الرئيسية » نقد » ادب » علي كاظم داود : تمثيل الوقت سردياً ؛ الإحساس بالزمن في قصّ محمد خضير

علي كاظم داود : تمثيل الوقت سردياً ؛ الإحساس بالزمن في قصّ محمد خضير

ali dawod 4كان الزمن ومازال من هواجس الإنسان الكبرى، وثيمة مهمة من ثيمات الحياة، وهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأنفاس الفرد ونبضاته وأيامه وعمره وتاريخه الطويل وموروثه المعرفي والحضاري في مجتمعه وجغرافيته. وقد تجلّى الزمن كثيراً في سرديات عديدة، روائية وقصصية، عالجت كل منها رؤية خاصة حيال مفهوم الزمن وحقيقته، ربما من أبرزها رواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن الضائع». ولم يقتصر الانهمام بالزمن على السرد بل تعداه إلى فنون أخرى، ومن بينها الرسم، فنتج عنه أعمال مهمة كاللوحة المسماة «إصرار الذاكرة» لسلفادور دالي.

في هذا السياق لفت انتباهي نصّان للقاص محمد خضير، عالجا فكرة الزمن بشكل لافت، ولهذا سأسلط الضوء عليهما في ما يأتي، لمحايثة تمثيلات الزمن فيهما. وبدءاً لا بدَّ من القول أن الحديث هنا لن يكون ذا علاقة بالنظام الزماني في القصّ، بشقيه: زمن القصة وزمن السرد، أو زمن المتن الحكائي وزمن المبنى الحكائي، ولا بأنساق الزمن في معمار القصة، بل يهدف إلى تحليل واستقصاء تجليات الزمن بوصفه ماهية مستقلة ومجردة في سرد هاتين القصّتين. كيف تعي قصة محمد خضير الزمن؟ وكيف تعبّرُ عنه؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه السطور، بهدف مقاربة طريقة الإحساس بالزمن لديه.

وإذا استحضرنا فكرة أن «التأليف السردي، مأخوذاً بأوسع معانيه، يشكل رافداً للصفة الملتبسة للتبصر بالزمان»، كما نقل (بول ريكور) في «الزمان والسرد»، فإننا سنجد أن قارئ التدوين الزمني عند محمد خضير لن يزداد بصيرة بالزمن، بل إنه سيستمتع بجمالية التجلي السردي له فحسب، ولن يصب ذلك لمصلحة وعيه به.mohammad khdier 4وحيث أن طرق التفكير والشعور في القرن العشرين «موسومة بميسم هاجس الزمن»، كما يقول صاحب كتاب «الزمن والرواية» (أ. أ. مندلاو)، فإن هذه الرؤية ستنسحب، حتماً، على أشكال التعبير الفني، ومنها السرد القصصي. فإذا تقرر أن هاجس الزمن في هذا القرن مطبوع بسرعة سير الأحداث، وبالإحساس الواسع بالزوال العاجل لجميع أشكال الحياة، والانسحاق تحت عجلة الزمن، سنجد أن هذه الرؤية واضحة في قصتي محمد خضير: «ساعات كالخيول» و«الستون». الأولى نُشرت في مجموعته القصصية «في درجة 45 مئوي» الصادرة لأول مرة عام 1978، والثانية ضمن قصص مجلة «فنارات» الصادرة عن اتحاد أدباء وكتاب البصرة عام 2003، في أول عدد منها. هاتان القصتان يكون أغلب قوام مادتهما الحكائية عن الزمن، «الزمن المحشو كقطن قديم في حشية صغيرة» بتعبير القصة الأولى.

في عنوان قصة «ساعات كالخيول» إشارة إلى سرعة عدو الزمن كما تعدو الخيول. وهي صفة اكتسبها عصرنا الحاضر على وجه الخصوص، فصار يوصم بأنه عصر السرعة، وأخذ النظام البشري ككل يُكيّف حياته وشؤونها وفقاً لهذه الحقيقة المتسالم عليها. في حين أن الزمن واحد، والعصور لا تتباين في ما بينها، لأنّ «الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل» على حدّ تعبير مالك بن نبي، والماء الذي مرّ على الأجيال الغابرة لا يفارق الماء الذي يمرّ على جيلنا. لهذا يبدو ان السرعة ليست في عصرنا، بوصفه مفصلاً من مفاصل الزمن، بل فينا نحن وفي ما يحيط بنا من أشياء لم يشهدها الزمن من قبل. هذا إذا اخترنا ان تكون الساعات مسمّىً لتلك المدة الزمنية التي تكون واحدتها ستين دقيقة، أما إذا فهمنا لفظة الساعات على أنها تلك الآلات التي تحسب الزمن، وهو ما أراده الكاتب، فإن المعنى سيختلف، لكن ليس كثيراً.

kg mohammad khdierفي هذه القصة يقول السارد: «كانت ساعتي عاطلة عن حساب الوقت». الكثير من الساعات كانت عاطلة، لكنها كانت تجذب العيون نحوها. وانجذاب العيون إلى ساعات القصّة يرمز إلى ذلك التعلق الشديد للإنسان بأداة الزمن، والتي لولاها لضاع الوقت من بين يديه.

الساعات تأتي من البحارة دائماً، فمجموعة الساعات التي يملكها الراوي تلقاها من عمّ له كان يعمل بحاراً، ومن يقوم بتصليح الساعات في مدينة الفاو كان بحاراً أيضاً، ينقل الخيول عبر البحر. الساعات عند هذا البحار المُصلّح «جميعها تتشابه في حجمها وعتق خشب صناديقها، وفي شكل موانيها المستديرة، وأرقامها اللاتينية، وعقاربها الدقيقة السهمية، سوى أن هذه العقارب تشير إلى أوقات مختلفة»، وهي لا تتفق على وقت واحد لتشير إلى اختلافه بين بقاع الأرض.

لدى المصلّح أيضاً «ساعات عاطلة، وأخرى جارية، أضخمها ساعة على الجدار تعلو رأس الساعاتي، كانت على وجه الدقة ماكنة ساعة ضخمة دقاقة مصنوعة من النحاس الأصفر، رُفع ميناؤها وجُرّدت من صندوقها، فتجلى الزمان فيها عارياً لامعاً منطلقاً على تروسه المسننة بتسلسل آلي منتظم»، يتجلى الزمان ويظهر مرئياً لعين السارد، تتابع شكله السيّال والمتقلب بين تروس الساعة المُجرّدة من أغطيتها، وقد تعرّى فيها وقتاً حقيقياً، وبدت بشرته النحاسية اللامعة، ممانعاً وجامحاً وعصياً على الترويض.

كانت كل ساعة من ساعات المصلّح تطلق رنينها لتشير إلى وقت مكان ما على الأرض، وكان هذا البحار يسمي الأماكن بأسمائها، «السادسة في أمريكا، إنهم يستيقظون، بينما تغرب الشمس في بورما». لكن الساعات كانت عنده «كالخيول، كالخيول تجري في قاع البحر». تفرغ الساعات وقتها بالدقات على الأجراس، «مطارق تنصف أزمان الدقات ومطارق غيرها تهوي بين الأنصاف»، وفي القاعة التي تختلط فيها أصوات الزمن وتضطرب أجراسه «تبقى ساعة واحدة، هي الساعة الباقية التي لم تفرغ زمنها كله، تقطره في رنين متباعد حاد». لكن هذه الساعات لا تشبه الساعة المائية التي يرشح منها ماء الوقت.

هكذا نشهد تجسّد الزمن وظهوره، في القصة الأولى، أما في القصة الثانية «الستون» فنلمح الارتباط بالزمن ابتداءً بالعنوان، فهو يشير إلى عمر بطل القصة وشخصيتها الرئيسية وساردها أيضاً، والذي يُعرّفُ عن نفسه بالإضافة إلى رموزٍ زمنية عديدة على امتداد القصة، فيقول: «أنا رجل اسفح يومي على تخت المقهى الأمامي، أتشمس بعيدا عن ظل الجميزة الوارف، مواجها دائرة البريد، ساعة الدائرة الكبيرة تشير إلى الثانية بعد فوات الظهيرة، موعد عودة ساعي البريد إلى الدائرة. يدلف الساعي بدراجته ذات الجرس المرنان إلى دهليز البريد، الحقيبة فارغة. الرسائل اختفت، قُرئت، منذ ساعات، منذ الأمس، منذ ستين عاماً». ورغم أن أيام عمره تبدو بلا قيمة، يسفحها على تخت المقهى، إلا انه يكاد يضبطها على عقارب ساعة دائرة البريد الكبيرة، أو على موعد عودة الساعي، ويفكر بالرسائل التي وزّعها السعاة على امتداد الستين عاماً التي مضت من عمره.

من خلال سردها الرمزي الذكي، تأخذنا القصة إلى وعي علاقة الإنسان بالزمن وطبيعته السيّالة، وعجزه عن الإمساك به: «رنّت قطعة نقودٍ على الطبق النحاسي لدخل القهوجي. عجباً، متى سُمعَ مثل هذا الرنين المتلاشي في بالوعة المقهى؟ أفي اليوم الذي غُرسَت الجميزة في موقعها أمام دائرة البريد، قبل ستين عاماً؟ ومتى دلفت دراجة الساعي إلى دهليز الرنين المصبوب في بالوعة السنين الماضية؟». والقصة إذ تستعيد رموزاً ارتبطت بزمن الشخصية وذاكرتها في فضائها الحكائي، تسعى لتبصير المتلقي بأن لا شيء يبقى من الزمن سوى ما يتركه من آثار، في ذاكرة الإنسان، وصوت الرنين مثاله، أو على ظاهر الأشياء، والشجرة مثاله.

يواصل السارد اطلاعنا على انعكاس الزمن في مخيلته، فيقول: «خربشة أيامي المتعرجة، سنواتي الستون، أطاح بها جرس الدراجة المصلصل، فيما اسفح يومي على تخت المقهى بمواجهة الساعة العمومية لدائرة البريد». يلجأ سرد الزمن إلى بنية التناوب، ويهدف إلى خلق المفارقة من خلال التكرار، ولا شيء يجري بمشيئة الصدفة: «في اليوم الماضي، أرسلتُ إلى رجلٍ ستينيّ طالعه قبل دقائق من موافاة أجله. إني رجل الستين أوجّه رسالتي إلى رجل الستين الذي سيحتل مكاني على تخت المقهى، أمام دائرة البريد». وهكذا يستمر جريان نهر الزمن على تخوت مقاهي العالم. ويستمر السعاة بنقل الرسائل، حتى «بعد الساعة الثانية من ظهيرة شباط بدقائق»، أي بعد انتهاء الدوام الرسمي، ذلك التوقيت الذي قال الراوي أن فيه «قرأ هؤلاء السعاة نبأ رحلتهم الأخيرة إلى ما وراء الألفية الثالثة، غابوا في الضباب». ولن تتوقف دورة الرسائل بين مكاتب البريد، لأن الزمن سيأتي حتماً بسعاةٍ آخرين، بعد غياب السعاة القدامى.

حياة الساعات تُحسبُ بحياة بعض البشر أحياناً، وتتصل حركتها بالنبض الذي يدبّ في بعض القلوب، وهذا ما نجده في القصة أيضاً: «ذات صباح، ارتبك توقيت ساعة البريد العمومية، ثم توقفت تروسها عن الحركة في منتصف النهار. أرسلوا في طلب الساعاتي الكهل الذي نصبها فوق واجهة دائرة البريد، في الوقت المضبوط الذي كفّ عنده قلب الساعاتي عن الخفقان. منذ أعوام وقلب الساعاتي ينبض بانتظام، مُؤقتاً ساعة البريد عن بُعد. وقبل دقائق قليلة من انتصاف النهار، قرأ الساعاتي خربشة طالعه في صحيفة الصباح، فامتطى عربته واجتاز بوابة المنزل الستين». فيبدو أن لكل منّا ساعته التي تضبط نبض قلبه، أو ربما العكس، فتكون نهايتهما واحدة. لكن الزمن لن يتوقف مع ساعة ما في هذا العالم، بل مع ساعة أخرى، ربما خارجه، لها زمن حقيقي، هو النبع الذي ينتهي إليه نهر الزمن الذي يجرفنا جميعاً، نحن وساعاتنا المعطّلة، و «ليس عجباً أن أعمارنا ترتبط بالماء دائماً» كما تقول القصة الأولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *