د. فاروق أوهان : صدره الصغير*

farooq aqhan   8                                                      تقديم
في ظلمة البئر
يتصرّف المغدور كالأعمى

– ما الذي في نهاية هذه الظلمة؟
– إنه ماء يترجرج في أسفل هذا البئر .
حدثها بأنه قد رأى مثل هذا البـئر مـن قبـل ، إنـه يذكّـره بأشـياء قديمة ، أشياء لها أثرها في حياته .
– إنها البئر نفسها التي أخرجتني منها حين حاولت الانتحار .
سألها عن شعورها عندما كانت في القعر ، حيث الظلام المطبق ، والعمق الخانق ، حين انهارت الأرض التي تحتها ، كانت البئر وقتها قد غطيت لكـي تستعمل  بالوعة أمام صنبور المياه .
– في تلك اللحظات ، بيـن السـقوط والإنقـاذ ، اسـتعرضت شـريط حيـاتي العابرة ، وما هو تبقى لي منها ، وأحسست أنني في كابوس قاس ٍ ، لن أخـرج منه إلا إلى القبر ، وهبت علي نسمة عذبة انعشتني ، وأحـيت فـيّ الأمـل، نسمة أعادت الروح لجسد فاقد الإحساس ، تصورت في تلك الظلمة أن كل وحوش العالم قد تجمعت حولي لالتهامي ، ، غالبتهـا الرجفـة والرعـدة ، وأجهشـت بالبكاء .
ففغر فاه ، وارتجفت يده وهو يضغط على يد تلـك المخلوقـة الصغـيرة ، وهي تروي له مشاعرها ، إنه يحبها ، لكنه لا يعلم من هي ، إنها  فلانتـه  وحسب ، ولا يعلم عنها سوى أنها امرأة ، وانتابه شعور ، وهو يسـير معهـا ، بأنه رجل قوي ، وبطـل شـهم يسـتطيع أن يحـمي هـذه الإنسـانة الضعيفـة ، وينقذها .
وجمد تفكيره للحظة ، عندما رأت عينيه فلانة أخرى ، فحدّث نفسه :
– سألتفت نحوها ..!!!
ومع التفاتته ، جاءه صوت من الداخل ، ينهاه عـن النظـر ، أو الوقـوف ،  وحينها بدأت الموجودات تتضح أمامه ، عندها نظر بصـورة جديـة ، وبتركـيز متمعن ، إن هذه   الفلانة الثانية   داخل المتجـر ، فهـي البائعـة إذن ، ولكن من يكون صاحب الصوت الناهي المحذّر؟ ونظر من جديد بإمعان أكثر ، وكأنه يحاول إزاحة الظلام المنبعث من الداخل فضيّق حدقتا عينيه بقوة ، وعجب إذ رأى صاحب ذلك الصوت الرجولي الأجش ، صبيا صغيرا ، له شاربا رجل يعرفه ، يقف وراء منضدة البيع ، وأوزان البضائع فـدهش ، وارتسـمت علامـة استفهام غامضة على وجهه ، فقد أراد الاستيضاح ، لكـن كـل شـيء كـان قـد اختفى فجأة ، واختلطت أمامه المكونات بمكنوناتها ، وكأنه يدخـل دوامـة ، فتجره بعيدا عن الواقع ، رغم تشبثه ، واستنجاده بأوصال الحقيقة، فها هو في عرس، وأصوات ضجيج تصم الآذان ، ، ، وتساءل …
– أين فلانتي ?
وتلفّت حوله ، فجاءه صوت ذي أصداء عميقة مفزعة .
– إنها ليست لك …
اختلط هذا الصوت، بضجيج أبـواق السـيارات فـي مـوكب العـرس المـار أمامه ، وفكّر   إنه غير مدعو    ، ، فسأل ..
– لمن هذا الزفاف؟
فجاء الجواب من الفلانة الثانية ، صاحبة المتجر التـي بـرزت فجـأة إلى جانبه ..
– إنه عرس فلانتك .
وعجب من أمره ، وملكته الحيرة  ، ، ، فتساءل ..
– ولكن كيف حدث ذلك ?
وفكّر ، ،   لا يعلم بذلك إلا الرب؛؛ وفجأة خيّل إليه أنه يحضر حـفل عقد القران ، فيشاهد فلانته من بعيد ، واقفة بخشوع أمام مـذبح الصـلاة ، استعدادا للرباط النهائي المقدس ، الربـاط الكـاثوليكي الأبـدي ، فإمـا الحياة مع زوجها على كل ضيم ، أو الموت ، هما طريقـان أسـوأهما المـوت، وستكون محظوظة، إذا كان زواجها سعيدا ، لذلك لم تجعل نفسها ترى وتراقب فلانها، لئلا تعطيه أملا ، بينما هي مقبلة على حياة جديدة ، أمـا هـو فقد نظر من جانبه بإمعان وتبصر شديدين ، لعلـه يجـد قرينهـا المزعـوم ، ولكن أحدا لم يكن يقف إلى جانبها ، فهمس بحيرة …
– أين الرجل الذي ستتزوجه ? إنها وحدها !!!
وشعر بدوامة لفته ، ولفت معه سؤاله ، فطار وقت تنفيـذ عقـد القـران ، وانتهى كل شيء، لقد رآها تسير أمام المدعـوين ، وكـان يعتقـد أن يدهـا ستمتد إليه ، ليكون هو نفسه القرين المنشود ، لكنها أولته ظهرها ، وبصمت التهمت الطريق فتبخر كل أثر للطقس والمكان ، وتركت له هواجس كالعواصف ، تزمجر بداخله من شدة الحقد القاتل .
وعاد ليرى نفسه إلى جانب صاحبة المتجر ، بعـد أن شـعر بحَـرّ شـديد قاتل ، نتيجة الحقد الذي أفرز عرقه الغزير ، فأصبح كجبلة من عجـين مضـى على اختمارها ساعات ، لكن الهواء ما لبث أن رطّب جسده ، وبلعومـه الـذي جف من هول المفاجئة .
–  ،لكن ما الوقت الآن؟
تساءلت صاحبة المتجر ، تلك الفلانة الثانية ، سبب المتاعب ..
– الخامسة والنصف ؟
انتفض من سريره كأن جرسا منبها أيقظته ، وفتح عينيه ، فتبخر كل مـا جعله يعرق ، واختفت الفلانة المجهولة ، كلا ، كلا ، إنها تشبه  ســيلفي  ، أو  فيوليت  ، أو  آنّا  ، لا ، لا ، إنها ثلاثتهن معا ، بـل إنهـا وداد ، ، وقام ليغتسل ، ويغيّر ملابسه المبللة بالعرق ، لكن فكره مع هـذا انشـغل بصاحبة المتجر ، وجه النحس ، فحاول أن يجد لها وجها مناسبا يتلاءَم مـع   قسماتها ، وروحها ، فعجز .
وتسربت إلى أنفه رائحة الشاي الذي أعدته زوجته مثل كل عصر تموري ، كأنها تذكّره بالواقع ، وتعاتبه على ذلك الصمت الذي لفّـه ، منـذ قـررا الانفصال ، وفكّر ،   إنني في كامل وعيي الآن ، وها أنا أعـود إلـى هـذا الواقع التعيس ثانية   و ثار بصمت ،   تبا لي ولأحلامي   وشـعر بكآبـة جعلته يدمع من الداخل بأسى ، ويندم ، ويندم من جديد على مواصلته الحـلم    والتمادي فيه ، لكنه ود لو يعود ليكمل تفاصيله من جديد ليعـرف السّـر ، وتساءل  ، ،
– هل يفسر الحلم شيئا من الحقيقة ؟
خرج صوته جهوريا هذه المرة ، وحمد ربه على أنه قد ظل لوحده بعد أن ذهبت زوجته إلى المطبخ ، ودخل هو إلى الحمام ، يحدث نفسه أمام المـرآة ، ولولا ذلك لكان هو وزوجته في أشد حالات الصراخ ، والهياج ، وربما تكـون النهاية خروجه ، أو خروجها من الدار ، ، ، وها هـو مشـمئز مـن صورتـه فـي المرآة ، ويرى وجها ضعيفا عجوزا ، عملت السنين فيه عملها ، خـمس وخمسـون سنة ، لا يريد أن يتذكرها ، ولا يعترف بثقلها على كاهله ، فما زال شـابا  قويا منتصب القامة ، مالكا لقواه ، كما في الحلم ، لكن عينيه الغـائرتين تحت جفنين متورمين ، نصف المغلقين ، جعلتاه يسأل نفسه :
– وماذا بعد؟؟ ماذا وراء كل هذا العناء.؟ قال ذلك من خـلال دخـان السيجارة التي لا تفارق فمه ، حتى وهو يحلق ذقنه ، وكم لاقى مـن مشـاكل مع زوجته بسب تدخينه في فراش النـوم  ، كمشـاكل الرائحـة ، والنفايـات ، والخوف من حريق متوقع ، ، ،
وفي المقهى ضجر كالمعتاد من محدثه ، وود لو ثرثر هو وفضفـض ، وبـاح ، وعربد ، وخلط كل العبارات ، تمامـا كضوضـاء النـاس المتناقضـة فـي ردود الأفعال ، لكنه ضجر حتى من الكلام نفسه ، وصار يكره ، أو يخـاف أن ينطـق خشية أن تسقط من فمه الكلمات ، وتتبعثر ، وظّن بأنه ربما نسي النطق ، أو فن الحديث ، وظل صامتا فترة طويلة ، متمسكا بموقفه ، مفضلا أن تحتشد كـل الأفكار ، وتدور في رأسه كدوّامة صاخبة ، وإلا فما نفع الرأس بدونهـا؟
وماذا  لو أطلقها إلى غيره ، ، ، كلا ، ، كلا ، ، إنها سـتصبح ملكـا لغـيره ، كلا .. كلا .. لن يبوح بها ، فرغم أنها ليست أسرارا ، إلا أنهـا ملكـه ، وجزء من خصوصيته .
ظل هكذا على جلسته مسمرا عينيه في لا شيء ، وقد اعتاده محدّثه الذي لا ينفك عن الكلام ، والتعليق ، وإطلاق النكات ، والمـزاح ، ولا يهمـه إن نظر إليه أو أجابه أو لم يفعل ، ، ،!!! لأنه لن يجد في فراغه هـذا أحـدا لا يقاطع حديثه إلا صاحبه ..
أما عينا الصاحب فهما لا تريان صور الواقع من حوله ، وإنما تريـان أحلامه من خلال انعكاس الأنوار على وجوه المارة ، لكـن الأنـوار التـي تنعكس مباشرة على وجهـه ، فإنهـا تبـدو خافتـه مـن خـلال عينـي الـزوج الشاحبتين ، وابتدأت الأنوار تمـتزج ، لتشـكل حزمـة متشـابكة الألـوان ، يراها تتراقص عبر دوّامة ظلـت متمـردة ، تغلـف حـدقتي عينيـه لا تريـد  الانحسار ، أو الرجوع إلى منبعها ، وفكّر ، ، إنه ضائع ، وفجأة شعر بوخـزة مؤلمة ، كانت ضربة مازحة من صديقه ، عـلى صـدره ، لكنهـا آلمتـه ، وفكّـر بحسرة ، ،   ضعيف   .
هكذا جاءت هذه الكلمة فجأة ، ضعيف حتى عن احتمال هذه الضربـة التـي آلمت صدره الصغير ، مثل قفص هش ، لا يحتمل حتى دخان سيجارة :
– آه لو أستطيع استبدال صدري بصدر شخص قوي ، حتى بصدر صـاحبي الـذي لا يزال يثرثر ، ويدخن ، ويمازح ، ويضحك ، ويتناطح حتى مع الهواء ، يسـعل ، ويشهق حتى تدمع عيناه ، وكان يضرب على صدره بجمع يده ، ويـدق عليـه لأي سبب كان ، كأنه يقول لمن يتحدث إليه :
– أنا عندك وقت الشدائد ، أو ، اتّكل على أخيك .
فينبعث من الاتجاه الآخر للطاولة صوت مثـل صـوت صريـر بوابـة قصـر عظيمة البنيان ، نفيسة الخشب ، ربما تكون من الزّان التايلاندي ، أو خشب الورد الصيني ال ROSE WOOD  .
عزى  صاحبنا نفسه بأن له هو الآخر صدرا قويا ، يدخلـه فـي الحـلم ، ويحمي  ،به كل من حوله من الضعفاء والمساكين ، وانتقل تفكيره فجأة إلـى البئر ، وإلى حقيقة وصدق ما قالتـه  وداد  ، آه كـلا ، ، أو إحـدى هـؤلاء الثلاث ، هل حقا يقوى علىأن ينقذ صبيـة سـقطت فـي بـئر عميقـة عتيقـة ، مهترئة الجوانب ، أسفلها بحيرة ظلماء من الحسـرات ، مملـوءة بالعقـارب ، والآفات ، والثعابين الفتاكة أن يقوم هو بإنقاذها مثل  القديس جرجيس  ، ولكن دون رمح ولا حصان ، لأنها قد استنجدت بـه مـن الغـرق فـي الميـاه الآسنة وليس من تنين سيفترسها .
طال تفكيره بأحلامه ، حتى ضجر محدثه ، وفرغ المقهى مِن كل مَـن كـان فيه ، أما هو فقد فرح وأغتّم في آن واحد ، فهو من جهة سوف يعـود لركـوب، سفينة أحلامه ، ومن جهة ثانية سيعود إلى البيت ليجد زوجته تؤنبـه لأي سبب ، فقرر أنه سيلجأ إلى النوم مباشرة ، ومن ثم إلى أدوار البطولة فـي الحلم ، وبعدها سيعود ليجلس في المقهى ، صامتـا ، سـاخرا مـن مرتاديهـا ، فخورا بأحلامه الجبارة ، فليس هناك من يشبهه في ذلك .لكن الأسى غلّفه فجأة ، فانتفض بجد وتصميم عـلى التغلّـب عـلى هـذا الضعف ، وهذه العزلة المؤلمة القاتلة ، وأراد أن ينطق ، لكنه عجز ، وهـرب عائدا لينام ، ويحلم بالقوة ، ليحمي الفلانة ويحبها .

* – نشرت في جريدة اللواء العراقية ، الصادرة ببغداد ، يوم الأربعاء المصادف في 12\11\1964 . نشرت ضمن مجموعة قصص بعنوان الحصان والثلج عن دار مكتبة الحياة ببيروت 1997.

شاهد أيضاً

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

د.عاطف الدرابسة: أعيدي الطَّريقَ إليَّ ..‎

قلتُ لها : لن أُصغيَ إلى دمعكِ بعدَ اليوم فنصفي صارَ في الماء .. لن …

شذرات
حمزة الشافعي
تودغة/المغرب

(1) ظل سحابة، استراحة نملة، إرهاق. (2) جدار أحجار، ألعاب ثقيلة، هروب طفلة. (3) ورقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *