ليث الصندوق : ثنائية الثبات والتحوّل (ألمكان / ألطيور) في أربيليا

laith alsandook 4( أربيليا ) هي المجموعة القصصية للقاص عبد الستار إبراهيم ، كتبت كلها تقريباً في أربيل عاصمة أقليم كردستان العراق ، ومُنحت إسمها ، وتمتاز أغلب قصصها بارتكازها على ثنائية الثبات والتحول ( المكان / الطيور ) التي تعامل معها الكاتب بصيغتين :
الأولى : فنطازية بعد أن أخرج مفردات الثنائية من سياقها المتداول ، وحشرها في سياق آخر يضمن إعادة إنتاجها تخييلياً .
والثانية : واقعية ، أو على حدود الواقعية بعد أن زحزح دلالات الثنائية عن النمطية وفتحها على قاموس من المعاني المستجدة .
إن خصوصية المكان ، قلعة اربيل تحديداً – التي وردت في أكثر من قصة – في كونها مكاناً للسكن وليست موقعاً سياحياً كما في اغلب قلاع العالم ، وهذه الخصيصة المميزة جعلت علاقة الشخصيات السردية التي وِلِدت ، وعاشت في هذا المكان أشبه بعلاقة الجنين بالرحم ، تختلف عن علاقة السائح بالمكان الذي يزوره . ومن هذه الخصوصية جاءت خصوصية المواضيع .
وبالعموم يبدو تأثير المكان طاغياً على أغلب مواضيع القصص وأجوائها حتى ليبدو وكأنه هو البطل ، وهو المحرّك السري لماكنة الأحداث ، ولعل أبرز مظهرين للمكان في المجموعة يتجسد في قصة ( الحلم الأخير في قلعة أربل إيلو ) و ( الدليل السياحي القادم من كاريز ) :
المظهر الأول : في قصة ( الحلم الأخير في قلعة أربل إيلو ) يتجسد المكان بطابعه الحميم شاداً ساكنيه إليه بآصرة سرية يستحيل فصمها دون التضحية بالجانب الهش من تلك العلاقة وهو الإنسان .kh abdulsattar ibrahimألمظهر الثاني : بينما تتحول علاقة الترابط ما بين المكان والتاريخ في قصة ( الدليل السياحي القادم من كاريز ) إلى قوة عدائية مناهضة لطموح الانسان باستكشاف كليهما .
أما العنصر الثاني من الثنائية ( الطيور ) فله في كل قصة دور يختلف عنه في سواها ، بغض النظر عن طبيعة تلك الطيور ، ولعل أهم الادوار التي أدّاها هذا الطرف من الثنائية هي :
1 –شكل عنصر استقرار ما بين منطقتين قلقتين كما في قصة ( حمامة سيتافان ) ، وسنأتي على ذلك لاحقاً .
2 – بينما جسّد طرفا الثنائية ( المكان / الطيور ) في تفاعلهما معاً منظوراً إنعكاسياً للوحدة والانتظار اللذين تعانيانه المرأة التي ترصد المشهد السردي وترويه ، كما في قصة إمرأة في قصاصة ورق – القصاصة الثالثة ) .
3 – ولكن تفاعل طرفا الثنائية في قصة أخرى هي ( كرنفال لطائر المنارة ) ينتج عنه ان يتحول دور طرف الثنائية الثاني ممثلاً بالطائر الضيف ( أللقلق ) إلى عنصر مكمل للاستقرارية والثبات اللذين يمثلهما الطرف الأول من الثنائية ( المكان ) ، فبعودة اللقلق يعود الإستقرار إلى نفوس أهل المدينة المرحبين بقدومه ، وتبدو المدينة بوجوده أكثر فرحاً ومرحاً .
4 – في قصة ( لعنة كيفارا ) يشكل وجود الطيور إزاحة للدلالة المعتادة عن سياقها وذلك بجعل الطيور أداة قمع بيد السلطة النسائية الحاكمة ، بالرغم من نعومة تلك الاداة .
5 – ولكن هذا العنصر من الثنائية يتحول إلى مجرد عنصر تكميلي لمشهد الساحة وناسها ونافوراتها كما في قصة ( رقصة الكوبرا ) .
تتكون المجموعة من إحدى عشرة قصة تناولت مواضيع شتى ، ولكن بالامكان توزيع تسع منها على المحاور التالية :
–    المحور التاريخي – الأسطوري : والقصص المدرجة تحت هذا المحور بدورها تتوزع إلى صنفين :
ألصنف الأول : الأسطوري الساخر : ويشمل القصتين : لعنة كيفارا / أحلام الباشندر الملونة
ألصنف الثاني : يشمل قصة واحدة فقط يمكن وصفها بالواقعية السحرية وهي ( الدليل السياحي القادم من كاريز )
–    ألمحور الواقعي الساخر : ويضم قصة ( لحاف جارد وقدر مسوّد )
–    المحور الإنساني : ويضم القصص : حمامة سيتافان / إمرأة في قصاصة ورق
–    ألمحور المكاني : ويضم القصتين : كرنفال لطائر المنارة / ألحلم الأخير في قلعة أربل إيلو .
–    ألمحور البوليسي : ويضم قصة : إنتقام متأخر
تبقى قصة ( الظهور الذهبي لذي القرنين ) و ( رقصة الكوبرا ) وجدتهما عصيتين على الضم إلى أية مجموعة من المجموعات السابقة .
قصص المحور التاريخي – الأسطوري الساخر :
لعنة كيفارا :
القصة ككل القصص ذات الطابع الاسطوري في المجموعة غير معنية بالذرائع والمسوغات ولا بالوثائق والمرجعيات ، ولا بالبحث عن الأسباب ، ولا بالاجابة عن ( كيف ؟ ولماذا ؟ ، وأين ؟ ) ولا بأي نوع من الأسئلة ، فمنطق القصة مبني على مبدأ أن الأحداث استقرّت على هذه الشاكلة ، فهو لا يحتمل إقحامه في أية إشكالية سجالية تناقش آليات وجوده وتعيق نموه . وأحداث هذه القصة تراوح ما بين الكوميديا والاسطورة ، فهي عن رجل يدعى ( كيفارا ) ليس له ذنب في إسمه ، فقد ولد ، ونما ، ونشأ عليه في إمارة شهدت تغيرات دراماتيكية مفاجئة ما بين ليلة وضحاها ، فتغير إسمها من إمارة ( السيوف الأربعة ) إلى ( إمارة الفضائل والمثل العليا ) ، ورافق ذلك  تغيرات في طباع الناس ونفوسهم ، وتغيرات في القوانين ايضاً ، ولعل أغرب التغيرات في قوانينها الجديدة هو إصدار قانون يُبعد بموجبه من الإمارة مواطنوها الذين لأسمائهم دلالات ترسخ مفاهيم الكراهية والعنف والقسوة ، أو الذين يحملون أسماء شخصيات تاريخية عُرفت بنزوعها  العدواني . وبما إن راوي قصتنا يدعى ( كيفارا ) فقد شُمل بالطرد ، وبعد مقاومة طويلة للقانون تمّ تنفيذ القرار وأبعِد الرجل مع مجموعة من المواطنين من حملة الأسماء الإشكالية إلى الخارج ، وهناك علموا بأن ثمة أمل بالعودة إذا ما غيروا أسماءهم ، ولكن السؤال الذي ظل دون إجابة هو : في أية دائرة نفوس سيستبدلون أسماءهم وهم ضائعون في العراء . في هذه القصة تعود الطيور بشتى أصنافها والتي كانت قد ظهرت في قصص أخرى سبقتها من المجموعة ( وسنأتي على دلالات ظهورها في كل قصة في حينه ) تعود للظهور في مظهرين متعارضين :
ألمظهر الأول : حيث تؤدي الطيور دورها الطبيعي في إضفاء جو من الهدوء  على المشهد ، وذلك بوجودها حول المحققة الحسناء في صالة المحكمة .
ألمظهر الثاني : وتؤدي فيه الطيور دوراً نقيضاً لما ظهرت عليه في المظهر الأول دون أن تتخلى عن وداعتها والفتها عندما استخدمت كأداة ردع لإرباك المطرودين من الحدود بعد ان احتجوا على قرار طردهم وقرروا العودة بدون موافقة السلطات .
ولعل الدال السردي الذي تقدمه القصة لا نعدم أن نجد مدلوله في واقع حياتنا المضطربة ، والتي يمارس فيها الحكام سلطاتهم بنزق مفرط يجعل من حياة المواطنين لعبة بيد من لا يجيدون فنون اللعب ، الفرق ما بين سرد الواقع وسرد القصة ، هو إن الراوي قلب الأول إلى نقيضه الثاني . فالرجولة المفرطة ذات الطابع البدوي التي تحكم واقع حياتنا بسلاح التخلف والبدائية قلبها الراوي إلى نقيضها فجعل منها أنثوية طاغية تحكم بقوة الجمال الخارق ، وقلب القساوة إلى ليونة ، والولع المرضي بالحروب وأدواتها إلى ولع بالأمن والسلام والاستقرار ، بل حتى أسماء الناس ذات المعاني الحربية والعدائية المجلجلة ، أو تلك التي هي أسماء لطغاة التاريخ ومجرمي حروبه قلبها إلى أسماء الزهور والعطور والأشجار . إن عقاب المسمى عن إسم لا ذنب له به هو عقاب الحاضر عن أخطاء الماضي ، وإن عقاب الأبناء على اخطاء أبائهم هو من أجل إيقاف مسيرة الخطأ ، وضمان ألا يرتكب الأبناء عندما يصبحون أباءاً ذات الأخطاء التي ارتكبها الأباء ، وأن لا يورثوا لأبنائهم ما ورثوه هم من الأخطاء ، فلا اعتداد بميراث مرذول .
أحلام الباشندر الملونة :
هذه القصة تدور على لسان مصور صحفي تثيره تنبؤات زميله عبد الرحمن الباشندر الذي يعمل معه في ذات الصحيفة محرراً لصفحة التنبؤات والذي كان قد تنبّأ بنقل رفات القائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي من دمشق إلى كردستان العراق ، فهذه النبوءة ليست كنبوءات الباشندر الخائبة الأخرى ، فقد صدقت هذه المرة ، وأعلن الخبر ، واتخذت إجراءات نقل الرفات في احتفال مهيب . وبينما كان الجميع يحتفلون فرحين بهذا اليوم التاريخي جلس الباشندر وحده يبكي أحفاد القائد الأيوبي الذين لم يحافظوا على الأرض التي حررها الجدّ . ألقصة لا تخلو من لمسات خفية من الفكاهة السوداء ، كما لا تخلو تلك الفكاهة من دلالات مستترة لكنها ماتلبث أن تعلن عن نفسها بشكل أو بآخر ، فالتنبؤ كآلية لقراءة المستقبل هو تعويض عن العمل غير المجدي في تحقيق إنجاز يعتد به في الحاضر ، والاحتفاء بجثمان القائد الجد من قبل أحفاده الأحياء هو تعويض الحاضر عن عجزه في تحقيق ما كان قد حققه الماضي ، وما بكاء الباشندر المتنبّيء إلا تعبير عن إحساسه بالغبن للموازنة غير المنصفة ما بين طرفي ميزان التعويض : بين قوة وامتلاء الماضي ، وضعف وخواء الحاضر ، ولعل الدلالة الأخيرة جاءت مع إستعادة الباشندر لبيت الشعر العربي المنقول عن أم أخر ملوك العرب في الأندلس ( أبو عبد الله الصغير ) حين جاءها باكياً خسارة مملكته وعرشه للإسبان :
إبكِ مثلَ النساء ملكاً مضاعاً      لم تحافظ عليه مثلَ الرجال
ألواقعية السحرية – قصة ( الدليل السياحي القادم من كاريز ) :
هذه القصة هي من أكثر قصص المجموعة تماسكاً من حيث البناء ، وإثارة من حيث الموضوع والأحداث ، وثراءاً من حيث التفاصيل . تبدأ القصة بداية واقعية وتنتهي نهاية غرائبية ساحرة على لسان باحث أثاري يعد لإكمال رسالة الماجستير في ( أللغات البدائية لإنسان بلاد ما بين النهرين .. الكتابات المدونة على جدران الكهوف نموذجاً ) وفي إحدى زيارات الباحث إلى مديرية الأثار في أربيل أخبره مديرها بأن ما ينقص بحثه هو دراسة المدونات الاثارية على جدران كهف ( ئه شكه وت كوتايي / كهف النهاية ) ومن أجل إتمام مهمة الباحث ينسّب المدير أحد الأثاريين النبيهين لإيصاله إلى الكهف ومساعدته في كشف اسراره . وبعد سفر طويل وصل الرجلان إلى الكهف وبدأ الأثاري بقراءة نصوص على جدرانه تستنزل اللعنة على كل من يقرؤها ويفض اسرار الكهف ، وفي لحظة خاطفة بدأ مفعول النص يظهر على الآثاري ، وبدأ يفقد قدرته على المواصلة ،  وامتقع لونه وفقد بصره ، ومن الكنزة التي كان يلبسها والمزينة بصورة تنين ، إنفصلت الصورة وتضخمت وتجسد تنين ضخم ينفث ناراً ، أما الباحث فقد تسلل هارباً إلى خارج الكهف تاركاً رفيقه الآثاري لنيران التنين التي التهمت الكهف . وكما برزت قوّة الماضي في قصة ( أحلام الباشندر الملونة ) ممثلة بنعش القائد صلاح الدين الأيوبي ففي هذه القصة تبرز ممثلة بالتنين ، وإن كان الماضي عاد في القصة الأولى على شكل نعش ليدفن إلى الأبد مذكراً الأجيال التالية بأن الجد المدفون حقق ما عجزوا هم عن تحقيقه ، فإن الماضي عاد في هذه القصة ليحرق ويدمّر من يعبث به . وإن كان النعش في القصة الأولى يملك قوة مؤثرة وفاعلة على الأحياء دفعتهم للتعبير عن خضوعهم له بشكلين : الأول : تمثله الأعداد الغفيرة من المرحبين الذين خرجوا لاستقبال النعش ، إضافة إلى الإستقبال الرسمي الذي حظى به . والثاني : تمثله حالة الانخراط في البكاء التي استسلم لها الصحفي المعني بالتنبؤات . إلا إن تأثير الماضي في قصة ( الدليل السياحي القادم من كاريز ) كان أكثر تدميراً وعنفاً ، فقد تسبب تنين الماضي في مقتل المنقب الاثاري وهروب الباحث واحتراق الكهف .
ألمحور الواقعي الساخر – قصة ( لحاف جارد وقدر مسوّد ) :
القصة عن فنان تشكيلي ظريف يتنقل عبر العالم حاملاً معه لحافاً وقدراً فرنسياً ، يروي القصة صديق الفنان الذي يتابع عبر الرسائل المتبادلة بينهما أخباره وأخبار معارضه وتنقلاته ومغامراته النسائلة الملتهبة وإعجابه بلحافه ناصع البياض الذي يتنقل معه أينما ذهب ، كل تلك المواضيع يتابعها الراوي – صديق الفنان دون ان يلفت النظر إلى قدراته ومهاراته الفنيتين ، ودون أن يتطرق إلى طبيعة عمله التشكيلي ومستواه إلا بالنزر اليسير ، فقد وضع الراوي على ما يبدو نصب عينيه أن يركز على جانب الظرافة من الرجل ، وهذ يلمح إلى إن الجانب الوحيد الجاد في الرجل ربما كانت اعماله التشكيلية لذلك نحاها جانباً . وذات يوم تصل رسالة من الفنان إلى صديقه يخبره فيها بعزمه على العودة إلى الوطن . وفي يوم وصوله إستقبله في المطار وحمل معه أمتعته إلى بيته وفوجيء بأن اللحاف الذي جاء به معه لم يكن سوى خرقة رمادية من الصوف المتهتك تفوح منها رائحة عطنة كرائحة السمك العتيق دفعت الراوي إلى الهرب من شقته باحثاً عن دفقة من الهواء النقي .
مثل اللحاف البؤرة التي تمحورت من حولها احداث القصة ، فما الذي اراد القاص بتركيزه عليه خصوصاً بعد أن تبين له إنه عكس ما كان يتحدث عنه الفنان في رسائله ؟
1 – فهل أراد أن يقول إن الفنان – من حيث لا يدري – كان يروي في ذلك اللحاف خواء تجربته الفنية والحياتية الطويلة في بلاد الغربة ، التي لم تمنحه من كل ثروات الدنيا سوى ذلك اللحاف المهتريء ؟
2 – أم ان الفنان كان يصنع عبر ذلك اللحاف أسطورة ظرافته ؟
3 – ام انها عين الفنان التي ترى في الدمامة جمالاً ؟
ألمحور الإنساني
حمامة سيتافان :
حدثان منفصلان عن بعضهما سردياً في قصة ( حمامة سيتافان ) ، بيد أنهما مترابطان إيحائياً :
ألحدث الأول : طالبة المدرسة الثانوية التي يحبها شاب مجهول ، ويطاردها من المدرسة إلى البيت ، محاولاً الاقتراب منها وإسماعها كلاماً جميلاً دون أن يتمكن من تحقيق ذلك بالرغم من المحاولات المستمرة .
ألحدث الثاني : شقيق الفتاة الصبي المولع بتربية الحمام على سطح البيت ، والذي يحاول تأدية دور الأب تجاه أخته ، ولكنه اليوم ( أي في زمن القصّ ) مهموم لغياب أحب حماماته إليه ( الأورفلي المحجل ) ويترجم همه إلى غضب تجاه حماماته الباقيات بقص ريشها عقاباً لها على ذنب لم تقترفه هي ، بل اقترفه الطائر الحبيب ، وفي لحظة أن هَمّ بتنفيذ عقابه عاد الطائر الغائب . الحدثان لا علاقة لهما ببعضهما ، ولكنهما يتناظران مع بعضهما إيحائياً ( ألطالبة / الشاب المجهول ) في علاقتهما للتواصل الصعب إلى حد الإستحالة ، تكسر من حدة تلك الإستحالة علاقة ( الصبي / الحمامة ) وتتممها ، حتى كأن ما تقطع في الجانب الأول عاد ليتواصل في الجانب الثاني ، بينما تؤدي الحمامة دور نقطة تواز واستقرار ما بين الكتلتين ، فمع عودتها بعد غياب عاد الإستقرار يهيمن على خاتمة القصة ، وتحديداً على حدثيها المشار إليهما أنفاً ، فبالنسبة للصبي ( كانت سعادته بعودة طيره وحفاوته به قد أنسته أمر تأخر شقيقته ) وبالنسبة لشقيقته وعلاقتها البريئة بالشاب الذي يُحبها فقد  ( عادت على أطراف أصابعها لتلقي نظرة متلهفة صوب الشارع من وراء الظلفة المشرعة قليلاً ، كان الشاب قد بارح المكان ) أما صدى كلمات الحب غير المكتملة التي أسمعها إياها فقد ( عاد يتردد في أذنيها كما لو كان صدى أثيرياً لسمفونية باذخة الشجن ، جاعلاً إياها تستشعر إنها بخفة ريشة تُهوّم في فضاء رحب ) .
إمرأة في قصاصة ورق :
هذه القصة مكونة من سبع قصاصات أنثوية كل واحدة منها مستقلة تمام الاستقلال عن الأخريات ، ولكن كل مضامين القصاصات تنطوي على حالات من الملل والانتظار : فالأغاني التي تتناهى إلى أذن المرأة الوحيدة هي ليست سوى اصداء وحدتها .. والالام الجسدية التي ظنتها الطبيبة الفاحصة ألآم حمل ، هي في الحقيقة ألام الوحدة التي تترجمها النفس المعذبة إلى نوبات من الألام الجسدية .. والأسئلة المشاكسة والمحرجة ذات الطبيعة الشخصية البحت التي يبحث سائلوها عن جذور اليأس عند من يسألونهم ، لم تعد محرجة ولا مشاكسة للذين أصبح اليأس عندهم عادة .. وألوسائد الباردة التي تصيب الجسد بالقشعريرة أصبحت في حياة المرأة الوحيدة تعويضاً للنصف الغائب ، فالوسادة هي الجسد الآخر الذي يؤمن لها تواصلاً تحتاجه ، بالرغم من إن ( الوسادة – الجسد ) هي جسد ميت ، وبالرغم من ان التواصل معها يتسم بالبرودة واليباس .. حتى العصفورة الصغيرة التي تسللت إلى فجوة في جدار بيت الجيران وبدأت ببناء عشها وانتظرت على مدخله أن يشاركها فيه طير آخر ، ولكن ( جاء الوقت الذي إكتفت فيه العصفورة بأن راحت تفلي ريشها مكتفية بوحدتها وبنظراتها الشاردة ) حتى هذه العصفورة ترصدها في وحدتها ومللها وانتظارها إمرأة تعاني مثلها الوحدة والملل والانتظار ، وتفسّر سلوكها بما في داخلها إلى الحد الذي يجعل المنظور إنعكاساً للناظر .
ألمحور المكاني
قصة ( كرنفال لطائر المنارة ) :
كما شكل طائر الأورفلي نقطة استقرار في قصة ( حمامة سيتيفان ) فأن طائر اللقلق أدى دوراً مماثلاً في قصة ( كلانفال لطائر المنارة ) وجعل ثورة الأم المغضبة على ولدها المنشغل بمتابعة وصول طائر اللقلق إلى قمة منارة جامع ( خانه قا ) تهدأ وتستقرّ مستوعبة حالة الإضطراب المفاجئة التي اعترت الصبي والمدينة بأكملها وهي تستقبل هذا الطائر الرائع في عودته السنوية إلى ذات المكان الذي هجره قبل عام . وعندما جاء المساء وازدحمت الأسواق بالمتبضعين وتدفقت مياه النوافير وصدحت مكبرات الجوامع بآذان المغرب ، بدا وكأن ذلك كله أشبه باحتفال عفوي تستقبل به المدينة طائرها الضيف الذي يعيش على الأرض في إقامة وارتحال دائمين ، وما عودته الأخيرة للمنارة إلا عودته إلى مكانه وإلى الناس الذين أحبوه ، إنه الحنين إلى المكان والألفة مع الناس والطبيعة . ومن الواضح ان الطائر لوحده في ( حمامة سيتافان ) هو الذي أعاد الإستقرار إلى المشهد المتوتر والمضطرب ، بينما تحقق الإستقرار في قصة ( كرنفال لطائر المنارة ) جراء تفعيل العلاقة المؤجلة ما بين الطائر ( اللقلق ) والمكان ( المنارة ) .
قصة ( الحلم الأخير في قلعة أربل إيلو ) : في القصة ربط عضوي وروحي ما بين المكان والانسان ، فالقصة تروى على لسان بنت ( كما تُفصح عن ذلك الحوارات ) في أسرة تسكن بيتاً قديماً في قلعة أربل إيلو ، وقد أخطرت الأسرة من قبل الجهات الرسمية على مغادرة البيت مع جميع سكان القلعة لمدة محدودة لإجراء عمليات الصيانة . وفي الأسرة جدة معمرة ناف عمرها على المائة لم تقنع بجدوى أعمال الصيانة وكانت تردد ( يقولون للسمكة غادري النهر أياماً كيما نعقم مياهه ثم نعيدك إليه تارة أخرى ) ويُعمق الإحساس بالمغادرة هذه المعاني في نفس الجدة العجوز . فالصيانة ليست الترميم والاصلاح بل هي استبدال الأصيل بالطاريء ، وعندما يُقوّض البناء ، ويُستبدل بآخر تتقوّض معه الروح التي ولدت ، ونمت فيه . وقبل مغادرة القلعة  حلمت الجدّة ( إنها تحولت إلى سمكة تعوم في خضم نهر جار موجه فرات زلال ، وعلى حين غرة نشف النهر كلية من الضفة إلى الضفة ، ومن النبع إلى المصب كما لو تبخرت مياهه إمتثالاً لإرادة آلهية ، أو بتأثير قوة سحرية معجزة ، وما لبثت أن وجدت نفسها تتخبط مضطربة في قاع غريني ) ، كان هذا حلم الجدة الأخير في القلعة ، تلك ألقلعة التي  ترجمتها بلغة الأحلام إلى نهر ، وترجمة علاقتها بالقلعة إلى علاقة السمكة بالنهر ، و مغادرتها المتوقعة للقلعة فقد ترجمتها إلى حالة نضوب النهر  ، أما تخبطها في القاع الغريني فستترجمه الأيام المقبلة إلى المنية التي باغتتها ،  فما إن حانت ساعة مغادرة الأسرة للقلعة كانت روح الجدة قد غادرت الحياة ، فانتزاع الإنسان من مكانه يعني انتزاع روحه منه ، لقد صدق حلم الجدّة ، فها هي سمكة الروح تغادر نهر الحياة لأنها لا تقوى بعد نضوبه على السباحة في بركة الطين . وكما أشاع وجود الطيور في قصتي ( حمامة سيتافان ) و ( كرنفال لطائر المنارة ) السكينة في جو مضطرب ، تعود الطيور في خاتمة هذه القصة لتودع الجدة الميتة ، وتشيع في نفوس المشيعين الهدوء وهم يهمون بتأدية واجبين في وقت واحد ،
–    ألأول : دفن الجدّة في مثواها الأخير .
–    والثاني : مغادرة القلعة وتركها لأعمال الصيانة .
وهم – ربما – لا يعلمون أن الواجبين هما في الحقيقة واجب واحد ، فمغادرة الحياة ليس سوى الصورة المعكوسة على مرآة الروح لمغادرة القلعة .
ألمحور البوليسي – قصة ( إنتقام متأخر )
في القصة يطارد رجل خضع للتعذيب في إحدى المؤسسات الأمنية خلال فترة التسعينيات الرجل الذي عذّبه لينتقم منه قتلاً بمسدس يُخفيه تحت ثيابه ، وبعد تمويهات وخطط ومطارادت وصمت القصة بطابع بوليسي ، إلتقيا في المخبأ الذي يتوارى فيه المجرم وحراسه من المطاردين ، ولكن عندما همّ الراوي – المطارد ( بالكسرة ) بقتل طريدته هجم عليه حراس الطريدة ليقلبوا لعبة المطاردة إلى عكسها ، وليقع المطارد في أسر الطريدة للمرة الثانية ، وربما تكون هي الأخيرة بعد أن قلب ذاك الأخير شروط اللعبة وأثبت إنه يلعبها أحسن من الطرف الأول في كل مرة . وتنتهي القصة بحوار قصير ما بين الرجلين تلخص نظرة الطغاة والمظلومين إلى بعضهم على مدى التاريخ ، فقد قال المجرم ( أغلبكم يجهل أن حظوظ من تسمونهم بالعتاة هي الأوفر دائما . قلتُ وأنا أعض على شفتي حنقاً وأسفاً : ليس دائماً أيها الدموي ) والقصة بعد ذلك مفتوحة على التأويلات ، ولكن ينبغي أن لا تنحرف عن فكرة ان المنتقِم فشل في الإيقاع بمعذبه وقد وقع في أسره للمرة الثانية ، وأن كل طرف من طرفي القصة سيظل متمسكاً بخياراته حتى النهاية ، لأن التنازل عنها يعني إزاحته من السرد وانتهاء القصة نهاية حاسمة ، وهذا ما لا يريده الراوي ، بل ولا تريده الحياة التي لا يمكن لها أن تستمر من دون تناقض واختلاف ، و

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.