عيّال الظالمي : اماكن عصور فاطمة آلام مزمنة

aial aldalimi[ خوت عرائش المدينة ، صمتت ن أغلقت المحال في الظهيرة اللاهبة ،ولم يكن سوى سريان الفرات ينبض لعويل صخب حافتي الطين ، يكتم في فؤادي المالح غيض الجفاف ولظى قد طال انتجاعه يلكز كبده الأجاج فتهدهد له أطوال النخيل الملائكية بأنَّةٍ حيرى]. الانكسار والخواء لون متهالك جمع من طبيعة عين النفس المتعبة  ، وهي تلمّ ما لا يطاق تنحدر في هوّة اليأس لعدم الإستشراق وذلك لوجود انتفاضة رفض الواقع الذي يدثر الطموح بأغطية الوجوم . الوقت فيه لا يحتمل الرّقاصات  وحركة الدواليب وتكتكة عاهرة الحديد وإنما قليل التواجد قسم لأربعة ساعات ناقصة ،الثلث احتوت معترك فاطمة .
رواية (فاطمة أو ذكرى الناصرية ) منحى شبابي جديد في عالم السرد الجنوبي المتألق ومواكبته لحركة السرد العالمية ، تبقي على سيقان اليباب الصحراوية الباهتة ،وتجريد كتابي للألوان كنوع متطور لطرح الأسئلة والأفكار  لن أتحدث عن المنولوج أو ما استوعبه الكاتب من أسطورته الرمز ولا تأثره بالأدب الغربي أو اللاتيني . بل رؤياه تعطي للقاريء وظيفة الانفتاح ومنحه تأويلاته وقراءته  ، [ فالنص الأدبي  يكوّن عالماً مفتوحا حين يستطيع المؤول اكتشاف مالا يحصى من الترابطات] وقد اعتنى بتوثيق مواجع الفرد العراقي بكل آلامه وأتعابه وصراعه الدائم مع الحاكم والجوع ، رامزاً من خلال وعيه الكتابي بجمل موحية  تهيجه فيها حتى الطبيعة في (تتابع لأحداث الحرِّ وتموز ، تسيل أمواج الغبار لتطوي مدارج الزقورة على تراتيل بلهاء. )
أوضح ( ليث سهر) بأنه زجاجة كسرت باندفاعة رمح زمني وقهر رئاسي وطوق فقري ، ومن خلال روحه المتشظية  بأنَّ اللعنات قد تعطي أفيون الهدوء الوقتي kh laith saharبإفراغ الصراخ القهري الذي يقلق إيعازات تحركه واهتزاز مقاعد جلوسه لما يعتريه من (( رؤى فطر هروشيمي ، يستطيل في لحظات ليبتلع الملامح المتحجرة ، وحياة بطعم(الفياكرا ) ، وجند السماء ، وقلاع اللطيفية ، وجنون المتعبين في تلعفر، وأمزجة هولوكوشية  ورتب بغيضة في أزمنة الخراء))
أنجب مولود فيه كل علل المجتمع  [بالأحزاب الجدباء فوق برك النتانة وتهدم المدن ، وأحزاب العشيرة ، وشوارع عتمة وعبوات لا مرئية مزمنة موروثة وترتعد فيه البرهات جنوناً من الحرق والتقطيع و(السحل) في ارض تتورد فيها الحبال والسكاكين واللألفاظ والأسلاك الشائكة ومحيطاً من النحل السام ، ونمل الوادي السليماني قاتل الجبارين . تمطره سمائه لعاب جراء عمياء نتن ، يلثم جدران الأرض ويصلي كافراً على دين المعدان و(قرابين إنكي) وهو يغيض  الجرف في الشواطئ السومرية الناعسة ، وثعالب السم التيمية العفنة . كما للألواح دين صلف وسلالات مطورة من النجم الأخضر والمنجل والمطرقة والهلال الأسود وغضب المسمار في صليب الوادي العميق لزمن الأوراق المبعثرة ، والمختلطة والفارغة والطوابير . تنبت في حدائقه القنابر شجيرات ، فأمتطى جواداً أبيضاً بوحي اللبن فصهل له مغيراً على فضاء العش كتائب دخان وحراب وسعال جاف ، إحتل منه آخر عرق وارتمى رماده المبيض على حضنه امرأة من الأسفنج .] مشت ( فاطمة ) فيه مثل سراجات التلال تلتف جيوشها تكتسح قلاعه في ثلاثاء الرماد .وأماكنه إنفجارية التوزيع كثيرة غير محببة لأنها بثور وثآليل وجع عراقية الألم احتوت الزمان بدلالة الموقع وأسماء الأماكن خارطة تشظي العراق العنيف . حيث يسكن الجميع في ضياع الجميع ، تنوعت أسماءها مابين الداخل والخارج مابين الحلم والحقيقة مابين الدم والدمع ، مابين التهجير والهجرة ، ابتداء من مديرية امن الناصرية والسجن الإنفرادي حتى الغرق في ساحل استراليا ، بحثاً عن حرية تحملها الأمواج وغبار الأتربة على أجواء متناقضة من (صحراء الكطيعة)
يمرُّ من حفر الباطن ويسكب دمه في اللطيفية على أثر تدافعٍ في مجونه المائي وهو يلمس  شفة الطين المكتئب من تضاد الأفكار الدينية عند (سدة البدعة) .من الحي الشرقي  ومقبرة الصابئة الى (عكد الهوا) محملاً بأكياس الزاهدي وكوابيس  ثلاث  وفخاخ ثلاث وحكام ثلاث. يمتطي أجنحة الرمل في ليال بعيدة من (نقرةالسلمان)الى المدينة المتثآبة منذ عصر (فرعون القرنة) يُغشّيه الليل قرب ضريح (سيد عبدالله القديس) ماراً بهور( الغموقه ) تهزّه الريح وأشجار (الغَرَبْ) متلفتاً الى(صفوان ) برحلة الهروب تحت (عاصفة الصحراء) . يدور فينيق الناصرية وهو( الذي رأى ) جماجم تجمدت أعياها تقلب الديدان ورطوبة التراب في (مدينة الصدف) تهزُّ يدها لسقوط (امستردام ) وارتعاش (صالونيك اليونانية عند حدود تركيا) .كل أماكنه أزمنة عراقية التهجير يفهمها العراقيون لأنها وشوم ترحلهم وغرق في بحر المثلثات الحمراء بميمنة خالد القسري ، وواقعة الحرّة الكويتية .   يتمطى من تلال (حمرين) حتى هضاب الملح (السماوية) تنشج خوفها من كل أوراق الأرقام كل ذكرياته البائسة ،[كنت (جنرالاً) في ساعة طيشه ومندوب الخزانة العصية ، والمنفي بحرمة الدمع التمري.. سمع همس ،واستيقن له ، نصب من الإقحوان يمتد من مجازر ذوي القمصان الطويلة البيضاء والوجوه المدورة المفلطحة  حتى الأفول في أرصفة (وول ستريت) . حين تموج أرضه حيّة وتتوالد جبال غربته ، ينبت الشوك واحات في كبده [تهزني كلماتك الرماح ،واستمع مسارك، انسياب كفيك بين الحروف ، تترجمني عيونك براق من اللمسات ، قزم أنا ، تمضين بصمت مهيب بموكب الشمس نحو الزقورة والكوخ السماوي في أفق الناصرية المرير ، يالك (فاطمة ) عصراً من الرعود] . تحتل أزمنته أحياء تتحرك أمام ناضريه ألوانها التي تترك آثار الجراح في عمق نفسه يهددها يا لك من أزمنة قاهرة ومملة وقاسية وتائهة ويوصفها بـ[أزمنة النمل ، وأزمنة القطع ، وأزمنة الخلِّ، وأزمنة الجوع ،وأزمنة الخراء] متعادلة بإرتفاع قممها وعمق وديانها وسعة حيّزها في فضاءات حياته ، صالحة لكل عصر مرّت فيه إبل سنينه وعقوده الأربعة التي لم تكتمل آنذاك . يمتلك روح الفكاهة المدماة  حين يقول في حواراته المتهكمة : صغى في درس ممل في مرامي الورقة المقواة وحدق ملياً في دموع اله أرضي:
– على من تبكي ؟
-على سيدنا عمر بن الحمق رضي الله عنه .
– وكيف مات ؟
– قتله سيدنا معاوية رضى الله عنه .
ولماذا ؟
– لم يتبرأ من سيدنا علي رضي الله عنه.
احتوت صور جمله التصويرية بروعة من التركيب وبراعة بفرشاة المزج بين ما يرى وما يتصور وما يذهب إليه بملأ إرادته متحدياً ، ومن ( أسافر إلى الموت وقوفاً ) لم ينسى سفالات الجموع والمجموع من عمر طويل بلا جدوى: الطحين فيه جص ، والدهن نصفه شمع ، وورق الشاي استخدم مرتين وباعوه عليك. وكانت أخلاقهم عند عيونه (( جراء تساقط شعرها مثل جوارب نسائية متربة) . هناك حركة  متقطعة  لأشخاصه الثانويين ، اطلّوا كرمز لكنهم آثار مدينة ، فكان يبصر دوماً [ روح(  كاظم الحلو الحباب) تتلوه الأيام ، ومجنون(سعيدة) يرتمي بين القمامة وتئن من حوله القطط ويطارده المعدان بوجوههم من مشهد القدح . تمتص العذابات ما ترشح من تسع وثلاثين فراتاً مارقاً عن تعاليم الارتواء ،  وتباشير أديان زمزم بوحي الودق ومياسم الرحلة الخضراء نحو مسطحات الماء وغيوم البردي . فحرك طائر الناصرية جناحه وأرعدت له خرائب النفوس سقطت من جناحه  المقوس ريشة خمرية على ورقة لا خطوط لها .] ينتابه القلق المَرَضي فيكرر جملته الاعتراضية (هنا ودوما هنا) دالّاً على استمرارية بقاء الأحداث وتوالدها وفق ميراث مبرمج خلق لهذا الشعب كي يكابده ، فكل شيء يحدث هنا من دون الشعوب ،  وكل شيء ممكن النزول من دون سماوات الكون ، وكل عجيب لا يولد ممكن الولادة (هنا ودوما هنا ) وارد التصديق .
يُقِف فصول روايته الوقتية حيث قسّمها لأربعة ساعات فينشدها : [ لماذا بعته ؟ لو أني تأملت قليلاً ، ألا يكفي كم ندمت ؟ صدرك استحال فضاء دخانياً وأمعائك تعلك أقداح الشاي ، تنهدّ  جيوشاً من الجمر المتراص  وتلبس ما يخرج من أفواه المنتحرين ، لو نسيت الآن . الرابعة تبدو في آخر الأفق . تسلى بحكاية (سعيدة )، اذكر كيف كنت أنت مؤيد بلا اسم  ، تلعبون وكان فكاهياً قبل أن يرتد طرفه ، ما يدور في قرية ما ؟ في ( الغموقة) للنهر والرز والسمك ووليمة نزيف القصب وانحلال الشواطئ في قبلات السواقي الماضية نحو حقول الرز المتوقدة في الاخضرار ، أنسى ما جرى ! لكنني .. ، دع كل هذا ، هزمت ، لو أنّي متُّ ، في ساعة الصفر في يوم (جيسكا) في حفر الباطن وقدوم الجيش .. فاطمة ، وحدك الهزيمة الخسارة ، وعمري لا مرد له ، ولّى في انطفاء الشمس وانكفاء النهر ، فاطمة ، فاطمة ] استعمل الكثير من الجمل الإيحائية لأن العراقيين في المنافي خبروها ، وخاصة عند التجاوز على حقوقهم :بـ[ جذره انبعث ، عار بطروادة العمر الطويل التي صدعت جبينه يوم ((يعطيك العافية)). (( الأخت الكبرى وضعت (قرص الخبز) تحت ثوبها نادتها الصغرى ) يا أيتها التي حرق ركبتها رغيفها المخفي ، أختك أنا مرّت عليّ سنين الغلاء) . ( صراخ الباعة يستبطن أوراماً عدة تتحامل على صلابة بثورها ، فتنتج كمّاً من الدوي الصلب ، تطير لسماعه عصافير وبلابل من النايلون الملونة أجنحتها عشوائية الشكل )..] تكررت في مجرى السرد مفردة (( المعدان ) في ثمان وثلا ثين موضع من فصولها الأربعة على مختلف الأسطر والجمل و التراكيب بمختلف المعاني والأماكن والأحداث ، وعلى مجمل المحطات والمطارات والمطاردات وألسنة الخطاب ، فشكلت هذه المفردة محورا من عدم احترام ،ودكة للظلم والقتل والتهميش ومزار للإهانات  وموضع هنّات المجتمع ، كما ارتفع بها إلى صافي الطيبة والحب والبساطة وصدق المواطنة ونسيج المجتمع الصالح البِكْر الذي لم يدنس من الغِواء والمناصب والسياسات القهرية ، مائدة من القيم والأصالة والكلمة الواحدة والإلتزام وسلامة النهل والنية من الشوائب ، أصدقاء المواقد والجمر والعطّاب والسمر وكل الكائنات الحية الأليفة والغادرة ، و القاهرة ، والمعتدية ـ لألوانهم العامة لايوجد قاصر- مادة الدولة وخبز الساسة وأيدي تطمئن النفوس لها وتنام بظلها آمنة :[يا كبرياء (زرغل) وهو يناغي أباذر المأفونين في حلم الإقليم في اهوار الجنوب بين(المعدان) والبردي . دوائر لا تنتهي من الأسلاك الشائكة تلك التي تمتد حول أعناق( المعدان) . حكايات عصر الخرّيط الكبير منذ أول يوم قدم فيه ملك البدو الأول والتوأمان يعتصران (المعدان) من أجيال غابرة سحيقة . توقف منذ زمن لا يعرف في ذكريات الجموع وتمر اللحظات لوناً من النسيان في هيبة (المعدان) . يصهر أسراب من وجوه (المعدان ) يحيون الحاكم مدى الأيام وابنه يمسك خلفهم سوطاً من الشبق . تشبه قبور الزانيات المخطئات في وليمة تعميد العار الأزلية ،هنا ودوماً هنا ، تحت سماء (المعدان) . يا خالي  نحن لديهم (معدان) وفي رأي سياستكم خونة وهم الوطنيون في مزارع…….؟ .في مشهد قديس ( المعدان) يذبح ظهراً في رحبة السوق .وسجدت أذهان (المعدان) لقميص قديم يرتضية حاكم حديد . من يوم رحيله حلم (المعدان) وحياً من الانتحار .
من الترحل في عصور (فاطمة ) المكانية تتقافز( الثلاث) أو يعتمد على مرتكزات ثلاث دائما ليظهر للقاريء ماهية هذه المفردات الثلاث في حياته [ حروفه بأبعاد العصر الثلاث والحاكمون الثلاث والنقاط الغامضة الثلاث . آخر مياسم الحلم في ارض الكوابيس الثلاث والنقاط الثلاث والحاكمون الثلاث . تسقي ( عبوات) في ملاحم عاصمة الضوء المعتم ومنجم الأحدب الكبير لتسند الحاكمين الثلاث ونقاطه الثلاث وكوابيسه الثلاث . روح الألغام والأسلاك والفخاخ وخطى الارتداد وكوابيس ثلاث وفخاخ ثلاث وحكام ثلاث تستل من الوجوه تطارده الولادة .] نلاحظ استقرار الحاكم في كل الجمل التي احتوت المرتكزات الثلاث في حياته  من سلطة الحاكم الغير عادلة لوقع سلطته على المواطن العادي .
بنى (ليث سهر الزيدي ) أبجدية روايته على فصول عمره المكتض بالإنتكاسات وترحله وترجله في دول الجوار والمنافي ومعاناته وأهله وذويه وأصدقائه في العهد المباد وهذا العمر الذي لم يكمل العقد الرابع من زمنها ، ولذلك وزع الساعات الثلاث والرابعة الا ثلث في مستحم مواقد بتكرار الحر الذي يلسع ويكوي  ولا يرى . أغدق على ثلاث بأزمنة وعلى ثلاث بأمكنة ، وترددت الثلاث على حواف سرده وتزاحم مناكبه وتدافع حشرجات تراكيبه المتشظية ، تجلت آية الرفض والشتم والتشتت ،وتلازمت أكف بحلقات ، وهو يعلق المناوئين والمارقين والمجددين لأحصن البناء والطين من أثواب الفقراء والأرامل والأيتام والمنادين بصكوك (( العلس والصك )) لاندحار (الغيرة) بتكفين الوطنية ودسها بحفر الطائفية والتخاذل والخيانة . (فاطمته ) لم تكن  عانس بل مشتهاة من النمل الآلي ودروكولا المنافع وذباب الساقط بمزابل القيم المنحلّة  ، فولدوا أصحاب المصالح النفسية المريضة ، وعقم العقل الذي يسد بزلال الضوء وستر عوراته بأثواب الهواء والتمنطق بتراكيب فجة من أدران فلسفات المتهتكين اللغويين . كذاك بانت ثلاثية السواد بأرض السواد من تراث قديم وحديث واسطورة وخيال ، فكان المكان يتحرك تبعاً لهيوله السادرة، وزمنه يتمركز عند دخوله، وعوالمه اليابسة عكس ماهية الزمان والمكان . فكان الغبار كل ما يجثم على النفس والأمل والتقوى والعلم والأخضر والمحترق والتفتت والمستقبل ((لفاطم آثار وجرح ودمعة وكون هلامي المعالم سافح)).

عيال الظالمي
                                                                           آب\2013

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.