بلقيس ملحم : الباقي من النور (4)

balkis melhemوالعراق هل سنقوى على حمله على أكتافنا, وفوق ظهورنا؟
هذا نذر! والنذور يجب أن تقدم إلى الروح التي تصببت من شفة الجنة!
الجنة؟
نحلم بإفراط, وحق لنا أن نحلم.. كالجنوب الذي يصنع الأحجيات ويحشو بها مفازات القلب الموحشة ولا يرغب في الخروج من الفصول.. فصول الحروب التي أورثتنا وحدنا شفرة الدخول إليها بامتياز..
وخاله أم علي؟
تسخر من الجميع
وخالي أبو علي؟
خلف الله عليه, اغتصبه دَرَكُ السوق فتحول إلى بعجة!
ذاك الفحل الضخم لم تصله التكنلوجيا ليشتري قضيبا؟!!
يا قضيب تحجي عنه! الدرك ينيكُ حتى أذن الحمار وينام مع السحالي
وبنت أم علي؟
سكنها جني فاتهموها بأنها عاهرة؟
وماذا فعل أبوها؟
أهداها لضريح لتكون سادنته ويستريح..
إذا جلبت الثراء لبيت أبو علي؟
زارتها أمها بعد عشرة أعوام.. كانت لاتقوى على الحراك, لقد علقت قلائد المتبركين في أفخاذها وثقبت بها إبطيها الأبيضين ثم ماكان من الأم, سوى أن تخلع ثوبها لتكشف عن جلد مدبوغ بالقَرص, والعض المتكرر! baghdadبعدها قررت أن تقفل المزار بصرخة أسمعتها من هام في صحراء الأنبار, ثم شرعت في نشر رأسها بمنشار نسيه أحد الزوار بينما كان في طريق احتطابه..
ألم يعد لمنشاره؟
كاد أن يعود, لكنه اُختُطِف بعد أن طحنوا ثلاثة من أصابع يده!
حرامات.. من يضمدها وهو غائب عن وعيه؟
كل المحاولات فشلت ولم تجدِهِ قطنته الوحيدة, لذا فضل أن يضمد به قلبه بدلا من أصابعه التالفة!
والأشباح؟
قيحٌ من عُصارة القيامة
ألهذا احتمى الراكضون تحت المطر بسعف محترق؟
أُصيبت القيامة وقتها بطعنة في خاصرة الكرخ, انشغلت بتضميد جرحها, فلم تستطع أن تقيء أكثر من عصارة أهل جهنم..
أليس يُقال بأن السعف يطير حين يسقط المطر..؟
ينتصب, وينبت له ذراعان, يبتسم, ويفتح صدره للضحك المتواصل, ويلعن الكلاب!
كل الكلاب تريد أن تنتصر بالوشاية على الكلاب الأخرى, حتى لو تطلب الأمر أن تُحرق نفسها, أو تبيع عرضها, ووطنها, ومن لم ينازل الشيطان نازله.. أنا رأيتهم يحشون الشاحنات بالمتفجرات, ويحشون جيوب الشرطة بالدفاتر..وأنت؟
رأيتهم في اليوم التالي يخلخلون أسنانهم بعظام الشهداء!!
وحده حفار القبور من يواصل عمله.. بماذا كافؤوه؟
سرقوا المزيد من رسائل الحب, وصار دون أن يشعر بنفسه, يقدم خدمة لمن أراد الخلاص من هذه الحياة البائسة, الموتى هم من أكسبوه رقة في المشاعر, ومحاولات جادة في الترفق بجثث المُجمّدين وقد سُجّوا أمامه,وسَدُّوا أفق بصره دون أن يسأل الغفران لنفسه!
يبدوا أننا نضيع وقتنا في الحياة؟!
هاهو البرلمان يناقش في إحدى جلساته الرتيبة الناقصة, استحداث يوما يحتفل فيه العراقيون بالموت, وإيجاد الحلول المناسبة لجعله أحسن حالا مما هو عليه الآن ..
لو شرَّحوا مخ القرود.. ربما يجدوا سر الموت الذي يكتسح العراقيين كوباء؟
برباطة جأش وربما أكثر إنسانية, سيعلن القرود بأن الحياة ماهي إلا وجبة عشاء عابرة, وبأن الوقت لا ينبغي أن يبدد في مثل ترهات كهذه, فسنة الحياة أنها تتآمر على الأشقياء لتزيدهم شقاء, وتعطل أحلام المستضعفين, حتى أولئك الأطفال اللذين يغصون في ساحة عنتر, ظفر منهم الموت وبدد أمنياتهم لوعة, وحرمانا.. الحرب روضتهم كثيرا, فالأفضل أن تُدهن التوابيت بالابتهالات والأناشيد الروحية, أن يبكوا بكاء الضرورة على الأقل, وبعد ذلك يتدبروا شؤون الحزن..
وآل عراق؟
حديقة الأمة المجاورة لنصب الحرية- عجل الله فرجها- صارت مأوى للسكارى حيث لم تفتح بعد ليبيتوا فيها بشكل قانوني!!
احم .. احم.. أُعلن مؤخرا عن افتتاح فرعا جديدا لهم في شِعب أبي طالب!
وبعد أن خرجوا من الحصار, أين ذهبوا؟
حملوا صلبانهم, وصور شهدائهم, ثم أشعلوا شموعهم بكل هدووووء
.
.
.
ألا ثيمة فرح لبغداد؟
أنقذيني يا ضفاف من جنون نفسي وهذيانها.. وحدك من يجيد الابتسامة وقت الحزن..

لمعت أسنانها البيضاء, فأضاءت تلك العتمة, وبددت الظلام الذي فصل المدينة الغارقة بخيبتها بجدرانه العالية, بعزيمة بطيئة تنفس الليل صوت العود, وعلى جسر الجمهورية هرَّب عاشقان ابتسامتهما خوفا من مفخخة غدَّارة, ذلك قبل أن يختطفهما الجسر المعلق, ويرمي بهما في الكرَّادة الشرقية حتى يكملا مراسم تشابك نبع الرياحين, أما مطعم الباشا للمسكوف فقد افتتح أبوابه بعدما أغلقه صاحبه المختطف لستة أشهر, عشية الميلاد مرَّ أمامي موكب لسيارات مزينة بالكورنيش, والبالونات, وقد رفعت أبواقها معلنة عن زفاف عروسين يتأرجحان على قنطرة شارع حيفا والذي طالما نام خائفا متدثرا بصوت الرصاص متقلبا بين العطيفية, والصالحية, الزبائن توقفوا عند صاحب المخلَّلات النجفية الشهيرة في سوق الشورجة, يشترون على عجل, بلسان مالح مرتبك, الأطفال  يسبحون في بركة نصب كهرمانة, و يلعبون قرب طريق يربط بين الفلوجة وبغداد, مغتبطين أطفال البصرة وهم  يجتمعون حول شجرة آدم في حديقة جنة عدن في مدينة القرنة, وهم على العكس يغتبطون أطفال بغداد الذين اصطحبتهم عوائلهم إلى متنزه الزوراء يوم العيد, أما طلاب الجامعة التكنولوجية, فتحلقوا وهم يدبكون ويرقصون في حفل تخرجهم, في حين نثر أهاليهم عليهم الحلوى ابتهاجا بهم, الصيادون يحضرون شباكهم للصيد في بحيرة الثرثار بعد إن تطهرت من المجاميع الإرهابية, النساء والأطفال يقضون وقتا ممتعا على ضفاف نهر دجلة في وقت المساء وكأن السماء لن تمطر, والأرض لن تهتز, مروحيات الجيش العراقي تقود البارجة الحربية الجديدة التابعة للقوات البحرية العراقية, وتبحر باتجاه ميناء أم قصر, وتتسلم ثلاثة قصور جمهورية جديدة, بحيرة الحبَّانية تفتح أبوابها, تتنفس هبوب الرياح الدافئة, أبو مجدي الذي اعتزل الناس ثلاث سنوات متتابعة, خرج أخيرا إلى الكاظمية ليشتري الحلويات الشعبية, مشجعوا كرة القدم حملوا علما عراقيا كبيرا في ملعب الشعب الدولي, وطافوا به حول بخور الحرية, الزوار في ذكرى وفاة الإمام الكاظم حُملوا في مركبات الجيش العراقي وأقلتهم إلى منازلهم آمنين بعد مشاركتهم في المراسيم السنوية, عناصر الشرطة العراقية حملوا الأعلام رافعين رؤوسهم في استعراض خلال مراسيم تخرجهم, هناك من يغطس في نهر دجلة, يسبح وينظر في السماء الواسعة, البائع الكردي عاد يبيع تذكارات يدوية الصنع في سوق الصفافير ليشتري لأبنائه كبة السَّرَاي أثناء عودته, العامل البسيط كسر حاجز فجيعة سوق الغزل الدامي, والعواصف الرملية, ووقف في باب المعظم يشوي الدجاج, وآخر فرش صوانيه ليغريك بسمك الشَّبُوط المتلألئ, هناك من ارتدى أزياء تاريخية  أثناء عرض لـفرقته الموسيقية, وبدأ يرقص في شارع أبو نؤاس متفاخرا بأجداده, الشموع تذوب, وتعكس أمنيات من يوقدها بالقرب من ضريح الإمام الكاظم- عليه السلام- صبية ارتدوا قمصانا صفراء مقلمة, وبدؤوا يتدربون في معسكرهم البائس, البنَّاءون عجنوا الإسمنت بالماء, أعدوا القِير الأسود, وابتدؤوا من الصفر, كما هو الحال بعد أن يعود النهر الفائض إلى مستواه!

رأسي أخذ ينتفخ من هذياني, كيف افتعلت هذه الأسئلة, وأجبت عنها, لساني صار ثقيلا, جسدي عديم الحركة, قلبي ينبض ببطء.. وأشعر بأني على وشك إخراج شخير الموت..
العصافير التي تحوم حولي تغريني بالنهوض, والركض خلفها.. أزحف, أرفع يدي الوحيدة, أناديها دون أن تسمعني:
يا آلهة الموت والطاعون, تبا لك يا( أيوا).. أبصق على الأرض, يعود لساني ثقيلا مرة أخرى.. أحبس أنفاسي, أطلق بصري للعصافير التي أفلتت من أيوا.. أحفر نفقا داخل صوتي المبحوح: ياحارسة الهور الكبير, تعالي اسحبي معي جثث الموتى الملقاة على ضفتي النهر, المستنقعات صارت صفراء اللون كجلد بقرة, وتوشك أن تزكم الأنوف, الطين غطى نصفي الأسفل,لا زورق, ولا حتى غيمة ممطرة تغسلني, صراخي تبدد وأخرسه الطوفان, سبعة أيام؟؟ سبعة أيام؟؟ يا الله.. أليست كثيرة سبعة أيام؟
أيها الطوفان لتخر كما يخور الثور, أغرقنا مرة واحدة ولتسترح, أخرجيني من هذا الهور –الأزلي- كسمكة متعفنة شربت من ماء أسود, أو كضفدع مغرور, متحضر, أو كذبابة دخلت الخريف من نافذة عارية, أو كلهفة تمثال للكلام, أو كطقوس مبللة بتوسل شحاذ.. هناك من يبحث عن منجله الذي التهمه الهور, وهناك من يبحث عن فالته, وخنجره المعطوب, هناك شبكة مهترئة, وحبال مقطوعة, هناك أنا.. و بشر يشبهونني كثيرا, أكاد لا أميز بينهم, إنهم يتنفسون؟ وفوق ذلك يتقاسمون مركبا كبيرا, لابد وأن يكونوا جنا! نعم إنهم الجن بعينه, الجن الذين يسكنون الأهوار, وجوههم كالحة بنفسجية, لكنهم في نهاية الأمر طيبون جدا, يمتلكون تعويذة مكتوبة بالملح, تعويذة لزجة كزئبق أحمر, تعويذة من الموت الجريء, الذي يطرحك أرضا, وأنت تتجول في سوق مزدحم دون سابق إنذار, وقبل أن تقفل شفتيك المنفرجتين بالورد ولأنهم حالمون بالمملكة الكبيرة, هاهم يقتربون.. ويحملونني مع بقية النسوة, والأطفال الذين أخرسهم الطوفان مثلي, وإلى مضيف متواضع يوصلوننا بسلام, هنا على حافة أحد أرصفة المدينة أستفيق!!
لكنهم يهزمونني مجددا, إنهم رغم ذلك, تراهم يتبادلون النكات وقد تعودوا على هسيس الشهداء الذين يوزعون ليلا على أهاليهم, بينما تفرغ بعض المتطوعين في خط اللافتات السوداء الناعية أصحابها والتي غصت بها الشوارع والأزقة..
سابقا كانت الدولة تعلن, وبكبرياء عن خسائر العدو, وعدد قتلاهم, اليوم صرنا نحن الخاسر الأكبر, والأعداد والأسماء والحكايات أرهقت من سيخط لها لافتتها
أتجاهل الخسارة وأمضي..

بين ريف مغلف بقصدير المدينة, وأنا, يتسابق أمامي صَبيَّان, أحدهما كثيف الشعر, صاح : أنا الفائز, أنا عبدالكريم!
فتذكرتكَ يازعيم وأنت طفل تلهو بشقاء أبيك في المهدية, وتذكرت قنبر علي, وشارع غازي, والشامية والصويرة, وبؤس الفلاحين, وجراح جسدك, وأوجاع روحك, وندبات الفقر التي سكنتك, وحبل الصرة الذي ما قطعك عن عراقيتك, ويدك اليسرى التي تشنجت من جراء العمل المتواصل مع والدك الكادح خلف لقمة العيش النظيف, تذكرت الشعب وهو يصطفيك فقيرا, حيث لم يشوه الفقر روحك, ولم يفتحها على احتملات العقد والنقص, ودهاليز الحقد, ومشاعر النقص والحرمان, تقلدناك وأنت ليس أسيرا لماضيك, لتعلمنا بأن طيبة الفقراء لاتبرر الفقر, وكل ما أردته فقط هو منع تكرار الفقر في حياة الآخرين الذين تعاطفت معهم وعملت معهم كخلية.. لم تستغل حاجتهم, لم تُهنهم, لم تسحقهم, لم تتجاهلهم, كما فعل السابقون, واللاحقون..
كنتَ بصمة لخير دليل, أنجزت, وبرهنت على هذا الوعي والذي أعلنت عنه في هوية خطاباتك وأفعالك, اعتززت بأنك فقير, وبأنك ابن الفقراء, وبأنك عشت في حي فقير, قلت ذلك ليس انتقاما من الأغنياء, ولا دعوة للفقر, بل سعيا في تحسين ظروف حياة الفقراء,والانتقال بهم إلى معنى الإنسانية في معادلة رائعة.

أحاول الإسراع في المشي, أحاول الخروج منك, من تقاسيم وجهك الذي يوشي بمعانٍ عميقة تنكش تربة خصبة تقع جنوب قلبي, تصفعني أسرار عينيك وهي ترمقني من واجهة محل علق صاحبه ملصقا كبيرا لك, وعلى واجهة مكتبته الأخرى كتب بالخط العريض( إن الله معنا) وكأنه يشير إلى بعض ما جاء في خطابك الأخير, إنها العبارة التي يتسلح بها المظلمون دائما, اقتربت وتسمرت أمامها, خاطبته وأكاد أجزم أنه سمعني: لقد تشرذمنا من بعدك, ووزعونا بين المنافي..
لماذا العراق؟
ومصلحة من أن يمزق؟
لماذا انقضوا عليك كالوحوش الكاسرة؟
لماذا في علب الليل يفتحون عيونهم؟ ويمدون أيديهم لمؤخراتهم؟
حتما إن ضمائرهم تسيل قيحا وصديدا, تماما مثل جمجمة يسكنها النمل الأحمر!
لماذا ينصبون محاكمهم, وفوهات البنادق مشهورة على رأسك؟
لماذا اغتالوك؟ أكانوا يفكرون بأن التاريخ يغتال بالرصاص؟
وبأن الكلمات الساطعة والعدالة الحقة تموت بمجرد طمسها؟
أي سخرية قدر أن يعدموك في غرفة الموسيقى وبجانبك تنام الكبنجة والعود؟!!
كيف يخاصمونك ليلا, وتزورهم نهارا؟
لماذ تموت جوعا, ثم يطعمونك لحوم الأفاعي؟
لماذا تموت عطشا؟ ويسقونك بزيت النار فيحرقك؟
لماذ حين تقطع ساقك في الحرب يسحلونك, وتمر من على جسدك المزنجرات وهي لا تبالي؟
لماذا لاينزعون عمائمهم المزيفة, ويلبسون سدارتك؟
وحين يفلسون, لماذا يبيعونك في المزاد؟ لماذا أنت تحديدا؟
وأنت الذي قلبوا جيوب بزتك الخاكية المهترئة, فما وجدوا فيها سوى 750فلسا وهم مكرهون!!
ترهقني الأسئلة, تحيرني الأجوبة وهي الأثقل منها, وحين أهم باستحثاث قدمي لأبتعد عن المكان, يرتب على كتفي حمزة الحسن مرددة معه ما يقوله:
أيها الزعيم, أنت ترقد في قاع النهر ممزوجا بطين, وأساطير الأنهار المقدسة, وسنظل ننتظرك, نحن الأبناء التعساء اللذين أحببتهم كثيرا, على ضفاف الأنهار وعندما تخرج إلينا يوما, سنفرش قمصان اليتامى تحت قدميك, لتمر عليها أيها الصديق..!

أخطو خطواتي الثقيلة, مخلفة ورائي دقائق صمت هي للتاريخ شاهد ودليل, كما السماء التي شهدت صعود شهداء الكنيسة ذات فرح! أتوقف فيدفعني من خلفي مظفر النواب كيما أستمر في المشي, التفت ورائي, تلمع في عيني صلعته الكبيرة, يغني لي بجوابه المرتجف والذي جلدني أكثر, تخرج الكلمات من تحت شواربه الكثة وهي تقول:
ما أظن أن أرضا رويت بالدم والشمس مثل بلادي!
التفت إلى عبدالكريم: أهو كما يقول؟
يجاوبني مبتسما كمسيح يحمل صليبه: إنني سوف أفنى في خدمة الشعب, وبعد مماتي سوف تبقى روحي نصيرًا له..
أُخفض رأسي, أتمتم: يحيا الشعب.. يحيا!
لو كان عندي مزيدا من الوقت, لدخلت على صاحب المكتبة التي أمامي, وقصصت منه قصيدة, أو مسقط دمعة, أو قطعة من حلوى تصبرني عن روح القائد المطبوع في قلبي..
ابتعدت قليلا عن المحل, كدت أقطع الطريق لولا أن أطرق مسامعي صوته الرخيم, وهو يرنم قصيدة أكلت مني دهشتي, توقفت وأنا أعلن فشلي, حيث لم أفلح في تجاهلك..
تهيـّب
يل تـِهـِزِّ السوط
واحذر غضبة المظلوم
عاين گـلـّب التاريخ
عمر الظلم ليلة  ويوم
لو عمـّر ودام أجيال
لابد ما يشيل الراسْ
مظلوم ويغـَيـْرِ الحال
لو هبـّت شمال الريح
رخوة وانعشت آمال
بگلوب الشعبْ واشـْهـَر
سلاح إعلى الظلم قتـّال
غاد تضيـّع المشراد
وتگول النذير إشكال
أعيد حچايته لسمعك
خاف الأمر ما مفهوم
تهيـّب يل تهز السوط
واحذر غضبة المظلوم
سرى جيش الحمية بليلْ
ضباط وجنود احرار
سرى وهز الأرض مسراه
مثل سيل انحدر جبـّار
التفتُ إليه, أشرت له بالإنصات لي, رغبة مني في إكمال القصيدة حيث أحفظها:
يا عبد الكريم إسلـَم
واحذر من غدر مستورْ
صنفين المحبـّة  تصير
حب صادق نقي وحب زُور
حبّ مزيـّـّف وغاوي
بثناياه الغدر مضمور
وحب ابيض شريف وبي
تساوى الباطن ومظهور
ذراعك حـَكـَم خلـّيها
بين المخلص وموتور
يوم اللي جرى دمها
گَلـُب شامتْ وگلـْبْ يفور
يا عبد الكريم إحنه
إلك دون النوايب سور
بتراب الوطن نحلف
عنك ما انثنينا يوم
تهيَّب ! لا تهز السوط
واحذر غضبة المظلوم
أحد المتجولين في المكتبة استهوته الأجواء أن يغني معنا, فغنى غناء يشبه ثكلى العصفور الذي قضى رميا بالرصاص, فأخذ يطعم زوجته, وصغاره: جار قديم يسكن شجرة نبق في منطقة(زيّونة) كان صديقا وفيا لزوجها الراحل فأنشد*:
أبو الفقره ياقاسم والمساكين
يابو بيوت القصب والزور والطين
عراقك يا شهم بعدك سجن صار
تحت حكم البعث ويلك مساجين
وياقاسم وابتلينا بزمرة أشرارا
يقصون بلحمنا واحنا عدلين
والوطن كله مآسي وقهر ودموع
واتوشح بالسواد ونبت حزنين
قصص صارت علينا تهز الجبال
جثيرات المصايب
جثيرات النوايب
وابدي منين
من تسفيرنا بلا لاولد لامال
لو بالذبح بيد الشياطين
لو من الحروب وهدم البيوت
حرق كل المزارع والبساتين
شعب بالداخل يعذبونه أنذال
شعب بالخارج يعاني الأمرين
تيتمنا بغيابك
تعذبنا بغيابك
والفرح ضاع
ولقينا اروحنا بلياك ميتين
نعطش ولا مطر
ينزل على الكاع
ولا ماي بقى بجرف الفراتين
تعب سفّانا وماعنده شراع
غرق مركب حلمنا ونام بالطين
من شعبك تبرّت أمة الضاد
إيه من شعبك تبرت أمة الضاد
وعليه صبوا حقدهم اخوة الدين
وحق راسك والقسم دين
وحق قصة حلبجة
وكل طفل ومات
وحق بيت الصدر
نموت وما نبيع هاالوطن
هيهات ولو سيف العمالة يقصنا نصين
يابو الفقره
ياقاسم
والمساكين
يابو بيوت القصب والزور والطين

خرجت من كم القصيدة, وأنا أرمي ببصري على المدى البعيد المكتظ بالبنايات الملتصقة والنفوس المتبلة بالملح, أتذكرك وأنت الذي لا تملك مسكنا يخصك, وحين وزَّعت المساكن في زيونه على الضباط, أذاع عريف الحفل بأنك لك استحقاقا في منزل, شأنك شأن الضباط الآخرين, قلتَ بتواضعك المعروف:
إني غير مشمول بالضوابط, فأنا لم أتزوج, وليس لدي أولاد, فلهذا لا يحق لي أن أمتلك منزلاً خاصاً!!
ولما صار لك بيت بسيط تبرعت به إلى أمانه العاصمة آنذاك,  مفضلا أن تبيت في مكتبك بوزارة الدفاع, حيث يتسع  صدرك أكثر من رحابة دور الضيافة المؤثثة بموائد الوفود, متلذذا بوجبة الغداء والذي كانت ترسله إليك أختك الحبيبة – صديقتك في الجنة- ترسله بواسطة السفرطاس, خارجا من الدنيا ولَمَّا يصبغ أصابعك دسم الكباب الذي جلب إليك من مطعم في ساحة الميدان, أو تملأ معدتك بالحساء والمرق, مشاركا وطنك الصائم, الكادح, الممتد من زاخو إلى البصرة بتمرة تطحنها بين فكيك..

•    القصيدة للشاعر عمار الوائلي

نزلت إلى قدمي التي أزعجها ظفر طويل, قطعته, ثم رفعت بصري وإذا بفتاة جميلة في العشرينيات من عمرها تمر من أمامي وقد أعلنت عنك بكل وضوح بعد أن ذبتُ في سحر عينيها وهي تذكرني بالمرأة الوحيدة التي أحببتها, ولمَّا رأيتَ خاتم الزواج في يديها, انشغلت بالثورة عن كل النساء, بينما رقص الراقصون على الجراح, نعم لقد أشاحت بوجهها عنك, خاسرة زعيما لن يتكرر, زعيما لا يملك بيتا ولا مزرعة ولا خدما ولا عقارا ولا أرصدة ولا ما يحزنون
زعيما لم يوظف أقاربه ولا معارفه أو أصدقائه في دوائر الدولة المصونة.. أشاحت ولم تغرك النساء من بعدها..
أو لست الذي قلت للركن خليل سعيد مبتسما بكبريائك: إن لي أربعة ملايين أخت عراقية، فكيف تريدني أن أتزوج؟
إيه يا عبد الكريم هل تتذكر (هوسة) الشعب وأنت الأعرف بها مني:
(عاش الزعيم الزود العانه فلس)..

صدقوا والله, زودتها فاستنشقت بغداد ربيعا جديدا انشقت منه قناة الجيش لتربط بين مياه دجلة شمالا بمياه ديالى جنوبا, يزين شاطئيها إثنا عشر جسرا تغفوا على جانبيه حدائق غناء, وعلى شرقها تنام جميلة بوحيرد–المقاتلة الجزائرية- تنام بحيها الراقي ومساكنها الفخمة, ربيع يمتد على صفحة السماء ليستحدث أحياء سكنية أخرى ضاعفت من مساحة بغداد عرضا..
لم تكن أنانيا, تركت الينابيع تفيض فلم تبتلع شيئا, ووزعت الأراضي السكنية على جميع موظفي الدولة, وضباط الجيش, والجمعيات الفلاحية, أنجزت مشاريع ضخمة, واتفاقات تجارية, وصناعية, وعسكريه لم تثقل على خزينة الدولة, ولم تترك أي ديون هي تبحث اليوم عن من يخرجها من بندها السابع! بعد أن كانت شركات نفطنا وطنية, فأسبغ الله علينا نعمه ظاهرة وباطنة, ولأنك حكمت, فعدلت, فأمنت.. هو ذا انت ياعبدالكريم.
لم يسند ظهرك سوى حماية لا تتعدى أفرادها عدد أصابع اليد الواحدة, وحدك يا أبو دعيِّر وحدك, عندما كنت تشق طريقك وسط الفقراء الكادحين القادمين من صرائف الشاكرية إلى مدينة الثورة, الشاكرية الصاخبة خلف السدة, والتي أخذتها نشوة الأصوات الرقيقة وهي تتلو المولد النبوي والذكر الصوفي داخل بيوتها, وفي أزقتها الضيقة في حي الأكراد, بينما عاشوراء يكون أكثر صخبا في ساحاتها العامة, من بين هذا النسيج الرخامي تخرج إليهم كمن يعلن إعلانا هاما للشعب! ولكنك تنصت لهم فجأة.. وحدك من يلتف حوله الناس يسألونك فتجيبهم, وتسألهم ويجيبونك, كيف لا؟ وقد نذرت نفسك من أجلهم, لترحل أنت وقد أُشربت القداسة لتكشف عورة من صام عن الطعام والشراب فقط, وصية أعلنت عن نفسها, يوم أن أخفوا قبرك في ليلة تشبه تسلل الزناة إلى بيت الله في جباتهم المرقطة بالدماء, تصرخ كيسوع ( دعوا الموتى يدفنون موتاهم) ..

فسلام الله عليك يا أبو الفقراااااء..
بذيئة هي هزيمتنا!!
قلتها ممطوطة, وكأني كورال يردد نشيدا وطنيا خالد, مرددة إياه على خشبة مسرح يصفق لي فأواصل وقوفي بين المتفرجين, من الغادين والرائحين, أنشد لهم من أناشيد مظفر النواب:
وطني أنقذني..
رائحة الجوع البشري مخيفة
وطني أنقذني..
من مدن سرقت فرحي
أنقذني من مدن يصبح فيها الناس مداخن للخوف, وللزبل مخيفة
أنقذني من مدن ترقد في الماء الآسن
كالجاموس الوطني, وتجتر الجيفة..
أنقذني كضريح نبي مسروق
في هذي الساعة في وطني
تجتمع الأشعار كعشب النار
وترضع في غفوات البر صغار النوق
يا وطني المعروض كنجمة صبح في السوق
في العلب الليلة يبكون عليك
ويستكمل بعض الثوار رجولتهم
ويهزون على الطبلة والبوق

انتظرت أن يصفقوا لي, بيد أن حر الشمس صفعني بدلا عنهم, وحده من صفق لي بدفعه إياي للمشي مجددا, طلبا للظل في مدينة ما إن تطأ قدمك إياها, حتى يأسرك الجنوب بكل تفاصيله.. كشمس تتوسط البحار, السمرة داكنة ومغرية للغاية, القصب يفوح, وطين سومر يخضب المسافات, أهلها طيبون جدا, كرماء كمضايفهم الأصيلة, أصيلون كلهجتهم التي لم تفسدها المدينة, صابرون كالأنبياء, ولربما ستسمى لاحقا بمدينة ( الصبر) مدينة الصبرتلك, مدينة تمردت على كل الفحش وتوأمه الغنى, وبقيت تمجد الصابر- عبدالكريم قاسم-  حبيب الفقراء ورافع لوائهم يوم القصاص, مدينة قدمت نصف شبابها في الحرب الثمان سنوات -العراقية الإيرانية- ومن لم يمت في الحرب, فكان يموت من أجل صوت حريته, لكونه شيوعيا, أو إسلاميا, أو..وما تبقى تحصده انتظاراته المملة, بمناجل القذائف, والسيارات المفخخة, حتى لبست الجدران وأبواب البيوت اللافتات السود, وقد خط على بعضها آيات من القرآن الكريم بالخط العريض:
( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا, بل أحياء عند ربهم يرزقون) بعضهم فضل أن يكتب ( ستبقى في قلوبنا) أو كتب ( لا إله إلا الله, والشهيد حبيب الله ) أو خط باللون الأحمر ( يا حسين يا أبا المظلومين) ذلك المشهد الذي يوحي بحقيقة واحدة, وهي فقدان المدينة لأبنائها دفعة واحدة في سنوات أشبه ما تكون بوباء الكوليرا, والتي أمر بإزالتها أحد الوزراء أثناء زيارته للمدينة حيث تفاجئ من كثرة عدد الشهداء,حين جمعوا اللافتات كانت كهامة شامخة, أوعلامة فارقة, حيث تكومت مثل جبل على أرض ملساء,هي أشبه بأرض الفصل والقضاء.. المدينة التي بقيت مستبسلة في الإنقطاع إلى وجه الشمس, والتي ربما ستشرق يوما ما صافية بلا ندوب!
بين يدي تذوب المدينة,تنزلق في لوحة واحدة ضخمة, تمتد من الجنوب إلى الجنوب, صورة مقتدى الصدر ووالده الشهيد تغلف واجهات المحلات والبنايات الكبيرة, معلنة عن حضانتها المتأخرة لتلك المدينة, مليشيا تنتشر هنا وهناك, وفي عيونهم أسئلة عميقة تفهمها فقط حين تفكر بالتحديق فيها, تجيبهم, ونيتك على الله: لا لست مفخخا صدقوني!! لتعبر بسلام إلى حيث تريد لكن الموت – الفكرة المسيطرة على أذهان الأحياء- تنتقل من حي إلى حي, ومن شارع لشارع ومن دربونة لأخرى, حيث صادفني أكثر من مرة سرادق كبير, أقيم على أرواح مختطفين, هكذا كتب على أقمشة سوداء نعوا فيها من استشهد, أقف أمام السرادق, وأقرأ الفاتحة, فسيح جدا.. وتشم منه رائحة طيبة, وقد صف بداخله مئات الكراسي البلاستيكية, يحيط به عشرات من رجال المليشيات مدرعين بثياب سود ورشاشات خفيفة, يكثرون الالتفات فهم في حالة ترقب مستمرة, حتى إذا جسوا نبض الأمان, أمسكوا بأجهزتهم ألاسلكية و بدؤوا يثرثرون فيما بينهم, ويدخنون المزيد من السجائر, بينما يلعب العجائز بمسابحهم داخل السرادق وهم يتمتمون, منتظرين ولائم عامرة بالثواب والإحسان.. ما لبثت حتى طوقت مكان العزاء بضع سيارات أتت مسرعة, كانت من نوع ( بطة) و( الأوبل) تابعة لمليشيا جيش المهدي, من بينها شققت لنفسي طريقا وخرجت, فانفسح لي المكان, وبان وجه المدينة الذابل.. ينعطف بك إلى الأزقة الضيقة والمتعرجة, وقد عجت بالملائكة, والشياطين, برجال يضربون زوجاتهم, ونساء يدمعن وهي تصلي صبرا.. برائحة بيض فاسد, وطين مُحمَّص, بنوافير الأراواح التي زرعت في السماء السابعة, بملح الطفولة الذي يبشرك بمشاريع الدفن في الأراضي الموقوفة على أرواح الطيبين, الأطفال وقد لبسوا تسيبهم وهم ملطخون بكركراتهم, أحيانا, وبخرائهم أحيانا, يركضون, ويلعبون في الأزقة بملابسهم الخفيفة, أو بعريهم البريء, والنساء, والرجال على المصطبات جالسين بروتينهم الملل, متذمرين بمهفاتهم, ستعرف مباشرة بأن انقطاع الكهرباء أخرج من كان في البيوت, وحال عودتها يصيح الجميع ( هيييييييي), فتخلو الأزقة من لهاث الصبية, بيوتهم كالمقابر, الـ 144 مترا تقسم أحيانا إلى نصفين, أو إلى ثلاثة, لتتحول إلى غرف للنقل اللا سلكي, هناك باستطاعتك مثلا, أن تقترض من جارك رأس بصلة, أو باذنجانة, من فوهة تفتح فمها بين الجدران..بيوت في حقيقتها لا تتسع إلا لزوجين, وثلاثة أطفال, وحوش صغير تلعب فيه شجرة تين, ونخلة طويلة, بينما يسكنها في الحقيقة كحلوى سمسم أربعة عشر فردا أو يزيد.. أنا أسميها مدينة الأطفال, ومع ذلك فإن السلاح مباح في أزقتها, والحرب رجل شحاذ مخبول قد أدمنته الأرصفة وشربته كل الفصول.. يتسول كعاهرة –بطرانة- تسخر ممن يمد لها النقود, تكافؤه فتمد له ساقياها المشعَّرتين لتتسع زاويتها أكبر, دون أي خجل من عيون الفضوليين, وحين تشعر بتهديد ينهي حياتها, تتوزع في الأزقة مرة أخرى, ولكن ببضاعة أكثر فائدة, ونظافة: تبيع سجائر فاخرة, أدوية نادرة شحت في المشافي الحكومية أوسرقت من المستودعات, كماليات مغشوشة تراوغ وتدافع عن مدى أهميتها لدى الجنسين, بحذق تتباهى في تهريبها من حرس الحدود وحكومة متواطئة معها, ممنوعات منوعة, صار كل شيء وأي شيء يبرر بيع الدجاجة الميتة!

هناك حيث البيوت متلاصقة جدا, بعض أسوارها من صفيح متين, جدرانها من طين, وخشب مدهون بالزيت, مشفوعة بقطع من الكونكريت المستعمل, أعمدة الكهرباء, وزجاج المحلات, وأسوار المدارس تشوهت بملصقات المرشحين الذين يعدون بالخلود في جنات النعيم, بتأشيرة مبطنة من الشيطان الرجيم, الغريب أن بعضها خط باللغة الفارسية, لغة لايفهمها سوى العملاء, ملصقات تجاور مستنقعات لمياه ملوثة,بجانبها نساء يغسلن ثيابهن في إناء معدني كبير,إحداهن ترفع رأسها للسماء, تبحلق وتطلق زفرة طولية, تركلها قدم أمها وهي تلف سيجارة لتدخنها, تتكلم بصوت يسمعه الجميع:
–    تغسلين بلا صابون, يالوسخة! ياحيوانة كومي شوفي شبقي عدنا من الحصة التموينية.
–    ابن الكلب البارحة لما سألته عن حصتنا التموينية, كال لي انتظري حصة الأمريكان, يفكر نفسه دا يتشاقى وياي, طلع ابن القحبة يسرقها..الله يلعن الفقر والحاجة..
داست بقدمها كعب السيجارة
–    آآخ بعد شنسوي, كل شي صار نار حتى الطماطة ارتفعت, المصرف نهبوه, ولما رحت يمهم علمود استلم راتب ابوج المرحوم, المأمور حط إيده بجيبه وصار ينفضها كدامي, نفخ بوجهي وكال لي:
كل شي ماكو.. روحي توكلي على الله ربج كريم..
تلاسنهم لم يطل, أمرا واحدا يمكنه أن يوحد العراقيين أبناء البيت الواحد: الحرب القذرة, وقد التصقت بهم كنخامة كبيرة بصقتها مادامت قادرة على الإفلات..
والباقي؟ على الله..
يفلت مني دليلي السياحي, لكني بسهولة أتعرف على مدينة الثورة لأرى ومخلفات الأعمال الإرهابية مكومة رغم قيام بعض أبناء المدينة برفعها..
أبنائها العاطلين عن العمل يعيشون بلا هدف, بلا معنى.. تقرأ فيهم خرائط اليأس, تجاعيد مرسومة بدقة تُظهِر مدى تقدم العمر على ملامحهم السمراء الجميلة, عجائز يفترشن مصطبات البيوت, تندلق من أعينهن الكلمات والأسئلة المصوبة نحوك, يلكن صبرهن, يثرثرن, ويشعرنك بأنهن مازلن على قيد الحياة..
ليس بعيدا عن جزرة شارع الجوادر, ابتعت من أحد الباعة المتجولين كأسا من الشربت البارد, كنت ناشفة من العطش, مشيت بضعة خطوات, قطعت الشارع لأرتاح قليلا فأكياس زينب أثقلت من كاهل يدي, ثمة بلاطات ملونة مصفوفة تركت هناك على ما يزيد شهر تقريبا.. يبدو أن البلدية مهتمة هذه المرة وجادة في أعمال الصيانة, بترصيفها لبعض الشارع كشارع الضغط والسدة مثلا, وشوارع أخرى احترقت بالمواعيد المتخلفة, إنهم يعدونهم دائما بإكسائها بالإسفلت خصوصا قوالبها المتضررة, كما أنهم يعدون بتشجير الحدائق المهملة, وإنشاء حدائق أخرى جديدة في قاطع 9 وقاطع 42 كل هذا ونحن مهذبون جدا, نرضى بالقليل الدائم و لا نطمع سوى في أمان الله ولقمة العيش الهانئة, لا نملك بُعدا رابعا ولا حاسة سادسة نتذوق منها, في وحدة المكان والزمان نعيش ونستمر..
ثمة فتاة شابة وجدتها أمامي.. رغم شحوب وجهها إلا أن ملامح العافية والجمال بدت على محياها كزهرة برتقالة يانعة,تحت أشعة الشمس المحرقة, أسندت ظهرها على صفيح مشقق وهي ترضع طفلتها ذات الشهور الخمسة, راحت هي وابنتها في غفوة طويلة..
نغزتها عصا أمها معصوبة الرأس, وهي تصيح عليها:
–    يا جبار لعاد لويش ماخلفت لي زلم!! يالله كومي جهزي الباجلا دا نبيعها, راح تنهري من الطبخ يالله كومي..
–    ومين كال لج إني طبختها, صار له ساعة وعمَّار ما إجى..
فتحت فمها كضفدع وصاحت: كاز ماكو!!
ثم راحت مرة أخرى في نوم عميق, كأميرة مغرورة ..
–    طيب عوفي بنتج هسه وكومي إنتي ورِّينا شطارتج, دوري لنا على كاز من محطات البنزين!..
هكذا كتب عليها, تركض وراءهم في الأزقة الرطبة, تبحث عن عفة نفسها, وعفة من تُعيلهم, في حيرة رزقهم العفيف تعثرت ببلاطة ملونة ركنت على جانب الطريق لرصفه فيما بعد, فما كان بوسعها إلا أن تكسر البلاطة مقسمة إياها إلى هشيم, باصقة عليها وعلى من أتى بها إلى هنا! هائمة على وجهها المكفهر, بعد أن التقطت أنفاسها, سقطت عباءتها, التقطتها مرة أخرى, ربطتها على خصرها, ومضت..
لا أدري إن كانت تبحث عن الوقود أو عن عمار- اليتيم- الذي حمل مبكرا همَّ نفسه وهم جدته المريضة بأمه كما حمل هم أمه, وأخته الرضيعة..

الجو حار, والوقت لا يسعفني للوقوف أكثر, وأنا على رأس الشارع التفت يمنة ويسرة, مشككة في صحة مكاني, لكن ثمة شوق استفز بصري لأطلقه هنا وهناك.. فأطلقته دون أن ألزم نفسي بالنظر المتكرر في الساعة..
(عواليس؟) سألت نفسي مندهشة من جرأتهم في وضح النهار.. ربما هكذا خمنت,أمام أحد الدكاكين يقفون, حاملين أسلحتهم الخفيفة وكأنهم يلعبون بها, متخفِّين تحت لثمات غطت أجزاء كبيرة من وجوههم البشعة وهم يتحدثون إلى بعضهم البعض بكلمات لا أفهم بعضها, يتبادلون بصوت مسموع النكات البذيئة مع البائعة الخمسينية, تتقبلها بكل فخر, وهي تخرج لسانها كمن يلسع جسده لأول مرة, لتمسحه على شفتيها الشبقتين,تغمز لأحدهم بأخذ المزيد من السجائر الرخيصة والمهربة, وبدون مقابل!! الكهرباء مقطوعة, وهي تفضل عدم تشغيل المولدة, لذا أجلت فتح تلفازها الغير مشفر ريثما تعود الكهرباء الوطنية, تخرج من دكانها مقعدين من خشب يبدو أنهما من قطع أثاث قديمة مسروقة, والتي حتما ستعيدهما حال إقفالها للمحل خوفا من سرقتها مجددا, تضيفهم على حسابها بأقداح الشاي المخدر..
جلست في الداخل بينما طالت ثرثرتهم المعتادة عن زبائنهم الجدد!!

اخترت طريقا مختصرا, لوحت أكثر من مرة, فلم يقف لي أحد, سيارات الأجرة جميعها مكدسة بالنساء والصبية, حين رآني أحدهم ألوح بذراع واحدة,عطف علي فتوقف, لكني استمررت في تلوحي رغم تزميره ببوقه المتقطع, أكره أن يعطف علي أحد بسبب ذراعي المبتورة, لكن طيبة ما مسحت على وجهه المبقع بالبهاق أجبرتني على الصعود حين أوقف سيارته لصقي,كان مزهو بنفسه وهو يجلب المزيد من المال لأسرته, حاجباه يكادان أن يسقطا على عينيه, لكنه رفعهما برقة, وهذبهما بأناقة..
نتوكل على الله؟ قالها بصوت رخيم حنون..
السيدتان اللتان كانتا تستقلان السيارة نفسها أومأتا له برأسيهما, أما أنا فاكتفيت برمي رأسي الثقيل على المقعد الخلفي..
عاد بصوته المشفق علينا نحن الثلاث: بناتي سموعوني لا تتأخروا يمه على بيوتكن زين.. بالليل الشوارع تصير ظلمه, المفارز تنتشر بكل مكان من بره القاطع لجوه, والضو الوحيد يمكن يكون من الانفجارت لو الحرايق الله يكفينا الشر وياكم..
–    حجي وصل البنات بلول, بعدين خذني للحبيبة
–    منطقة نواب الضباط؟
–    لا حجي الجزء الخ
–    الله يكون بعونج آني من القيَّارة, وعلمود أوصل للمناطق الأولى ادفع بوقتي هواي..
–    الله يساعدك, مو الجدران العازلة والحواجز كتلت الناس كتل
سألتني السيدة التي بجانبي:
–    شبهت عليج, إلي صديقة زمان ماشيفتها صايرة بقاطع83
–    أبناء مدينة الثورة سحنتهم وحده ويتشابهوا مثل بيوتهم, بس آني مو من مدينة الثورة!
قاطع السائق حديثنا :
–    ها بس حجيج بيه بهارات جنوبية, وكأنج من العمارة مثلي مو؟ آني من العمارة اجينا لهنا قبل خمسه وثلاثين سنة, جنا نبيع أهل بغداد مكانس الخوص ولبن وكيمر, ونشتغل في مصانع سكك الحديد, ومصانع البناء والسكاير.. كنا نرجع لبيوتنا مثل الملوك, وهسه آه مانرجع إلا مدمّرين بالقهر والمرض والجوع, آآآخ الله يرحمك يا عبد الكريم قاسم يا أبو الفقراء.. من يوم مات والشمس غايبة عنا, تصدكون بناتي بقينا أربعين يوم ماحد منا حلق ذقنه أو كَرَّب مرته!!
السميكن شعرت بأنه محطما من الداخل, وبأنه يحمل حلما عتيقا علقه بخلود من رحلوا, فمات معه قبل أن يرى النور, تركته يهذي بصوت متقطع.. يسأل كثيرا, وكأنه عجوز ينتظر مرور أوقاته القاتلة.. قد يكون شعر بعدم مبالاتنا, لذا قطع حديثه المطرز,وتنفس سيجارته الطازجة, رافعا من صوت المذياع ليذيع على مسامعنا إعلان حزين بصوت ياس خضر, صوته كاد يقتلني وهو يغني :
مرينا بيكم حمد
واحنا ابقطار الليل
واسمعنا دك اكهوة
و شمينا ريحة هيل
ياريل صيح بقهر
صيحة عشك ياريل
هودر هواهم
ولك حدر السنابل كطَّه

خدَرُ الأغنية أخذني بعيدا, بشيء من الشجاعة قاومت عجلات القطار خوفا من أن تطحنني فاستجمعت قواي لأصمد, رائحة الهيل جعلتني أتجاهل رائحة المزابل النتنة العملاقة, طنين الذباب الجائع لم يزعجني, وهو يقاتل باستماتة مع الفئران والحشرات الملونة, لكن مشهد الفتيان والفتيات الجميلات والذين أخذوا ينبشون بمتعة, عن مفردات بلاستكية أو معدنية, مشهد جعلني أصحو على وقع شتائم محفوفة الشوارب! لأصيح به فجأة : توقف.. أرجوك توقف, أخرجت بعضا من الأوراق النقدية, اكتظ الأطفال على نافذة السيارة, أنفقت تقريبا كل ما عندي, شعرت بقيمة وجودي.. حيث تعيش من أجل الآخرين, شفعوني بدعوات لذيذة صادقة تنم عن قدرة عالية في صنع الكلمات, والتي بلا شك تعلموها من أمهاتهم الجنوبيات, المجربات طعم المرارة والحرمان..
عادوا جذلين, فقد هذبوا شيئا من أشكالهم, أحدهم أنزل قميصه والآخر مسح أنفه في كم قميصه المقطع كمن يمسح عن نضارة وجهه, والتي خبأتها شقرة باهتة ليستقبل أباه الذي ترك عربته المليئة بالمشروبات الغازية والمرطبات, واقفة في منتصف ساحة المظفر أمام مبنى مديرية البلدية..
وحين غزته الكآبة وشعر أنه يعزف على التراب, تركه يدخن حزنه متجها إلى تقبيل أمه التي تحولت إلى بائعة متجولة كل أسبوع بين سوق (مريدي) وسوق (عريبة) تحمل على رأسها الحجري صواني تبيع فيها السمك( الغَابَّ) المتفسخ, والذي تفوح منه رائحة العفونة, حيث يأكل الفقراء كل شيء مادام رخيصا, رحلة يومية تبدأ بالبحث وتنتهي بالفناء في سواد الأصابع, بقي طفل واحد منشغل بتفكيك أسلاك لشرائط مكسورة علقت بحذائه المقطوع
ناديته:
عيوني ذب حذاءك وتعال..
التفت, وجهه كقمر تحجبه السحب, رأسه صغير كتفاحة, شعره خفيف محلوق, عيناه حادتان بلون العسل, له أنف مجدوع, يتوسط وجنتين ممتلئتين, شفته السفلى ممتلئة أيضا قد غطت ثقوب أسنانه المتآكلة, ماء عينيه أصفر مائل للحمرة, بدلته سوداء وتبدو أكبر من حجمه, ربما ورثها من هذه المزبلة, اقترب, وهو يبتسم نافضا يديه:
– ها حجية تأمرين بشي, خاف تايهه أني بخدمتج
كيف لم ينتبه لزملائه في المزبلة وهم  يتزاحمون علي, لقد أدركَ ما كنت سأسأله لذا أجابني بذكاء وأدب :
–    قطعت عهد على أمي اني ما أجدِّي ولا أطلب من أحد فلوس, ولا آخذ  صدقة من أحد!
–    عفية عليك, بكرة تكبر, وتصير دكتور, المهم انك تدرس وتنجح وتتفوق, وداعتك كول لأمك إن الله مع الصابرين!

ليس بعيدا عن تلك المزبلة النظيفة, أمرت سائق الأجرة أن يتوقف, دفعت له دون أن يشترط مبلغا معينا, نزلت من السيارة وأخذت نفسا عميقا أخرجته كصوت ريح مبللة بالرذاذ, عبرت الزقاق نحو بيت زينب, وصفها كان دقيقا, باب بيتهم من تنك مصبوغ بالأخضر كتب عليه بصبغ أبيض وبخط عريض الله أكبر, قرأتها وأنا أتهجَّى فيها المعنى المقدس فأحسست برهبة وقشعريرة, لم يكن بابها مغلقا, لقد تركته مواربا وكأنه يرحب بي.. كان يرقص بفعل مساميره التي بدت مخلوعة من كثرة الصدأ, مشرف على السقوط من جانبه الأيمن, كذلك يستسلم النبلاء..
حين دخلت كانت للتو قد انتهت من طهي (الدولمة) بآخر ما تبقى لديها من غاز, هكذا ميزت رائحتها المشهية, مسحت سريعا يديها بمنشفتها, لم أشعر بها, وهي تحشر نفسها داخل ثيابي, تمسك بكمي القصير, وقد قص نصفه, تتحسس الفراغ الذي يتدلى منه, تمص صوتها الذي كان سينفجر, تمصه بالدموع التي اختلطت برائحة البصل, والطماطم, والتطواف الطويل.. بين أصابعي عصرت يديها المُبهَّرة, فانفجرت, هي بكت, أنا لم أبكِ, أحسست بحاجتها إلى ذلك ففضلت أن أمسح دموعها بنفسي, ناولتها كأسا من الماء كانت قد ركنته أمام النافذة ليبرد, اختصرت البكاء, فأمرتها بالجلوس, قبالة الحكايا جلسنا ملتصقتين, نتلصص لبعضنا, نحي لبعضنا قصصنا العجيبة, ونسرق لأنوفنا رائحة الحارة القديمة, تشابكت أيادينا وهي مرتعشة, كمن يفتعل الانشغال بمفاتيح الراديو.. غير أن كلانا لم يكن يبحث عن أغنيته المفضلة أو برامج الهواة,ولا عن برامج تتملق للشعب وتتكلم عن الانجازات الأمنية والاقتصادية ولا عن الانتصارات الكاذبة أمام السدود, كنا نبحث عن صخب يزيد من جنوننا, صخب لا يفكر في أن يصفعنا مرة أخرى فقد شبعنا صفعا, صخب يطوي حيرة أسئلتنا:
كيف كبرنا؟
وأين صرنا؟
طال انتظارنا حتى سكت المذياع فجأة, لحظتها استقبلت وجهها المضيء, أحطته بنفَسِي الذي كان يغني, وجهها دافئ ورقيق كرغيف أمي, الفكرة التي أردت أن أبدأ بها هربت, ولم يعد هناك تمهيد لقصتنا الطويلة, هي نسيت, وأنا نسيت, فحشرَنا ضيق المكان أكثر, بين ذراعي الأوحد وذراع الهواء اهتززت بفعل جسدها الممغنط, إنه ساخن ومتعافٍ من الماء, تَعبُّ منه ظمأك بلا تعب, أحاول التملص من هول أنوثتها.. سفينتي حائرة وقد ضيعت الجبل, طوفانها عنيد ويقسم على الفوران, تنفسها يعلو ويعلو.. هزمني برقته, وفشلت في النهوض من الأرض بعد أن سقطنا عليها مغشيا علينا, كيف لا؟
وأقدامنا طارت واصطدمت بالسقف..
كيف لا؟
ونحن الضائعات في تجارب الانتقاء, والهروب بريشة الأحلام من الشرود..
حفرتُ قلبها الصلد: الزمن واضح فيه وقد عبث بصمَّامها الأيمن,أما وجهها, فلم يعبث به المكياج الرخيص ولا انكسارات الخطيئة, لقد كان بريء كبراءة نهر الحسينية, متدفق بشعور هائل, قبلته ببطء كمن يخشى الفقدان والتبخر, ذلك لأن الفراق سيصُمك بالخسارة, أوعلى الأقل سيشعرك بنقصان الحياة, قبَّلتها في ضوء عينيها, ضوء أسود غارق في البياض يدغدغ الجراح, مذكرا إيانا بفوات الأوان, بعد أن لفظتنا كربلاء على ضفاف بغداد..
بغداد؟
محاولة يائسة للحياة, ومكانا مناسبا للموت.. تحصل عليه بمجرد أن تضع رأسك على الوسادة وتستريح من قيد الترقب..
كربلاء؟
أسطورة من الأمنيات والذكريات التي تشعرك على الأقل بجدوى بقائك على قيد الحياة, ذلك من يوم أن توقفنا عن قص ماضينا المترف ليس بالتفاصيل التافهة كالحديث عن عدد مرات التبول, أو عدد الديكة التي سرقهم سوق الطيور في مهرجانه التليد..
بغداد؟
اسطبل لحيوانات شاردة.. تنبأت بالزلزال قبل البشر, فانبطحت في ساحة التحرير.. لتمر من فوقها صواريخ ذكية صنعت بأيدي قسيسين وأولياء
كربلاء؟
مثلنا تحارب بضراوة وشرف, تقف بجانب أختها النجف, رغم أن الإيرانيين يرغمون تجارها حتى الآن على التعامل بالتومان!
بغداد؟
أنكرتنا ولم تعد تصالح أحد, كيف تصافحنا وقد شُوهت بالكامل ولما اختبأت في متاحفها العريقة ظنا منها في الحماية وطلبا منها للجوار تبعوها خلسة ثم نهبوها وسرقوا الكحل من عينيها, ولما خرجوا منها, غيروا أسماء شوارعها طمسا للحقيقة أوآه على شوارعها التي كانت تبرق في عيني جمال ودلال…
كربلاء؟
تعاتب صدام, وقد نصب نفسه في كل ساحة وطريق, تسأل عينيه المبتسمه في وجه السراب, أينك يا أخطبوط؟ أين أذرعك الطويلة؟ أجهزتك السرية؟ كيف تبخر كل ذلك المجد؟ وزحفت الدبابات الأمريكية في ساعات معدودة ليتناوب علينا المحتلون أمريكيون كانوا أم عراقييون كلاهمم يدعون مصلحة البلاد والعباد..
سحقا, إنهم يجتمعون في السفارة الإيرانية أكثر من اجتماعهم في البرلمان..

أنفصل عنها والتفت, ستارة نافذتها مثقوبة, تذكرني بليل الثورة الهادئ, وقد ثقبته أخبار الجثث الغارقة في الوحل ومكبات الصرف الصحي, مفسدة عليه الإنصات إلى نقيق الضفادع في البرك الموبوءة, وإلى ضجيج الصراصير الليلية, أخبار تزرع فكرة الخوف من منظر سكاكين القصاب المنشورة بين زحام البشر, المحتشدين على (باجة) خروف أليف!

أفتح لها شهيتها, فأنثر ما كان بالأكياس, لون عينيها تغير حين رأت أقمشة مطرزة بالدانتيل, وبدأت أكثر إشراقا وحيوية, العطورات الغربية, والهاتف النقال المزود بالكاميرا أبهرها كثيرا, أخذت تقلبه بين يديها تبحث عن مكان الصنع, عن السعر, تتصفح الكاتلوج وتقرأ المميزات..أحسست بأنها طفلة تحاول أن تضع البطارية في ظهر دميتها,إنها تفكر في اللعب والأحلام فقط.
ابتعدت بضعة أمتار وهي تلف الأقمشة على خصرها الرشيق, لتقف أمام مرآة مشوهة ببعض الكسور, أظن بأنها اشترتها من المزادات الرخيصة التي تغص بها شوارع المدينة السكراب, مرآة تنطق بالوجوه التي وقفت أمامها وبالأسرار التي حفظتها لأصحابها, تفاصيل أجسادهم ودموعهم التي لطالما ذرفوها أمامها في محاولة لإخفاء تحملهم الذي ينفضح في أول تسمر أمامها..
بصري يجول في غرفتها الضيقة, والتي تحولت إلى شقة بمساحة علبة كبريت, سرير حديدي لايتسع إلا لنصف جسد,خزانة خشبية مكسورة المرايا, تسريحة فوضوية, ثلاجة تأن, طباخ صغير,استغل أسفله ليخزن فيه بعض القدور, أواني تالفة, تلفزيون قديم, وجهاز تسجيل مستعمل تدندن منه أغانٍ سريعة الإيقاع, تجد متنفسا في حديقتها الخاصة, وهي تطل عليها من نافذة محفورة أسفل الجدار,تقع في مساحة متر ونصف في مترين,زينتها بأغصان فارعة خضراء غرستها في علبتين صدئتين احتفظت بهما من علب الحليب المجفف, يتوسطهما كرسيان من تنك, وأرجيلة قذرة لم يُغسل خرطومها منذ زمن, كل شيء في غرفتها كان نظيفا ولامعا حتى ( القنفة) مكسورة الرجل, أظهرت اعتناءها بها, فغطتها بملاءة بيضاء, ساترة شقوقها الكبيرة وحامية لها من الغبار الذي لا ينقطع..
وحال وصولي كشفت عنها ليبدو وجهها الشاحب المشجر بورود بنية اللون,المتأثرة ببعض الثقوب وبقع السواد من آثار الجلوس المتكرر, أمرتني بالجلوس من الجهة السليمة, أزاحت من على المنضدة صحفا كدستها كمن يحتفظ بمقالات ملغومة.. بادرتني بالسؤال عن حالي, عن  ذراعي الوحيدة, عن أهل بيتي, ضفاف, وزوجي, وعمي, عن الجديد والقديم من أخبارنا, أجبتها بدقة التفاصيل, وأنا أتحدث إليها كانت تتفتح مثل وردة جميلة, تقطر ماء وجمالا ينصب على ساقيها الملفوفتين والتي كشفت عنهما تنورة قصيرة على وشك التمزق, حيث ضاقت بفخذيها الممتلئين, صدرها ناهد واقف ومشدود, يستجير بمن يطلق سراحه, وركها مرفوع بحركته المتقنة, يقنع الجميع بحيوية جسدها المضطرب, حيث يموت ببطء كل من يمر بالقرب منها, وهي تترفع بوجهها الحائر بين ترفع العفيفات, وندم الزانيات, لصوتها فحيح مبحوح متمرس في شقاء الآخرين, لتتركهم يلتوون مثل خرطوم إطفاء الحريق, حيث لا تفلح مواويل الفلاحين العاشقين, سوى في ازدياد الأصابع الراقصة من فوق سطوح الأجساد العارية, لم تكن كطائرة ورقية عابرة, فهي تثير الخطر وأعمال الشغب حال نزولها للشارع!!
وديعة في صمتها, في ضحكتها, وفي همسها, فهي كأنثى متوحشة, مولعة بالأسئلة الكثيرة والثرثرة, مغرية نظراتها وعميقة, مثل شامة سميرة توفيق, لذا دبت في روحي, وسرت  كملاك مجنح ضيع من يحمل إليه الرسائل, لم أشعر, وهي تسكب لي طبقا من ( الدولمة) الساخنة والذي أيقظ فييَّ طيفا من ذكرى أمها التي تشبهها في كل شيء حتى وهي تغني – موجة العسل-  المتدفقة من بين أسنانها المصفوفة:
–    تفضلي يا بعد روحيتي..
–    الله, صدك تشبهين المرحومة بكل شي, الله يرحم أمج شكد جانت طيبة وحنونة..
أدركت خطأي في تذكيري بها, طلبت منها الاستمرار في الأكل فطعم الدولمة لا يقاوم, هزت رأسها, ثم أنهت صحنها بسرعة, كما أنهيتُه بنهم, حين وقفت لأساعدها في حمل  الصحون وغسلها لم تقبل وأمرتني بالخروج إلى الحديقة لنشرب الشاي, ونستغل الوقت الذي يجري منا بسرعة, تركنا كل شيء على حاله, فلديها حديث طويل ربما؟
كنت أخشى أن أسألها السؤال الذي لطالما تهربت منه, فهي تحب الاختفاء والتكتم..
مرت أعوام دون أن أعرف أنها تسكن مدينة الثورة!! حتى بادرتني هي وفاجأتني, لم أصدقها في بداية الأمر لذا ققررت أن أزورها بنفسي.
تناولتْ علبة التبغ, أخرجت أصبعين, بين شفتيها المتوردتين وضعت إصبعا فاخرا من السيجار المستورد, قدمت لي واحدة, وانتظرت أن أشعلها لها, لا أدري إن كانت جادة في ذلك!
–    تعرفين أني لا أدخن.. قلتها وأنا غاضبة
ضحكت ضحكةً خليعة..
–    أمر غريب.. بعد أن سقطت بغداد كل الناس تغيروا إلا أنت..
أبديت امتعاضا من طريقة كلامها, لم أتصور أن تدمريني كلمة( سقطت) لهذا الحد, لذا صحت في وجهها وأنا أبكي بكاء فضائحيا:
–    أرجوك زينب, لا تقولي بغداد سقطت, بغداد لا تسقط, ولن تسقط أبدا, قولي سقط النظام, قولي سقطت الحكومة, قولي أي شيء إلا هذا..
مزت سيجارتها مثل راهبة مومس, ثم نفثتها مثل بركان من دخان:
–    (إي مو على كيفج عفورة) حبيبتي الحكومة اختفت, الجيش سُرِّح, الحرس الجمهوري بصق على حظه.. وهرب هو الآخر إلى البلدان المجاورة, الفضائيات والإذاعات لا تعرف شيئا عن مصيرهم سوى عرض المزيد من ردح البغايا من على شرفات المعابد الوطنية, أنظري إليهم ( كاهم) البريطانيون يسيطرون على البصرة, والأمريكان يتغوطون في القصر الجمهوري, البيشمركة تبيع نفط الشمال( ولا يهمها أحد) وكل محافظة تهدد بالانفصال والفيدراية على حساب من؟ على حسابنا طبعا, المدن تلو الأخرى تسبح في الوحل, لا تدري إن كانت البلايا وحدها من سيغفر لها الذنوب! إنها تعاني الأمرين من السقوط و الاحتلال, حتى إذا ما علقنا الأمل بما تبقى من الرؤوس الكبيرة, ابتلعه البحر..
لقد تبرأت منا, وتركتنا وحدنا نواجه المصير أمام أغراب لا يعرفون رحمة, ولا يحترمون عرفا..

جوابها كان مقنعا وسليما, ولولا الكبرياء لما استطعت الحياة حتى اللحظة, ضغطي يهبط, شفتاي ترتجفان, وعيني اغرورقت بالدموع.. سكبت فنجانا من الشاي, وهي تتنهد مضيفة بكلامها السريع الإيقاع في جلده:
أتظنين بأني لا أحب بغداد, أنا أشفق عليها, وأموت بحبها, حين دخلت الدبابات الأمريكية إلى ساحة الفردوس, أحسست بأنها تمشي على عظامي.. مزقوني يا عفراء مزقوني, كل ما استطعت فعله, هو أني أمسكت ببندقية خلفها أبي لأخي الذي لم يولد, لولا رحمة الله لانتحرت, من حيث لا أدري نهضت, أطلقت طلقة عن يمني وطلقة عن شمالي وطلقة صوبتها نحو السماء..
نحو الفضاء الرصاصي المتفرج, ثم رميت غاضبة ببندقيتي, ونحو سجادتي خطوت بخطى ثقيلة..
بقيت هنا لأعوام, وأنا لا أعرف أحدا في بغداد, أحسست بأني سمكة صغيرة تحاول الهروب من بطش عصي البردي, لتستريح قرب طحلب حنون, أو تهرب من قصب يظلها أحيانا, وأحيانا أخرى يشويها..
قبل أيام  قلبت صور كربلاء كمن يودعها إلى الأبد, تفرست في وجهك الجميل فتذكرتك, ونحن واقفتين أمام بستان الحاج كاظم الوائلي, عائدتين من المدرسة, نمسك بضفيرتينا الطويلتين ونبتسم, صاحب الكاميرا المتجول كان طماعا, أعطاني إياها بدلا منك, لأني من دفعت له النقود أولا, هل تذكرين؟
بدأت أبحث عنك حتى وجدتك, كنت حريصة على ترك عنواني الجديد عند من أعرف شهامته وصدقه, وهو أنت يا عفراء, فأنا لا يمكنني أن أثق بأحد هنا, حتى زوجة أبي, فأنا أكرهها جدا, ولا أثق بها لأنها وببساطة قد يأتي يوما ما من يسأل عني من أهلي, لكنها ستقول لهم بأني احترقت, مت, أو أكلتني الذئاب, ما أخطط عليه الآن, هو الخروج من هنا, وبأسرع وقت, لقد رتبت أوراقي وسأسافر إلى دُبي!هناك سأجد فرصة عمل, هناك من سيسافر قبلي ويرتب كل الأمور, يكفي ما تجرعته يكفي, ضقت بزوجة أبي وضاقت بي, تحملتني أكثر مما ينبغي, صرت أجلب لها المصائب والمتاعب, أخوها سيتزوج قريبته وهو أولى مني بالغرفة..

لم أصدق ما تقوله.. كانت تهذي مثل طفلة ضيعت أهلها وسط ضجيج الحجيج, وأنا أكتفي بسماع من يبحث عنها دون أن أدلهم على مكانها, حيث كنت منشغلة بإطعام تلك الجائعة! لكن الضجيج الذي غزا رأسي و بقوة, أفزعني من مكاني, فنهضت مسرعة إلى مصدر الصوت.. لكن بلا جدوى, فالحجيج كانوا قد تركوا المكان, وانتقلوا إلى مكان آخر لعلهم يجدون من يدلهم عليها..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.