قاسم علوان : محاولة لتحديد معنى المصطلح السيناريو أو النص السينمائي

qasim alwan 1إشارة : رحل الأخ الحبيب الناقد والفنان “قاسم علوان” , رحيلا مبكرا (كان عمره 50 عاما) إثر نوبة قلبية مفاجئة      . لم يتح له القدر الغادر تحقيق أي شيء من أحلامه الواسعة الباذخة .. وطُويت صفحته بقسوة تعاون عليها الواقع الجائر ، ومحبّوه المتعبون . أرسل قاسم كتابه هذا قبل رحيله بأسبوعين .. وطلب عدم نشره في الموقع إلا بعد صدوره . وتطاول الزمن ولم يصدر . لهذا سوف ننشره كحلقات وفاءً لذكراه . ونتمنى على السادة القراء أن يتأملوا أي قدرة نقدية وثقافة موسوعية يتوفر عليها الراحل . ألا يستحق هذا الكتاب النشر والتدريس؟

المقالة :

يعرف السيناريو اصطلاحا بأنه النص السينمائي.. باعتباره مثل أي نص إبداعي آخر.. أي مثلما هناك نص شعري أو نص قصصي أو نص روائي.. هناك أيضا نص سينمائي يطلق عليه السيناريو.. وهو يعني أيضا المعالجة السينمائية للموضوع المقترح كمشروع عمل سينمائي، على أن يتضمن وصفا كاملا للمنظر أو المشهد من الخارج.. أي وصف المحتوى الصوري والصوتي للمشاهد التي ستشكل الموضوع وعددها والتي ينبغي تصويرها فيما بعد، أي وصف الحوادث والمواقف الدرامية، مع وصف الحركة المفترضة للشخصيات.. والانتقالات الزمانية والمكانية لتلك الشخصيات أو حركتها داخل المشهد، وتفكيك هذه الانتقالات إلى مشاهد مستقلة عن بعضها.. بجانب الحوار.. هذا في حالة الفلم الروائي، أو التعليق أي الصوت من خارج الكادر بالنسبة للفلم التسجيلي.. ويعرف هذا النص في هذه المرحلة بـ (السرد ألفلمي أو السرد السينمائي) لكن المفارقة النقدية أن هذا (النص) الجديد لم يكن جنسا أدبيا معروفا أبدا، أي أنه كما يفترض ومعروف في أوساط صناعة السينما غير قابل للتداول الأدبي كما هو شائع في الأجناس الأخرى… فهو عبارة عن مشروع خطة عمل ميدانية للفلم السينمائي..
jan bol sarterعندما يباشر كاتب السيناريو بكتابة نصه للسينما، وذلك في ميدان الإنتاج السينمائي كعمل مهني محترف له تقاليده المهنية، لم يكن يدور بخلده أبدا أنه يكتب نصا أدبيا للقراءة أو للطباعة والنشر والتداول، هو صحيح يكتب نصا محددا وفق آلية محددة أيضا، لكنه يبقى نصه عبارة عن خطة عمل لمشروع تصوير فلم سينمائي كما أشرنا.. وربما بمضمون أدبي يتمتع بمزية الموضوع الراقي أو المتقدم.. لموضوع ما .. أي موضوع.. كأن يكون مشروع فلم روائي، أو مشروع فلم تسجيلي عن قضية محددة.. أو أحيانا رؤية سينمائية مقترحة (1) أو إعدادا عن نص آخر كأن يكون قصة أو رواية أو مسرحية كما هو شائع أيضا، والأمثلة كثيرة على ذلك، لا لهدف.. إلا لكي يقرأ هذا (النص الجديد) المقترح تحديدا المخرج أو أي مختص آخر تفوضه الجهة المسئولة عن الانتاج التي تتبنى المشروع.. أو شركة الإنتاج المعنية بإنتاج هذا الفلم.. أو من يمثل فريق العمل السينمائي عند الجهة المنتجة المنفذة…
السيناريو هو المقابل اللغوي للمصطلح المسرحي الإنكليزي الشائع في الأوساط المسرحية (السكربت) والذي يعني لغويا خطة العمل أيضا.. كمصطلح في مجال العمل المسرحي التخصصي الدقيق (بالنسبة للعاملين في الحقل المسرحي يعرفون وظيفة هذا المرحلة جيدا، أي كيفية عمل نسخة السكربت من النص المسرحي المزمع إخراجه (2) الذي يجب أن يتضمن الخطة الإخراجية للعمل المسرحي بما فيها وصف حركة الممثلين، ووصف المناظر المسرحية، وتفاصيل بناء الديكور، ورسم المساقط الرأسية لها على كل صفحة بيضاء مقابلة للنص المسرحي المكتوب، وأيضا الخطة الأرضية للمسرح، أي مداخل ومخارج منصة العرض، وحتى تفاصيل توزيع أجهزة الإضاءة وأنواعها على منصة العرض بعد تصميمها.. ويمكن أن يتطرق السكربت أحيانا إلى تصاميم الأزياء بالنسبة للشخصيات الرئيسية وحتى الثانوية منها.. إضافة إلى تقارير العمل اليومية عما هو منجز..) في المحصلة النهائية نتساءل هل هناك قارئ أو متلق غير متخصص يرغب في قراءة هذا النوع من (النصوص) أو الاطلاع عليها من غير المختصين أو الدارسين في شؤون المسرح وتقنياته…؟
أما ما عرف عن (نصوص السيناريوهات) التي نشرت منذ سنوات وقرأها الكثير من أدبائنا ومثقفينا في بعض المجلات والدوريات العربية والمحلية في سبعينات القرن الماضي وما تلاها، فقد شوشت تلك (النصوص) أذهان بعض من مثقفينا وكتابنا فيما بعد، وتركت أثرها فيهم، فكان ذلك الأثر فكرة خاطئة عن فن كتابة السيناريو أو النص السينمائي…!! تلك (النصوص أو ما سميّ بالسيناريوهات) التي نشرت في أماكن عديدة وهي كثيرة… لم تكن لها أية علاقة بذلك الجنس الفني مطلقا…!! هذا إذا صح إطلاق صفة (جنس فني) على ذلك المنجز (السيناريو…) الذي حاولنا أن نوضح صورته أو ماذا يعني.. فهو خطة لعمل سينمائي لا أكثر كما نوهنا.. تلك المواد المنشورة لم تكن سيناريوهات سينمائية حقيقية مطلقا، وسميت هكذا خطأ من قبل الناشر أو الصحفي الذي عمل على نشرها في تلك المجلات، ربما خطأ غير مقصود، فهي كانت في الأصل فلما أو شريطا سينمائيا جاهزا للعرض في قاعات السينما.. وهذا الشريط السينمائي الجاهز كما هو معروف يختلف كثيرا عن السيناريو أو النص السينمائي، وهذا الأخير مشروع أو خطة عمل سينمائي فقط كما كررنا هذه الملاحظة سابقا ونكررها هنا للتأكيد، أما هذا الذي نشر فهو عبارة عن وصف ونقل دقيق لمحتويات الشريط السينمائي المنجز مسبقا لقطة لقطة، والذي عرض قبلا على شاشات العرض في دور السينما في العالم، ولم يتسن لنا نحن العرب أو العراقيين مشاهدة تلك الأفلام آنذاك لأسباب مختلفة.. وربما لأسباب سياسية معروفة في ذلك الحين، فتبرع بعض الأخوان من الصحفيين أو من مسؤولي تحرير الصفحات الفنية أو الثقافية في تلك المجلات والدوريات.. وربما بتكليف من جهة النشر نفسها، بنقله وعرضه على صفحات مجلاتهم من على (البوبينة) أو البكرة، ومن على منضدة المونتاج تحديدا ومباشرة، وأطلقوا عليه اعتباطا تسمية (سيناريو…!!)

مرغريت دورا
مرغريت دورا

وبكل تأكيد فإنهم غير ملمين.. أو يجهلون حقيقة مراحل العمل التي مرت بها هذه البكرة أو (البوبينة) أو ذلك الشريط السللوزي بأحجامه المختلفة (70ملم أو 35ملم أو 16ملم) ودعامته الكيماوية المعدة للتأثر بالضوء من خلال الكاميرا أو جهاز العرض فيما بعد.. وتعرضت لعمليات كيماوية كثيرة…! (التظهير والتثبيت..) قبل أن يصل إلينا من بعد كتابته على الورق كمشروع عمل سينمائي أو سيناريو…!! فقد كانت رحلة طويلة جدا، تبدأ من كتابة ما يسمى بالسيناريو الأولي، هذا فيما إذا تم الاتفاق على المعالجة السينمائية المقترحة لذلك المشروع.. ووضع تفاصيل خطة للعمل له، وهو ما يقابل السكربت في العمل المسرحي الذي أشرنا إليه، وبعد ذلك تتم كتابة السيناريو التنفيذي.. وهذه النسخة فقط تتضمن تحديدا لأحجام اللقطات وأنواعها وكذلك حركة الكاميرا من قبل مخرج الفلم.. ومن ثم إعداد أوامر التصوير اليومي فيما بعد.. ومن ثم المباشرة بتصوير مشاهد الفلم والأعادات… التي يمكن أن تمتد الى سنوات أحيانا أو الى أشهر أو عدة أيام في أحسن الأحوال، إضافة الى ما يمكن أن يستجد من مشاكل فنية وتقنية يجب حلها بحسب الظروف والإمكانيات المادية المتاحة، ومن ثم تظهير النسخة السالبة الأولى فور الانتهاء من كل مشهد حتى قبل تغيير المناظر التي بنيت.. ثم طبع النسخة الموجبة الأولى لعمل المونتاج الأولي عليها.. ثم مرحلة تسجيل الصوت وإضافة المؤثرات الصوتية والموسيقى، ثم المونتاج على نسخة السالب، ثم طبع النسخة الموجبة النهائية.. إلى أن تصل كشريطا سينمائيا جاهز للعرض التجاري.. كل هذا العمل بعد كتابة النص السينمائي الأول أو السيناريو..
غير أن تلك المادة (الأدبية…!!) التي نشرت ولا نعرف ماذا نطلق عليها أو الى أي جنس فني أو أدبي يمكن أن تنتمي.. وكان ذلك عبر عرضها على منضدة المونتاج (المفيولا) ومن ثم كتابة وصف مفصل لتلك اللقطات بما في ذلك أحجامها، وكذلك وصف حركة الكاميرا فيها. وكل ذلك بإطلاق تسمية خاطئة على أن ذلك النص المنشور.. هو سيناريو…!! إضافة إلى الجهل الشائع بهذا التخصص السينمائي آنذاك في ظل غياب صناعة السينما وتقاليدها عربيا ومحليا… شاع هذا الخطأ وأصبح رائجا.. كما تم تقليده والكتابة على وفق سياقاته كما فعل بعض الأدباء والكتاب…!!

سيد فيلد
سيد فيلد

فلننتقل للمقارنة بالمسرح.. هذا الفن القريب من السينما من ناحية تكرار عنصر الدراما كعامل مشترك بين هذين الجنسين الفنيين.. النص المسرحي أو المسرحية، وفي جميع عصورها، وبشكل خاص حيث عرفت الأعمال المسرحية الشهيرة، سواء منها في المسرح الإغريقي القديم على يد أسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس، ومن ثم المسرح الروماني ونصوص راسين وكورني وغيرهم.. وصولا إلى نصوص ما بعد عصر النهضة.. أو النشاط المسرحي عموما حيث تقديم العروض المسرحية أمام المشاهدين، عندما لم تكن المسرحية تكتب لتقرأ حينها.. بل لغرض عرضها على خشبة المسرح أمام جمهور المشاهدين.. كما هو الحال في البلدان التي شهدت ولادة الفن المسرحي بمراحله المختلفة، وهذه النقطة موضوع المقارنة واضحة هنا وبشكل جلي.. عندما نقرأ الآن ما تبقى من تلك النصوص القديمة من ما تبقى من أرث المسرح اليوناني الإغريقي القديم، وكذلك المسرح الروماني ومن ثم مسرح عصر النهضة، وحتى مسرحيات شكسبير بطبعاتها القديمة الأصلية، وكذلك معاصريه ومن جاءوا بعده، وكل ما تبقى من نصوص ومخطوطات كتاب المسرح أولئك القدماء، إذ نرى في تلك النصوص حوارات طويلة جدا بين شخصياتها، وكذلك دور الجوقة واناشيدها.. أو حوارات رئيسها في العرض المسرحي.. وحتى أنها تبدو مملة لأغلب القراء المعاصرين، إذ يجهل الأغلبية الآن من غير المتخصصين أو يغيب عن تصور قارئ تلك النصوص.. كيف كانت تقدم تلك النصوص أو كيف تؤدى تلك الحوارات الطويلة المملة على خشبة المسرح…؟ وكيف كان شكل العرض المسرحي أو مكونات فضائه…؟ هذا هو النص المسرحي الحقيقي، رغم كل ما فيه من لغة أدبية واستعارات وبلاغة موروثة عن قرب من جذر المسرح الأول.. الشعر، وتحديدا الشعر الغنائي.. وهذا بكل تأكيد غير النص المسرحي الأدبي الذي شاعت وانتشرت كتابته في العصور الأخيرة، والذي نستمتع الآن كثيرا بقراءته…! أي أن النص المسرحي الأول في الأصل لم يكن يكتب ليقرأ في تلك العصور، بل ليقدم على منصة العرض المسرحي أمام الجمهور. والذي يكتب منه للقراءة كما هو الحال الآن.. فهو إلا فيما ندر إن لم يكن غير موجود أصلا أو غير متداول.. أو أنه لا ينتمي للدراما أبدا.. وهذه الأخيرة ومنذ نشأتها لم تكن مقروءة كما نوهنا.. وعندما يراد لذلك النص المكتوب تقديمه على خشبة المسرح توضع له خطة عمل أو (سكربت) من قبل المخرج أو من قبل أحد مساعديه، وبكل تأكيد فإن هذه النسخة من النص المسرحي لا تصلح للقراءة الأدبية أبدا إلا من قبل المختصين كما وضحنا طبيعتها في المتن والهامش… هذا يعني أن الدراما بجميع أشكالها سواء كان ذلك في السينما أو المسرح لم تكن تكتب لتقرأ (3) بل لتعرض أمام المشاهدين.. وكل ما يكتب على الورق وعلى أنه درامي هو خطأ شائع أيضا ولا يمت للدراما بأية صلة، الدراما من ضمن ما تعنيه بتعريفاتها اللغوية والاصطلاحية: هي العرض أمام المشاهدين.. فهي (الفعل وعملية تقديمه معا…) كما جاء في تعريف النقاد القدامى والمحدثين لها..
kh sed feildنعم نشرت وترجمت أحيانا في بعض الدوريات العربية أو بشكل مستقل في كتاب بعض النصوص السينمائية ولكتاب من الغرب معروفين من مثل جان بول سارتر وماركريت دورا وغيرهم ، نصوص على أنها سيناريوهات.. أو هي ما يسمى بـ (المعالجة السينمائية) نشر بعضها تحت تسمية سيناريو… هذا الجنس الأدبي غير شائع حتى في أوربا نفسها.. لكن تلك التجارب جاءت على يد كتاب كبار ومحترفين.. سبق لهم الكتابة للسينما.. رغم أنها لم تكن بذلك الشكل الذي أشرنا إليه.. فهي لم تتضمن أبدا تحديدا لأحجام اللقطات أو وصفا لحركة الكاميرا أو وصفا لطبيعة التصوير أو زوايا اللقطات، بل تضمنت وصفا للمشاهد السينمائية فقط، وبلغة أدبية مقروءة فعلا، ولكن تلك النماذج لم تكن سيناريوهات سينمائية بتلك الصيغة الشائعة لدينا، بل هي نماذج لما يطلق عليه معالجة أدبية سينمائية لموضوع أو فكرة ما.. نكرر معالجة أدبية سينمائية.. وهي لا تمت لفن كتابة السيناريو بأية صلة…
هذا يعني أن كاتب السيناريو الفعلي المتعارف على مهنته في عالم صناعة السينما منذ نشأتها حتى اليوم، يمكن أن يكتب أحيانا وربما دائما بلغة غير أدبية.. فهو غير معني بالأدب والعناية باختيار مفردات اللغة والمعاني والألفاظ عموما وما يمكن أن يقترن بها من بلاغة لغوية بسياقاتها المعروفة، أو بكل ما يمت للمتطلبات النشر الأدبي مطلقا، ممكن أن تكون عباراته أو مفرداته.. عبارة عن شفرات أو إشارات.. أو يمكن أن تكون جملا ناقصة.. أو حتى رموز لا يفهما سوى زميله المخرج السينمائي أو بعض من مساعديه أو من بعض العاملين في هذا الحقل فقط.. كما يمكن أن تكون مليئة بالأخطاء الإملائية واللغوية.. فلا أحد يمكن أن يلومه أو يحاسبه في ذلك.. فهذا ليس اختصاصه. كما أنه غير معني بأحجام اللقطات وأشكال الانتقالات الصورية أو حركة الكاميرا.. التي يغرم بها الكثير من كتاب (السيناريوهات) الجدد عندنا…!! فهذه المهمة بالذات من صميم عمل المخرج السينمائي وحرفيته المهنية.. في بعض أشكال الإنتاج السينمائي الواسع والحديث.. ومثال على ذلك هوليود إذ يقوم مخرج الفلم وخاصة إذا كان من كبار المخرجين.. بوضع اللمسات الأخيرة من تحديد لأحجام اللقطات وحركة الكاميرا وبقية تفاصيل العمل الميداني على النسخة الأخيرة من السيناريو التنفيذي (وهذه النسخة هي التي يكتبها مخرج الفلم أو المخرج المنفذ..) ليكمل بقية العمل (ميدانيا) أحد أبرز المساعدين للمخرج… وعادة ما يكون من ألمع المساعدين للمخرج النجم…
كاتب السيناريو الحقيقي معني فقط بوصف المشهد السردي من الخارج، أي صورة المشهد المرئي.. أي ما تستطيع أن تراه العين المحايدة وتعرض مضمونه بدقة.. من دون حاجة لأي تأويل (باطني..) أو ذهني أو كل ما يتعلق بـ (الرؤية الأدبية) الشائعة.. وتحديدا في وصف كل ما يخضع لتسلسل لحظات الزمان المطلق وسلطته على وحدة المكان النسبي.. وفيما إذا كان ذلك المكان خارجيا أو داخليا، وطبيعة الوقت فيما إذا كان مساءا أو نهارا…. وإذا كان الفلم روائيا فأن كاتب السيناريو يكتب قصته أو طبيعة سرده القصصي ووصف الحركة (من خلال هيمنة وحدة الزمان..) الخارجي للمنظر والأشياء والشخصيات وحركتها من والى.. أو وصفا لحدث ما فقط، أي أن لا يتضمن ما يكتبه الكاتب في هذا الموضع وصفا للمشاعر والأحاسيس والهواجس الداخلية لابطاله أو وصف الحالة النفسية لتلك الشخصيات (أي ما يتطلبه الأدب عادة..) فهو غير معني بذلك.. وإذا احتاج لأن يظهر ذلك الجانب أو يعتني به، فيجب أن يكون من خلال ما يصفه من مناظر وصور مرئية فقط يصفها بدقة على الورق، أو من خلال الحوار إذا يمكن ذلك.
عندما يبدأ كاتب السيناريو بكتابته نصه أو مشروعه يقسم الورقة إلى عمودين متقابلين، العمود الأول الأيمن لوصف المشهد السينمائي المقترح ليأخذ رقما محددا، كأن يكون المشهد الأول مثلا، كما أن المشهد يتحدد ويأخذ رقمه بالمكان والزمان الذي يدور فيه تسلسل الحدث أو ليصل أليه، وأي تغيير في الزمان أو المكان يعتبر تغييرا في المشهد، ويعتبر مشهدا جديدا برقم جديد. وهذا التقسيم مهم جدا بالنسبة للمخرج في عملية التنفيذ أو الإخراج، لأنه (أي المخرج) يعمل على كل مشهد بشكل مستقل عن المشاهد الأخرى، فخلال التنفيذ والعمل يتم التحضير للمشاهد السينمائية كل على حده، أي انه يمكن أن يتم التصوير في يوم واحد للمشهد رقم 12 والمشهد رقم 35، أما العمود الثاني الذي يقع على يسار الورقة في كتابة السيناريو، فيستخدم لكتابة الحوار والموسيقى ووصف المؤثرات الصوتية فيما إذا كان يحتاج لها.
ترى فلو أضطلع كاتب السيناريو بمهمة تحديد اللقطات وأحجامها وكذلك حركة الكاميرا وزوايا اللقطة وأشكال الانتقالات، فماذا يتبقى من عمل للسيد المخرج يمكن أن يؤديه ويستلم أعلى اجر مقابله من جهة الانتاج…؟ كاتب السيناريو في العمل المحترف ربما لا يستطيع أن يقف خلف الكاميرا، ولا يعرف تشغيلها ولا آلية عملها.
كتابة السيناريو تخصص دقيق في العمل السينمائي، وكذلك هو تخصص دراسي في الدراسات الأكاديمية في السينما، وكذلك يمكن أن يحترفه الآخرون مثله مثل أي حرفة أو مهنة في هذا الفن. كما أنه لابد أن نشير الى ان الدراسات السينمائية بهذا الصدد شحيحة جدا أذا لم تكن معدومة بالنسبة للقارئ العربي، أما ما ترجمه الناقد السينمائي العراقي المرحوم سامي محمد في كتاب (فن كتابة السيناريو) للكاتب الأمريكي سد فيلد، والذي طبع قبل عدة سنوات من قبل وزارة الثقافة العراقية، فهو يحتوي على تعريفات دقيقة لفن السيناريو وتقنية كتابته باستيعاب مفترض لما تقتضيه نظرية الدراما وشروطها، ووصفا أدبيا أو نقلا لتجارب سينمائية في كيفية كتابة السيناريو في السينما الأمريكية من أمثلة معروفة في عالم السينما… لكنه لم يتطرق إطلاقا إلى تحديد حجم اللقطات وأنواعها في كلامه عن خطوات الكتابة تلك…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فلم يوسف شاهين المعروف (العصفور) وهو قبل أن يكتب كسيناريو كان عبارة عن رؤية سينمائية للكاتب السياسي المعروف لطفي الخولي كما جاء ذلك في (تايتل) الفلم..
(2) ويعني تفريق النص المسرحي إلى أوراق منفصلة ثم لصقها على أوراق بيضاء أكبر حجما بعد حفرها من الداخل بحجم أقل من حجم ورقة النص المسرحي المكتوب، وترك ورقة بيضاء كاملة بين كل ورقتين من الأوراق التي تحمل ورقة النص.. ومن ثم جمعها في مجلد، والغرض من ذلك استعمال الورقة البيضاء والهوامش في أعلى وأسفل وجانبي صفحة النص لرسم وكتابة تلك التفاصيل والملاحظات الإخراجية المفترضة، وكذلك الرسوم التوضيحية للمساقط الأرضية لخشبة المسرح التي تشرح حركة الممثلين.
(3) ربما تواتر تقليد قراءة النصوص المسرحية من القرون الوسطى بعد تحريم الكنيسة للعروض المسرحية آنذاك، وانتشار عادة قراءة ما تبقى من مخطوطات مسرحية سرا، كما تشير إلى ذلك الدراسات التاريخية العديدة في تاريخ فن المسرح.

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *