حوار مع الروائيّة الفلسطينية بشرى أبو شرار- حاورها : عذاب الركابي

boshra abo shararathab alrekabiالروائية بشرى أبوشرار .. هي الرواي الصادقُ والبطلةُ بامتيازٍ لكلّ هذا الكمّ من القصّص والروايات ،حين قرأتُ روايتها”أعواد ثقاب” منذُ سنوات ، وشمّمتُ بظمأٍ وردة أسرارها ، وأغرقني سيلُ أُمنياتها وأحلامها ،وأصغيتُ لأوركسترا انتمائها ، أدركتُ أنّها ستعقدُ حلفاً مع الكلمات ، شاهدهُ وطنٌ لنْ يغيبَ عن سريرِ ذاكرتها المخمليّ ، يتجدّدُ بفسفورِ كلّ حرفٍ ، ويتسّعُ عندَ كلِّ آهةِ إلهامٍ ، ويصبحُ بحجمِ العالمِ ، حينَ تكتملُ الروايةُ بحبرِ نزيفِ قلبٍ لايتوقف ، وفتافيتِ جسدٍ ، كلّ رعشةٍ فيه هي مشروعُ قصّةٍ جديدة أو روايةٍ تحكي سيرة الفلسطسني .. مواطنها ، سيرة الأرض والزيتون والبرتقال والطفولة المصادرة ، والأحلام والأفراح المؤجّلة ، تحكي نبض كلّ شارعٍ في غزة وجنين ورام الله ، وترسمُ لوحةً لأضوائه الكرستالية وهي تأبى الانطفاء ، وفي كلّ خيط ذهبي من خيوطها تلعن الوقت المهادن والمحتل الظالم ..
بشرى أبوشرار أردتُ أنْ أُحاورها ، فوجدتُ نفسي قدْkh boshra sharar 3 انتميت لها فكراً .. وحُلما ً .. وهمّاً ، أشبهها في الكثير من ملامح أحلامها ، وألتقي معها على ضفاف الكلمات ، ونحن نقيمُ عالماً مخملياً لانطالهُ في زمنٍ غادرٍ خؤون .. وأنا أتعرّف على بطلتها الرائعة( فدرة) التي هي ( بشرى) في طفولتها ، وأسرارها ، وأحلامها ، وروحها الشجاعة التي تراهنُ أبداً على ضحكةِ  الأرض ، وصبر أهلها الطيبين.. بشرى أبو شرار تكتبها الكلماتُ ،وتحكي سيرتها ، وجميل أحلامها الروايات ، .. هي مبدعةٌ لاتتسلى، بل تتشظّى ذاتها وهي ترسم لوحاتٍ باهرةً للحقّ والعدل والحرية والكرامة .. مَنْ يُردْ أنْ يعرف شيئاً عن ذهبِ قريحتها ، فليصغِ لها في هذا الحديث الدافيء ، ومَنْ يردِ المزيد ، فأدله على رواياتها : “أعواد ثقاب” و” قمر في الظهيرة” و”شهب من وادي رم”.!!

      حاورها – عذاب الركابي

صدرَ لها :
* مجموعات قصصية : أنين المأسورين – القلادة – جبل النار – اقتلاع – حبّات البرتقال
* روايات : أعواد ثقاب – 2003 القاهرة- شهب من وادي رم – 2005 القاهر
– من هنا .. وهناك -2006 القاهرة- شمس 2008 القاهرة – أنشودة الشمس 2009 الأسكندرية – حنين2010 الكتاب الفضي – قمر في الظهيرة 2010
دار الهلال – القاهرة
– شهب من وادي رم / طبعة ثانية دارالهلال القاهرة 2012.
* حصلت على العديد من الجوائز الأدبية الإبداعية .

   . أنتصر بالحرف والكلمة .

* الكتابة مُغامرة .. معركة مُضنية شريفة مع كلّ مايدورُ حولنا .. نعيشُ طعم النّصر حتّى في الهزيمة .. قولي لي ما أسلحتكِ الأشدّ فتكا ً في هذهِ المعركة ؟
– أتمنى أن أقبض على أسلحة هي الأشد فتكا ً…. وأسلحة المبدع هي حروف تقاتل من قلب الكلمات ، وكم تتسع ساحات المعارك في عقل وقلب كل مبدع حقيقي ، معارك تتوقد في روحه المأزومة الباحثة عن الحقيقة ، والحقيقة نور قد لا يرغب الكثيرون أن يفترش مساحاتهم المعتمة ، أنتصر بالحرف والكلمة ، أنتصر على أوراقي البيضاء  ، قد أتماهى مع أوجاع تشبه أوجاعي ، فيتحقق النصر في محيط الهزيمة ، الأسلحة الأشد فتكا هي عزيمة لا تلين ، أن لا نسقط في هوة الصمت ، أن تظل الفكرة بهية طازجة لا تشيخ ، بل تكبر بمولد كل فجر جديد .
    . الرواية ُ كرحلةٍ جبليةٍ صعبةٍ .

kh boshra sharar 4*ولماذا القصّة القصيرة والرواية من دون غيرها من فنون الكتابة المتعدّدة؟
– القصة القصيرة جذبتني لعالم الرواية ، من وهج القصة القصيرة دخلت لعالم نوراني يتوهج في قلبي لأبدأ رحلة جبلية صعبة في عالم الرواية ، هكذا وجدت ذاتي المجبولة بالألم تلتحف القصة والرواية لأرمم ما تكسر مني ، أنتج تجربتي ، تحيا على أوراقي البيضاء ، أدغدغ ذاكرتي ولا تخونني ، هكذا جذبتني الرواية من عتبات القصة القصيرة .

. الرواية فسيفساء على جداريةِ الروح .
*صارَ الحديث عن فنّ الرواية في كافة الأوساط الثقافية العربية مُتشعبا ً ومغريا ً .. البعضُ يراها تكتسحُ كلّ شيء ، والبعض الآخر يسيلُ لعابه على لقبِ- الروائي .. كيفَ تعللينَ ذلكَ ؟ أهو زمنُ الرواية فعلا ً؟ ألا ترين أنّ البعض يستسهل كتابة هذا الفنّ العظيم ؟ حدثيني !!
– الرواية تكتبني ، الرواية سحر غامض يأتيني من عالم الغيب ، هي عظامي التي أكسوها باللحم من دمي وروحي فلا ألتفت أو أتكالب على مسميات ، فالرواية تفوق كل هذا ، أما البعض من أشباه الروائيين يجد في هذا اللفظ معنى يضيف له ، ولكن الحقيقة أن للرواية عوالم لا يدركها إلا كل مبدع حقيقي ، مقولة زمن الرواية مقولة عبثية ، يوم خلق الإنسان على الأرض يوم ولدت الرواية من قلب الحكاية  ،الرواية ممتدة عبر كل الأزمنة ، قد يستسهل البعض كتابة هذا الفن العظيم ، ولكن لا تخرج الرواية في منظومة الأعمال الخالدة التي تصير نجوما في حياة الإنسانية ، الرواية تكتبنا ، الرواية حياة تضج بالوجع ، العطاء ..  القيم .. المحبة .. عبثية الحياة .. فسيفساء على جدارية الروح لحياة من كانوا .. تترك بصمات من الصعب نسيانها .

   . الإبداعُ وجهُ الحقيقة .

*أنا أعتقدُ أنّ مصطلحات : المدارس والأجيال والأزمان قدْ انتهى ، لأنّ الإبداع هو زمنُ اللازمن .. وفنون الكتابة تتداخل ، ويكمّلُ بعضها بعضا ً ، ومن الصعب أنْ يتنازلَ فنّ من الفنون عن كرسيّه الوثير .. ماذا تعتقدين وأنت القاصة والروائية التي تفضّض جبين زمنها وعصرها بجميل الكلمات الهادفة .. المؤثرة التي تدق أجراس الخطر عبر أعمال روائية لها صخبها الضروريّ ؟؟
– الإبداع هو زمن اللازمن  ، هو رصد لمرحلة ما في زمن ما ، هو وجه الحقيقة التي يهرب الكثيرون من تجلياتها ، وإن حدث وتداخلت الفنون وولد منهج التجديد في الرواية ، يظل للرواية ألقها وسحرها وخلودها مهما حدث من متغيرات في ابتكارات المبدعين ، ظلت الرواية ملكة على عرشها ، رغم محاولات دمجها وتغير بنيتها الفنية وتنامي عبارات جدلية في توصيف الجنس الأدبي الجديد  ،هل هذا العمل رواية أم يقع تحت مسميات مبتكرة ؟!!! وتجد ترحيب في أوساط المجددين إلى أن يواجهوا حقيقة لا تقبل التغير ، أن الرواية فن خالد من الصعب العبث بجدارنه …..
*يقولُ أنطونيو تابوكي:( إنّ العدلَ والمساواة يمكنهما أنْ يشاركا في هندسة العالم ) ..كيف ترين عالما ً من دون عدل ونور ؟ هل تكفي القصائد والقصص والروايات لهزيمة الظلمة واللاعدل ؟ أهي أداة مقاومة ودفاع عن النفس  أم أنها لحظة مخملية وانتصار على بلادة ورتابة الواقع المعيش ؟؟
– عالم  من دون عدل ، عالم لا ينتمي لإنسانيتنا التي من أجلها خلقنا ، عالم  من دون عدل أراده آخرون لنا ، رغما عنا ، لنغرق في ظلمات الجهالة والاقتتال ،  وتتبعثر كياناتنا ، عالم  من دون عدل ، عالم الظلم والكره ملون بالأحمر …. وأرضه خراب ، تموت الحياة …. ويفنى الإنسان في أرض التيه الممتدة في بحور الظلم والظلام .. !!

  . حينَ أكتبُ أستعيدُ ذاتي المتشظية .

kh boshra abo sharar* هذا جويس كارول يقولُ :( أشعرُ بالخوف دائما ً، ولكنني عندما أكتبُ أعيش حالة من الاهتياج والإثارة ) .. قولي لي ماذا تشعرين لحظة التوهج والكتابة ؟ أي إحساس جهنمي هذا الذي يعيشهُ الكاتب ؟؟
– في البدء كانت الكلمة ، والكلمة منارة الروح ووقودها الوجداني ، الكلمة التي تكتب من ينابيع الصدق ، وتجدل من عبثية الحالة التي نكابدها ، تزيح العتمة تهزم الظلمات ، تهز عروش الطغاة ، وكم من الصراعات استهدفت الساحة الثقافية والمثقفين ، كم من الصراعات عبر التاريخ بدأ معركته بحرق المكتبات وسرقة التاريخ وتزويره من خلال البرديات والنقوشات الحجرية ، وكم من الحضارات قامت ونمت وازدهرت حين بدأ السباق على نقل المخطوطات وترجمتها كما حدث في وهج الحضارة الإسلامية ، هنا نستشرف وبيقين قوة الكلمة المكتوبة التي ترصد زمنا ً ما في مسيرة حياة الشعوب ….
” جويس ” يصف حالة حين يكتب بالإهتياج والإثارة ، وأنا حين أكتب أستعيد ذاتي المتشظية  ، أرمم فيها أوجاعا لن تصل إليها يد أمهر الجراحين ، بالكتابة أستعيد ذاتي وأصير على الورق حياة .. قد لا يوفق الكثير من الكتاب في وصف الحالة حين يكتبون ، ولكن في روحي تسكن أدراج أوصدتها ، أفتح منها الواحد تلو الآخر لأصير كيانا مغايرا ، كيانا ً كونيا ً فريدا ً أراه على أوراقي البيضاء كتابا ينداح لأيقونة في روح كل متلق ٍ ، فيلون مساحاتنا البيضاء بألوان قزح ….من الكتابة إستعدت مدني الضائعة قبل أن تتلاشى على أرض واقع يلفه الغموض ، إستعدت شخوصا غيبها الرحيل ، فصارت دما ولحما يموج بالحركة وعمق الحدث في صفحات تركن للسكون على رفوف مكتبتي ، حين أسترسل في وصف  حالة الكتابة قد لا أنتهي  من أحاسيس تتجدد في وجداني مع كل عمل  ،له روح تعصف بكياني حتى يتشكل خلق جديد ..!!

   . المستعمرُ زائل لأننا الحق .. والضمير .
*وحين ترينَ مايجري في غزة وجنين وغيرهما من المدن الفلسطينية الظامئة للأمان من ممارسات العدو الصهيوني .. غطرسة .. وعدوان .. واحتلال ظالم مُؤيَّد من قبل غرب منحاز بشكل فاضح .. وصمت عربي مُخجل
ماذا تقولين وأنت المبدعة الفلسطينية التي تغذى فسفور حروفها من عذابات وأنين وأحلام أطفال تلك المدن ؟وماذا تقترحين لتغيير العيون التي ترى الواقع على حد تعبير – كازنتزاكي ؟؟
– مع شروق كل نهر جديد تطالعني ” غزة ” بسواقي رمالها ، ورغاوي موجها  ، ووشوشات صدفاتها ، مدينتي تلال رملية ملقاة على كتف البحر، وجنين وهي نائمة في حضن جبالنا ، ونجوم تلامس جباه الشموخ فيها ، تراب …. تراب ….. وطن وشعب …. من هنا يتلاشى الكيان الصهيوني من عقلي وكل كياني ، منظومة الجمال في عشق وطن لا أرى فيها هذا الكيان الغاصب، لأن موطني هو ثلاثية الجمال في قلبي ، ولن يشوه معالمه هذا الغاصب المحتل المتلاشي في ذاكرة أمتي المظلومة ..!!
القضية اتسعت عن جغرافية فلسطيننا ، الحالة تشظت لتشمل كل وطننا العربي ، النور في عيني ينداح لكل بقعة في وطننا العربي الذي تغتال أحلامه، وتنهب مقدراته ، وفحيح الأفاعي يتردد في فضاء مدننا  ،وصارت كل شعوب العرب على آلية التشرد في أرض التيه ، نحمل أجسادا ً نازفة وآلاما ً غائرة، وصار ألمي آلاما على طريق الشوك الذي لا ينتهي  ، ولتغير العيون لواقع مغاير أن يقيننا يزداد قوة ، الحق هو الشمس التي من الصعب أن نميت شروقها ، فلسطين لنا  ، وأرضنا العربية لنا ، المستعمر زائل …. زائل …. لأننا الحق …. لأننا الضمير ….. قوة لن يخبو نورها ..!!
   . الكتابة أعطتني روحاً متقدةً بنور الفكرة .
* بشرى أبو شرار القاصّة والروائية وكم مثير .. بهيج من المجاميع القصّصية :( أنين المأسورين ، جبل النار ، اقتلاع ، حبّات البرتقال) ومن الأعمال الروائية ابتداءً من ( أعواد الثقاب 2003 ) ومروراً بــ ( من هنا وهناك 2006) وحتى ( حنين ) و( قمر الظهيرة) 2010 إنه  زمن كتابة ونزيف عسير .. ماذا أخذت الكتابة منك ؟ وماذا أعطتك ؟
– الكتابة لم تأخذ مني ، الكتابة أعطتني روحا ً متقدة بنور الفكرة وآلام التجربة، وإن أخذت مني وقتا وجهدا ومثابرة فهذه حياتي المحببة إلى نفسي ، أنا في صراع مع الوقت  ،لأقدم وأنهل من معين من سبقوني ، فهذا هو زادي في حياة قصيرة نعيشها  ،أقرأ لتسمو الروح في جسدي وأكتب لتشفيني الكلمة حين أطلقها على الورق  ، أطيرها في وجه الريح ، فتشرق روحي من جديد ..!!

  . الجائزة تشعرني بالخجل .

kh boshra abo sharar* حصلت على جوائز إبداعية قيمة عديدة ، في مقدمتها ( جائزة إحسان عبد القدوس ) في القصة القصيرة ، وجائزة الجمهورية عن روايتك – شمس .. هل الجائزة مثابرة وحافز دائم أم مسؤولية أكبر ؟ أم أنها قلق آخر يُضاف إلى قلق الكاتب المزمن .. والمبدع الحقيقيّ .. ماذا ترين ؟
– لم يقترب مني القلق يوما ، يسكنني القلق من أزمة الحكاية ، وحين تختارني الجائزة أشعر بالخجل ويساورني شعور بأني لا أستحقها ، ولكن ما يحزن قلبي أن هذا الزمن لا يلتفت للكاتب إلا حين يحصد الجائزة تلو الأخرى ، لذا أتمنى أن تقترب مني الجوائز لتتناثر كتبي في أصقاع المدن ، المبدع الحقيقي لا يحتاج لوقود يحركه كجائزة ..  الإبداع هو موهبة تسكن الكاتب لا يستطيع التملص منها إلا برحيله عن الحياة ..!!

. الاحتفاءُ باللغةِ هي حالة ٌ تسكنني .
* فازت رواية ” ليلة القدر” للطاهر بن جلون بجائزة ” غونكور”  الفرنسية  لكونِها الشعريّ .. إلى أيّ مدىّ يمكن أنْ يستفيدَ الروائي من الشعر؟ ورواياتك جميعها تفيض بالشعرية ؟ لمّن تقرأين من الشعراء ؟ ومَنْ شاعرك الأمثل ؟
– هو عشق أزلي للغة , واللغة تتجدد ويورق ربيعها من جماليات الشعر وسحر الصور المحلقة في فضائه , إيقاع الكلمات التي تقترب من العزف على أوتار اللغة بمستويات صوتية تحمل في معين اللغة دلالات تثير دهشتنا وتثري قريحتنا في تقديم اللغة في أجمل حلة من خلال نص قصصي أو روائي , الاحتفاء باللغة هو حالة تسكنني , حالة لها طقوسها , تعبر إلى روحي من بوابة الوعي واللاوعي , اللغة الشاعرة تحتل كياني , لا أعرف من أين أتت إليّ , صارت الزائر المقيم , وصرت أنا أبحث عن روافد الشعر لكي لا ينضب معينها في عقلي ووجداني

. أحرقُ أصابعي لكلّ الأسماء .
*لوْ أخبرتِ بحريق في مكتبةٍ ما .. وطُلِبَ منكِ إنقاذ خمسة كتب فقط ؟ ماهي هذهِ الكتب التي من أجلها تحرقين أصابعك ؟
– هو سؤال الإشكالية , سؤال يضج بالحيرة والوجع , بل هو حريق الألم حين تلقي إليّ بصورة لحريق مكتبة ما , تطل على ذاكرتي البعيدة حريق مكتبة ” الإسكندرية ” في عصر البطالمة , وضياع مكتبة بغداد , مكتبات لم أمر بها ، ولكن يأخذني الحنين لعبق الكتب وسحرها , أما وإن وجدت نفسي أمام حديث تصوري ولي أن أختار أي من هذه الأيقونات أحرق أصابعي لأجلها , قد أحرق أصابعي لكل الأسماء ولا أبقي على أي اسم منها ليأكله الحريق ….
. غادة السمان رائدة الرواية النستولوجية .
*( غسّان كنفاني ، نجيب محفوظ، عبد الرحمن الربيعي ، غادة السمّان ،  محمود درويش ، ناجي العلي ، الجواهري ، أحلام مستغانمي ، ماجد أبو شرار).. إذا سألتك كمبدعة كبيرة ، أن تختصري كل واحدٍ من هؤلاء في كلمات شديدة الكثافة والاقتصاد .. ماذا تقولين ؟
.” غسان كنفاني ”
تجسدت في أدبياته مأساة وطن …..
بأديم ترابه يحيا الإنسان …. والموت لحن الحي , إذا لم يكن منه بدّ لتعميد الأوطان …. غسان لا زال يطارد خوفهم المجبول بنار طغيانهم , ظنوا أنهم قتلوه , وما صهروه , بل ظل الحقد يتفجر في أحشائهم كما البركان …..

.” نجيب محفوظ ” هو سيرة وطن , كل ما قدمه نسيج واحد يلتحم فيه مع واقعه في وطنه ” مصر ” التي هام عشقا فيها , غادر ” نجيب محفوظ ” طارحا أسئلة لا زال أغلبها بلا إجابات , هو كيانٌ إبداعيّ مثقلٌ بهموم تتعلق بالمصير الإنساني .

.” عب الرحمن الربيعي ”
الربيعي ورحلة اغترابه وغربته في بحور ذاته المتشظية في مدن المنافي البعيدة , بحثت عنه , فلم أجده إلا في صفحات كتبها , وعراق مغتصب , ومدينة تبتلع الأشياء كلها حتى أحلام البشر …. ” الربيعي ” الذي هناك ينتظر على حافة الغروب , قد يأتيه حنان وطن يقتل جفاف أيامه , يضمه حتى الفناء , وأنا الباحثة عنه وسط الركام والمآذن المهدمة وأشلاء الجثث والمدن الزائلة …. من ” شحوب قمر ” يحكي عن بيروت المخضبة المقتولة , وحكايات الربيعي من الناصرية حتى الفلوجه , إلى بلاد المنافي البعيدة …. مضى يحمل شحوب قمر عراقي من قديم الأزمنة , وجوه شاحبة قتيلة في عالم فقد فيه الربيع والرجاء …. ” وربيعي ” عائد ولكن في شحوب قمر …….

kh boshra abo sharara 2.” غادة السمان ” كاتبة كبيرة ، ورائدة الرواية لنستولوجية بلا منافس !!
.” محمود درويش ”
وريثٌ لكل الثقافات المتعاقبة على فلسطين , شاعرٌ طرواديّ , قاوم الحصار شعريا , بين ضوء الكلام وظلمة الزمن عاش ” محمود درويش ” ها نحن في حضرة الغياب يربكنا ولا ندري ما نقول فيه , ومن أين لنا الكتابة عنه , كيف الكتابة عمن قضى العمر وأعمارنا يعلمنا الكتابة ؟………..
.” ناجي العلي ”
حياة ناجي العلي هي أعظم لوحاته على الإطلاق , أين منا “حنظلة” في دهاليز الصمت المعتمة ؟….. أين مني شاب نحيل الجسد , أشيب الشعر , أدار ظهره للعالم لتظل ” لا ” ويسأل ” حنظلة ” ألا تخاف آفات طفيلية قد تنخر جسدك النحيل في المنافي البعيدة ؟…..
قد أكون الهارب إلى الوراء لأتقدم خطوات إلى الأمام , في جيبي رصاصة في قلب الفساد , المساومات , التخلف , لن أطلقها على أحد , دماء لوحاتي غزيرة ليصرخ الجميع معي بكلمة ” لا ” .
.” الجواهري ”
شاعر عسر الأسلوب , يتعب الدارس والقارىء والسامع لشعره , التقت في شاعريته روافد الشعر العربي الأصيل , قرأ كثيرا , وحفظ أكثر , أظهر سمة تتجلى في شعره طول النفس , قوة الأسلوب والتعقيد في المعنى , تمرد على مألوف قومه وكأنه أسطورة شعرية وأنه إله الشعر كما يقول هو عن نفسه .

” أحلام مستغماني “.. لها قراؤها الذين يفضلون الرواية جنينا ً شعرياً !!

.” ماجد أبو شرار”
” ماجد ” لم تنثن حروف كلماته ولا وهنت روحه من عذابات المنافي , كلماته تفترش سوافي الأرض , فارس شجاع , ركب في لحظة شعاع الصبح المسافر إلى ” روما ” ليكتب بآخر قطرة من دمه , ليغدو بطلا من أبطال التحرير , ” ماجد ” ذلك المثقف الثوري وكيف عانق الكلمة بالبندقية , لم ييأس , ولم يهرب , بل ظل واقفا ً صلبا ً , كم كان يقلق ولكنهُ قلقُ المثقف الملتزم الذي يريد تصحيح الأخطاء وتجاوز العقبات …. الثقافة عنده ليست هروبا ولا راحة ولا جلسة كتاب , إنما هي كتاب وقلم وفكر في قلب الواقع الحي .
. بالكتابة أعيد ترميم ذاتي المهدمة .
*يرى بعض النقاد والكتاب ، ومنهم أصدقاؤك ، بأنك مكثرة في الكتابة .. غزيرة الانتاج .. ملحة في تسجيل تفاصيل حياتك، تواريخ صدور رواياتك تقولُ ذلك أيضاً ..كيف تردّين ؟ أهو النزيف الذي لايمكن تأجيله كما أراه أنا ؟ أمْ هو الرغبة في الحضور والمزيد من الانتشار كما يراه الآخرون؟ حدّثيني !!
– هو نزيف يجتاح كياني , أقف على حافة الحالة النازفة لأكتب منها حكاية قد تضمد من جراحي الغائرة , إنّ فعل الكتابة هو عالم مواز ٍ لعالم الوجع الذي أحيا به , فتورق منها حكايات خجولة , وتضيء بها مساحات معتمة , كيف لي أن أعبر إلى مساحات النور إلا من مداد أنسج منه جسرا للعبور , بالكتابة أعيد ترميم ذاتي المتهدمة , بالكتابة يتجسد لي فعل المقاومة , وكل من يطاردون أحلامي الوليدة , لكل من يغتالون من تفاصيل أيامي التي أحنو عليها , مداد حروفي معجون بصدق الحكاية من وجه كل المرايا التي لم أقرر أن أصلب ذاتي المتشظية على وجهها , لأنها لا زالت تحمل من ملامح وجهي وظلال حروفي التي لم تكتب بعد.
. الرواية حكايات لا تموت .
*يعرّفُ الروائي العبقري – ميلان كونديرا الرواية بأنها ( صدىّ لضحكة الإله ).. ماتعريفك المقتضب المقتصد لفنّ الرواية ؟؟
– هي تجربة الإشكالية لعالم يكتنفه الغموض , نخوض فيه بقلب جسور , فلا نهاب الحكاية ولا حروف كلمات كاشفة , كلمات تزيح كل الحواجز وقد تقطع الجسور لتمتد أخرى نعبر بها لعالم أفضل , روايات تعيد تشكيل حياة مغايرة مخلفة وراءها حكايات تصرخ في وجه التاريخ تعيد عقارب الساعة لحكايات من وجع , من دم ولحم , حكايات لا تموت بموت من كتبوها , تصير لي ولك ولكل عابر إليها , روايات تصير أوراقا , كتبا , لا تموت , حياة تكمن فينا شأن ارواح من كتبوها .
  . الكتابة أداة مقاومة ضدّ بلادة الواقع .
*ويقولُ مكسيم غوركي في كتابه الرائع ” كيف تعلمت الكتابة”)إذا كانت الكتابة بليتك الكبرى ، فلا ينقذكَ منها سوى الموت ) ما رأيك ؟ هل الكتابة بلية ؟ أمْ متنفس ؟ أم هي أداة مقاومة ضدّ بلادة الواقع والعالم الذي يضع يده في يدِ الظلمة ، ويديرُ ظهره لمواكب النور ؟؟
– الكتابة هي نسق المقاومة , الكتابة هي من عالم الفرسان , تأتينا كطوفان يشكل ذواتنا من جديد , نعم يا سيدي هي أداة مقاومة ضد بلادة واقع يفترش مساحات حياتنا , فتنهض الأقلام لتغير وجه الثابت للمتغير , تغير وجه الحقيقة , لحياة أكثر اشراقا في أرواحنا وقلوبنا .

. الرواية تجتاحني .   

*( كلّ رواية في أحسن تعريفاتها سيرة ذاتية) – أناتول فرانس !! وأنت حاضرة بقوة ، وموجودة في جلّ أعمالك الروائية إذا لم تكنْ جميعها ، أهي الذات – القضية – التاريخ ؟ أمْ أنها الذات المقاومة التي لا تريد أن تغير الواقع ، بلْ العيون التي ترى الواقع ! أي عمل ٍ روائي كنت موجودة فيه أكثر ؟
– الرواية هي كل هذه التسميات , أجدلها في ضفيرة واحدة , الرواية هي حالة تجتاحني , تعصف بي , تطيرني في فضاء الحكاية , في رحلة قد تطول وقد تقصر , حالة حين تغادرني يسكنني حزن مقيم لفراقها , وفراق أبطالها في شخوص هي جزء من كياني , ما أجملها من حالة حين تأتيني , ويا لحزن قلبي حين تغادرني إلى رحيل , هنا لا يبق لي حيلة إلا الترقب والإنتظار لحالة تأتيني لا أعرف كيف تأتي ومتى تغادر .

. لا أستطيعُ الهروب من بطلات رواياتي .
*( فدرة) و( شمس) و( حنين) بطلات رواياتك الأخيرة أهم حلمٌ واحدٌ أم مجموعة أحلام ؟ أهو الحلم- الوطن ؟ أم الحلم الحرية – الوجود ؟ أم هم كلّ هذا؟ ماذا ترين في بطلاتك وأنتِ تسقيهنّ عسل عذاباتك وهمومك ومعاناتك ، وهواجس غربتك ؟؟
– كل ما قدمت كتبته بكل كياني وصدق تجربتي لحالة تسكنني بخصوصية فريدة تشبه العطية الإلهية ….. ما ” فدرة ” إلا أنا و”شمس ” وحنين ” وأنى لي الهروب منهن , وكلما امتد بي العمر تسكنني الأسماء والوجع ومداد وأوراق , كيان أنا يحث السير على أرض مؤرقة بحكايات لم نكتبها بعد , في كل وقت تطل على قلبي الأسماء , منها من يسكنني ومنها ما أن يطل حتى يغادر .

.  أبي أيقونة على صفحات ِ كتبي .
*يقولُ القاص والروائي لوكليزيو :” لا أكتب ذكريات ، لكن الرواية هي الطريقة الوحيدة لاكتشاف ماضيي ، ولإرضاء تلك الرغبة المجنونة للحفر في قاع حياتي”.. إلى أيّ مدى تلائم هذه العبارة إيقاع ماضي الكاتبة الكبيرة بشرى أبو شرار ؟ وماذا تضيف لها ؟
– ما كتبته يحاكي ماض ينقر على جدار الذاكرة , يحرضني لأن أكتبه لأعيده بهيا ً عفيا ً طازجا ً , ماض ٍ رحل كل أبطاله ليطلوا علينا من صفحات كتبتها , ويقولوا أنهم حياة , هكذا تعيش أمّي وجدتي وجدي بين طيات كتبي , هكذا صار أبي أيقونة على صفحات كتبي , أدراج كانت تقبع في عتمة ذاكرتي , فتحتها ونثرتها في فضاء الحكاية لتعلن أنها حياة .

. “دورا” .. وجودي الأزليّ
* وأخيرا ” دورا” المدينة – الرواية ، قطب الحياة ، ومركز الكون ؟ “دورا” – رحم رموز الكتابة والنضال التي أقلقت المحتلين .. وطعم الزيتون الذي لايُكرّر ، ورائحة البرتقال التي تقاومُ محتلاً غاصباً ؟ قولي لي ماذا بقيَ من ” دوارا” في ذاكرتك وأحلامك ؟
– سؤال مجبول بالألم يا سيدي , هو حجر ألقي في قلب نهر سكن على الحكايات …. ماذا تبقى منك يا ” دورا “؟
” دورا ” هي عبق الطوابين , هي ترنيمة شجن من صوت طلمبة الماء في جنات جبالها …. هي محطات الوصول لطائر ” الشنار ” لحظة يلتقط أنفاسه على أرضها …. هي شجرة ” البلوط ” وظل لها ينتظر الحضور لأتفيأ ما تبقى منه بعد غياب عقود بعيدة , هي بئر الماء الذي أسكنته صوتي وصار صدى لا يغادر ” دورا ” يا وجودي الأزلي …. ويا حلمي ..!!

           . كلّ أعمالي همُ أبناء لي .

*صدرتْ روايتك ( شهب من وادي رم) – طبعة ثانية عن روايات الهلال ، كيف تفتحين شهية القاريء لها ؟ هل يمكن أن يغازل المبدعُ عمله في لحظة انتشاء ؟ وماذا ينضجُ تحت نيران أصابعك من أعمال للأيام القادمة ؟
– رواية ” شهب من وادي رم ” هي الرواية التي تداخلت فيها الأزمنة من روح الأسطورة ، كتبتها وشفيت من آلام غائرة كادت أن تستوطن  كياني، قد أفشل في مغازلة عملي ، ولكن كل أعمالي هم أبناء لي ، وكل عمل أنحاز إليه، لأن كل منهم جسّد الحالة المأزومة التي عشتها ، وحين أنتهي من كل عمل روائي تصيبني حالة حزن لأني أفارق أبطالا ً عشت معهم على مدار عام أو أعوام …. هكذا هو حال الكاتب يا سيدي ….
أما عن حالة توهج أخرى ، قد أنتهي من روايتي ” العربة الرمادية ” والتي أعيشها الآن كما الظل يفترش مساحاتي  ، ثم يعود يلملم ظله من جديد حين يتوهج قرص الشمس ..!!
شكرا ً
                                     حاورها – عذاب الركابي
                                                            الأسكندريّة

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *