .
وانتبه سندباد إلى تاجر تجاوز منتصف العمر ، يتوقف إلى جانبه ، والتفت إليه مبتسماً ، إنه تاجر من الموصل اسمه حسن ، وقال : الجو رائع اليوم ، والبحر هادىء .
وابتسم التاجر حسن ، وقال : نعم ، إنه هادىء حتى الآن ، وأرجو أن يبقى هادئاً .
ونظر سندباد إليه صامتاً ، فقال التاجر حسن : أظن أن هذه هي رحلتك الأولى في البحر .
وردّ سندباد قائلاً : على العكس منك ، مادمت قد خمنت أنها رحلتي الأولى .
وضحك التاجر حسن ، وقال : ليلاي هي حياة البحر ، وأنا مجنونها .
وقال سندباد : رغم أن مصاعبها ، ومخاطرها ليست قليلة .
وضحك التاجر حسن ثانية ، وقال : نعم ، لكن عذوبتها وسحرها أكثر بكثير ، بحيث لم أستطع حتى الآن أن أقاومها ، وأقرر البقاء في مدينتي الهادئة الجميلة .
وصمت التاجر حسن لحظة ، وقد كفّ عن الضحك ، ثم قال : إنني من الموصل ، ورغم أنها أم الربيعين ، فإنني أشعر بالضيق والاختناق ، على العكس من هنا ،  وسط البحار ، أكون مرتاحاً  تماماً ، وأشعر أنني حر .
وصمت التاجر حسن ، ولاذ السندباد بالصمت أيضاً ، وراح يتطلع إلى الآفاق البعيدة ، كأنه يبحث عن شيء افتقده ، ثم قال : يبدو أننا ، في هذا المكان بعيدون عن  البرّ  .
فقال التاجر حسن : لن نرى براً ، ربما خلال أكثر من أسبوعين .
وتساءل السندباد : ولا حتى جزيرة صغيرة ؟
فردّ التاجر حسن : ولا حتى بقعة جرداء من اليابسة ، يا سندباد .
وصمت لحظة ، ثم قال : أحياناً ، وهذا ما لم أره شخصياً ، تظهر جزيرة صغيرة ، جرداء على الأغلب ، وسرعان ما تختفي .
لم ينبس سندباد بكلمة ، فمال عليه التاجر حسن ، وقال : لديّ شراب عرق السوس موصلي ، تعال معي إلى قمرتي ، وتذوقه .

     ” 3 “
ـــــــــــــــــــ     

مرّت أيام عديدة ، والبحر عاقل الأمواج ، تنقل خلالها سندباد ، بين العديد من  الأصدقاء الجدد من التجار والبحارة ، وإن كان معظم وقته ، يقضيه مرتاحاً ومتمتعاً ، مع صديقه التاجر الموصلي حسن .
وأكثر من مرة ، قال سندباد للتاجر الموصلي حسن : آه يا أخي ، إنني أحنّ إلى اليابسة ، أية يابسة ، حتى لو كانت صحراء .
ويردّ التاجر الموصلي حسن ضاحكاً : مهلاً ، يا سندباد ، سترى اليابسة قريباً ، بل وستملها ، وتحن إلى البحر .
وذات يوم ، والشمس تكاد تميل إلى الغروب ، ارتفع صوت أشبه بصرخة مندهشة حد الذهول : جزيرة .. جزيرة .
وسرعان ما اختلط بالصرخة الأولى ، عدة صرخات بدت بعضها حائرة ، مترددة : جزيرة .. جزيرة .. جزيرة .
واعتدل التاجر الموصلي في فراشه ، وتمتم : جزيرة ! يا للجنون ، هذا مستحيل ، نحن في وسط البحر .
وأسرع سندباد ، وأطل من حاجز السفينة ، حيث تجمهر بعض التجار ، ورأى بالفعل جزيرة صغيرة خضراء سندسية ، وتمتم مذهولاً : حقاً إنها جزيرة ، جزيرة صغيرة جداً .
ومن بين المتجمهرين قرب السياج ، سارع أحد التجار ، إلى موقع الدفة من السفينة ، وهو يصيح : أيها القبطان .
وبدل القبطان ، رأى التاجر الجد العجوز ماجد ، يمسك بالدفة ، فقال له : أيها الجد ، توقف ، هناك جزيرة صغيرة أمامنا ، نريد أن ننزل إليها ، ونرتاح فيها قليلا .
وتوقف الجد ماجد ، والدفة بين يديه ، وقال مذهولاً : ماذا تقول ، يا رجل ؟ الجزر مازالت بعيدة عن هذا المكان .
فأمسك التاجر يد الجد العجوز ، وأخذه بعيداً عن الدفة ، وقاده إلى سياج السفينة القريب ، وأشار بيده ، وقال : أنظر .
ونظر الجد ماجد ملياً ، صحيح أن عينيه عجوزتان ، أتعبتهما الأيام وأنواء البحار ، لكن ما يراه جزيرة خضراء حقاً ، وأوقف السفينة متردداً ، وهو يقول : أيها الإخوة ، أرجوكم ، أصغوا إليّ ، لا تتعجلوا ، دعونا نتأكد أولاً أنها جزيرة فعلاً .
وقهقه أكثر من تاجر ، وهم يندفعون نازلين إلى الجزيرة الصغيرة الخضراء ، وظن بعضهم أن الجد ماجد قد خرف ، حتى أنه غير متأكد من أن ما رآه قد لا يكون جزيرة .
وتقافز التجار فوق الجزيرة الصغيرة الخضراء ، وكان بينهم سندباد ، وراحوا يركضون مقهقهين سعداء حول الجزيرة ، فأقدامهم لم تلمس الأرض ، منذ أن غادروا ميناء البصرة .
وأطل التاجر الموصلي حسن ، من سياج السفينة ، ورأى صديقه التاجر سندباد يركض فرحاً حول الجزيرة ، مع عدد من التجار ، فصاح بأعلى صوته : سندباد .
وتوقف سندباد ، ورأى التاجر الموصلي حسن ، يطل قلقاً من أعلى السياج ، فصاح بأعلى صوته : أخي حسن ، انزل ، الجزيرة جميلة ، رغم أنها صغيرة ، انزل ، انزل .
وتوقف التجار مذهولين ، قلقين ، حين شعروا بالجزيرة الصغيرة الخضراء ، تميد تحت أقدامهم ، وهنا أطل القبطان من أعلى السفينة ، وصاح بأعلى صوته : ماذا تفعلون هناك ؟ اصعدوا إلى السفينة ، اصعدوا ، اصعدوا .
وقال الجد ماجد : هؤلاء الحمقى ، قالوا إنها جزيرة ، فنزلوا مسرعين إليها ، دون أن يصغي أحدهم  إلى تحذيري المتكرر لهم .
وتوقف التجار فوق الجزيرة الصغير الخضراء ، التي راحت تميد بهم أكثر وأكثر ، فصاح بهم القبطان : أيها المجانين ، هذه ليست جزيرة ، وإنما حوت كبير جداً ، من نوع حيتان العنبر .
وتدافع التجار المرعوبين متصايحين نحو سلالم السفينة المصنوعة من الحبال ، ولم يمهلهم الحوت ، فقد انتفض بقوة ، وغاص إلى أعماق البحر ، ومعه غاص عدد من التجار ، الذين لم يستطيعوا التشبث بالسلالم ، وغابوا في الأعماق ، وكان بينه التاجر الشاب سندباد .
وأسرع القبطان الشاب إلى الدفة ، وهو يقول : لنبتعد بسرعة عن هذا المكان ، قبل أن يعود هذا الحوت اللعين ، ويحطم السفينة ، ويغرقنا جميعاً ، ويغيبنا في أعماق البحر .

     ” 4 “
ــــــــــــــــــــ

فتح سندباد عينيه ، وفوجىء بوجه فتاة ، يقطر الماء من شعرها ، تطل عليه من علٍ ، فحدق فيها ملياً ، ثم تساءل : هل أنا في الجنة ؟
وافتر ثغر الفتاة عن ابتسامة مشرقة ، وهزت رأسها ، وقالت : نعم .
وهتف سندباد بفرح : أنتِ حورية إذن .
فقالت الفتاة ، وابتسامتها تزداد  إشراقاً فوق ثغرها : نعم ، أنا حورية ، حورية بحر .
وقطب سندباد مفكراً ، ثم قال : لم يقل لي أحد ، أن في الجنة حوريات بحر .
وأشارت الفتاة إلى ما حولها ، وقالت : هذه الجزيرة ، هي جنة البحر ، الذي تراه هنا ، وأنا حورية من حورياته .
وتحامل سندباد على نفسه ، واعتدل قليلاً ، وعلى ضوء القمر ، الذي كان يطل بدراً من فوق الأشجار ، راح يتطلع إلى ما حوله ، ورأى غابات من الأشجار ، تسد الأفق .
والتفت سندباد إلى الحورية ، وحدق فيها ملياً ، ثم تساءل : من أنتِ ؟
وردت الحورية قائلة : أنا الحورية لؤلؤة ، وأمي هي ملكة هذا البحر .
وتطلع سندباد إليها ، وقال : وأنا سندباد ، تاجر من بغداد ، عاصمة الخليفة هارون الرشيد ، ركبت سفينة تجارية من البصرة ، وآخر ما أذكره ، أننا رأينا جزيرة صغيرة خضراء ..
وابتسمت الحورية لؤلؤة ، وقالت : هذا الخطأ وقع فيه الكثيرون ممن مخروا بمراكبهم هذا البحر ، وكانت حياتهم هي الثمن .
ونظر سندباد إليها مندهشاً ، وقال : لكنني كما ترين ، مازلت على قيد الحياة .
فقالت الحورية لؤلؤة : إنها الصدفة ، فقد كنت ألهو على مقربة من ذلك المكان ، ورأيتك تتهاوى إلى الأعماق ، وقد فقدت الوعي ، فأسرعت إليك ، وحملتك إلى هذه الجزيرة .
وصمتت الحورية لؤلؤة ، إذ تناهى صوت من بعيد ، ورفع سندباد رأسه ، وتطلع نحو مصدر الصوت ، وقال : أصغي ..
وأشارت له الحورية أن يسكت هامسة : هش .
وتطلعت نحو مصدر الصوت ، ثم قالت : إنه صياد السمك العجوز .
وقال سندباد : الوقت مازال مبكراً .
فقالت الحورية لؤلؤة : كبار السن ، كما تعرف ، يستيقظون مبكراً ، ونحن على ما يبدو في أواخر الليل .
وتراجع سندباد خائفاً ، وهو يقول : لنبتعد عن هنا ، أخشى أن يراني .
وتلفتت الحورية حولها ، وقالت : أنت محق ، تعال سآخذك إلى تلك الأشجار .
وتحامل سندباد على نفسه ، ونهض بصعوبة ، ثم راح يسير ببطء ، مستنداً إلى الحورية ، حتى وصل  الأشجار ، المطلة على شاطىء البحر .
وتوقف لاهثاً وراء إحدى الأشجار ، وتوقفت الحورية على مقربة منه ، وقالت : هذا مكان منعزل ، قلما يأتي إليه أحد ، غير هذا الصياد العجوز ، ويبدو أن كوخه في الجوار .
وقال سندباد : كنت أظن أن هذه الجزيرة غير مأهولة .
فقالت الحورية     : سكانها بسطاء وطيبون ، تسلط عليهم ملك عدوانيّ شرير ، بعد أن تآمر على أخيه الملك الطيب ، وأزاحه عن العرش ، ووضعه في سجن ، لا يزوره فيه أحد .
وقال سندباد : ما أكثر أمثال هذا الملك ، أرجو أن أغادر الجزيرة ، وأعود إلى بغداد ، دون أن أقع بين يديه الشريرتين .
ومال القمر للغروب ، فتطلعت الحورية إلى البحر ، وقالت : الليل يوشك أن يرحل ، عليّ أن أعود إلى البحر ، لابد أن أمي قلقة عليّ الآن ، وقد يأتي ابن عمي للبحث عني .
ونظر سندباد إليها ، وقال : إنني وحيد على هذه الجزيرة ، أرجوك لا تتركيني وحدي ، ابقي إلى جانبي بعض الوقت .
فردت الحورية قائلة : لا عليك ، سأذهب الآن ، وأطمئن أمي ، انتظرني ، سأعود إليك الليلة ، عند ظهور القمر .
ومضت الحورية نحو البحر ، فهتف سندباد بها : لؤلؤة ، أرجوكِ ، لا تتأخري ، سأنتظرك على أحرّ من الجمر .
ولوحت الحورية لؤلؤة له ، دون أن تتوقف ، وقالت : إلى اللقاء .
وتابعها سندباد بعينيه المتعبتين ، وهي تركض تحت أضواء الفجر الأولى ، ثم تقفز إلى البحر ، وتغوص إلى أعماقه الدافئة .

     ” 5 “
ــــــــــــــــــ

أغفى سندباد ، بعد أن عادت الحورية إلى البحر ، واستغرق في نوم عميق ، ولم يفق حتى صعدت الشمس إلى منتصف السماء ، وأطلت ساطعة دافئة ، فوق مياه البحر .
ولأنه لم يأكل شيئاً منذ البارحة ، شعر سندباد بالجوع يعضه ، لكن ما العمل ؟ إنه ليس في قصره ، ليصيح بالخادم : هاتِ الطعام .
هنا ليس ثمة خادم ، ولا هاتِ الطعام ، ليس هنا غير الجوع ، والجوع يعض ، ولا يرحم ، ما العمل إذن والحالة هذه ؟
وتحامل سندباد على نفسه ، ونهض بشيء من الصعوبة ، وتلفت حوله ، ثم خطا ببطء وتوجس ، متوغلاً في الغابة .
حقاً هذه الجزيرة جنة ، كما قالت الحورية لؤلؤة ، فهنا أشجار مثمرة ، تجري من تحتها مياه رقراقة شفافة عذبة ، وما عليه إلا أن يأكل ويشرب ، حتى يشبع ويرتوي .
وأخذ يتنقل بهدوء ، من مكان إلى آخر ، يأكل من هذه الشجرة أو تلك ، حتى شبع ، ثم توقف عند نبع ماء ، ينبثق من بين الصخور ، وأخذ حفنة من الماء براحتيه ، وشرب حتى ارتوى .
وتجول سندباد في أرجاء الغابة ، وحاول أن لا يبتعد ، حتى لا يضل الطريق ، ولا يستطيع العودة إلى شاطىء البحر ، حيث سيلتقي الحورية ليلاً ، عند ظهور القمر .
وتوقف سندباد ، وتلفت حوله متوجساً ، فقد تناهت إليه حركة من مكان قريب ، أهو واحد من أعوان الملك ؟ من يدري ، فهذا الملك شرير ، كما تقول الحورية ، وهو لا يريد أن يقع بين يديه .
وتنهد بارتياح ، حين برزت من بين الأشجار غزالة ، يرافقها خشفها الصغير ، ورأته يحدق فيها ، فتوقفت لحظة ، ثم سارت مبتعدة ، دون أن يبدو الخوف عليها ، يتبعها خشفها الصغير .
وقفل سندباد عائداً إلى حيث كان بين الأشجار المطلة على شاطىء البحر ، ترى أليس في هذه الغابة وحوش ضارية ؟ يا للعجب ، جزيرة جنة ، أناسها ـ كما تقول الحورية ـ طيبون ومسالمون ، إلا ملكها الشرير .
وأوى سندباد إلى الشجرة ، التي أغفى في ظلها لأول مرة ، وأغمض عينيه ، ها هو قد أكل حتى شبع ، وشرب حتى ارتوى ، فلينم قليلاً ، حتى يرتاح ، ريثما يحل الليل ، ويبزغ القمر ، وتأتيه الحورية لؤلؤة ، من أعماق البحر .
وأفاق سندباد ، والشمس تميل للغروب ، على صوت يأتي من شاطىء البحر ، ونظر إلى مصدر الصوت ، وإذا الصياد العجوز ، يسحب قاربه إلى الشاطى ، ويحمل شبكته ، وما اصطاده من سمك ، ويتجه بخطى متعبة ، بعيداً عن الشاطىء .
وخطر لسندباد خاطرة ، فنهض بهدوء ، وبهدوء أشد ، ومن مسافة بعيدة ، راح يسير في أثر الصياد ، لعله يعرف موقع كوخه ، في هذه الغابة .
وتوقف الصياد العجوز أكثر من مرة ، ومعه كان يتوقف سندباد حذراً ، من الواضح أن الصياد العجوز كان ينوء تحت ثقل الشبكة وما اصطاده من اسماك ، وتمنى سندباد لو يتقدم منه ، ويعرض عليه مساعدته .
لكن هذا أمر خطر ، فقد يسرع هذا الصياد العجوز ، لسبب من الأسباب ، إلى الملك الشرير ، ويشي به ، ويقع ما لا تحمد عقباه .
وتوغل الصياد العجوز في الغابة ، حاملاً شبكته ، وما اصطاده من أسماك ، وسرعان ما توقف أمام كوخ صغير ، عتيق ، أبلاه الزمن ، يكاد لا يظهر بين الأشجار الكثيفة المحيطة به ، ثم دفع بابه المتداعي ، ودخل فيه ، وأغلق الباب .
وتوقف سندباد ، هذا هو إذن كوخ الصياد العجوز ، وتلفت بحذر حوله ، لا أحد هنا غيره ، ومن يدري ، لعله يعيش وحده في الكوخ .
وتراجع سندباد قليلاً ، ثم استدار ، وقفل عائداً من حيث أتى ، فهاهو الليل يسدل ستائره ، وفي السماء العميقة ، تلمع أولى النجوم ، وسيبزغ القمر ، وعندئذ تأتيه الحورية ، من أعماق البحر .

     ” 6 “
ـــــــــــــــــــ

عند منتصف الليل ، طلع القمر من خلف الأشجار ، وعلى الفور ، طلعت الحورية لؤلؤة ، من أعماق البحر .
وعلى رمال الشاطىء الفضية ، وتحت ضوء القمر ، رأى سندباد الحورية لؤلؤة ، تقبل نحوه مشرقة ، وعلى ثغرها ابتسامتها الطفولية الجميلة .
ونهض سندباد مرحباً : أهلاً لؤلؤة .
وأسرعت الحورية لؤلؤة إليه ، وهي تقول : ابقَ في مكانك ، أخشى أن يراك أحد .
وتوقف سندباد ، وقال : نحن في منتصف الليل .
وردت لؤلؤة قائلة : عيون الملك الشرير ، لا ينامون ليلاً ولا نهاراً .
وتراجع سندباد نحو الشجرة ، وقال : تعالي نجلس هنا إذن .
وجلست الحورية ، وقالت : نعم ، هذا أفضل .
وجلس سندباد على مقربة منها ، وراح يتأملها على ضوء القمر ، ثم قال : لو تعرفين ، يا لؤلؤة ، كم خشيت أن لا تأتي .
وضحكت لؤلؤة ضحكة في صفاء ضحك الأطفال ، وقالت : إن وعودي دقيقة جداً ، إنني حورية .
وقال سندباد : وهذا ما يعجبني .
وابتسمت الحورية ، وتساءلت بلهجة مداعبة : ماذا يعجبك مني ، دقة موعدي ، أم كوني حورية .
وتطلع سندباد إليه ، وقال : كلاهما .
وابتسمت حورية فرحة ، ولاذت بالصمت لحظة ، ثم قالت : حدثني ، كيف قضيت يومك ، في هذا المكان من الغابة ، وأنت تنتظرني ؟
ونظر سندباد إليها ملياً ، وهو يحدثها قائلاً : نمت قليلاً ، ثم تجولت في الجوار ، وتناولت بعض الفواكه ، وأي فواكه .
وصمت لحظة ، ثم تساءل : وأنت ؟
ونظرت الحورية إليه ، وقالت : حدثت أمي عنك ، يا سندباد .
واتسعت عينا سندباد دهشة ، وقال : لابد أنها حذرتك مني ، فأنا إنسان .
وقالت الحورية : في عروقي ، إلى جانب دماء الحوريات ، تجري دماء إنسان .
ونظر سندباد إليها متسائلاً ، فتابعت لؤلؤة قائلة : لقد أحبت أمي بحاراً في شبابها ، وارتبطت به مدة ، لم تطل كثيراً .
ولاذ سندباد بالصمت ، فقالت الحورية : لم تلمه أمي ، فقد حنّ إلى وطنه وأهله ، واستقل أول سفينة مرت  بالجزيرة .
وصمتت الحورية برهة ، ثم قالت مبتسمة : أنت أيضاً ستستقل أول سفينة تمرّ بهذه الجزيرة ، فأنت إنسان .
ونهض سندباد ، وقال : الناس ليسوا سواسية ، يا حورية ، بعضهم كأبيك ، وإن لم تلمه أمك ، وبعضهم يختلف .
ونهضت الحورية ، وقالت : يبدو أن القمر سيغيب قريباً ، عليّ أن أذهب .
ووقف سندباد في مواجهة الحورية ، يتأملها بصمت ، ثم قال : لؤلؤة .
ونظرت الحورية إليه صامتة ، وقال : ليتني رأيتك في غير هذه الجزيرة .
وقالت الحورية ، دون أن تبتسم : لكن ، للأسف ، رأيتني هنا .
وقال سندباد : أنا مدين لكِ بحياتي .
وقالت الحورية : لا تقل هذا ، ما فعلته واجب ، وقد أسعدني جداً التعرف عليك .
وقال سندباد : سأنتظرك غداً .
ومضت الحورية نحو البحر ، وهي تقول : إلى اللقاء ، يا سندباد .
فقال سندباد ، وهو يتابعها بعينيه : إلى اللقاء ، يا لؤلؤة ، لا تتأخري .
وظل سندباد يتابعها بعينيه المحبتين ، حتى دخلت البحر ، وغاصت إلى الأعماق .

    ” 7 “
ــــــــــــــــــ

أفاق سندباد مبكراً ، رغم أنه لم ينم إلا في ساعة متأخرة من الليل ، فقد كان لا يفكر فقط في الحورية ، التي راحت تتوغل في أعماقه يوماً بعد يوم ، وإنما أيضاً كان يفكر في طريق للهرب من الجزيرة ، قبل أن يقع في يد ملكها الشرير .
ومع أن الحورية لؤلؤة ، نصحته أن لا يبتعد عن مكمنه بين الأشجار ، أو يقترب من الشاطىء ، إلا أنه تسلل عبر الأشجار ، وراح يمشي على رمال الشاطىء ، لعله يرى سفينة قادمة إلى الجزيرة ، أو مارة بها ، ولو من بعيد ، فيراه بعض ركابها ، وينتشلونه من محنته ، ويأخذونه بعيداً عن هذه الجزيرة ، وملكها الشرير .
وتوقف سندباد ، وقلبه يخفق بشدة ، فقد لمح في الأفق المضبب البعيد ، نقطة متحركة ، ترى .. أهي سفينة ؟ لماذا لا .
وعلى الفور ، انطلق راكضاً ، عبر الشاطىء الرملي ، إلى البحر ، وهو ينزع قميصه الأبيض ، وخاض في المياه الضحلة ، ملوحاً بالقميص ، لعل أحداً من ركاب السفينة يراه من بعيد ، لكن النقطة السوداء المتحركة ، بدل أن تكبر راحت تصغر ، حتى تلاشت ، وانمحت من الأفق .
وتوقف سندباد عن التلويح بقميصه ، وعاد محبطاً إلى الشاطىء ، تلك النقطة السوداء المتحركة ، في الأفق المضبب ، أكانت سفينة حقاً ، أم أنها مجرد سراب ؟
لكن السراب ، على ما يعرف ، يظهر في الصحراء ، وليس في البحر ، من يدري ، لعل للبحر سرابه الخادع أيضاً .
وغادر سندباد الشاطىء ، لكنه لم يعد إلى مكمنه بين الأشجار ، بل توغل في الغابة ، متجولاً في أرجائها ، على غير هدى .
وبدون شهية ، راح يأكل من ثمار هذه الشجرة أو تلك ، حتى شبع ، وشعر بالعطش ، وتوقف عند النبع ، وانحنى ليشرب قليلاً من الماء ، لكنه توقف ، وأرههف سمعه ، وقلبه يخفق بشدة وتوجس ، فقد ندت حركة مريبة من بين الأشجار القريبة ، أهي الغزالة وخشفها ؟
ورفع رأسه ، والتفت سريعاً ، ولمح خيال رجل يتواري وراء إحدى الأشجار ، وتلفت سندباد حوله ، إنه ليس الصياد العجوز ، وخفق قلبه خوفاً ، أهو عين من عيون الملك الشرير ؟ من يدري .
وعلى عجل ، وبدون أن يشرب ماء من النبع ، تراجع بحذر ، وبحذر أشد ، قفل عائداً إلى مكمنه ، بين الأشجار القريبة من أشجار الشاطىء .
وظل سندباد ، قابعاً في مكمنه بين الأشجار ، يراقب منه البحر ، والشاطىء الرملي ، ومحيط المكان ، وهو يتوقع ، في كلّ لحظة ، أن ينقض عليه حرس الجزيرة ، ويقودوه إلى الملك .
وفكر ، لابد من مغادرة هذه الجزيرة ، وفي أسرع وقت ممكن ، وإلا لن يخرج منها حياً ، ولن يرى وطنه ، وحبيبته بغداد ، مرة أخرى .
وخطر له ، مرة أخرى ، أن يطلب من الحورية لؤلؤة ، وكذلك من أمها ، أن تساعداه ، لعلهما تستطيعان ، بطريقة أو أخرى ، إيصاله إلى مركب مار ، أو تدلان مركباً ، قد يقترب من الجزيرة ، إلى مكمنه ، فيأتون إليه سراً ، وينقذونه من محنته ، قبل أن يقع في يد الملك الشرير .
وقبل أن يصل سندباد إلى قرار ، قد يساعده على تجاوز محنته ، ويعيده إلى وطنه ، استغرق في نوم عميق ، ولا يدري كم استغرق في النوم ، عندما أفاق ، إثر حلم غريب ، فقد رأى فيما يرى النائم ، الصياد العجوز ، يمخر البحر بقاربه ، ويلوح له من بعيد ، أن تعال .
وفتح عينيه ، وإذا بهما تقعان على الصياد العجوز ، يسحب قاربه إلى الشاطىء ، ثم يحمل شبكته ، وما اصطاده من أسماك ، ويسير بخطواته الثقيلة المتعبة ، نحو كوخه ، القابع خلف الأشجار المطلة على شاطىء البحر .
واعتدل سندباد ، وراح يتابع الصياد العجوز ، وفكر في الاستعانة به في محنته ، لماذا لا ؟ فقد يفيده في تجاوز محنته ، بقدر ما قد تفيه الحورية  لؤلؤة أو أمها حورية البحر .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.