د. جمال العتابي : قراءة أخرى لرواية ضياء الخالدي الأخيرة: «قتلة» مع سبق الإصرار والترصد (2/1)

jamal atabi 1في حوار مع الروائي الكبير أرنست همنغواي، سأله المحاور: ما برأيك التدريب الفكري الأفضل للكاتب؟ فأجاب همنغواي: لنقل ان عليه أن يذهب وأن يشنق نفسه، لأنه يجد الكتابة الجيدة صعبة للغاية، وعليه أن يُسحب من المشنقة بلا رحمة، وأن يجبر نفسه على الكتابة بأحسن ما يستطيع من كتابة حتى آخر حياته، ستكون لديه على الأقل قصة الشنق ليبدأ بها.
ضياء الخالدي في روايته (قتلة) التي صدرت مؤخراً عن دار (التنوير)، بدأ من لحظة الشنق تلك، من نفسه أولاً (مجازاً)، ومن أبطال روايته الذين شكلوا مشهداً جماعياً للشنق (شانق ومشنوق)، يلتقون جميعاً في تراجيديا مأساوية لمجتمع لا يخضع لأي قانون، مجتمع منفلت، في احلك مراحل التاريخ العراقي سواداً ، واكثرها همجية ووحشية .
لقد استطاع ضياء الروائي الشاب من أن يسجل بصدق وأمانه ذلك الرعب بتفاصيله الدقيقة، وبمعايشة أكيدة، الهستيريا الجنونية التي تتحكم بفرسان تلك الحقبة المظلمة، عبر مشاعر وأحاسيس وأحاديث وحوارات، واسترجاعات توزعت على فصول الرواية، مشاعر dia 4خوف وقلق، وعطش للدماء . أنها رواية -أقول عنها منذ البداية- صرخة أحتجاج وإدانة للأرهاب والعنف والقتل أياً كان مصدره، في استباحة الدم العراقي. أنها كشف المستور عن مجتمع مصاب بأضطراب مستمر وعطل عقلي، ينجم عنه عنف غير طبيعي.
وسلوك منحرف في غاية الخطورة، يتسم بالعدوانية وعدم المسؤولية . إنه احد الامراض الخطيرة التي أصابت الشخصية العراقية . في مسار تحولاتها النفسية خلال عقود الحروب والخيبات والاحباط والجوع . إن هذا النمط من السلوك المتعطش لسفك الدماء يعرفه علماء النفس انه احدى سمات (السايكو باث)، التي تدلل بوجودها بالتضاد مع المجتمع، وعدم النضج العاطفي، فقدان التبصر، العبثية، عدم التحكم بدوافع السلوك، عدم توفر الوازع الضميري بما يكفي للشعور بالأثم والندم على تصرف مخل بالمثل والقيم الاخلاقية، فضلاً عن التصرف بحماقة وغطرسة، وإندفاع للعدوان بدون ضوابط، ونزوات عابرة، ومتعة بممارسة القسوة والأذى.
و(السايكوباث) سريع التأثر بالانتماء لحلقات الانحراف.
لقد شهدت فترة ما بعد احتلال العراق 2003 صدور العديد من الاعمال الروائية التي تباينت في التناول والرؤى والاساليب والمستوى الابداعي . الا ان عمل ضياء الخالدي يظل متميزاً من بين تلك الاعمال لسبب رئيس هو ان الكاتب عايش تجربته (الخصبة) معايشة متأنية، أتاحت له أن ينقل جو تلك الفتره بأجوائها السياسية والنفسية والاجتماعية بأمانة وحيوية، وتهيأ له أن يخرج التجربة في هيكل روائي واقعي، اتضحت فيها سمات الشخوص في يسر لا يشوبه التكلف، وتنقل الزمن الروائي بين الماضي والحاضر، أستكمالاً للحيوية الوثائقية التاريخية، ونجاحه في سرد سيرة (عماد) و(نادر) و(شكرية) و(عبود) و (مديحة)، مع احتفاظ الشخصيات الاخرى بحضورها أيضاً .. مثل (ابو حمدان، حمدان، غسان، مؤيد، سلمى، ددو).
أصوات عديده تشارك في سرد احداث الرواية، ويكاد يكون صوت (عماد) هو المهيمن من بين الاصوات الاخرى، الزمان: احداث الاقتتال الطائفي الجنوني عامي 2006-2007، المكان : بغداد بأحيائها التي شهدت أعتى اشكال التطرف والتعصب الطائفي وهي (السيدية، الجهاد، التراث، الشرطة الرابعة، العامرية)وهي أطراف الكرخ، وأخرى محايدة في الرصافة كحي الفردوس.
و(مديحة ) زوجة عماد العاقر، يظل الاثنان أوفياء لبعضهما الى نهاية المدى . رغم عدم أنجاب الاطفال . أما ديار العائد من لندن في مهمة غامضة يبدو ظاهرها :[ تنظيف البلد من الانتهازيين والجهلة والمجرمين واللصوص ] ويصبح هذا الغرض سبباً في استقطاب مجموعة تلتقي في شقة نادر يومياً لمهمات أخرى . وديار زميل الدراسة لعماد في المرحلة المتوسطة، تشاركا معاً في هوى يساري . والأحلام، وتبادل الكتب الحمراء خفية، وتسكعا على ضفاف دجلة، وبصقا كثيراً في الهواء لأن السلطة بيد أناس جهلة.
أن صوت المتكلم في الرواية هو صوت (عماد)، وهي شخصية متناقضة في التفكير والسلوك، لها قدر من الثقافة وفرص التعليم المتوسط، اكتسبها عماد في مرحلة مزدهره ثقافياً في تاريخ العراق، وتأثر بأجوائها ،شأنه شأن العديد من أبناء جيل الخمسينات والستينات . وتغيرت ولاءاتهم وانتماءاتهم في مراحل لاحقة وخضعوا مرغمين لسطلة الاستبداد ومشيئتها فأصبحوا من ادواتها.
kh dia“لبسنا اليشماغ الاحمر، وبدلة السفاري، وأنخرطنا بحملات العمل الشعبي في السبعينات، وطاردنا الفارين من جبهات الموت في الثمانينية”
ولعماد فلسفته الخاصة لممارسة بعض الطقوس حسب مشيئته، ولديه تبريراته في شرب الخمرة بعد أداء طقوس الصلاة، وفي ذات الوقت لديه أحساس بالذنب الاجتماعي، فضلاً عن أحساسه بالأخفاق وأدراكه لمحدودياته الواضحة :
“التاريخ الذي عشته، وعاصرت أحداثه مجرد مغامرات متلاحقة وغبية، تجمعها صورة واحدة، هي أرباك حياة الناس … الغريب أن كل تلك الاحلام تنتهي بوجه بشع يلاحقني”.
لقد أوحى الخالدي بروايته بكل تاريخ العراق منذ العهد الملكي وبمساحة أوسع لما بعد تموز 58 بمستويات متعددة في استحضار الماضي، وبأيقاعات قصيرة بسيطة، وبعبارات متسقة فيما بينها . كل ذلك ليوحي بعالم تراه وتحسه، دون أن يكون فيه ترتيب للعقل والمنطق، لقد استخدم ضياء فن التواضع في التعبير، وكان له فاعلية واضحة في خلق حالة الانشداد للاحداث في التعبير عن الأزمة وهي تتلاحق متسارعة . لقد جعل ديار وعبود ومؤيد ومديحة وحمدان وشكرية وبلال يمضون في سيرهم وعماد قابع في ذاته أملاً بالخلاص وهرباً من القتل . إذ تختلط الاوراق والاسماء، والغايات وتغيب الحقيقة، فتتحول شركة (الأماني) التي يديرها (ديار)، الى مركز للمراقبة والرصد، واصطياد المغفلين، والنساء، وشراء الذمم .
(شكرية) القوادة العجوز، أحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية . تصبح شريكة (عمار) في سكنه وترحاله، لتبدد الوحشة عن زوجته (مديحة ) االتي لم يفارقها عذاب الوحدة . مع نوايا أخرى مبيته لتسخيرها لغايات شركة (الاماني) الغامضة . [ وجدت شكرية في مكان غير متوقع، الصدفة هي التي قادتني الى مظلة موقف الباص في باب المعظم…. لم استطع كتم الفرحة في صدري، شعرت بأن العاصمة عادت لمرحها السابق، والناس تملأهم الغبطة والسعادة ….. يا له من أحساس منعش يغمرني بسبب امرأة عجوز لا تشكل من ديكور العاصمة سوى رميم ] ..
تقول شكرية : أنها بدأت ممارسة الدعارة قبل مظاهرات العدوان الثلاثي . 1956، ووهبت اللذة للشيوعيين والبعثيين والقوميين وكل الأحزاب . عراقية لا تفرق بين أحد وأخر . خبرة طويلة في الدعارة لم تنته الا في التسعينات مع الحملة الايمانية التي أطلقها صدام .
انها فكاهة تميل نحو الأسى والحزن في معالجة الشخصيات المعذبة والضائعة، وأرهاصات بوضع سياسي وأجتماعي لا يختلف عن الدعارة التي تمارسها (شكرية) .. أنها عادلة في منح اللذة لكل(الاحزاب السياسية) . وكأنها عارفة بهويات وأنتماءات اولئك الباحثين عن الجنس الرخيص لدى بغايا المواخير النتنة .. فمن أين ل(شكرية) هذه الفراسة ..؟ لمعرفة زبائنها من المنتمين للأحزاب تلك .
ربما هذا ما دعا عماد وزملاؤه الى تسميتها ب(عرافة بغداد الكبرى) وبعد نقاش بين أفراد المجموعة كان الرأي أن تعيش مع عماد ،يرعاها وتساعدهم في تحقيق أهدافهم (النبيلة!!).
نظر الخالدي الى العراق، الى أنه عراق منشطر ،فوضى هائلة، صراعات بين قوى وفئات وطوائف وأفراد، من غير أن يكون بينها علاقة يمكن تفهمها، كائنات أمسكت بها الصراعات، محاصرة بنزعة القتل والتوحش.
[الانتقام يحرك الكثير من الناس في شوارع العاصمة، فيقترفون الافعال] إن الزمن والحب والذاكرة والحقد كلها عناصر يبرزها ضياء على أنها مكونات لعقل مغلق على ذاته، حمدان الباحث عن قتلة أبيه، مؤيد شيخ الجامع في السيدية، السلطة التي تأمر بالقتل والاختطاف حسب الهوية لكنه قادر على النفاذ منها لينعم بحرية وقتية أثناء عملية الخلق، ويستعيد الخالدي كل عالمه منظوراً اليه عبر هوة لا تتجاوز بضعة أعوام بلغت ذروتها، بزمن قصير جداً، كاملاً مشحوناً بالقتل وأحزانه، تجتذبه رائحة الخوف والقلق على نحو لا نهاية له في عالم تضيق فيه فسحة الحرية . غير أن القتل ليس هو الخيط الوحيد في الرواية، إذ يكاد يماثله أهمية في أجزاء عديدة من الرواية، ملهاة وكوميديا وبانوراما لشخصيات أساسية وهامشية ـ أسند الى كل منهم بعناية دوره الدقيق في ترتيب الاحداث.
(سلمى) الطالبة العاشقة تبحث عن الانتقام، (ددو) الطفل المعتوه، الذي يمتلك الحقيقة لوحده في الرواية، يموت قتلاً، لأنه يقذف القتلة بالحجارة ويسخر منهم ويبصق بوجوههم. يقول عماد بعد أن أحتضن ددو وقبله رغم مخاطه النازل من منخريه [أحسست بأن هذا الطفل أبن العاشرة من عمره يدرك ما يدور في بلدنا، وأنه أقرب لي من أبيه العاقل].
على أن قدرة الكاتب لا تقتصر على إدراك الوجه المأساوي لأحداث ما بعد 2003، بل تعدى ذلك الى توظيف اللغة، بما تتضمن من طاقات وممكنات، شعرية شفيفة، هنا صورة حسية تحرك الخيال وبصر موحي، ولقطة جزئية عابرة تفضي بنا الى المعنى الكلي اللامحدود، وكلها سمات شاعرية، أستعارها الكاتب من أصالة اللغة ليطعم به نثره الفني، ترمي بالاضواء والظلال. لنص مشحون بالوصف الرشيق والاستعارات المجازية، وهي بمثابة خطوط والوان تتألف فيما بينها، وتتكامل في لوحة رائعة، رغم أنها تتحرك في أجواء الحرائق والنيران، وتخوض في برك الدم، كل من فيها يصرخ من قسوة الأنسان. أنه حريص على الوفاء بأبعاد العمل الفني، من نسيج متقن للعبارة وتصوير دقيق للشخصيات، وخلق الحكاية التي تشد الأنفاس حتى النهاية. منذ الاسطر الاولى للرواية:
[الليل ممطر في بغداد، وزوجتي تحدق من خلال النافذة الى الحديقة المبللة، الفانوس يشع نوراً كئيباً في الحجرة، فتبدو الاشياء من حولنا وكأنها اشباح تلعب بمصائرنا] في احد الصباحات الحزينة يقتل رعد الصغير فينهمر الحزن على عماد، وأين المفر؟
[الحزن تاريخ ممتد لا ينقطع، أننا مثل الارانب الخائفة التي ترفع أذنيها وتحدق بشتى الأتجاهات] ويدون ما تختزنه الذاكرة عن العاصمة:
[بغداد التي مدت رأسها لكي تتجمل من غبار سنواته العجاف، تعود اليوم مصابة بمس من الجنون .. تستنجد بتاريخها وحضارتها] وفي طريق الهروب الى كركوك.. يحدق عماد في تلال (حمرين) من نافذة السيارة ليطلق أهاته متسائلاً بحيرة:
كم من البشر ماتوا قتلاً منذ مولد البشرية، أعداد لا تحصى، ملايين، ربما التلال الماثلة أمامي هي الآم الناس وقد تكلست، وتصلبت، وبقيت شواهد لا يمكن أزالتها.
إنها القضية الاساسية التي تؤرق عماد، قضية البحث عن الانسان الذي ترسبت في أعماقه كل معاني العنف والكراهية فتحفزت حواسه للهروب من الثأر بالقتل، أنسان قهرته الحياة، في العمل . في السجن، في الصحو والسكر، في العبادة والايمان، في النضال، في الخذلان، في الخيبة والانكسار، في التأمل والجنون، في الحب والبغض، في أماني الكوابيس والمخيلة المجنونة، أن يكون عبد المحسن السعدون، أو عبد السلام عارف، أو رئيساً لمجاميع العمل الشعبي، يثيره رجل بعمامة وجبّة سوداوين، يرى الوصي عبد الأله يجلس مع النقيب محمد سبع والمهداوي، يتكلمون والبسمة لا تفارق محياهم.
[الغريب أن كل تلك الاحلام تنتهي بوجه بشع يلاحقني] [كل المرارات المنطلقة للسماء اختلطت بالتقديس وعجنت بالشعارات] إنها رحلة الضياع لبطل الرواية في العلاقات الزوجية، إنجاب الاطفال. السياسة، التاريخ. مصير فاشل وبائس دون إرادة..
كانت رواية (قتلة) أكتشافاً لمعنى وجود الانسان في العراق ومصيره الحقيقي، المهدد دوماً بالفناء والانسحاق، لقد أستطاع ضياء أن يضعنا وجهاً لوجه امام تلك الحقائق، وهي رموز لمعاني أبعد مدى. بعمل فني يقفز فوق الحواجز، فلفت الأنظار الى موهبة يمكن أن تعد بالكثير، غير انه وهو يخوض تجربة الإنسان العراقي المضيع، الذي يريد أن يرتفع الى مستوى المصير المؤلم، ليستسلم، أحس بعقم الشكل النموذجي للرواية فتخلى عنه. باللجوء الى طرق التعبير المختلفة من سرد لا يخرج عن حيز الزمن، الى رجعات قوامها التداعي المتقن الى مناقلة بين المتكلم والغائب والحاضر في لحظة واحدة. كما أننا لا نفتأ بجذور الرواسب الكلاسيكية في كتابة الرواية. التي تحد من جرأة الكاتب وجسارته. فالزمن لا يتحطم كلية، والاشخاص محدودون تقريباً. وإن يكونوا جميعاً ممزقين وحوارهم متماسك.
ولذلك فأن الخالدي يعتلي منصة الرواية بخطى فسيحة، وقدم راسخة.
تنتهي الرواية بالياس واللاجدوى، وكان الروائي موهوباً بحساسية متطورة، أعلى درجات التطور، وواعياً لتفكك الحالة الانسانية، كما لو أنه أراد إزالة اي شك بشأن الحل النهائي، فجعل القارئ يتسائل ويتأمل المأساة مرات عديدة بينما هو ينتظر الموت على أيدي القتلة . وكأن التيه وسط فراغ الصحراء هو الخلاص.
(عماد) وزوجته (مديحة) بلا مكان، في المأثور الشعبي (لا بالسماء ولا بالكَاع). فبعد رحلته بين بغداد وكركوك، ومطاردة من أفراد مجموعته عبر الهاتف والرسائل المتلاحقة. يقرر عماد عند منتصف الطريق العودة ثانية… لكن إلى أين؟ فليس سوى عواء الكلاب:
[السماء امتلأت بالنجوم، وكنا نسمع أصوات نباح الكلاب البعيدة، أرض جرداء موحشة تطبق علينا، فنبدو ضئيلين وسطها، كحجارة مرمية، أو كفئران مذعورة تبحث عن مخبأ . (مديحة) تمتد على مقعد السيارة وغرقت في نوم عميق، وهو الأخر يتمدد على حصيرة القش في العراء، ويغرق في نوم عميق لم يذقه منذ زمن طويل ] و يا لجمال النهاية من صنع الروائي، ويا لبؤس العراق .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.