د. فاروق أوهان : حمدة محبوبة نوزاد

farooq ohan 7                                تقديم
أناشيد الحزن ، لا تخص
الإنسان لوحده

أتداعى مع عثرة جافلة لرجل فرسي الشهباء ، خائفا من كسر في قدمهـا ،  فيأتيني صوت نائب العريف   شيركو  بلكنتـه الكرديـة ، ونحـن فـي طـريق صعودنا إلى جبل  هندرين  قبل أيام :
– سيدي لا بد أن نعدم الفرس الشهباء ..
– ماذا ؟؟ ماذا ؟؟ سليلة ممتاز* .. لا يمكن ..
– إن رجلها قد انكسرت ..
– وماذا في ذلك ؟؟ كيف نقتل فرسا أصيلة ، ونحن بحاجة إليها في هـذا الخضم؟
– سيدي ، ولكن … ال ..
– قدها مع الأخريات ..
– …و …و ، و  يؤدي التحية لينصرف  ،  سيدي ..
– هذا أمر .
– لا يمكن سيدي ؟ ، فهذا قانون عام ، ستصاب بالغنغرينا ..
قالها على عجل ، رغم علمه بخرق الأوامر ، فأهدأ  ، .. كـأنني أتصنّـع  لشّدة في كلامي        – لا أعرف ، لا أجازف ، .. أدعو العريف  عثمان  ..
ويجيب العـريف بالإيجـاب ، مؤكـدا قـول   شيركو  ، لكـنني أخـاف مـن المسؤولية ، مقتديا بنصيحة ضابط عجوز لـم يـتَرقّ منـذ أربعـة وعشـرين عاما ، القائلة :  إنك لو كنت مَدينـا للجـيش بفلس ، فـإن وريـث وريثـك سيدفعه لا محالة  ، ولا إراديا أعلن كآمر للفصيل :
– اتّصِل لا سلكيا بمساعد الفوج  لقمان القدو  ..
وتنتقل الرسالة مع إشارة  المورس  ، ملخصة بضربات رمزية لكـل حـرف ، تنتظم بالتتابع كأصوات متشابهة ، لا يفهمها إلا جندي الإرسال على جهاز رقم تسعة النقّال ، المرسل ، والمسـتقبل فـي آن واحـد ، مـن خـلال رمـوز الحروف المختصرة بضربات يسمعها المستقبِل هكذا :
– توتوت توت تت* تتتوت توووت* تتتتتوت* توتوتوتوت* ……إلخ
يمكن أن يترجمها السامع المختص على جهاز المورس على النحو التـالي
لكي يستطيع أن يصيغ منها الجملة  البرقية  المطلوبة وهي كالآتي :
– سنجار* يعقوب* ديلم* يعقوب/
– سيدي*
– مدحت* سنجار* أشور* عادل* ديلم*/
– مساعد*
– أشور* لواء* فجر* واحد* جلولاء*/
– الفوج*
– أشور* لواء* شهربان* هلال* بابل* أشور* ء*/
– الشهباء*
– حبانية* مدحت* دربنديخان* ة*/
– حمدة*
– مدحت* كربلاء* سنجار* واحد* رمضان* ة*/
– مكسورة*
– أشور* لواء* سنجار* قادر/
– الساق*
– …
– أشور* واحد* أشور* مدحت* رمضان* كربلاء* مدحت //// ?
– أوامركم //// ?
ويكون موضوع الجملة خارج هذا التقييد الآلي بشريا ، وتقنيا باختصار
هو كالتالي :
– سيدي مساعد الفوج ، الشهباء حمدة مكسورة الساق ، أوامركم ؟
فتطول اللحظات بين تجَهّم ، وتفكير ، وعمـل للمرسـل ، وعـلى الجـميع انتظار الرد غير المتوقع ، ففتح الجهاز من الطرف الآخر ، وإقفاله يحتاج لوقت ، وحل رموز  المورس  لها زمنها ، والوصول إلى حيث يحـتمي المسـاعد في مكتبه بين الثكنات في  الربايـا  المحصّنـة ، لـه مراحلـه الشـاقة ، ومجاله غير المحسوب ، والجمع هنا صابر عـلى مضـض ، فهـذا التجـمّع حـول الفرس ، غير مسموح ، لأنه غير صحيح عسكريا ، فهو كمين سهل ، وغـير متـوقع للمعارضة ، خصوصا وأن الوقوف الاضطـراري حـصل فـي منحـدر وادٍ تتوسـطه ساقية لجدول صغير ، عبر جزء الَرّتل إلـى الطـرف الآخـر ، وبقـي الجـزء الثاني من الرتل مع الفرس المصابـة ، منقطعـا قبـل العبـور حـيث تـربط القنطرة طرفي الساقية ، وتفصلهما في آن واحـد ، وتنتشـر فـي الحـال كـل أدوات الإرسال الذاتية ، رغم تصَنّع اللا مبالاة ، كإحدى مظاهر الشجاعة لكن الاحتماء بالانتشار ، واجب لازم ، ومـن بديهيـات الظـروف الحربيـة ، فأسرع أنا الآخر للاحتماء تحت شاحنة العتاد رغـم علمـي بأنهـا قنبلـة موقوتة ، فسقف يحمي أفضل من الانكشاف لراصد يعتبرني هدفا سهلا ، وتلامس جبهتي الأرض الخضراء بعنف الارتطام ، فتتوق نفسـي رغـم الألـم للبقـاء خارج هذا الإطار ، والتحدد ، لا أنتمي للجهتين المتقابلتين ، وإنما أركض مع كل البسمات لأطفال الربيع ، وشبابه ، أجمّعهم لنقيم عرسا  نوروزيـا  في أيام  آذار  الماطرة ، التي مضت ، نقفـز هنـا وهنـاك ، والنـدى يبلـل أطراف الورود البرية من حولنا …
وأعجب من تصَرّف  شيركو  ولا أعرف هواجسه ، ونواياه ، فكيف يستطيع الفصل بين واجبه كعسكري ، وبين انتمائه لشعبه ، وأهلـه الـذين تقـاتلهم السلطة ، وهو أحد أدواتها ، ما هـذه القـدرة عـلى التحَـكّم بالمشـاعر ، والفصل بينها ، فهو يحمل السلاح ضد أهلـه ، وأرضـه ، وشـعبه مجـندا ، بـل موظفا لا يؤدي إلا واجبه ، عكس هؤلاء المتطوعين من  الجحوش*  عقائديا ، لإفناء إخوانهم بالخيانة متطفلين على الطرفين ، مستفيدين مـن الـنزاع ، فمن السلطة يأخذون السلاح ، بأعداد يبالغون فيها ، لأنهم يضيفون أسـماء لمقاتلين غير موجودين ، ويستفيدون مـرة ثانيـة عندمـا يبيعـون الفـائض للمقاتلين  البيش مركه  ، بأسعار خيالية .
وأنظر متبلّد الشعور إلى قلقه ، وقد ابتعدت عني كـل بهجـة حـاولت اختلاسها من هذا الربيع المغتال ، فأرى الشهباء الحزينـة عـلى ذاتهـا ، فأجلد نفسي باللوم كأنني المسؤول عن كل ما جرى ، وأنني القاضي بتقريـر مصير حياة كائن حي سأعدمه نعمة الحياة ، فلا أقاوم النظر إلى عينيهـا ، بل أنكسر لأنني أفهم بأنها لا تطيق انتظار لحظتهـا الآزفـة فـي عـذاب أطول ، فتتوسل نهاية القرار بأنين يتردد كنواح ينعكس عـلى جـمع الخـيل المنتظر مسيرته عبر القنطرة ، هؤلاء العارفون أكثر منـي نهايـات لآلام كهذه ، وكأن صوتا داخليا يعزف بتوحد ، أن :
–  امنحوها نعمة الرحمة  …
فيعم تشتت الخيل رغم توحّدهم الظاهر ، وتدور فـي الأصـداء أناشـيد التعزية الحزينة ، المبكرة ، لموت متوقع ، من صهيل ، ، ، ،
– صهييييل ، صهييييييييييل ،
جماعي ، أو منفرد  ، يتبعه إيقاع الحوافر المرتبكة .
– تراك ، تراااااك ،
إلى أنين عميق رخيم ، ، ، ،
– أنيييييييين ، أنييييين ، أنيييين ،  عميييييق  ،  رخيييييم  .
– تراااااااق ، تراق ،
تعزفها أفواه ، وحركات الخيل على إيقاعات الحوافر المضطربة .
– تراك ، تراق ، تريييييق ، ، ،
محمحمات ، ضجرة ، متأففة ، عمية الحزن  ، ، ، ،
– حممممممم ، حححححممم ، ترررررش ، حممم .
ويتأسّف المساعد من بين إشارات  المورس  على الشهباء آخـر سـليلات  الممتاز  في بلادنا ، متعشما استيراد إحدى سليلاته المتوالدة في بلاد الجرمان ، والنمساويين اللواتي هاجر أباؤهن إلى هنـاك .. وينتهـي عـلى أول صوت لإشارات  المورس  نشيد الحزن لجمع الخيل ، فيستدير الـركب عـن الفرس ، كأنه يريـد أن يفسـح مجـالا أرحـب لروحهـا كـي تنطلـق ، وكـذلك للابتعاد عن رؤية مشهد الإعدام ، لكن قسوة اللحظة بشِدّتها لم تتجـاوز  نوزاد  سايس الشهباء  حمدة  فعبّر عنها بدموعه الحارة ، ورفضه تنفيـذ الأوامر ، هاربا مرتميا على ربوة معشوشبة وزلقت قدماه ، فوقع عـلى غـير هدى .
وبين هذا التنازع على البقاء ، وهذا الجو المفعم بـالحزن ، والبكـاء من سايس مسكين ، ومجتمع حيواني على أليفتهم التـي زاملوهـا زمنـا غـير قليل ، يتولى  شيركو  نائب عريف الفصيل المهمـة ، فيقـوم بـوز بندقيتـه باستقامة مرصودة ، وبحنكة ماهرة ، يطبق بؤبؤ عينـه اليمنـى ، عـلى فرضـة وشعيرة البندقية ، لكي لا يخطيء هدفه ، وهو اراقة دم حياة لا تزال تعـي وتتحرك ، وتتبادل المشاعر ، مع مجتمعها ، ومع سايسها ، وحتى مـع قاتلهـا ، ودون تردد ، وبسرعة خاطفة تضغط سبابته على الزناد …
– طاااااااخ ، ، ، ،  يعود الصوت مترددا مرتين بفعل الصدى  .
وينام الجسد الأشهب على الأسفلت الحامي في صيف تموز ، قرب سفح جبل  حرير*  ، ويدير الركب ظهره لآخر الأنفاس الحارة التي تلاشت سريعا فوق مياه الجدول الدافئة ، ويقتاد العريف  عثمان  ، الجندي المكلف  نـوزاد  سايس الفرس  حمدة  عنوة لكي ينتظم في الركب الراجل ، بينما سيظل الجسد عرضة لوحوش الغاب ، وكواسر الطيور .
ويـودع  نـوزاد  بالتفاتـات متكـررة روح وجسـد معشـوقته ، فيحــس بأنفاسها تتسلق أدراج غيمة فوق جدول  جسر سيد صادق  ، والمياه تجري من تحته بسكون ، وصمت حزين .
       هوامش –
       ——–
* نوزاد : من الأسماء الكردية .
* شيركو – من الأسماء الكردية .
* الممتاز: انتقلت الخيول العربية إلى أوربا في نهايات القرن  ، التاسع عشر وقد كان نابليون أول من ركب الحصان العربي ، وذلك
في عام 1870 .
* هندرين : ثاني أعلى جبل في العراق ، بعـد  حصروسـت  يتمـيز بعـرض  سطحه ، وانتشاره ، والصعود إليه يستغرق يوما .
* نوروز : عيد الربيع في العراق ، وما يجاوره من البلدان .
* آذار : الشـهر الثـالث مـن أشـهر السـنة الميلاديـة السـريانية/   العربية المشرقية .
* الجحوش : هم فصائل من الأكراد من المؤيدين للسلطة في قتالها مـع أبناء شعبهم الكردي ، وكما يدعوهم شعبهم .
* تموز : الشهر السابع من السنة الميلادية السريانية .
* حرير : جبل في شمال العراق قبـل الوصـول إلـى مضيـق  ككـلي عـلي بكك .
نشرت في مجلة المنتدى ، بدولـة الإمـارات العـدد (52) نوفمـبر1987 ،      بعنوان  حمدة محبوبة سردار  .
ونشرت في مجموعة هديل على الحدود عن دار سينا للنشر بالقاهرة 1997

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *