حامد سرمك حسن : فلسفة العمل الفني

hamed sarmakلا يكفي وجود الانفعال والعاطفة – وإن كان ضرورياً لإنتاج العمل الفني  بالشكل الأولي المجرد – لإبداع الشكل الجمالي، ما لم يتم استبطان ذلك الانفعال والشعور المعطى داخل النفس المبدعة، ليختمر وينضج ويتفاعل مع ما في دخيلة الفنان من ذخيرة نفسية مختزنة تتمثل في تجارب الفنان الراسخة في كيانه وفي نظرته إلى الكون وفهمه لطبيعة الفن الذي يمارسه. بإمكاننا ملاحظة ثلاث مراحل يمر خلالها الإنتاج الفنـي، هي: الاختبار النفسي للتجربة ، ثم استبطانها في وجدان الإنسان المبدع ثم عملية توصيل كشوفات الفنان الخاصة التي خرج بها من معايشته لموضوعه من خلال التعبير عن التجربته وفقا لشروط الشكل الجمالي. فالفن بوصفه منهجا للإدراك والتعبير يتجسد في طريقة فهم حقائق الوجود والتقاط الإشارات الجمالية التي يزخر بها الكون وفي المنهج الخاص والمغاير لتصوير تلك الحقائق والاشارت.
في سعيه لإنتاج الأثر الفني، يهدف الفنان، في جوهر عمله، إلى التوفيق بين المحسوس والمتخيل ، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بأن يحاول تجسيد تجربته في عالم مركب منسجم مع نفسه، انه عالم متفرد من المتناقضات ، يتزاوج فيه الواقع والمثال . ولهذه الرغبة في خلق التوافق بين المتناقضات، ولكون العمل الفني نتاجاً للروح، فقد أدى بـ “شلر” إلى أن يُعرِّف العمل الفني بأنه ((كعمل اللعـب)) . لكنه يحذر من أن يفهم اللعب كما هي الألعاب في الحياة الواقعية، بل هو نشاط يربط بين الواقع الخارجي والعقل ،بوصفه قدرة داخلية على المحاكاة، وهو يسميها play-impule أي الرغبة في تكوين أشياء مشابهة للأشياء الخارجية في صور حسية تبعاً لأفكاره في النظام order ومن هذه القوى الداخلية الأساسية تنبع البنية الحية للفن الجميل، وهو توافق بين الروح والطبيعة لا بين الصورة والمادة…
إن الفن بوصفه إدراكاً فردياً لظاهرة معينة ومحاولة تجسيدها خيالياً بوساطة الصورة القائمةheidegger على المجاز، فهو في نشاطه هذا أقرب إلى النشاط الجدلي. انه عملية توافق بين المتناقضات تتولد عن تقابل الفريضة (الطريحة في الديالكتيك الهيجلي) والنقيضة ،العقل والتخيل ،لينتج من ذلك كل واحد متناغم هو الجميعة . وهو ما يمثل، في جوهره، يمثل قانون التطور الذي اهتدى إليه “هيجل” حين قرر ان كل كائن من كائنات الوجود المعنوية والمادية يكمن فيه نقيضان يدور بينهما صراع حتمي ينتهي بانهزام النقيض القديم أمام الجديد مما يؤدي إلى تقدم الوجود. هذا التفاعل بين العقل والخيال وما يتمخض عنه من توفيق بينهما بصيغة نتاج جديد مختلف، يؤكد لا سلبية الصورة الفنية ،وإنها ليست مرآة تمارس انعكاسا سطحيا للواقع و ليست صورة فوتغرافية لظواهر الحياة ، بل ان صورة العمل الفني نتاج عملية جدلية بين معطيات الواقع الموضوعي المستلمة عن طريق الحواس، وبين ما يحمله الفنان من نظرة خاصة للكون والحياة ومنهجيته في إدراك السنن المؤثرة فيها.
ليس كافياً أن يتوصل الفنان إلى الفكرة حتى يعرضها كما يشاء، بل يتوجب صياغتها وفق شروط الشكل الجمالي، بالابتعاد عن المباشرة والوعظية والتقريرية، فعلى العمل الفني أن يجعل من المثال وجودا متعينا بتجسيده في صورة فنية موحية تتأسس من الأشياء الواقعية المقنعة التي يألفها الإنسان ليضمن لها ابلغ درجات التأثير العقلي والوجداني . أن يعرض المثال بشكل عينـي ومشخص يستطيع المتلقي تلمسه بحواسه ومشاعره، وان لا تطغي التعقلية(*1) على تركيب العمل الفني.
إنطلاقاً من شروط الشكل الجمالي، يتوجب على العمل الفني حين يتصدى لموضوع ما، أنْ يقدمه في صيغة تجربة حافلة بالصور الحية النابضة بالحياة والحائزة على شرط الوحدة العضوية.  أن يكون العمل كياناً عضوياً واحداً مترابط الأجزاء ومتلاحماً يؤدي كـل جزء من أجزائه إلى الآخر ولا يقوم بدونه. فالفن ليس مجالاً للتعميمات القائمة على المفاهيم المجردة بل ان الفردية تعد شرطاً أساسياً من شروط جمالية التعميم للمثل والأفكار. لهذا فمن شأن النظرة الفنية أنْ تُوَحِّد العالم، لأنها ((نظرة العيان المباشر الذي يلمح في حدوسه الحسية علاقات تربط أطرافها، ونسقاً ينتظم أجزائها)) (1).
بناءً على ما تقدم، ولما كان العمل الفني في جوهره تجسيداً محسوساً للفكرة، يتبين ان الفكرة وحدها لا تكفي لخلق الأثر الأدبي، بل لابد من تقديم العمل كواقع وكفعل لتتحقق سمته الأصيلة بوصفه عملية خلق يقوم بها المؤلف وإعادة خلق في لحظة الإدراك من قبل المتلقي؛ ونرى أنَّ الفن في طبيعته هذه يتضمن كلا الشرطين الفكري والعملي مـن السلوك الإنساني، أو كلا الركنين من أركان السؤال القائل: ما الفن؟ أهو تفكير فني، معرفة، انعكاس، أم هو نشاط وإنتاج؟ ومما لاشك فيه، ان الفن، في مراحله المختلفة، يمثل تصدراً لأحد ذينك العنصرين في اهتماماته( 2).
lokashهذا التناوب أو الاشتراك لعنصري المعرفة والنشاط قد حدا بالنقد الأدبي إلى دراسة النص من عدة زوايا بوصفه علاقات لغوية أو ظاهرة حضارية أو تذوقا جماليا ، وهو ما يتوافق في معناه والأسباب التي تدعو إلى قراءة النص الأدبي، سواء تمثلت تلك الأسباب في طلب المتعة أو المعرفة أو الاغتناء بتجارب حياتية منتظمة وفقا لشروط الشكل الفني.
تكمن الصعوبة في اختيار القضايا المعرفية للفن في حقيقة كونها قضايا سيكولوجية في ذات الوقت. فالمحاكمة العقلانية والفكر والحقيقة تبدو في الفن ملونة بلون عاطفي. إنَّ وحدة الفكر والوجدان، الوعي وما تحت الوعي، العقلاني والحدسي، تتغلغل في كامل المعمار الفني للعمل: إدراك الفنان للعالم، العملية الإبداعية، فهم المتلقي للعمل الفني( 3). ومن الممكن ملاحظة وضوح الاهتمام بالبعد المعرفي في النص الأدبي متمثلاً في الغاية التي يتوخاها اتجاه ((النقد الإنساني))(**) من قراءته للنص، بوصفها محاولة لاستجلاء الحقيقة الكامنة فيه،سواء أكانت حسية أم معنوية. فالأثر الفني هيكل لغوي شفاف يمكن الناقد الإنساني من إدراك الحقيقة القارة فيه.
إن العمل الفني الأصيل ليس مجرد صورة طبق الأصل عن الواقع، لأن الفن حين يحاكي الموجود أو الموضوع لا يكتفي بعكس مظهره أو صورته وأعراضه الخارجية بل يفترض به محاكاة حقيقة الشيء وماهيته الجمالية. وهذا ما حدا بـ “هيدجر” إلى تحديد المهمة الأساسية للفن بالكشف عن حقيقة الموجود. فالعمل الفني جهد إنساني واع عـن طريق الحدس الذي يدخل في صميم الأشياء ليعمل على تجلية حقيقتها. إن مهمة العمل الفني تنحصر في تحقيق عملية “تفتح الموجود” بحيث تنبثق الحقيقة أمام عيوننا وكأنما هي النور الذي يبدد ظلمات الأرض. وإنارة الأشياء وعرض خصائصها يجري بطريقة خاصة تتمثل في التجسيد العيني للفكرة باعتماد الصورة الفنية.
يسعى الفن الحقيقي، من خلال الشكل الجمالي، إلى تجسيد المثال وعدم الاكتفاء بالكائن. فالفنان وهو يستكشف – بما لديه من موهبة – حقيقة الشيء، يحاول توظيف ما يملكه من خبرة جمالية لإظهار الشيء أكثر جمالاً مما هو في واقعه المشاهد، لأن العمل الفني  يحقق الغاية ،فقط،حين يكون في أساس العلة والمبادىء الأولى ولا يجب الاكتفاء بمحاكات السطح الحسي لظواهر العالم . فمن الضروري لكي نعكس شيئاً في كليته بصورة تامة، لكي نعكس جوهره وقوانينه الداخلية، أن نجري عملية ذهنية في تقديم ثروات الإدراك الحسي إلى مجال التطوير، على المرء أن يقفز من المعرفة الحسية إلى المعرفة العقلية، وهو ما يميز بشدة المادية الجدلية عن التجريبية. هذه التحويرات والاغناءات التي يضفيها الاثر الفني على الشيء ليعتلي به في سلم الوجود فوق ترسبات الحاضر، إلى حقيقته التي تجب له، تجعل من هذا التصوير الجديد للشيء ممثلاً لواقعه الحقيقي وان كان تحويراً وتغييراً لما هو موجود فعلاً، لأنه عرضٌ لحقيقة الشيء التي ابتعد عنها بصورته المدركة لما لصق بـه من غبار وطاله من زيف بفعل الواقع الحالي المنحرف. وهو ما دفع “لوكاش” إلى اعتبار العمل الأدبي الذي يصـور الواقع بموجبه(( على أنه غير واقعي، كما ان العمل الذي يشوه الواقع ليس من الضرورة أن يحكم عليه بأنه غير واقعي))(4 ). وليس ثمة غرابة في القضية مادام هنالك بون كبير بين الواقع (بمعنى حقيقة الشيء) والأمر الواقع (بمعنى الشيء بمفهومه المنحرف، كما هو موجود في الواقع المحسوس فعلاً). فالعمل الفني يتوجب عليه أن يحاكي الواقع الحقيقي وليس الأمر الواقع (الشيء مع انحرافاته).
يبدو أن ماهية العمل الفني ووظيفته قد استنبطها الفلاسفة وعلماء الجمال، بصورة أساسية، من تأملهم في العمل ذاته، بوصفه تجسيداً لشروط الجمال والحقيقة، للانسجام مع النواميس الكونية المتجلية في الطبيعة. هذا ما يؤكده “ت. س. اليوت” بقوله ((إن القانون الأدبي الذي اهتم به “أرسطو” لم يكن من اختراعه وإنما كان مجرد قانون قد اكتشفه))( 5)، وليس التفاوت والاختلاف بين النظريات النقدية نابعاً من اختلاف مترسخ في حقيقة الفن، لكنه نابع من تباين وجهات النظر ومما  يستقصيه الناطق من احد أربع اعتبارات يتأسس عليها العمل الفني : المبدع والمتلقي والأثر الفني وموضوع التجربة. وعلى قدر الاهتمام الذي يوليه الناقد أو النظرية لأحد هذه الاعتبارات يكون الاختلاف في وجهات النظر إلى الفن والعمل الفني.

كروتشه
كروتشه

يحاول الفيلسوف الإيطالي “كروتشه”، من خلال فهمه لمعنى الشعور الجمالي، تفسير اهتمام الإنسان بالإنتاج الفني.  فيرى أن الشعور الجمالي هو إدراك الإنسان لأحاسيسه مجسمة في أشياء محسوسة حقيقية أو متخيلة. وعلى هذا النحو يسعى لتفسير اتجاه الإنسان لإنتاج الآثار الفنية لكون الإنسان مخلوقاً عاقلاً قادرا على تفهم أحاسيسه بوساطة تخيلها وإبرازها واضحة بالكلمات أو بطرق التعبير الأخرى مما تدركه الحواس. فالجميل في رأيه هو الذي عبر عن إحساس الإنسان لنفسه.
وينطلق “شوبنهور” في تفسيره العمل الأدبي من خلال مذهبه الفلسفي العام، الذي يقرر أن العالم إرادة وتمثل. إذ يرى أنَّ الفنان في عبقريته يشارك الفيلسوف من حيث القدرة على التأمل الميتافيزيقي؛ فكما ان الفيلسوف يتمثل الموجودات، والوجود الميتافيزيقي من خلال صور عقلية، نجد الفنان أيضاً يتمثل هذا الوجود الميتافيزيقي من خلال أعماله الفنية. وكما فسر “كروتشه” الغاية التي ترجى من إنتاج الأثر الفني بتحقيق الشعور الجمالي، نرى أن “شوبنهور” يجعل الغاية من الفن متمثلة في الوصول إلى نوع من الفناء التام أو الغبطة الشاملة التي تتحقق إرادة الفنان عن طريقها، من خلال إبداعه الفني.
وعلى هذا المنوال، وفقاً لمفهوم الانعكاس الذي يمثل جوهر نظرية المعرفة التي يؤمن بها الفكر الاجتماعي العلمي والتي تنص على أسبقية الواقع للوعي،  يسعى هذا الفكر إلى تفسير العمل الفني بوصفه انعكاساً للواقع،  وهي المقولة، التي تمثل الأساس النظري للواقعية. فالواقع ينعكس عن طريق الفن بمجمله، مضمونه وشكله، وبهذا المعنى فالمضمون والشكل يأتيان انعكاساً للحياة، وهما بذلك يطابق أحدهما الآخر( 6).
الأمر عينه(*1) يحدث بالنسبة للنظرة المثالية التي تتحدد بنظرية معرفتها باعتبار أسبقية الوعي والفكر “المضمون” للواقع وللمادة، فيتجاوز المثاليون الشكل أو الإطار الفني لينصب جهدهم في ((فهم كل مضمون – سواء كان من صنع الإنسان أو ظاهرة طبيعية، على أنه الأصل المتخيل الذي يشكل المادة بينما ينظر إلى المادة على إنها التجسيد لشكل الفكرة هذه..))( 7)، وهذا المفهوم هو النسق العام الذي ألتزمته الكلاسيكية وتطور إلى دعاتها المعاصرين من “أفلاطون” حتى “هيغل”(*2) وان اتخذ ظلالاً وأشكالاً شتى.
ولانبثاق الفن من عالم الحس والوجدان وتبلوره في أثر فني محسوس زاخر بالحيوية من خلال اعتماده الصورة المتأسسة علـى الفعل وليس التأمل البحت، سمة العلم؛ هذه السمات دعت “كانت” إلى القول بان الفن عمل والعلم نظر، الفن حركة منظمة أو هوىً مقيد، وبالتالي هو انضباط حركة النفس وعاطفة مختمرة متطورة مختلفة عن الواقع ، فالفن يتطلب القوة والصبر والاعتدال، أو كما يقول “لالو”: الفن انضباط فمقابلة الشتيمة بالغضب أمـر طبيعي، أما مقابلتها بابتسامة ساخرة فذلك فن؛ فالعمل الفني يعد نتاجاً عملياً حافلاً بما تزخر به الحياة التـي يتوجب أن تعكس على وفق شروط الجمال، ومن هنا كان التشبيه الذي أكد عليه “آلان”: الفن حركـة جسمية أكثر منها عقلية: ليس الفكر الذي يخترع بل الأيدي والحركة، إذ لا يمكننا اختراع رقصة ما لـم نرقص، ولا أغنية ما لم نغن، ولا شعر ما لم ننشد، وإذا كان هذا القول لا يخلو من مبالغة إلا أنه يؤكد على أن الفنان، بما يملكه من قوة خيال، قادر على تجسيد الفعل، وكأنه تجربة نابضة.
وفي ظل هذا التأكيد على مفهوم العمل الفني بوصفه تعبيراً عفوياً وحركياً عن العاطفة، أو كما قال “شِلَر” بأنَّه لعب حر، من الممكن أن نفهم الأساس الذي تستند عليه التعبيرية في الفن الحديث، ذلك النوع من الفن الذي يعبر فيه الفنان عن أحاسيسه الداخلية في صورة من صور الفن الخمس. ولا قيمة للتقاليد والأخلاق في نظر الفنان لأن همه التعبير الصادق الجميل عن وقع الوجود على نفسه، فهم يسعون إلى تحوير الأشياء والموجودات لغرض التعبير الصادق عن الانفعالات والأحاسيس دون التقيد بأي شيء آخر، ولذلك يحفل فنهم بالمبالغات، وما الرسم الكاريكاتوري إلا طريقة من طرق التعبير عند فناني هذه المدرسة( 8).
hegelلقد لجأ فلاسفة الفن ونقاده إلى تصنيف الأعمال الفنية وفق ما يصدرون عنه من تحديد لمفهوم الفن. ومن الذين اجتهدوا في هذا المضمار وبذلوا الجهود لتصنيف الأعمال الفنية يقف “هيجل” في المقدمة حيث عمد في موسوعته “موسوعة علم الجمال” إلى الإفاضة في بحث المسائل الفنية، وخلص إلى ان الفن هو التجلي المحسوس للفكرة، وان الفنون تتدرج بين المادية والروحية تبعا لمرونة ومطاوعة المادة التي تتخذها وسيلة لتشكيل الفكرة على مثال لها ، وهذا التشكيل ، بالذات، هو ما يمثل وظيفة الفن .
فالفن، عند “هيجل”، إنما هو إدراك الروح الحسي للمثل الأعلى للجمال في تجلياته وصوره المختلفة، ويتحدد الأثر الفني بعنصري المادة والفكرة “مادة الفن ومضمونه” وبقدر اندماج المادة في الفكرة تختلف الفنون(*1) فيما بينها . واستناداً إلى جانبي العمل الفني، المضمون والشكل، يصنف “هيجل” الأعمال الفنية إلى العمل الرمزي والرومانطيقي والكلاسيكي، وأن في أعمال الفن الرمزي يطغي التجسيم المادي، بينما نجد أن الطابع الروحي هو الغالب على أعمال الفن الرومانطيقي، في حين أن التوازن بين الجانبين الروحي والمادي هو الميزة المحددة للفن الكلاسيكي.
وتتفاوت الأعمال الفنية في تركيزها على عنصر الصياغة الفنية أو على الرؤيا، كالأعمال التي تبدو في إطـار تعبيري خالص، مما جعل الصنعة تأتي في المرتبة الثانية . ورغم اشتراك الأدب وباقي الفنون في البعد الجمالي، أي في كونها فنوناً جميلة، إلا إن الأدب يتميز عن باقي الفنون بمادته، وبأدواته،ويبقى له، كما يقول “جان بول سارتر”، تميز وفرادة له وحده .
مع ملاحظة السمة البارزة والمميزة لمجموعة الأعمال الفنية التي تندرج ضمن جنس الأدب، فإن مدار الخلاف بين المختصين كان في تحديد السمة التي يجب أن تؤخذ مقياساً لتصنيف الأعمال الأدبية من الأعمال الكتابية الأخرى، كالفلسفة والسياسة وغيرها. ومع التأكيد على أن التصنيف بحسب الاعتبار الفني متميز عن التقييم، يقرر صاحب نظرية الأدب بأن “التخييل” أو “الاختراع” أو “التخيل” هي السمة المميزة للأعمال الأدبية عن غيرها من الآثار الكتابية، وعلى هذا الأساس سيتضمن مفهوم الأدب، كل أنواع التخيلات، بما فيها أسوأ الروايات وأسوأ القصائد وأسوأ المسرحيات فالتصنيف غير التقييم(9 ).
يميز “أسيل كرومبي” في دراسته لفن الأدب ما يسميه بـ “الأدب الصرف” من جهة ما يتفرد به من شرط التعبير من حيث هو تعبير له قدره وقيمته، وعلى هدى من هذا الفهم يحاول التكلم عن الآثار اللغوية المتوفرة على ذلك الشرط، ثم يدعو إلى تجاهل ما هو ليس بأدب صرف وهو ما أسماه “بالأدب التطبيقي”، فيدعو إلى تجاهل كل شيء كتب أو ألف لكي يخبرنا خبراً أو ليقنعنا بقبول رأي أو قضية، وكل تعبير يرمي إلى غرض سوى مجرد وجوده لذاته.( 10).
ويجتهد الجمالي الإنكليزي “والتر بيتر” لوضع مقياس أكثر عمقاً وتطابقاً مع طبيعة الفن، لغرض تصنيف الأعمال الفنية من سواها. لأن الفن في جوهره نتاج الذات المبدعة والعاطفة الحية التي تحيل الموضوع إلى تجربة شعورية كشرط أولي للفن، فيضفي الفنان شيئاً من ذاته ومن ذخيرته النفسية على نتاجه ليخرج عمله حاملاً سمة الكاتب الخاصة. والفنان، بصورة عامة، يسعى إلى إلصاق صفة الموضوعية على رؤاه الخاصة أي موضعة تجربته، وكما يدعوه “أليوت” “بالمعادل الموضوعي” وتجسيد أفكاره من خلال المحسوسات والمواضيع الكونية.
يقول “بيتر” محدداً هدف الكاتب الخيالي بان عليه أن يقدم لنا من خلال عمله لا الواقع، بل مفهومه المتميِّز للواقع، وينطلق من هذا التحديد لتمييز الفنان والعمل الفني، من خلال هدف الكاتب؛ فبقدر ما يكون هدف الكاتب، عن وعي أو غير وعي، أن يصوّر، لا العالم، لا مجرد الواقع، بل مفهومه له، بقدر ما يكون فناناً، وعمله فناً جميلاً(11 ). وقد سبق إن ألمحنا إلى أن التقييم غير التصنيف، فالشرط السابق يحدد إن كان الأثر فنياً أم لا، أي شرط الفن، أما أن يكون فناً جميلاً فعلى المقدار الذي يتحقق فيه ذلك المفهوم، فان طبيعة الأدب، بصفته النثرية(*1) ، يكمن فيها صعوبة التفريق ما بين الأدب وغيره من الأعمال الكتابية . فالأدب يعده بعض المختصين فناً غير خالص بسبب من اعتماده على الأفكار وبنسبة كبيرة ؛ على العكس من الموسيقى مثلاً، وهكذا، فان الأدب، وبدافع من تلك الصفة، قد يجنح إلى حالة الحديث غير الفني عندما يحيد الروائي عن طريقه فيتخذ دور(*1) عالم النفس، أو يتخذ الشاعر الديني دور عالم اللاهوت(12 ).

هوامش :
(*1) تعقليـة: تستعمل اللفظة أحياناً في مجال النقد، فيؤخذ على فن من الفنون تعقليته إذا فرض على الواقع أطراً منطقية وتجريدية عوضاً عن رؤية الأشياء حسياً، وإذا حتم تقدم الفكرة النقدية عوضاً عن الاستسلام لقوى الغريزة والحياة. ((المعجم الأدبي: ص73. مادة تعقلية))
( ) الشرق الفنان: ص11.
( ) ينظر: الوعي والفن- غيورغي غاتشف- ترجمة: د.نوفل نيًوف- مراجعة: د.سعد مصلوح- عالم المعرفة “146”، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت- 1990، د.ط: ص15 ، 16.
( ) ينظر: البيلوجي والاجتماعي: ص119.
** = ترتكز الاتجاهات الحديثة فـي النقد الادبي الحديث على عنصرين أساسيين هما الخبرة والقيمة، ويحاول الناقد في هذا الاتجاه أن يستجلي المعاني من خلال خبرته، معتمداً في ذلك على منظومة القيم التي يحتفظ بها في داخل نفسه، وذلك ما يجعل الناقد الذي ينتمي إلى ثقافة أيديولوجية معينة يرفض القيم التي تنادى بها ثقافة أو ايديولوجية أخرى تتعارض مع إيديولوجيته ((نظرية النقد الأدبي الحديث: ص9)).
( ) نظرية النقد الأدبي الحديث: ص34.
( ) فائدة الشعر وفائدة النقد: ص ص51-52.
( ) البيلوجي والاجتماعي في الابداع الفني: ص94.
(*1) يقصد هنا بعين الأمر أن وجهات النظر في الفن تتحدد على وفق نظرية المعرفة التي يلتزمها المفكر أو الاتجاه.
( ) البيلوجي والاجتماعي في الابداع الفني: ص95.
(*2) يرى أفلاطون إن الفن الحقيقي هو محاكاة للمثل، ويقول هيغل ان الفن في حقيقته هو التجلي “أو التجسيد” المحسوس للفكرة.
( ) ينظر: مقالات في النقد الأدبي، د. السمرة: ص54.
(*1) يقسم هيجل الفنون،اعتمادا على نوعية العلاقة بين المادة والفكر، إلى نوعين: الفن الموضوعي: كالعمارة والنحت والتصوير، والفن الذاتي: كالموسيقى والشعر الذي يعده ارفع الفنون لانه الاوضح والافضل تعبيرا عن الفكرة ،فضلا عن اشتماله لعنصري التصوير والموسيقى.
( ) ينظر: نظرية الأدب: ص27.
( )ينظر: قواعد النقد الأدبي- لاسل كرومبي- ترجمة: د. محمد عوض محمد- دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد- د.ط، د.ت: ص ـ ص23  ـ 24.
( )ينظر: الجمالية؛ موسوعة المصطلح النقدي: ص88.
(*1) يقسم الدارسون الأدب الإنشائي إلى شعر ونثر، ويعرفون الشعر بأنه الكلام الذي يقوم في بنائه على الموسيقى والوزن، ويتسم في صياغته بالتصوير الجميل، والخيال المبدع، ويعتمد في تأثيره على أكبر قدر من اللذة الجمالية والمتعة العقلية, ويعرفون النثر بأنه الكلام الذي يعني أساساً بعرض الأفكار وإيصالها إلى الآخرين، من غير تقيد بالوزن والموسيقى، ولا عمد إلى الإثارة الجمالية. ولكلا القسمين، فنون وأنواع عرفتها الآداب العالمية، فمن فنون الشعر: الغنائي والملحمي والقصصي. ومن فنون النثر: الخطبة، والمقالة، والقصة، والمسرحية، وترجمة الحياة. ((في الشعر والنثر: ص ص6-7)) ويقدم صاحب كتاب “الادب وفنونه” عرضاً موجزاً لأهم الآراء التي تحدد مفهوم الشعر والتي في ذات الوقت تميزه عن النثر. فيبتدأ برأي أرسطو الذي لا يرى في النظم أي في موسيقى الشعر مقياس للتمييز بين الشعر والنثر، فالشعر لا يتقيد في مضمونه بالواقع الدقيق، وبالحقائق التاريخية، بل ان مجال الشعر هو الممكن والمثال، أي تصوير ما نعتبره ممكن الحدوث تاريخياً، أو ما كان يجب أن يحدث فحدوده هي الأمكان والمثالية، كوسائل للتأثير في البشر وهز وجدانهم وإثارة ما يريد الشاعر في النفوس من انفعالات.. ويرى  أصحاب نظرية الشعر الصافي ان الشعر يمكن أن يقوم على مضمونه كما كان يقول أرسطو، ثم على اسلوب تعبيره اللغوي الذي لا يقوم على التقرير، بل على التصوير البياني، ومن الواضح ان التصوير البياني يختلف اختلافاً كبيراً عن التعبير التقريري ونستطيع أن نوضح هذا الفارق بأن نشبه النثر بالمشي نحو هدف معين، بينما نستطيع تشبيه الشعر والتصوير البياني بالرقص. وينتهي الكاتب إلى القول بأنه على الرغم من أن الموسيقى الشعرية تعتبر أحد المقاييس الأساسية التي تميز فن الشعر عن فن النثر، الا انها ليست المقياس الوحيد، بل يجب أن نجمع اليه مقاييس أخرى مثل: المضمون الشعري والملكات النفسية المحالفة للشعر، ومثل اسلوب التعبير اللغوي، فإذا اجتمعت للشعر الموسيقى والمضمون الشعري، واسلوب التعبير اللغوي الشعري الطابع، استطعنا ارتكازاً على هذه العناصر الثلاثة أن نميز بين الشعر والنثر، وبالنسبة لمقياس المضمون الشعري والملكات النفسية التـي تخلق الشعر، فان الشعر لا يمكن أن يكون مضمونه تقريرياً خالصاً لحقائق فكرية أو رياضية أو علمية جافة، فالشعر هو ما يخاطب الوجدان البشري، ويستطيع أن يثيره ويحرك كوامنه، بفضل مضمونه الشعري. وفرق كبير بين المضمون الشعري ومضمون النثر التقريري القائم على مجرد تقرير حقائق أو وقائع أو قضايا منطقية أو علمية أو اجتماعية، ويميز النقاد بين الملكات النفسية القادرة على خلق الشعر، فالنفوس الشاعرة نفوس حساسة بالضرورة تولد فيها حقائق الحياة والوجود ومظاهر الكون انطباعات عاطفية تثير مشاعرها وتحرك خيالها الذي يستطيع أن يقتنص الصور البيانية التي يسكنها انطباعاته وأحاسيس وجدانه، كما ان الشعر القوي يحتاج إلى ملكة التركيب والتركيز والبلورة الفكرية والعاطفية، فالشعر لا يصدر عن عقل تحليلي يصنع المقدمات ليستخلص منها نتائج، ويعمل بواسطة قضايا المنطق الشكلي “الأرسططاليسي”. ((ينظر: الأدب وفنونه- د. محمد مندور- دار نهضة مصر للطبع والنشر- ط2،  د.ط، د.ت: ص 27 ــ  39)).
ويشير “مكس ايستمن” صاحب مقالة الأدب في عصر العلم في كتاب الأديب وصناعته إلى ان الشعر يختلف عن لغة النثر في أنه يطيل الوقوف عند صفات الأشياء التي يذكرها أكثر مما تدعو اليه الحاجة للفهم العملي. والشعر البحت هو الشعر الذي يذكر الأشياء لكي ينقل صفات فحسب ولا شيء سوى ذلك، لا لكي يفسرها أو يخبرك بأي شيء عنها. ((الأديب وصناعته: ص54)).
(*1) أي أن يتخلى عن الأسلوب البياني والإيحائية ويجنح إلى الوعظية والتقريرية والمباشرة والعرض المنطقي بدلاً من أن يعرض أفكاره بصيغة تجارب حية مستقاة من صور الحياة.
( ) ينظر: الجمالية؛ موسوعة المصطلح النقدي: ص25.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.