حسين سرمك حسن : كتاب الشهيد “هادي المهدي”: “الطقس المسرحي المعاصر” .. الروح الحية التي اغتالتها الأرواح المجرمة

hussein sarmak(مهووس .. هائم .. أتوهّم الأرض مسرحا فأسجد .. إنني آخر المؤمنين بعقائده) . هذه العبارة تعبر بدقة عن الروح الملتهبة التي وقفت وراء الأفكار والمواقف التي ضمها كتاب الشهيد “هادي المهدي” “الطقس المسرحي المعاصر”، الذي أصدره في دمشق (دار رام للخدمات الطباعية) على حسابه الخاص عام 1997. هو كتاب ينبغي أن يطلع عليه جميع العاملين في المسرح كتابا وممثلين وفنيين ومخرجين . هو كتاب الحداثة في المسرح ممتزجة بنظرات عميقة إلى معنى الأصالة المعبرة عن الهوية. وهو كتاب الرؤيا ملتحمة بالرؤية في العمل المسرحي . وكل ذلك يتناوله المهدي بلغة شعرية عالية ومحكمة متخذا من مفهوم الطقس مدخلا موفقا لتقديم أطروحاته . فالطقس الذي هو البذرة أو الفوتون الأساسي لجوهر وروح العمل المسرحي هو :
-تفجير للكامن واللامرئي “الجوهري الداخلي” للعالم والروح والطبيعة ، إنه محاولة لتجاوز “محاكاة الطبيعة” .
-ومبتكر، كونه يكشف عن الجديد واللامرئي، ليضيف حرفا جديدا إلى خزيننا الأبجدي المعلوماتي ، العقل والوجدان.
-وتلقائي، حيث يتفجر ويتنفس بروح تلقائية ، ويهدد بصدق كشفه وبوحه الداخلي بتخريق السطح ومجاورة الجوهر وفض بكارته.
-وحيوي ينطلق بحركته التمردية الجامحة نحو شق صلابة الأطر المنطقية العقلية والبرامج الرياضية العلمية والعلائق الاجتماعية والتأسيس خارج أسوارها المنيعة للكشوفات الجديدة.
-وانتماء كونه شاهد على العصر ومدونا له بلغة الفن والجمال hadi almahdi 2-ومشاركة أيضا وبلا تحديد حيث يتفجر دون أن يكون هناك مفهوم سلفي عن العرض والمشاهدة.
وضمن هذه الأطر يبدأ المهدي بمعالجة المكونات الأساسية للطقس المسرحي بدءا من خصوصية الرمز المسرحي (الرمز أبجدية الفراغ – ص 23) محوّرا العلل الأرسطية الأربع (العلة المادية والصورية والفاعلة والغائية) إلى مرحلتين تتفاعلان جدليا لإنتاج الرمز هما المرحلة التصورية/ النظرية (العلة الفاعلة “الفنان” والغائية) والمرحلة الإجرائية/ التجريبية للرمز (العلة المادية والصورية). ثم يتناول تأثيث الفضاء المسرحي وفلسفة لذّته ويقارن بين لذة الطبيعة ولذة الفن. ثم يتناول المؤلف البحث في منطقة الخيال الفاعل (المسرح والميتافيزيقا الفاعلة) . ولأنه يرى أن الطقس المسرحي يـتأسس على جسد العنصر البشري فإنه يقابل الجسد بالمكان (الجسد فضاء العرض المسرحي) (ص 65) .
ومن الفصول المهمة جدا هو الفصل الأخير (قراءة في مشروع التأسيس – بحث/ أسئلة/ فرضيات) ففيه يحاول تأسيس نظرية لمسرح عربي حديث منطلقا أولا من مناقشة واقع هذا المسرح وسلبياته ، مستعرضا المسرح في التاريخ العربي محاولا الرد على أطروحة عدم وجود جذور لمسرح إسلامي .
إن ما يسم هذا الكتاب فوق تفرّد أطروحاته النظرية هي الحماسة الملتهبة والإيمان الصوفي بالمسرح كقضية مصيرية كبرى. يقول الشهيد هادي المهدي:
kh hadi almahdi(وبعد .. فإن أي لاعب كرة، أو مغني شعبي من الدرجة العاشرة، هو أكثر شهرة من أي كاتب أو مخرج أو تقني مسرحي . هذه حقيقة لا تؤلم أحدا باستثناء المغفلين ، كما أنها تزيد إيماننا بقدرة المسرح على نبذ السوق والتهريج والاستهلاك.. إنه عمل وجودي محض لا يقبل المساومة . المسرح (غَيري) لا يقبل شراكة أحد، جماعي ينبذ العزلة ويدعونا باستمرار للحوار بكسر محارتنا الشخصية . المسرح : كنز لا يطمع به أحد .. كارثة لا يمكن اللهو معها.
كل أمّهات الكون يعلمن أنهن منسيات ، مهجورات، مهمشات، ورغم ذلك يكابدن أوجاع الحمل والوضع والتنمية .
ورجل المسرح كذلك .
رجل المسرح لا يتوقف، لا يتأطر، لا يؤرشف، ذلك أنه في حركة دموية. لا يحمل مشعلا.. لا يبشر بإيديولوجية جديدة .. لا تمتلكه إلا الحقيقة السرمدية .. ويسعى لها بمختلف الطرق. لا يمتلك ذاكرة ولا أرشيف .. يتغاير باستمرار .. وفيما يذوب ويخبر وهو ينزف جمالا ومعرفة تضج بالحياة.. إنه صورة حقيقية للجندي المجهول .. ولكن بلا نصب .. بلا أزهار .. وبلا شموع – ص 94 و95 ) .
وبهذه الروح العظيمة .. عاش هادي المهدي .. وبهذه الروح العظيمة رحل .. وهذه الروح العظيمة هي التي جعلت كلاب مرحلة الخراب العراقي تنهش لحم روحه الحي وتنفذ اغتياله بعد أن لم تستطع أبدا تحمّل روح هي شاهد إدانة لروح قذرة معاكسة يحملونها هي روح الإستخذاء والعفونة والعمالة .

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: جمال عبد الناصر.. من حصار الفالوجة حتى الاستقالة المستحيلة

استعرت عنوان مقالي هذا، من عنوان كتاب كتبه الصحفي الفرنسي ( جاك دومال) والصحفية الفرنسية …

#كل_يوم_كتاب ظلام تحت الضوء ، عدنان الأسمر
مهند طلال الاخرس

كتاب من القطع الكبير يقع على متن ٣٨٢ صفحة وهو من اصدارت المؤلف نفسه عام …

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *