جليل البصري : نقطة في فضاء أزرق

jalil albasriتسمر عند الباب .. تفصد وجهه قلقا من ما ينتظره هناك خلف هذه اليافطة الزرقاء التي تحمل الحرفين  (un) اللذين جعلاه يغادر حياته ويعلق الامال على حياة جديدة يجهلها .. يجهل اين ستنتهي به.
احس بأن اليافطة رغم لونها الجميل صماء قاسية القلب لاتعبر عن انتمائه، بل تعوم على اسلاك الحدود، تخشى الدول وتحاذر الزلل عن مسارها الضيق بينها..
كان يخشى التحقيق ووجوه المحققين الشكاكة.. لكنه كان يطمئن نفسه بأنه لن يختفي على حين غرة.. ولج الباب وانتظر دوره.. طالعه وجه المحقق الساخر مما سيقول.. فغارت حماسته المتأججة بصدقه، وغار صوته .. تعثر بالحديث خوفا على بقية كرامة لم تهدر بعد.. اتسعت السخرية في وجه المحقق المترف بالشكوك.. اثارت لامبالاته رعب زوجته فانفجرت غاضبة كموج هادر: ( اتدري مامعنى ان يتنفس مواطن الصعداء عندما يجتاز حدود بلده الى خارجها الى المهجر المجهول وما يخبئه له من لحظات حلوة ومرة .. من ذل وامتهان او كرامة محفوظة ؟ اتدري مامعنى ان يتجرأ مواطن على بيته وأثاثه وأشيائه الحبيبة التي شاطرته الضحكة والحزن ردحا من الزمن، يبيعها بأي ثمن أو حتى يتركها لمن ينهب دون أن يلتفت الى الوراء ليشتري بثمنها عيون دليل أو جواز سفر مزور يلقي به خلف الحدود ؟ ومعنى أن تغامر بالنفس والعائلة والأطفال في رحلة المجهول عبر الجبال والأوحال والسهول… بين الربايا ومخافر الحدود ودوريات العسكر لتقف محرجاَ في الطريق الذي لا عودة فيه ، أو تفقد مالك وكرامتك واشياءك الأخرى التي لم تكن قد خسرتها بعد.. ذكرياتك العزيزات عندما تضيع في الطريق، أو تضطر الى التخلص منها خوفا من المجهول؟..
حاول المحقق مقاطعتها لكنها أستمرت في تدفقها (أتدري ما يعنيه أن تسكن في مخيم و قاعات معسكر مع جيرة لم تخترها أو تعرفها وأن تمسك بك اللقمة من الخناق وأنت غريب، أنت المعزز المكرم في وطنه يوم كان آمنا مطمئناَ من الضغينة والحروب كبيت الله ؟ أتدري أية كارثة تجعل المواطن يترك أهله أو وطنه  ويبحث عن الدفء بين أعمدة الخيام وأضلاع البيوت التي لا يسكنها  إلا الغرباء وأن يستجدي عطف مواطن المهجر ومعونات منظمات الهلال والصليب، حين تضيق دوائر المهجر فلا يبقى أمامك سوى كوة الوطن مشرعة فترتعد من الخوف و تسودُّ في عينيك الآفاق؟).
حاول المحقق أن يرفع يده مقاطعاَ لكنها لم ترتفع، وتواصل صوت المرأة هادراَ. تبلدت عينا المحقق.. غارت في محياه ابتسامته الساخرة تطّلع الى وجه المرأة المتهدج من الإنفعال والغضب، وعيناها اللتان تنزفان أسى و دم.. ألقى بقلمه الأسود على أوراقه الزرقاء فأستقرت نقطة سوداء فيها، سرعان ما إتسعت فغطت جدران الغرفة..

شاهد أيضاً

محمّد الدرقاوي: أرض خصبة لم تكن موعودة

طرق باب صديقه إبراهيم ، فتحت الخادمة الباب ، رحبت به ثم دلف وهو يسالها …

قصص قصيرة جدا
بختي ضيف الله – الجزائر

1- إرث استفاقت على قرع نعالهم عائدين؛ يستعجلون بقسمتهم. لم تبق غير مساحة قبر واحد …

فاروق مصطفى: رسائل (حياة) تفترش الذاكرة من جديد

وانا ابحث في مكتبتي عن رواية ( يهوذا الاسخريوطي ) هذه الرواية التي خطتها يراعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *