د. فاروق أوهان : مراثي بني غامد وزهران (رواية بأسلوب التداعي والتخاطر) (الحلقة الثامنة والأخيرة)

16farooq  7

قام بُراق ليحتفظ بما قرأه من مذكرات مع السابقات، لعله يحصل في المرة القادمة على البقية، وليعرف مصير كريكوريان، فهل عاد كما وعد الجدة الصبية، وهل ما قرأه في المذكرات وقائع عملية صادقة، أنها مجرد خطوط أولية لرواية من الخيال العلمي يجرب كركوريان أن يكتبها ليفاجئ بها العالم، كان بُراق قد أقفل على المذكرات السابقة داخل حقيبة أشـيائه الثمينة في غرفته، وأسرع إلى المذكرات الجديدة، وكأن واجباً مهماً في انتظاره، ودون تردد بدأ تذّكر الفقرات، لكن هاجساً ما تبادر إلى خاطره، أن يكتب عن آراء ابن العنقودي. وما أن شرع في الكتابة حتى تراءت له صورة كرابيت كريكوريان لكنه استأذنه لفترة حتى يكمل ملاحظاته عن ابن العنقودي، فعجب لجرأته في حواراته، وسعة اطلاعه وثقافته ولغاته، ولم يعد بُراق يشكك مطلقاً بأن ابن العنقودي هو وسيط ما، لكنه رجل منفتح، ومتعدد القراءات الفكرية، والفلسفية بشكل خاص. عليه هو أن يستفيد من الفترة التي يقضيها ابن العنقودي هنا لكي يتبادلا الآراء، ولكن بنوع من الحرص الذي تعلمه في وطنه، وبخاصة في أمور تستفز السلطات، من قريب أو بعيد، تطرح كتابوهات، ومحرمات رسمتها حولها، لا لشيء إلا لكي ترهب الآخرين، وتضيق الخناق على أية شعلة نيرة لإيقاد فكر الناس، وتوعيتهم، فحرمت الشعوب من حقوقها الأولية، والأصلية، وهي ممارستهم لحقوقهم في الكلام، والتفكير، فلقد ولد الناس أحراراً، ولكن السلطات تستعبدهم كلما كبروا، ونضجوا أفراداً، وكلما علا صوتهم كجماعات، ولمkh farooq  4 تحصل الشعوب إلا إلى اليسير من حقوقها حتى في البلدان التي ادعت بتحررها، وحرصها على حقوق الإنسان، إلى هذه النتيجة التي توصل إليها بُراق، وهكذا قرر التوقف عن الكتابة وليعو د مجدداً إلى القراءة في الأوراق المخفية.
فتصفح ما لديه من  مذكرات رئيسية لكرابيت كريكوريان،  ثم حاول النوم، لكنه فكّر في الأرانب التي قادته إلى مذكرات الطبيب. وهذه هي المرة الأولى بعد أن وجد المذكرات يعود هو نفسه لكتابة مذكراته الذاتية، بعد أن انفصل عنها لمدة. فجاء على نهاية فقرة تفسير حلمه عن الأرانب، التي لا تمت في الظاهر بشيء إلى اليرابيع إلا من بعيد، لكنه توهم بأنها تشير إلى نساء ابن قارن، وكل من يغويهن من النساء. فهل مريم أرنب لم ينصاع لرغباته. حاول بُراق التركيز على مذكرات الطبيب فهي خير له من أي شيء آخر فبدأ تحليل ما لديه، لكن نقص المعلومات الموجودة لديه تجعله في حيرة، وترسم ألغازاً حول ما قرأه.  لعل ما يوجد في الغار أكثر بكثير مما قرأه. لا بد أن البقية التي لا يعرف عدد صفحاتها، ولا نهايتها هو المعضلة التي تجعله يسهى عن كل شيء حتى مشاريعه التربوية التي أراد أن يبدأها بحماس. لكن كل حماسه فـتر الآن. وبانتظـار ما سيستجد. حسبه أنه قد حصل على قدر مناسب إضافة لما لديه من صفحات. ولأنه غير متأكد من نهاية مذكرات كريكوريان، عندما اختفى نهائياً هو الآخر يعزيه لأن المعلومات فيها حتى، ولو كانت مخطوطة تامة، غير وافية.
لم يقاوم بُراق إلحاح حاجته للمزيد من أوراق المذكرات، وعليه أن يسرع بعملية التبادل قبل أن تصحو الدنيا على تقدم الشمس، ومعها نور النهار الساطع، هناك أكثر من ساعتين لبقاء الناس نيام قبل أذان الفجر، وما هي إلا دقائق حتى وجد نفسه بمواجهة اليربوع الأب، وهذا بيده رزمة جديدة، ولسانه قد تدلى بلعاب سائل، كأنه ينتظر موعد فطور دسم له، ولأسرته، وحصل الأمر بسرعة، وجد بُراق نفسه ثانية في غرفته وقد أسرع لإخراج المذكرات من جيبه السري، وهرع للدخول في عوالم كريكوريان المحفوظة، فقرأ، وكأنه لم يفقد أية صفحة، فتذكر من أول سطر تتابع الموضوع دون فجوة هذه المرة: ينتقل الطبيب كرابيت كريكوريان إلى مكان للموارد المائية، حيث الأسماك، والبردي، وهي الأغوار المائية، فيشير في وثائقه بالقول: لم تحفل الأغوار المائية باهتمام أهالي المنطقة، أو مجال البحث والدراسة، كاهتمامنا نحن الرحالة، والغور “بفتح أوله” مشتق من المصدر غار، وكمصطلح يطلق على الكهف الواسع، لكن الشائع في الاسـتخدام هو مصطلح MARSHES  الذي يعني المكان الكثير المستنقعات. تل الكورا تؤكد الدراسات الأثرية بأن أول من سكن الكورا هم سكان الصرائف الذين أقاموا بيوتهم في الألف الخامس قبل الميـلاد من مادة القصب، والحصير على ضفاف بحيرة، أو هور. وهذه الصرائف هي الشكل السائد في عمارة الأغوار، وهذا مستوحى من طبيعة المواد المتوفرة كالقصب، والبردي، ومن عدم ملاءمة الأرض لأي نوع آخر من العمارة. وتؤكد هذه المصادر أيضاً بأن تربية الأبقار، والجاموس كانت معروفة في العهد المسوري، “قلب بُراق الكلمة ليقرأها: السومري” حيث أشارت التنقيبات إلى وجود تحفة أثرية يرجع تأريخها إلى 4500 سنة تمثل إسطبلاً لحلب هذه الحيوانات له باب من القصب، وطريقة الحلب لا تزال تمارس حالياً كما في الأغوار كذلك نقلت الباحثـة هلبوش أسطورة يتناقلها المعدان في بعض المناطق تدل على قـدم تربية هذا الحيوان، تقول الأسطورة: جاء الجاموس من النهر العظيم، وقد خاف منه الناس لضخامته، وقطعانه أخذت تنام خلف الأكواخ، وقد شاهد المعدان الرضاعة من الجاموسة الأم، ونزول سائل أبيض من الثدي، وعندها عرف الناس قيمة حليب الجاموس، وعمدوا إلى تربيته، قاموا بتربيته، واعتباره مرود رزق لهم. وهناك أساطير عديدة تؤكد حضور الخيال المسوري في مخيلة سكان الأغوار الحاليين. اعتمد حضورها المتواصل على الرواية الشفوية المتوارثة شعبياً حيث لـم تتوفر دراسة لميثولوجيا الأغوار، وقد ابتعد الباحثون عن ذلك كلية. فالزورق المشحوف المسوري ما زال يشق طريقه عبر غابات البردي، والقصب الكثيفة، والتي لم تألف غيره من وسائل النقل حيث ابتدع بشـكله المغزلي الذي فرضته الطبيعة على الإنسان، وقرية الغوير المصغرة من كلمة الغور هي المصنع الرئيسي لهذه الزوارق، وما زالت هذه القرية تستظل بظلال النخيل على الجانب الأيسر من مجرى التارف “أي الفرات” المنحـدر صـوب عناقه الأبدي لتوأمه نهر جدلة “أي دجلة”، هـذه القريـة تحـتكر صناعـة الـزوارق أنواعها البلم، الكعدة، الطرادة، المشحوف، الجليكة، الماطورة. ويحكى عن سكان هذه القرية أنهم كانوا جماعـة مثقفـة يقومـون بتعليم الناس القراءة، والكتابة، وإن قريتهم تحولت إلى صناعـة الزوارق قبل السلام “الإسلام”، وذلك أيام الحكم السارفي للقراع. وبيوت هذه القرية بنيت على أرض أثرية تظهر تلك الآثار غير المكترث بها عند الحفر لتثبيت دعائم البيوت.
لم يعجب بُراق ما قرأه لأنه بتعبيره، كان على كريكوريان أن ينقحها، ويعدها بصيغة نهائية لكي تستحق أن تخرج كتاباً، أو مذكرة سرية. وهنا سرت رعشة خفية في أوصاله أشعرته بالخوف. فقام إلى النافذة الخشبية التي طالما توصد ليلاً ليرى من بين الشقوق لو أن أحداً قد ترصده. ولما تعب أراد أن ينام لكنه ما إن وضع رأسه على الوسادة حتى تزاحمت في رأسه الأفكار. جاءت من كل حدب وصوب، ورغم أن جسده قد تعب، لكن أفكار المتزاحمة تمنعه من النوم. وما دام مسـتلقياً فقد أخذ جسده قسطه من الراحة. وهكذا عادت الأفكار من جديد تصطاده .. منتقلاً إلى مشاريع مثمرة، في المدرسة متأملاً في سنة نشطة له وللطلاب. يقدم ما هو غير تقليدي لهم، حتى ولو تجاوز اختصاصه، أو تعاون مع غيره. وفكر بُراق الذي ناله الأرق. بأن يتعاون مع مدرس مادة الفيزياء لتحقيق حرفته الفنية التي يهواها منذ طفولته. ووجد نفس الرغبة لدى الأسـتاذ محمد علي سعيد أيضاً. ولكن بشكل مختلف. وهي العمل على إيجاد تجارب تؤكد طريقة تحريك الرسوم المتحركة. رآها في أفلام الكارتون، وقرأ عنها.
لكن بُراق أراد أن يبدأ بالتجارب كما يفعل زميله محمد عـلي سـعيد الذي لا يترك مختبره أبداً. فيستعين بالحوامض لتوليد القوة الكهربائية في بلدة لم تر حتى الآن معجزة الكهرباء فكيف بالرسوم المتحركة. إن فعل شحن البطارية الجافة، التي يتوفر منها حتى في دكان ابن سيحان قد خلق لدى الطلاب ردود أفعال غير عادية فكيف بتحريك الرسوم. لقد حاول مرة وضع مصباح بطارية أمام عدسة مكبرة. عكست صدفة عـلى الحـائط المقـابل لغرفة الرسم الظلماء صورة ضبابية غير واضحة المعالم. حـاول تجربتها في مختبر الفيزياء مع سعيد. ولكن بنقل إحدى الصور على الحائط  وجد جمال خطوطها وألوانها التي لو عرضت في أرقى غاليريهات الرسوم، أو المعارض العالمية لصارت إحدى آخر صيحات الفن التجـريدي .
وبدأ بُراق يستثمر خياله المؤرق في أبعاد بناء المشروع . وقرر أن يبدأ منذ صباح اليوم التالي. بمفاتحة مدير المدرسة الابتدائية المحاذية لمدرستهم، لكي يقـوم بتدريس مادة الرسـم لتلاميذ الصفـوف الأولية، أي الروضة، والأول ابتدائي. فبنى مشـروعاً آخر في خياله كالآتي: يدخل الصف ويبدأ بالسؤال، عن ماهية شيء ما يفكر الطفل بهذا العمر به سؤال صغير على حجم تفكيرهم. سؤال عن الماعز مثـلاً، أو العيد، أو الإبل، كلا، كلا، لا بد أن يتم السؤال عن الموضوع، أو بعدد من التصورات التي تشغل تفكير هؤلاء الصغار. وتكون هذه المرة الطريقة على سجية الصغار، لأنه سيدعهم هـم الذين يحاولون البدء، من خلال تساؤلاتهم التي يجعلها تبدأ تلقائياً. فمثلاً يدخل الصـف، ولا يطلب الهدوء، ليرى من منهم يتكلم، مع جاره. أو من منهـم منشـغل فيقـترب منه، ويلتقط منه ما يمكن أن يجعله يستجمع خيوط بداية ما، لكي يعلّق عليها. وليبدأ بها حورات متواترة حتى تنضج كحكاية. وهذه الحكاية يمكن أن يعيدها الكل بالتدريج، حتى ولو استغرقت كل الحصة. وذلك أنفع في هذه الصفوف الدنيا لكي يحمل الطفل القضية معه إلى البيت، وإلى عالمه الصغير، وإلى أحلامه الصغيرة.
ويفكر بُراق جدياً، ودون مواربة، أو انشغال بما قيل عن المعلم، بأن مكانته تفوق، مكانة الوالدين في بعض الأحيان. ويكون هو قد أكد، وأوصى على تعميق القصة في اليوم التالي، ففي هذه الصفوف، يسعده أن تكون عملية نقل المعلومات من خلال اللعب. ومن خلال تداخل المواد لديه في قصة. خصوصاً وأن على معلم أية مادة لا بد له أن يلم بالكثير من المواد وبالشكل البسيط والحياتي، وليس العلمي الجاف، والمعّقد النظريات فحسب. إن هذا المستوى من العمر لن يكون له استعداد، لتقبل مادة معلم يجيء لتلقين الدرس بالحافظة، كأن التلميذ وعاء أجرداً بلا حواس، يملأه بالمخزونات اللازمة، صحيح أن التعلم في الصغر والتلقين أسهل. وإن ما يتعلمه الصغير يثبت لديه، على قاعدة النقش على الحجر. ولكن أي نوع مـن التعلم. وأية مادة تدخل لتركيب مخ الطفل الذي سوف يثبته فيه. كما تثبت النقوش على الأحجار. لكن كيف يكون هذا النقش. وأي فنان ماهر عليه أن ينقش هذا النقش. وإلا فإن المادة التي سوف تثبت أيضاً. لن تكون بالمستوى اللائق، ولا بتلك المهارة. كما أن الأسلوب، أو الطريقة ليست بالقوة. ولا يمكن الوقوف عليها نهائياً. لكن تعديلها، أو تبديلها يبدو ليس من الأمور السهلة. وفكّر بُراق كثيراً ببلدان العالم المتقدم من المعسكرين الشرقي، والغربي، فالشرقي يتبنون الطفل منذ رياض الأطفال، أما في الغرب فهناك المدارس الشاملة، فكيف يعتنون في مدارس الصفوف الدنيا. أكثر من ما بعدهـا بكثـير، ويفـردون لها المتخصصين. وفكر فجأة أن عليه بعد ذلك وبمجرد أن يسـتلم الصـف، أن يبحث معهم قضية هامة، بعد أن يكونوا قد اعتادوا على أسلوبه. وفكر مراراً ما هي القضية الهامة التي تشغل البلدة، بل والقرى المجاورة.
آآآآآآه إنها قضية عاثر، ومريم، لكنه استنكر على ذاته أن يـذهب كـل هذا المذهب. ويتصور أنه سوف يصل مع تلاميذ صغار إلى نتائج قد لا تكون في مدار تفكيرهم. ولم ينتبهوا لها أبداً لأنها ليست في مستوى استيعابهم. لكن ما هو الضير من معرفة طريقة تفكيرهم فيها. وبعد أن يتدارك الأمر. وربما قد يكون هذا منفذ، أو هو مدخل لمواضيع تثير اهتمام هذا السن كأعجوبة الولادة التي تحير الصغار. وطار فرحاً لهذا الاكتشاف، فتوترت أصابع قدماه. وهو يشدهما على حافة السرير القصوى. وأحس رغم الحر تحت اللحاف، ببرودة الحديد في قوائم السرير. بينما تحركت إبهام قدمه اليمنى لا إرادياً، مما تدله على مستوى التوتر، والقلق. لذلك حاول النوم لكن تفكيره طار من جديد إلى مختبر الفيزياء. أي نعم، فعليه إذن أن يستغل ذلك من أجل تصوير القصص التي يتصورها الصغار قبل أن يرسموها، أو تصوير بعض عناصر قصصهم. وتقديمها لهم على جهاز الفانوس السحري، الذي يتمنى أن يكون ابتكاره له ولمدرس الفيزياء ناجحاً، كبديل للفانوس السحري الكهربائي الذي درّسه أساتذته عليه في المدرسة المتوسطة.
إن تصوير هذه القصـص وتقديمها، وإعادتها أمام الأطفال عدة مرات وفي كل مرة يقوم بإعادتها وتهذيبها، والتأكيد على الجوانب التي يريدها. ومن ثم يرشدهم إلى الرسم. كل بطريقته، وبالألوان التي يحبها، وعندها يأخذها إلى مختبر الفيزياء. فـيركب مع زميله مدرس الفيزياء آلة التصوير الفوتوغرافي على الآلات التي سيصممها زميله لتكون آلة سينمائية، تصور بالنصف العلوي من لقطة منفردة عن الأخرى، والأفلام هي نفس الأفـلام الخام للفوتوغراف. آلمه التفكير، والأرق، وقرر جاداً أن يعمل على الفكرتين. نعم، نعم لماذا لا يجرب أن يتفاعل من خلال تجربة عملية يسجل من خلالها تجاربـه قد تفيد في بحث علمي مستقبلاً . وانهمك منغمساً في متابعة أفكاره.
لكن وجه ابن قارن تراءى له، وسرعان ما تبدل إلى وجه عاثر، وأزاحهما وجه كرابيت كريكوريان ثم عاد وجه عاثر، وسرعان ما تبدل إلى وجه أخيه يوسف.. آآآه ما دخل أخيه الآن، وما علاقة كريكوريان بأخي بُراق يوسف فنعس، وأبعد هاجساً هو أنه يمكن أن يكون كرابيت هو يوسف أخيه نفسه، فخاف من مجرد التفكير في هذا الاتجاه، وتألم معصور الفؤاد، ومن ألمه نام للحظةً، وغطاه حلم. لكنه أفاق منزعجاً. وتبادر إلى ذهنه اللقاء الموعود مع العنقودي تحت شجرة اللوز. وتساءل مرعوباً قد يكون هو الرجل المرسل إليه لكي يتسلم المذكرات، أو يسلمه عهدة البحث محل كريكوريان.
وفكر بُراق للحظة أن يتهرب من اللقاء. لكن فضوله لم يدعه يقطف إلا ثماراً يانعة. على عكس فضول الآخرين من أمثال محمد زومط، وحسن زيدان. ولكي يبتعد بُراق عن كل هذه التهويمات، تناول مذكرات كريكوريان التي حصل عليها فجر اليوم من رب أسرة اليرابيع، ففتحها، بدأ القراءة: هناك أسماء مدن مشطوب عليها بالقلم الأحمر تقول، وفيها مدن مثل – أبهان – بيشان – شبهان – سيرهان  منطقة بوادي الباري، وتقع جنوب منطقة الصـاري وشـمال منطقتـي السرّة جنوبا، وحوض الكاسي مـن الشـرق، وغـور العاسـي مـن الشرق،  وتتكون من: هضبة الباطن، وواحة السّرة الجافة عين المبرورة  وقد سكنتها أقوام من!! ولها تقاليد في الزواج عند الكرثات لا تختلف بشيء عن تقاليد أي زواج آخـر سوى أن الفتاة الكرثية تطلب ذهباً كثيراً لتتحلى به، فقد عرفت المرأة الكرثية بحبها للذهب، والأقمشـة الزاهيـة، وهـذا ينبـع مـن انتمائهـا للطبيعة، فكل مـا حولهـا ملـون، ومطلـق. الجبـال الشـاهقة، المـراعي الخضراء الواسعة، غابات الجوز. المنحدرات المائية، السـماء الزرقـاء التي تطرزها بعض الغيوم التي تبدو بلون الفضة النقية. ففي عيـن تبـة قرية فوق الواشقة وفي أية قرية كرثية تدخلها، أو مدينة تجتازها، تجد الابتسامات ترتسم فوق الوجوه بطيبة متناهية، وتسـمع عبـارات الترحـاب باللغة الكرثية. الجوامع تنتشر في كل المدن، والقرى، ذلـك إن الكـرث معروفون بشدة تقواهم وتدينهم. فترى وأنت تعبر بالسيارة محـاذاة جـبل كلكسبي إلى شلال كبلي كعلي يصل بعدهـا إلـى قصبـة أدينـا بيـوت تتشبث بالصخور منذ سنوات طويلة، ربما منذ قرون طويلة، وتنقسـم أدينـا إلى قسمين، أدينا القديمة التي تقع في أسفل السفح، وهي عبارة عن بيوت منتظمة، وطرقات معبدة تضم السوق الكبير، والمطاعم، والمقاهي، وثلاثـة جوامع. إضافة إلى كنيستين قديمتين، وخمس مدارس إبتدائيـة، ويهيـأ للنـاظر أن هذه البيوت لم تغير شكلها المعماري منـذ أن أنشـئت،، حـدائق مزدهـرة  بالورود، وهدوء لا يمزقه سوى محرّك السيارة. ويحيط بأدينا قرى كرثية مثل نكواة، وانيليز، أنشيخ، يتكور،أنخلك،أنسيدك، أنهست، وأنـانور، وتقع قرب أدينا تلال آثرية يعود تأريخها إلى ثلاثة آلاف سنة، وهذا ما يجعل أهالي أدينا يعتقدون أن مدينتهم تأريخية، مع أن لا شيء يدل عـلى ذلك. فيها مدن مثل: مذبيج، كحلانيج، تدبيج، وشدقم: كما روتها مستشرقة فاضلـة، ولـم تعجـب أهـالي اقطـار الجسد فقالت: نهضنا مبكرين في صباح ربيعي ذي شمس كانت بالنسبة لشخص غربي قوية أكثر من اللازم، رغم أن إشعاعها لم يكن يخترق الشوارع والأزقـة التـي كنا نجتازها. فكثير من هذه الأزقة كانت مـن الضيـق بحـيث أن البيـوت تلتصق ببعضها، ولا تسمح إلا برؤية شريط محـدد مـن السـماء الزرقـاء.
بينما تتبعثر في كل مكان مـن الطـريق النباتـات المتعفنـة، والأوسـاخ المرمية من البيوت كما الروائح الكريهة. بينما أشجار الليمـون كـانت تضيف إلى المشهد جمالاً، وظلالاً. وثمة نباتات تتسـلق بعـض الحيطـان، وتعريشات تحمي الباحة من أشعة الشمس. إنـه بيـت قـديم جـميل، كبـير،  ومناسب. إن أسطح البيوت لا تتميز كثيراً عن غيرها من بيوت الشـرق العـربي خاصة، والمستلهم حسب أكثر من باحث معماري، متـأثر بدوره بمعمار المنطقة، يمكننـا أن نـرى صـورة العـربي كمـا هـو فـي المخيلة الغربية في واحدة من الصور التي يبدو واضحاً جداً .
إن الصور تحيلنا إلى زمان آخر، زمان عتيق يفـوح بـروائح المـاضي، وتقاليده التي أصابها اندثار كما هو حال الزقاق الـواضح حـيث نرى مدخلاً لبيت تقليدي مزين بالزخارف البهية، عمارته تستلهم أجمل ما في تقاليد العمارة العربية الإسـلامية مـن أناقـة، وجمـال، حـيث أن تـرف الزخرفة يختلط بالوظيفة التي يؤديها التي اندثرت، أو لم يتبق منها في لحظة من لحظات التأمل الجمالي السائد اليوم .
ويكون الطبيب قد وضع نقاط لمعالجة المرض الخبيث تبـدأ بقولـه: إن استئصال المرض بالكامل، وشفاء المريض. وهـذا ممكـن إذا تيسـر تحـديد موقع المرض، وعدم وجود ما يغير امتداده. وينقلنـا غرابيت مـن أجـواء المـرض عنوة إلى وصف غريب. لم يفهم بُراق ما المقصود به لأنه مكتوب بحروف لاتينية قديمة، أو أرمنية، أو حبشية. فيقرأ: وهناك منطقة سلسلة جبال الرجـل اليمنـى، وتمتـد جنوباً، يحدهـا مـن الشمال منطقة بوادي الباري، ومن الشرق حوض الكاسي، ومن الغـرب غور الجافي، وتتكون من: الساق المقطوعة القوالم  وقد سكنتها أقوام من الكرث. ومن الطريف،،، ومن هنا يقفز الطبيـب مباشـرة للفقـرة الثانيـة فـي موضـوع المـرض الخبيث، ناسياً حال رمّانة التي بدأ الكلام عنها فيقـول: إذا كـان المرض قد امتد قريباً من الموقع الأصلي. يكون الهدف هو السيطرة عـلى الورم حتى يتاح للمريض أن يعيش حياة عادية نشطة. ومباشرة ينتقل لوصف متعمق الجغرافية فيقول: ومنطقة سلسلة جبال الرجل اليسـرى، وتمتـد جنوباً نحـو الغـرب يحدها من الشمال منطقة بوادي الباري، ومن الشرق حـوض الجـافي، ومن الغرب بحر الغرابي، وقد قسمت هي الأخرى إلى أقاليم شـمال غرب دعيت بالرفش. وجنوب شـرق دعيـت بالزعـانف. وقـد سـكنتها أقوام: كانت لها تقاليد ويحيط بكل المنطقة محيطات عظيمة من البحار فيها ظلمـات لـم يحـاول الإنسان القديم تسميتها إلا نادراً برز أهم اسم وهو بحار آخر العالم، أو عوالم الماء السبعة،،، وتنقطع هنا المذكرات، قبل انتهاء الصفحات، وهنا عدة صفحات بالأرمنية، وأخرى بيضاء، أو ممسوحة.

17

في طريقه إلى ركنه الخاص تحت شجرة اللوز، تذكر بُراق لقاءءه مع ابن العنقودي، أثناء حفل ختان ابن أخته، وابن المختار، فجرت أحاديث عن باريس، ومحادثته بالفرنسية مع يوسف، والإنجليزية معه هو، وبخاصة عن عمله في شركة الزيوت الشرقية، واستغرب بُراق من جرأة ابن العنقودي وصراحته، وبخاصة حين يتطرق إلى الأمور الفكرية، والسياسية المحظورة هنا، وفي بلادنا، لأسباب كثيرة، ليس من ملاحقات عسس السلطات، وإنما أيضاً من خطر السياسيين المخضرمين، والكلاسيكيين، بل الأكاديميين، ربما لأن ابن العنقودي قد عاش لفترة طويلة في فرنسا، غادر إليه وهو في سن السابعة عشرة لتوفقه على طلاب الدولة كلها، ولم يعد إلا وشهادة الدكتوراه في يده، وهنا في عمله لا يتعامل غير مع الأجانب وبلغاتهم الأصلية في شركة الزيوت الكبرى، وهم أنفسهم يتعاملون في كل الأمور من دون مواربة، ولا يهمهم من يتكلم في الأمور الفكرية، وحتى السياسية ما دام لم يقم بحركة فعلية للتاثير على نسب الشركة العالية من الزيوت المستخرجة، فهو من القلائل الذين يتقنون عدة لغات في آن واحد، وينبري لكل صف للحديث بلغته، إضافة إلى هذا كله فإن ابن العنقودي قريب إلى القلب لا يدخن على الأقل، ولديه معلومات، وآمال كبيرة، لتطوير بلاد غامد وزهران، وكثيراً ما تذكر أيام سيره من زهران التي تقع فيها بلدة الصدر من أقاليم سنجق الجسد، إلى بلاد غامد في نهاية وبداية الأسبوع، لكي يداوم في المدرسة، ويبقى في غامد لخمسة أيام، ثم يعاود السير لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، فيسير بين التلال، والوديان، بين القرى الصغيرة، ويدخل في أحيائها، ودروبها، لعل هذا ما دله على الحياة البرية، وعوالمها الخفية، وتعلم الوحدانية، والاعتماد على النفس، وأهم شيء التأمل، والغناء الفردي كالمواويل، مثل عاثر الراعي، إنما بشكل مغاير، وكريكوريان الباحث، وابن عازب المغامر، وربما رأى ابن العنقودي كل هذا في بُراق، والمدرّس يوسف معاً لهذا تقًرب منهما، وفكّر بُراق أن أهم فرصة للقاء ابن العنقودي، والتعرف عليه كانت في حفل ختان ابن المختار، وابن العنقودي خاله، فبعد مراسيم رقصة العرضة خارج بيت المختار، حيث الأتربة التي غبرت الجو على إيقاعات أرجل راقصي العرضة، رقصة الحرب، أو كما يدعونها في بعض البلدان المجاورة في إقليم الجسد، أو غيره بالحربية، ففي هذه البلدان تجسد العرضة بطرفين متنازعين في نفس المكان، ولكن بأزمنة متعددة، أو مختلفة، وهي قبل، وأثناء، وفيما بعد أحداث الصراع بين جبهتين متقاتلتين، إضافة لمراسيم التوديع، والاستقبال، والتشجيع من خلال أهالي الطرفين من بنات، ونساء، وأمهات. أما هنا في بلدة الصدر فليس غير طبول من براميل حديدية تضرب بمضارب صلبة. ومجموعة من الرجال يحتشدون في أرتال تحمل عصي، وبعضها القليل له بندقية قديمة مهترئة، تبدو بندقية ابن عازب أجودها، ومن ليس له من عصي استعان بسعف النخيل، وقد تكدس الكل خلف بعضهم في حلقة غير منتظمة، يرددون مع صوت المزمار المصاحب للطبول عبارة: لله لليلله، هيله، هيله، هوهوهوهوهو، وتعاد نفس العبارة، وردتها لمرات عديدة طوال الدوران بشكل رتيب تنعكس على الحركة نفسها ليعلو الغبار من الأتربة التي تتحرك تحت الأقدام حتى تمتزج بالعرق لبعض المتحمسين، أما المدخنين مثل عبد الله ابن سيحان فقد تحاشوا الانخراط في الحلقة، وفضلوا الوقوف للتفرج، ليس على أهلهم الذين ملّوا من مشاهدتها في كل مناسبة، وإنما على المدرسين، وبخاصة الجدد منهم، فرياض رقصها على إيقاعات السامبا السودانية، وأطرافه العليا تتحرك كأجنحة نعامة، ووركيه كأنهما وركي جاموسة، أما محمد مفيد، وزيدان فقد رقصاها على إيقاعات رقصة الدحة، ومحمد مسعد، ومجدي على إيقاعات الحجلة، وبُراق على إيقاعات رقصة الهيوة، ويوسف ردح على هواه، أما مدني فقد تعاطف مع رياض لكنه خجل من التورط في أية فعالية، وبخاصة أن بعض من الطلاب كانوا إما من الراقصين، أو المتفرجين، فخاف على هيبته الجدية في الفصل، وهذا ما جعل عبد الله ابن سيحان يضحك طوال وقت العرضة معلقاً على المنظر، مشيراً إلى الكيفية التي كان كريكوريان يرقص العرضة فيها بين الحركات الشركسية، والقوقازية المتأثرة بالرقص الحديث للموجة البرستلية، أما أهل البلدة، والقرى المجاورة فهم يرزفون العرضة رزفاً توارثوه عن الأجداد جيل بعد جيل.
بعد رقصة العرضة دخل الجميع إلى باحة حوش بيت المختار ليشهدوا طقس الطهور، وقد نصبت منصة خاصة بالعريس الذي سيتم ختانه، وقد جلس ابن عازب مع عدته فوق المنصة بانتظار دخول المختون قريباً، ربط ابن عازب جلدة ثور في عمود الخيمة الصغيرة، فوق المنصة، يحد موسى الختان قبل ظهور المختون المطلوب، أما المختن المقبل نفسه فقد حممته أمه، وأبدلت دشداشته بواحدة جديدة من الستان الدمشقي المنقوشة بالخيوط الذهبية، وألبسته عباءة نجفية مطرزة، وغترة سوسرية حمراء، وعقال ملوكي مذهب، وفي قدميه نعال مصري جديد لا يُنتعل إلا في المناسبات السنوية الخاصة.
قام الوالد المختار، والخال ابن العنقودي وأعمام المختن المقبل، باحضاره في زفة مرزوفة على إيقاعات الطبل الكبير، والطفل أحمد ملته بالحوى التي ملاءت جيوب دشداشته، بان تحتها الإزار اليماني الأبيض، وبعيون شاردة ظل الطفل يمص الحلوى الجافة، ويتفرس في وجوه الرجال من الحاضرين، وهو مندهش لابتساماتهم البلهاء، واستقبالهم له بحرارة من نوع خاص، وإشاراتهم التهكمية، فلا يدري ما أمرهم، ولما هو بالذات محط أنظار الجميع، سوى ما علم من نتف أن ابن عازب لديه حلوى من نوع خاص سوف يضعها له تحت الوزرة البضاء، ولكنه لا يدري بأنه سوف يذبح فيه الجزء الهام، والخاص في ذكورته، للتخلص من قطعة زائدة على مذبح التضحيات الإغريقي، ويودع تلك الزائدة إلى الأبد.
جرت عملية ذبح، وتطهير الذكر بسرعة، ومهارة، كان الخال قد أمسك رأس أحمد بكفيه ليتظاهر بملاطفته، وكله هواجس، وقلق من مرور اللحظة المناسبة من غير عوارض جانبية، فيقوم بتلهيته بحوارات مضحكة، بينما أمسك الآب بيد أحمد اليمنى، وعمه باليد اليسرى بلطف بالغ، لكي لا يفزع الطفل، ويؤتي بحركة مباغتة تفشل عملية الختان بكاملها، أو يجعلها غير مكتملة، لكن خفة يد ابن عازب، ومهارته أنهت كل توتر، وتوقع سيء بثوان، بين نظرات الرجال الفضولية، أو المستغربة، أو المتحفظة، وما توارد لكل منهم من استرجاع حالته النفسية عندما مرّ هو نفسه بصغره بهذه التجربة، وأنتهى كل شيء على صوت ابن عازب المنتصر بقوله اقرأوا الفاتحة يا رجال.
وكان قد حضر أحد أبناء الأعمام إلى وسط الحوش مهللاً، وبيده القلفة، يرقص بها، بينما ابن عازب يضمد القضيب الصغير كأنه يلف لوزة طرية بقماش الشاش الأبيض لتظهر كأنها ملبسة حلوى من بلاد الشام. وفي الحال حمل ابن العنقودي ابن أخته أحمد، ودخل به إلى البيت، فعلت الزغاريد، والهلاهل، بينما ذبح الأعمام الخراف التي جلبت خصيصاً من الطائف وركض ابن عازب ليسلم الأب بمحلول عشبي مقوي ضد الالتهابات، وما أن عاد الأب حتى أقبل الكل لمباركته، فدعاهم للدخول إلى مجلس الرجال في الداخل لحضور وليمة العشاء المبكرة في ديوانية الرجال، التي فرشت بالسجاجيد من كل لون، وزخرفة، وصناعة محلية شعبية، بينما فرشت المطارح (الأفرشة) والوسائد حول الديوانية المربعة كلها، وفي الوسط بين العمدان توسطت معدات القهوة الصفراء على طريقة أقاليم سنجق الجسد في جبال الحجار، وصينية كبيرة من القرص الكبير المخبوز للمناسبة ذاتها، وهي عجينة كبيرة وضعت في حفرة، كانت قد ملآت بالنار حتى صارت جمراً، فغطيت بحصى مسطحة كبيرة حتى صارت بنفسها كفرن، ووضعت القرص فوقها، ثم غطيت بحص صغيرة من الجوانب، وفوقها وضع سعف للنخيل، ثم جلد ثور، أوصدت أطرافه بالكامل، ولما نضجت قدمت في الحال للضيوف إلى جانبها طاسات السمن البقري الحر، يأخذ الضيوف من لب القرص غرفة بأصابعهم، ويعجنونها لتصبح بشكل فنجان يغرفون به السمن، ويدلقونه بأفواههم، بل ببلعومهم مباشرة.
جلس الضيوف، وأهل الدار يخدمون واقفين، وقام أكثر من مكلف بالدوران بدلال القهوة الصفراء بالهيل على الضيوف، وكل منهم يخض الفنجان، ويعيده إلى الساقي، دلالة على اكتفاءه، وبعضهم يستهويه الطعم، فيكرر المرة عندما لا يهز فنجانه، ويبقى الساقي بجانبه يرويه ما دام لا يقوم بفعل الهز، أو الخض لفنجانه المنتصب بين أصابعه.
اقترب ابن العنقودي من ثلة المدرسين الذين جلسوا متراصفين في أحد الصفوف، وكانوا للتو قد تقهوا، فاختار ابن العنقودي مجلسه بين يوسف، وبُراق بعد أن صافح الجميع بما فيهم المدرسين البقية، وقد افتعل حركة مناسبة لجعل أخر من صافحهم هما يوسف، وبُراق لتفضيله هذا المكان، ولتبرير التوسط في ذلك المكان بالذات، وكأنه يعرف الاثنان منذ زمن بعيد، ربما لكثرة ما سمع عنهما في مجتمع بلدة الصدر نفسها، وبخاصة المختار زوج أخته الذي يقدرهما معاً، ربما لتميزهما في أداء عملهما، وابتعادهما عن خضم المعارك الجانبية التي يفتعلها ابن قارن، ها هو ابن قارن يخوض حواراً موارباً مع ابن الكافي، والشائع قرب صف المدرسين من الجهة الثانية لكي يستفز أحدهم، وينتظر أن توتر الأجواء، فيصار إلى مناكفة بين اثنين يقف هو متفرج ليضحك، ثم يقوم بدور المصلح الناصح. إن ابن العنقودي يجلّ أراء ابن عازب، ومواقفه، ومنها رأيه بكل من يوسف، وبُراق، وهو والمختار حجة في الرأي بنظر ابن العنقودي بعيدة عن ثرثرة ابن الكافي، وابن قارن اللذين لا يسلم من لسانهما أحد، كل بطريقته، وأسلوبه في المواربة، والتزلف، وسوداوية التعرض للآخرين حتى من أهالي المنطقة، والإقليم بذاته بتقريظ، واستنكاف من المدرسين، بحجج النظر إلى الأنساب تارة، والتعلق بأمور المسحوبية القبلية، وما يشبهها تارة أخرى.
استهل ابن العنقودي كلامه عن العادات والتقاليد، منطلقاً من المناسبة، وهي الختان التي تسود العالم العربي، والإسلامي، وحتى شمال أمريكا منذ الحربين الأخيرين بعد المخاطر التي تعرض لها الجنود، ما عدا أوروبا المتباهية بذات القلفة. وأيده يوسف على رأيه مستغلاً ذلك للدخول في حوار عن ذكريات ابن العنقودي عن باريس أيام دراسته في السوربون، كأجواء الحي اللاتيني، بخاصة وأن أصداء الرواية الثلاثية لجان بول سارتر، دروب الحرية التي فسرت نظرياته الفلسفية وبسّطتها، فدارت مناقشة حول الأبطال وانتماءاتهم، وتوظيف الأمكنة، والأحداث في السياق العام للثلاثية. وانبرى بُراق للحديث عن سيمون ديبفوار زوجة سارتر، في محافظتها على نمطية كتاباتها دون التأثر بأسلوب سارتر، وبخاصة ما طرحته بكتابها الجرئ الجنس الآخر، فقد كان سهل الفهم حتى في بلادنا، وأضاف بُراق بقول: أنا معجب في كيفية وصول ديبفوار لهذا الكم من القراء، من الجنسين، ومنهم والدتي التي تجاوزت الستين من عمرها، فقرأته بنهم، ولم يكن لها اعتراض عليه سوى بعض التعابير المباشرة. فاستحثت هذه التداعيات إعجاب ابن العنقودي، وشحذت ذاكرته، وبدأ يتحدث عن تجمعات الطلاب في انتفاضتهم، والنزاعات اليسارية بين تياري الحزب الشيوعي الفرنسي، ومحاولة الطرف الراديكالي الانشقاق على غرار انشقاق جوزيف تيتو في يوغوسلافيا، وماو في الصين، ومحاولات الحزب الشيوعي الإيطالي للخروج من قوقعة الأممية الثالثة، ووصف ابن العنقودي التجمعات الطلابية الشبه يومية في الحي اللاتيني للتظاهر في دروبه المحيطة بالسوربون، ومقاهيه الجميلة، وتجمعات الطلبة حول ( روجيه غارودي) أستاذ الفلسفة المنشق عن الحزب الشيوعي الفرنسي الناقد للماركسية، والماركسيون التقليديون، وتبشيره بالماركسية الحداثية، وتأثيره في ثورة الطلبة، وقيادته لهم، في كتبه الشهيرة، ومنها كتاب واقعية بلا ضفاف، كما لم يفعله هربرت ماركوز في كتابه: الإنسان ذو البعد الواحد في عقولهم من قبل.
تحدث ابن العنقودي بحماس، وإعجاب، وبصوته العادي حتى أثار استغراب بُراق الذي قام ليحذره، وبادره بالتنبيه على الأقل من المدرسين القربين منهم، فهنا كثير من المحرمات التي يؤمن بها العديد من المدرسين، فانبرى ابن العنقودي ليشير إلى أن هذه البلاد واقعة تحت نير الجهل، ولا يعرف الفرد فيها شيئاً عن السياسة، ولا الفلسفة، فما بال الأسماء التي نوردها مثل ماو، ولينين، وماركس، وأنجلس، كلها تعتبر بمفهومهم مثل الحروف اللاتينية التي لا يفهمونها فكثير من أهالي الطلاب يستنكرون على أولادهم تعلم اللغة الإنجليزية، وعندما يرون الحروف اللاتينية في كتب أولادهم المدرسية يستعيذون بربهم، ويقولون لأولادهم إنها حروف شيطانية عليكم تجنبها، ولولا إصرار وزارة التعليم، لجلد أكثر من مدرس لغة إنجليزية لرطانتهم، بما فيهم كركور القرش الذي كان يتحاشى الحديث بأية لغة يتقنها، حتى مع مدرس اللغة الإنجليزية نفسه، وإلا لما تقبلوه بينهم.
وقام ابن العنقودي للتطرق إلى سيرة كركور القرش كما عرفه هو، وكما روى له الناس، وأهمهم ابن عازب، وعاثر الهامي فتحدث عن مزاياه الكثيرة، وسعة إطلاعه، وكثرة العلوم التي وهبها. فتعجب بُراق لحديث الناس عن تصرف كركور القرش بعد عودته من رحلته التي دامت ثلاثة أشهر، وهي أيام العطلة الصيفية، على أنه كان في ربوع كسب، وعنجر بين أهليه، وزملائه، وبخاصة الأشهر القليلة السابقة لاختفائه، ولما استفسر من ابن العنقودي عن السبب، أشار الأخير إلى أنه يجهل بعض الحوانب التي سمع عنها عن القرش، فلم يتسن له اللقاء به بعد الآوبة من الإجازة الصيفية، إذا كان يعول على اللقاء في رمضان، ولما جاء في العطلة لم يجده، وكانت الأقاويل حول غيابه مختلفة، بل إن الحديث عن التغيير الكبير في سيرته، وطبائعه، وسلوكه مع الناس متفاوتة بين فئة وأخرى، وأول ما جذب انتباهه أن القرش لم يسافر إلى كسب في العطلة الصيفية، وفضل الذهاب إلى الجبال بمفرده، فلم يرافقه ابن عازب كالعادة، ولا عاثر الذي التقاه في البرية، وقد أسر ابن عازب للعنقودي بأن القرش، أخبره بأنه يود أن يختلي لنفسه، ويعيش بين البرية، والجبال ليفسح لنفسه بالتأمل الجاد، والكلي، ففضل الاعتكاف لحاله، ولدراسة المنطقة في أمور طبقات الأرض لمعرفة أعمار الموجودات، ودراسة أثرية، ومراقبة السماء في أمور فلكية. أما ما سمعه من أمور تشوه سمعته، بأنه لما عاد لبس مسوح الدراويش، والمجانين، وصار يتكلم بأمور غريبة، ويدعو دعوات باطلة، ولولا إجادته الطب، وتعلق الناس به لكان مصيره الموت، أو قضاء عمره في سجون الربع الخالي مع الأفاعي السامة. وتعبير ابن عازب الجدي والمنصف بأن وجه القرش بعد عودته كان وجهاً نورانياً له مسوح المبشرين الأنقياء، لا السحرة كما يدعي ابن قارن في بث سمومه عن كل فاهم، وعاقل، وناصح للبشر، في كلام القرش كثير من النصح، والدعوة للاستقامة، وفعل الخير، وقد طالب القرش بتوحد البشر في شريحة واحدة، وأكثر من التأكيد على التعليم السليم، وزيادة المعارف، والاهتمام بصحة الفرد. صار القرش بجلبابه الأبيض، وعمامته الخضراء، ووزرته البرتقالية مثل راهب بوذي، خصوصاً عندما يضيف شالاً برتقالياً على أكتافه.
ويتساءل ابن العنقودي وهو يحاور يوسف، وبُراق بماهية الشيء الذي غير القرش، هل بسبب التبحر في التأمل الصوفي، أم أنه تعمق في اليوغا إلى مستوى النيرفانا، أم أن العزلة في الصحراء، وتأمله فيها غيراه بدرجة كبيرة، ربما يكون عاثر على علم ببعض الجوانب، ولقد أسرني مختار قرية الرأس والد رمانة، أن شجرة الرمان قد أثمرت رماناً بهي الشكل، يانع، ولكن الناس تحاشوه، لأن ابن قارن أوحى لهم بأن القرش قد رش عليه مسحوق شيطاني، غير أن ابن عازب أطلعني بأن القرش سمّد الشجرة بمحلول كان قد جلبه لعلاج رمانة، من أعشاب حللها في الجبال، وأجرى عليها تجارب على أعشاب برية خلال فترة اعتزاله، ولما وجد القرش أن رمانة قد توفيت قبل وصوله بأيام، سقى الشجرة بالدواء، وما هي إلا أسابيع حتى نمت الشجرة بشكل مميز، وصارت وارفة، وعودها نضر، وأوراقها أكثر نضارة، أما الثمار فحجمها تغير هو الآخر، ولونها أحمر ناري، ولكن الناس تحاشوا قطفها وأكلها، من التطيير الذي خلقه كلام ابن قارن، بصفته الدينية غير الرسمية، وهي أن القرش يمارس السحر، وهو ليس أكثر من معتوه مهوس، فبقيت ثمار الرمان على الأرض لا أحد يلمسها، ولقد ازهت الشجرة بتكاثر الطيور عليها، فبنت لها أعاشاً آمنة لقلة الناس الذين يزورون الشجرة، ما عدا ابن عازب، وعاثر، ومن ثم بُراق الذي اعتبرها مكانه الأثير بعد شجرة اللوز المفضلة لديه، وقد صارت منذ أن أينعت الرمانة رمز جديد لقرية الرأس، فيقال لها قرية رمانة رمانة، أو قرية الرأس ذات شجرة الرمان، أما حكاية القرش مع شجرة الرمان، فلطالما كان يمر بقرب هذه الشجرة التي زرعتها رمانة بنفسها، بانتظار أن تزهر، وتثمر، ولأن الأرض معدنية، والتربة الصالحة عميقة تحت سطح طبقة من الحجارة الناعمة، لا بد من طريقة خاصة لزرع الأشجار وهي تعميق الحفرة حتى يظهر الطين الأحمر، أما رمانة التي زرعت شجرة الرمان الصغيرة فقد غابت عنها هذه المعلومات، ولهذا نمت الشجرة نحيلة، ولو أعطيت فترة من الزمن حتى تصل الجذور إلى الطين، فلكانت ستزهو، وتتألق في نموها حتماً، وهذا يأخذ دوره لأكثر من سنتين، المهم أن القرش لما عاد لم يصل في الوقت المناسب، فرمانة العليلة كانت قد دفنت منذ أيام قليلة، ربما ليلة، أو ليلتني أثنتين قبل عودته، وإلا لكانت الجدة الصبية قد أعلمته بالأمر، ومن خيبة أمله قرر أن يغذي شجرة الرمان بالمحلول، فقام في الليل ليسكب الإكسير البايوكيمياوي لشجرة رمانة العزيزة، ولم يدر أحد كيف علم ابن قارن بهذا السر، ولكن ما برز من ظواهر على الشجرة، هو الذي جعل الناس يتسألون عما حصل، فتفاجأوا وربما خافوا على أشجار اللوز، وماعزهم، وأطفالهم من نمو غير طبيعي، تحت تأثير مجهول، فلم يكن لابن قارن إلا القرش ليرمي في عنقه سبب هذا الغيير الفجائي، ونجح في تخمينه المريض دون أن يدري أبعاد الأمور التي جعلت شجر الرمان توهب قرية الرأس هذه الثمار الزكية.
وأنهى ابن العنقودي حواره مع يوسف، وبُراق مؤكداً على متابعة بعض الأمور التابعة مع بُراق بالذات، ربما اللقاء في مكان عزلته تحت شجرة اللوز، أو شجرة الرمان قريباً، هذا عندما رأى ابن العنقودي زوج أخته المختار يتوسط الديوانية ليعلن عن استلام الهدايا قبل توزيع صواني الطعام، ودار عبد الله سيحان، وابن المختار وهما يحملان خرجين من الصوف الملون المنسوج محلياً، ومرا على الضيوف، كان كل منهم يمد يده في الخرج، ويضع إما نقود، أو حلي من الفضة، لأن الرجال ليس مستحب لبسهم للذهب، ويقوم الرجال بإدخال يديهم في الخرج بعيداً عن أعين الآخرين، حتى وصلا صف الأساتذة، فتجاوزاهم، دون أن يتوقفا، ولما سأل بُراق عن السبب، أشار زومط أن هذه النقوط هي ديون مداورة بين أهالي البلدة، والأقارب، يتبرع بها البعض للآخر في مناسبات مثل الولادة، والختان، والزواج، والوفاة، وليس على المدرسين التزام بها لأنهم مؤقتين في بقائهم في البلدة، وأيد ابن العنقودي على ما قاله زومط. وما أن حمل الاثنان الخرج، ودخلا به، حتى وصلت صواني الطعام، فتوزعت كل مجموعة من ثمانية أشخاص على صينية يتوسط فوق الرز “العيش” خروف، سعى المختار لجلب هذه كلها بكلفة كبيرة، ولكون المناسبة أهم من قيمة الخراف، فسيكون منقصة بحقه أن يبخل على القوم بهذه الذبائح، ولسوف يعيّره الناس، لأن بعض من يكون له مناسبة كهذه، ولضيق الحال، وصعوبة الوصول لمصادر الشراء، ومن ثم العوز يقوم بذبح الدجاج المصري البلدي، ويصير لفترة مدعاة لتعليقات الناس، وأولهم ابن قارن، وبوقه ابن الكافي.
جلس بُراق ويوسف وبشير ومدني ومحمد مفيد وحسن زيدان على السفرة القريبة منهم، وفجأة نط ابن عازب ليتوسط الجهة المقابلة لبُراق، ربما كان من العادة أن يشارك واحد من أهل البلد الغرباء في طعامهم ليقودهم إلى تقاليد تناول الطعام، وبعد أن أعلن المختار بدء الأكل بقراءة الفاتحة تسارعت الأكف لجمع اللحوم، مع العيش، ويقوم متبرع على كل سفرة صينية بعملية تقطيع اللحم بمهارة، ودراية، وممارسة، ويتركها محلها ليسهل على الآخرين الأكل، واختار المناسب له من اللحم، وقد يشتهي الموزع تقديم لقمة خاصة لضيف خاص على السفرة نفسها، فتحاشى بُراق أن تمر به تجربة المناسبة السابقة، وعرف ابن عازب نفسه طباع بُراق بعد العشرة لأشهر طويلة.
وهكذا انتهت الوليمة بلا مفارقات، وفكر بُراق بأن يهرع إلى المدرسة بعد الوليمة، وقبل خروج الجميع؛ ما دام الليل قد ستر الأجواء، وكل من له هم في المراقبة، أو من يتوجس في بُراق من حركة قد انشغل بالوليمة، وملء المعدة من لحوم الضان، ولحسن الحظ أن كل المفاتيح لديه، وفي دقائق وجد بُراق نفسه مقابل عائلة اليرابيع، وكأن الأب كان على علم بقدوم بُراق، كان قد أحضر رزمة جديدة من مذكرات كريكوريان بانتظار أن يحصل على أنبوب زيت الألوان، وكان اليربوع قد وقف أمام علبة أنابيب الزيت الأبيض، فخمن بُراق مراد اليربوع، وتم التبادل بسرعة، وبنفس السرعة وجد بُراق نفسه في غرفته، ولا يدري كيف فتح الرزمة، وبدأ بمطالعة المذكرات وبدأت المذكرات مباشرة بالتالي: إن اللهجات المتأخرة في هذه المناطق عامة تختلف في المظهـر العـام  لكن عناصر هامة كثيرة تشترك بها جميعاً؛ لهجات تخلفت من لغـات قديمـة، إنها آخر ما وصلنا من نقوش جنوبية، من القـرن السـادس الميـلادي. ولم يتطور دفعة واحدة لأن في اللغة جانب حي يأتي من الممارسة، والتأثر بعوامل خارجة عنها. لعل أكثرها تأثيرًا لغة شـمال الجـزيرة. فقد أتخذت اللغة هناك، شكلاً خاصا، وعاشت حياتها الخاصة. ودليلنا الواضح على ذلك ما نجده في،، اليوم من لغات حيـة مثـل المارهيـة، والحارشـية، والقارطية. ومن العسير أن نقرر اليوم مدى اشـتقاق هـذه اللغـات مـن لغات النقوش القديمة في،، وذلك لقصر علمنـا باللغـات الحديثـة، والقديمة. والواقع أن دراسة هذه اللهجات تبين لنا بوضوح أنهـا  ليست مشتقة من الفصحى، فقد تكّونت من مجموعة خاصة من لغات النقوش، فـي أسرة اللغات الأصلية. وإذا تأملنا  المارهية نجد أن الحركـات فيهـا متنوعة تنوعاً كبيراً. وكذلك صيغها التي تدل على تطـور داخـلي سـببه النبر. والنبر في المارهية له مكانته. فالمقطع المنبور ركز فيه كـل النشاطات. بينما ضاعت شخصية الحركة غير المنبورة. فنجـد أن الحركـة  القصيرة بعد النبر تمد، والحركة الممدودة تقصر إذا كانت غير منبورة.
ويقلب بُراق صفحات عديدة تثني على تعدد اللهجات، وطرق اللفظ، حتى يصل لمقارنة التي يعقدها القرش فيقرأ: فالسين الجانبية أي الحارشية. والعين موجودة في الحارشية، ولكنهـا تقلب في المهرية غالباً همزة، وقد تسقط كليـة. وفـي الحارشـية تسـقط الباء في أول الكلمة، وأحيانًا  تسقط في وسـطها. وقـد تقلـب فـي وسـط الكلمة وفي آخرها إلى الياء. وكثيراً ما تقلب الواو في الحارشية إلى الباء. فحرف العطف و هو في الحارشية “ب” وهناك جدول يبيـن مقابلـة الحـروف الأصليـة، والمارهيـة، والقارطيـة، والحارسـية،والحارشــية، والقارطية: فالألف متشابهة في كلها، أما العين فتلفظ  “أ” في كـل مـن المارهية، والبارحية، والهارسية. وتلفظ الباء في كلهـا “ب”. وكـذلك كل من “د ذ” . أما الـ “ض” فتلفظ “ص” في كل من العاربي والآرامـي.
تعجب بُراق من صبر كرابيت القرش، وحنكته في تشفير الكلمات، ولا بد أنه قد وضع جداول في طريقة حل الرموز، مخفية في مكان ما، أو أنه يحفظها عن ظهر قلب، بل هي قد تكون متضمنة بالمتن ما بين السطور، وبخاصة تلك التي تشرح مرض السرطان، وما يختص برمانة بالذات، ولكن من أين لبُراق الوقت أن يحللها، ما لم يتفرغ لها بمعية متخصص، وهو ما سوف يسعى إليه عند رحلته إلى السويد، ولكن عليه أولاً أن يجد الجداول، فعليه أن يغري اليربوع الأب لكي يحصل على بقية المخطوط، بما فيه الجداول.

18

كان بُراق قد غفا قليـلاً، تحت شجرة اللوز التي تغريه دائماً بالنوم تحتها قرب البئر، وهو عائد من محطة البريد أعلى التل، تذكر أن يأخذ زوادته الأسبوعية من معلومات عن الأهل، والوطن، وفي طريق عودته قرر أن يركن إلى زاويته المفضلة، وها هي رسائله التي يخطفها بسرعة، ويعود لإرادياً إلى مذوده اللوزي، وباله مشغول بابن العنقودي، وشخصيته الفذة، وآفاق حوارهما يوم الختان، ولقاءهما المرتقب اليوم. وكالمعتاد كانت لا تزال واحدة من الرسائل بيده عندمـا انتبـه لزيـارة ابن العنقودي، ولم يعرف لما سماها زيارة، وليست بموعد، فهل اعتـبر بُراق، شجرة اللوز، والبئر الذي تظلله ملكاً خاصاً به بعدما تعارف الكل على أن من يريد أن يلتقي بُراق، عليـه أن يجده في هذا المكان، وهكذا كان الأمر بالنسبة لابن العنقودي الذي كان قد طرق باب بيت الشباب الأخضر، وجاءه رد رياض بأن بُراق من المحتمل أن يكون في خلوته. بعدما ناداه بأكثر من صوت عبر جدار غرفته. ولم يكن للعنقودي أي تبرير، ولا حرج في إبداء الإعجاب بما يفكر بُراق عمله في المدرسة، وكذلك في المدرسة الابتدائية. ولم يخف أيضاً علمه بما يجري هنا في البلدة، فكل ما يدور فيها، يلف ألف مرة، ويبرم قبل أن يصل لصاحبه بأسرع ما يتصوره الفرد، فدائرة العلاقات هنا ضيقة، وقريبة، ولكنها حميمة وصادقة.
وما أن التقيا من جديد تحت اللوزة، وبعد تحيات، ومجاملات قصيرة، دخل كلاهما في حوار المثقفين، من غير مواربة، وكأنهما متواعدان على وجبة فكرية دسمة ابتدأها العنقودي لمباركة مشاريع بُراق التي تذكره بالفن التشكيلي العالمي، وهكذا ظهـر عنصـر مشـترك آخر يشدهما إلى بعض، فمن بيكاسو، إلى رينوار، ومانيه، وروسو المتوحش، وغوغان، وفان غوغ وأزمته التي أدت إلى صلم أذنه، وجنونه ثم موته، فهؤلاء كلهم مفاتيح حوارات طويلة ستدوم بين الاثنين. أما مدارس النقد الحديثة، فلربما تخبئ هي الأخرى أكثر من معلومة موسوعية لدى العنقودي، تخيله بُراق بحر غني بالدرر، فالعنقودي متشبع بالتراث العربي الإسلامي العريقين، وفنون الزخرفة، والخط بأنواع، فقد مارس تعلم خط الرقعة، والنسخ، والكوفي، والديواني، وأبدع بمهارة في الجلي ديواني، وكم اشتاق في الغربة أن يرسم لوحات من فنون الخط، وقد كانت دراسته أبعد ما تكون عن الخط، والفن، فهي مختصة بألوان الزيوت، ومنها النفط بألوانه، وأنواعه، وكثافته.
وهكذا تنوع الحوار بين الاثنين، فكلما تطرق بُراق إلى مدخل ما يسمع من العنقودي تعابير مرجعية، ورأي خاص به، فإذا ما جاء على التوحيدي ابي الحيان، فسّر لبُراق أهمية كتاب الامتاع والمؤانسة في التراث القديم مقارنة بألف ليلة وليلة، وهما على مسافتين مختلفتين في الفكر، والتوجه، وإذا ما أشار بُراق إلى الجاحظ في أموره النقدية انخرط العنقودي عميقاً في تفسير كتاب البيان والتبين، وأهمته العلمية، والفكرية في التراث العربي، وهكذا فقد زاد بُراق إعجاباً به. وجلس يتأمله دون أن ينبس بكلمة، والعنقودي يتكلم بانسيابية شـاعر، ويعتذر في كل مرة عن عدم معرفته بالفن الحديث، وإنه لا يتـلاءم مع كافة الناس. وهنا طمأن بُراق العنقودي بإيماءة من رأسه، ليؤكد ما يعانيه هو الآخر من عدم فهم من قبل الآخرين. وكم تتعثر كلماته لو أنه أراد أن يفهم متعنت. بينما يكون غاية السلاسة مع الطـلاب، والتلاميذ، وأمثال العنقودي.
وختم العنقودي الجلسة بالحديث المطول عن آخر معرض رسم شـاهده فـي بـاريس لجاكوميتي. ولكنه عرج بتلقائية على أعمال العبقري التشكيلي، والمعماري أنتونين غاودي الذي تنتشر أعماله في برشلونة. ولم ينتهيا إلا بالتعقيب على هذا اللقاء الساحر. كما يلتقي العشاق تحت شجرة اللوز، وأي عشق هو الذي يجمعهما غير عشق المعرفة والتعطش لها. ولم يحاول أياً منهما الخوض في أمور الساعة، ولا فيما حدث يوم الختان مع ابن قارن، فهما الآن في أمر أهم، وفي تألق. وألـق ساحر خصوصاً، وإن البيئة أضافت على كلامهما سحر آخر. وكم همّ بُراق لكي يصارح العنقـودي، ويخبره بما يطرأ عليه هذه الأيام، وما هي المعاناة التي يعانيها، من تناقضات، ولو من مدخل السؤال عن الطبيب مدرس الرسم السابق. لكن كل إشارة ستكشف ربما ما يمكن للعنقودي قد نواه هو الآخر، ولربما تكون كل هذه التمهيدات ليس أكثر من الولوج إلى المذكرات، وخفاياها واختفاء كريكوريان. وهي ورطة لا يعرف بُراق أين ستنتهي به، وسحب لا إرادياً يده تحت الكم خشية أن يلاحظها العنقودي، وهي آثار الجرح الذي أصابه من أول محاولة له في التحرّش باليربوع الأب. وتألم بُراق كثيراً لوضعه الملتبس هنا.
وهاهي الرسائل لم تعد تعني لديه أي شيء، وقد مضى عليه أكثر من أسبوعين ليس لديه الرغبة في الرد حتى على من يتصوره أخاه. فمن يكون العنقودي يا ترى، وإلى ماذا رمى بحديثه عن الفنانين العظام، واستعراض مهارته النقدية، ومعلوماتيته. والغريب أنه لم يتطرق أبداً لأي أمر عن النظريات الاقتصادية المعاصرة، والتحليلات السياسية، فهل اكتفى بما لديه عندما تألق في جلسة ختان ابن أخته؟ أم أنه لم يعد بحاجة للتعر ف على آراء بُراق؟ وهذا الآخر أمر شائك هو الآخر، وسرت حالة من التداعيات بين الاثنين، بشكل متبادل كلما جاء الدور على أحدهما في الحديث، وكأنهما شخص في جسدين، فما هو السر الذي وحدهما، لا شك أنه الفكر، والفن، والفلسفة، والسياسة كلها مجتمعة رغم تعارفهما القريب، وانتماء كل منهما لبلد، وثقافة، وبيئة مختلفة، فهل يعرف العنقودي شيئاً عن أخ بُراق، يوسف الذي يعيش في السويد، فيأتي هنا للتعرف على الآخ الصغير، لقد نوه ابن العنقودي بزيارات تدريب أتمها في ستكهولم، وتعرف على بعض العرب المغتربين في الدايسبورا، ولهذا ساور بُراق الشك، فما هذه الأسرار التي تلف، وتدور حوله هو فقط، وتحوم حوله كلما تطرق للماضي، أهي تداعياته هو نفسه، وتصوراته، وتوجساته من الآخرين، وتطيره من كثرة التفكير، والتركيز، لعل عثوره على مذكرات كريكوريان هي التي رفعت لديه الهواجس، وهذا المستوى من التفكير المنخرط في الاستشراق، والجاسوسية، وربما هو توهم لا غير.
وما أن توادعا على أمل لقاء أخير قبل انتهاء إجازة ابن العنقودي السنوية، وحال مغادرته المكان حتى انفرد بُراق في تفكيره، ومراجعته لرسائله، ولا يدري بُراق لما طار تفكيره لمراجعة رحلته الأخيرة مع ابن عازب، وصنوه يوسف وخله، فباستثناء رحلة بُراق مع ابن عازب إلى هبها، وشيشة، وجبال الهامة لوحدهما، وتمرسه في شم الأعشاب لمعرفة ميزة إحدهما عن الأخرى خصوصاً لو تشابه المظهر الخارجي في الغصن، والورقة، فقاده هذا لأول تعارفه بابن عازب، وإعجابه بضحكته التهكمية أولاً، وبروز صدره النحيل العاري من فتحة دشداشته المندلق زيقها أبدأً ذكرته بأغنية الهدل لياس خضر الحديثة، وقد استغرب لطريقة قفز ابن عازب كاليربوع الذي رآه في بالدية بلده، ومن ثم رأى شبيهه في غرفة مرسمه. آآآه بالله، كيف غاب عن بُراق هذا التشبيه، خصوصاً قصر أيديه، وكأنها أطراف يربوع مستقيم على قدميه، إنما ذيل ابن عازب هو بندقيته التي يضعها دائماً بين فخذيه الاثنين، وتبرز من الخلف كذيل مغطى بأطراف دشداشته الضيقة، أما شدة اعجاب بُراق هو في روحية ابن عازب الفكهة، وسنه الوحيدة، وسرعة بديهته، كأنه عالم تراثي قادم من عمق التاريخ، يتنقل في عكس تجاربه، ومغامراته الواحدة تلو الأخرى، مشيراً إلى أن كل ذلك من أسفاره في بلاد الجسد، وأقاليمه، ومن اختلاطه بأناس في مناسبات عديدة كالعلاجات، وخلع الأسنان، والطهور، وغيره، وبالبحث عن وصفات عشبية لكل منهم، وقراءاته في الكتب العربية القديمة.
ويشير ابن عازب إلى أهمية الأسفار، وهنا توافق مزاجه مع بُراق الذي التقاه في إحدى الطلعات، فعرف ما الرجل، وما معتركه، وأنه مثله يهوى الأسفار، لأنه يجوس في أماكن لم يطأها من قبل، وكأنه أول من وطأ أرضها، فيعجب لنفسه، ويفخر بها، لأنها استكشفت أمور لم تأته من مقولة جاهزة حوله، هذا ما شجع ابن عازب أن يدعو بُراق إلى أسفاره، وبخاصة لو كان في مهمة علاجية، أو البحث عن الأعشاب البرية، وأيضاً زيارة بعض ممن يوازونه في المعارف، والتجارب، والمغامرات من جبال الحجار، وأقاليم سنجق الجسد، وعلى قمم الهامة نفسها.
ففي ترحالهما معاً لا يغيب اسم كركوريان عن لسان ابن عازب، حتى صار بُراق يحفظ كل الأمور المتعلقة بالقرش، من وجهة نظر ابن عازب الذي كان كما يبدو رفيق ابن عازب في الأسفار، ومحب لها، وبخاصة التجوال في الأماكن المهجورة، لكن كريكوريان هذا له هوايات أخرى بعضها قريب من ممارسات ابن عازب، وهي تعلم سبر أغوار الآبار، وبخاصة النائية الجافة، أو المهجور منها، وبعض آخر أبعد من اختصاصات ابن عازب كاكتشاف المواقع الأثرية، ودراسة أحوال الناس، وأنواع الطيور والحيوانات، من وعول، ذئاب، وضباع، وصقور.
ويشير ابن عازب إلى أنه لم يتصادف أن رأى بعينه القرش ينزل أيا من الآبار، لهذا يستبعد ما يقوله عاثر عن القرش، فيقول: بل إنه كان يقف حائراًعلى حافة البئر، وينظر إليّ، وأنا أجوس في عمق البئر، وهو يراني من الفتحة العليا، وأراه وهو يتصاغر في الفتحة كلما تباعدت المسافة بيننا، وهو يبقى نقطة في الحافة العليا لفتحة البئر، وكثيراً ما وصفني هو بأنني يربوع لا يرى غير عيني البارقتان، ونابي الأبيض.
وتذكر بُراق أول مرة تعرف فيها على هذا المخلوق اليربوعي، عندما كان مع زميله سنان في الجيش، وقد نصبت لهما خيمة تقوم على حفرة مربعة في برية جنوب شرق الوطن، تفاجأ بُراق مرة بأن رأى شاربان يبرزان وراء قماش ما مثل فتحة باب الخيمة، يبدو أن الحيوان المضحك قد جاء ليرحب بالقادمين الجدد إلى عالمه، فهرع بُراق ليرى ما هناك، فرأى اليربوع مبتسماً له، وفد انتصب على قائمتيه، كأنه تمثال ترابي اللون، عيناه تتكلمان بحوار فكه، قال له سنان، هذا الحيوان صديق الرعاة، والبدو، ولكنهم عندما يجوعون، ولا صيد لهم وبخاصة في الصيف ولا يجدون شيئاً يأكلونه، وعندما تنفذ مؤونتهم يعمدون إلى ذبحه، وهو يداريهم بابتسامة بلهاء، فيشوونه، ويأكلونه بتلذذ، وقد نسوا عشرتهم الطويلة معه، وكأن لحمه لحم أرنب بري.
وأكد ابن عازب هذه المعلومة، مشيراً إلى سبب قلة اليرابيع هنا، وتحاشيها الظهور في النهار، بعد أن كانت تسير بلا مبالاة في النهار، ولا ترافق الآن غير من تطمئن لهم، ومنهم القرش الذي يقال أنه ترك وراءه في مرسمه عائلة سعيدة من اليرابيع، كان يسهر معها، وترقص له على أنغام سحرية تسمع في أواخر الليل في أرجاء بلدة الصدر، فتجاهل بُراق إشارة ابن عازب، وعمد إلى الدخول في موضوع آخر، حول أهمية الأعشاب البرية، لكي لا يثير فضول ابن عازب حول مدى ما يعرفه هو عن كريكوريان نفسه.
وفي عطلة عيد الفطر هذه رافق ابن العنقودي الثلاثي، يوسف، بُراق، وابن عازب، وهي أواخر أيام إجازة ابن العنقودي، حرص كل من بُراق، وابن العنقودي على تكثيف اللقاءات، فقد تصادف انشغال أهالي المنطقة بعطلة عيد الفطر، والمدرسين، منهم من استغل العطلة للذهاب إلى الطائف، والآخر إلى جدة، وبعضهم إلى مكة لأداء فرائض العمرة، والبعض الآخر اكتفى بالتسوق من سوق مدينة الساحة قبل بدء الدراسة، وزخم الامتحانات التي ستليها، ورغم أن الإجازة بدأت في بدايات شهر رمضان، لكن لا أحد كان يقوى على السفر، وهو صائم، وعليه فرائض واجبة بمواقيت الصلاة، والإفطار، والإمساك، وما إليها، فتركه لمكان إقامته غير مستحب إلا للضرورة، لأن هناك نوع من التقصير، والتفريط بتكاريس الصيام نفسها، لكل هذه الأمور طقوسها العقائدية المقدسة من جهة، والاجتماعية من جهة أخرى، أو جسدية بالتالي، لأن الصيام نفسه هو دواء للجسد مرة في السنة، وراحة له، وعلى الصائم أن يعرف كيفية التعامل مع هذه الطقوس بورع، وحذر دون الإفراط في الأكل ليلاً، أو الإمعان في الصوم لساعات أكثر من غيره فكلاهما له محاذيره، واتباع السنة أسلم، وأكثر ثواباً، وأكبر ورعاً.
أما وقد جاء العيد، فالكل وبخاصة في اليوم الأول تختل موازين الأكل والنوم لدى الغالبية، ولم ينطبق الأمر على كل من بُراق وابن العنقودي من جهة، ويوسف وابن عازب من جهة ثانية فقد تهيأ الأربعة لرحلة الجبال قبل أيام، وصار لهم استعدادهم النفسي، خصوصاً وإن المبيت ليلة أو ليلتين في الخلاء، أو الفلوات يكسبهم طاقة خاصة، ومنها تبديل الأجواء الضيقة، بتمتيع النظر بالمناظر الفسيحة، والنجوم العميقة، والهواء المنعش، والسكون المديد، وآمان ما دام ابن عازب وبندقيته مرافقهم، وهو الذي بادر ووعدهم منذ الرحلة السابقة، وستكون هذه الرحلة نادرة، وخاصة، وربما الأخيرة على الأقل بالنسبة ليوسف، وبُراق، وبخاصة في هذا الفصل الذي نادراً ما يتصادف حلول شهر رمضان، وعيد  الفطر في الربيع، وهو الشهر الرابع من السنة الميلادية.
في الرابعة صباحاً طرق ابن عازب الباب على بُراق الذي كان بانتطاره، وعدته، ولا يخشى على إيقاظ أحد لأن زملائه قد سافروا كل إلى صوب، وما أن فتح الباب الأخضر لبيت العزاب، حتى رأى بُراق ابن عازب برفقة ابن العنقودي، فوقف الثلاثة بانتطار انحدار يوسف من بيته فوق تلة دكان ابن سيحان، فاجتمع الأربعة، وساروا باتجاه الجبال شمالاً خلف قرية القحف، وبعد مسافة ست ساعات من السير على الأقدام، حمل كل من الأربعة خرج محلي مثل ذلك الذي جمعت فيه النقوط في دار المختار يوم ختان ابنه، كان اثنان منهما هدية من ابن العنقودي لكل من بُراق، ويوسف، وتعكّز كل منهم على عصا اشتروها من سوق مدينة الساحة، ولبسوا الملابس الرياضية، والأحذية المريحة، عدا ابن عازب الذي نزع نعليه، وسار حافي القدمين. توقف الجميع لأخذ قسط من الراحة أولاً، وإعداد الفطور، فقام ابن عازب بلملمة أحجار الصوّان المعدنية السوداء ليجمعها في أثافي ثلاث، كان ابن العنقودي وبُراق قد جمعا حطب الغاف، وبعضاً من قرم شجر الغضا ليوقدوا النار تحت إبريق الشاي المسود، كان يوسف مكلّف بملء الماء في جليكان صغير حمله ابن عازب طوال الطريق، وحرص عليه، وانشغل يوسف بالغناء بالفرنسية بلحن لإديث بياف، لا مور، شاركه طرباً ابن العنقودي، ولما كان شارل أزنافور قد استحدث اللحن، وشاع فما كان من بُراق إلا أن يشاركهما هو الآخر، بينما تذّكر ابن عازب طلعاته مع كريكوريان الذي لا تختلف أغانيه لحناً عما يسمعه الآن، ومع هذا استغرب ابن عازب لهذا الثلاثي العجيب، فصفق يداً بيد وفي باله يقول: ما هذه الرطانة التي سرت على ألسنة الثلاثة كطيور أجوج، وماجوج.
أثناء جمع الحطب تسنى لابن العنقودي أن يتحدث عن غياب كريوريان القرش، أو السرحان، هذا اللقب الذي استحدثه له ابن العنقودي، وبُراق في حواراتهما الأخيرة عن كريكوريان نفسه، فأيد بُراق ابن العنقودي في تهكنه، وهو العارف أكثر من ابن العنقودي بمغامرات كريكوريان، وعجب لتحليل ابن العنقودي، وكأنه هو الذي قرأ المذكرات معه، أو قبله، وثم كان لا بد أن يتطرقان هذه المرة إلى سيرة عاثر الهامي الهيمان الذي منحه ابن عازب هذا اللقب، وانطلق العنقودي من خلال هذا الحديث إلى وصف بلاغة عاثر الفطرية، وسعة اطلاعه بأمور البرية، والجبال من جهة، وفهمه لفن سبر أغوار الآبار التي يشترك فيها مع ابن عازب، ويتبادلان المعارف، رغم قلة كلام عاثر، وثرثرة ابن عازب، ومن هذا انتقل ابن العنقودي إلى وصف مريم الخلقية، والجمالية، حاول تذكير بُراق بها، فلربما تصادف أن رآها وهي ترعى الماعز، وسرت حالة غريبة لابن العنقودي وهو يصف مريم في أثناء انصات بُراق له، فطار كل شيء من ذهنه، ولهذا عادا ليشاركان ابن عازب، ويوسف في الفطار الذي أعداه لهما.
وما أن أنهوا الفطار حتى حملوا أثقالهم، ومشوا مستمتعين بالمناخ، والإجازة التي يسترخي بها كل فرد، كل واحد منهم يرنو إلى شيء يهمه، ولكل اثنين منهم شيء مشترك، وقد جرب يوسف اختبار تلميذه بُراق في تعلم اللغة الفرنسية، لكن إجازة الصيف سوف تقطع عليه الدروس، وتنسيه ما تعلمه، وليبدأ من جديد، وكم ود بُراق لو بقي هنا هو ويوسف للتفرغ للغة، ولكن موعد بُراق مع أخيه يوسف الذي سيلتقيه في ستوكهولم قد يطول، وقد لا يعود من جديد إلى مقر عمله هنا، إلا لو جددوا العقد له، وبنفس البلدة لسوف يتابع أمور مذكرات كريكوريان ويجري دراسة عنها، ولربما يسجل على بحث أكاديمي لنيل شهادة عليا فيها، وبمجرد تذكره المذكرات، واضطراره السفر، يقلقه، ويؤرقه كيف، وأين يخفي المذكرات، هل يؤمنها لدي عائلة اليرابيع، أم يأتمن عليها لدى ابن عازب، لا يدري، وفي حيرته يجن من مرور الوقت، فلو تسنى له أن يقتبس فقرات، أن يسجل ملاحظات فلسوف يسهل عليه الأمر، لكن الوثائق الأصيلة أهم مستند مرجعي لأي دراسة، ولربما تحتفظ الأكاديمية بالنسخ الأصلية، لهذا عقد بُراق العزم، على أن يسجل على دراسة عليا حال وصوله لستوكهولم، ويكتب من هنا ملخصا لموضوعته، والأهداف منها، تحت اختصاص الأنثروبولوجيا. من هنا حرص بُراق على توفير كل ريال يكسبه، ولا يفرط بنقوده، ليضمن مصاريف سفرته التي قد تطول أكثر مما يتوقع لاستحداث هدف جديد للرحلة.
انتبه ابن العنقودي لممارسة يوسف تجريب ما تعلمه بُراق باللغة، فقام ليجرب لغته معهما، سرعان ما سرقتهم الفلسفة أولاً من خلال الحديث عن روايات فراسوا ساغان،  وأندريه مارلو، وأندريه جيد، ثم في الشعر لرامبو، وأراغون، مكررين المعاودة على تفاصيل لثلاثية دروب الحرية لسارتر، سبق عصره، رغم عبقرية برتراند رسل لكن سارتر وصل إلى قلوب الشباب أسرع منه.
كان ابن عازب ملتهي بجمع الأعشاب البرية لهذا لم تعنيه حوارات الثلاثة، وقام ليرتب ما جمعه في خرجه، واستعان من بعدها بخرج ابن العنقودي الفارغة، حمل الاثنان على كتف، والبندقية على كتفه الآخر متحيناً الفرصة في ظهور طائر، أو مرور أرنب شارد ليصطاده، فيشويه ليأكل منه الأربعة.
وانتبه ابن عازب لعلو نبرة الحوار بين الثلاثة، فعرف أنهم يتكلمون بأمور هامة، ولربما تكون السياسة هي مفترق الطرق بينهم، ولكن لماذا لا يتخاصموا، وهم ثلاثة، فلربما مال أحدهم لجانب الثالث، وظل واحدهم وحيداً، كان مسروراً لهذا الانسجام رغم اختلاف البيئات التي جاءوا منها، وفرح أيضاً لأنهم خرجوا عن رطانتهم بالفرنسية، ولكنهم يتكلمون عن أمر يعجز عن تخيل حدوثها في محيطه، ولا يستوعب جوازها فهي خارج نطاق تصوره العشائري، والرعوي، فما لهم ورؤوس الأموال، والعمال، فهنا ليس لدينا غير عمال الطين، والبناء فهل العمال في العالم كثيرون. وسمع يوسف يقول: لو فُتح مصنع للورق في منطقة الأهوار بجنوب العراق حيث مصادره الطبيعية متوفرة منذ آلاف السنين، وسيبقى هكذا لرعاية الطبيعة له، هذا المعمل سوف يقفل على الأقل أربعة مصانع ورق في أوروبا، وشمال أمريكا، فهل يُسمح لنا به. وقال بُراق معقباً: نحن مستهلكون، ولا يحق لنا أن نكون غير ذلك بالقوة أو بالحيلة من خلال معاهدات اقتصادية مضللة، لأنه لا يحق لنا أن نكون منتجين، حتى الإبرة نستوردها، وها هي الزراعة تموت هي الآخر، أو على وشك، فهل نسيتم أزمة القطن، والكساد لأعوام، كله لكي تضرب زراعة القطن في مصر، فمعمل قطن في بلداننا العربية سوف يقفل معامل جواريب، وفايلات في الغرب.
وأقبل ابن عازب مقترباً من الثلاثة ليسير بموازاتهم، فسأله ابن العنقودي عن نوع الأعشاب التي جمعها، فافتخر ابن عازب بالسؤال، وقال له أنه قد جّمع أعشاب للربو، وأخرى للزحار، وثالثة لأوجاع الكلى، والرأس، والبطن، وللآم الولادة، أما أهمها فهي عشبة تظهر في هذا الموسم فقط، وهي عشبة علاج رمد العيون.
كانت الرحلة موفقة، ولم يشعر الأربعة بالليلتين اللتيين قضوها، لأن أحاديث، وغناء ابن عازب ملأا الليالي، والثلاثة يتبحرون في النجوم، ويتأملون فيها، فتأخذهم إلى عالمها السحري فيغطون في نوم عميق من جراء التعب من السير على الأقدام.
عاد الأربعة في اليوم الثالث للعيد عصراً، وظهر الارتياح النفسي عليهم، غير الجهد البدني، وكانت فرصة رائعة لتقارب ابن العنقودي من يوسف، وبُراق على وجه الخصوص، وصار بينهم روابط روحية، ونفسية، وفكرية، ودّ ابن العنقودي أن يُجدد عقدهما في العام القادم، لربما يتوصل ثلاثتهم لمفاهيم أعمق، ونتائج أرجح، وهكذا وصل الأربعة إلى بلدة الصدر، فقام يوسف وبُراق بتوديع ابن العنقودي كأنهما يودعان أخ لم تلده أمهما، وتأمل ثلاثتهم في لقاء أسعد بمستقبل أجمل للأمة، والوطن الكبير.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

4 تعليقات

  1. عزيزي الدكتور حسين سمرك الموقر: الرواية في حلقة الثامنة (مراثي يبني غامد وززهران لم تمتمل بعد، و في نهاياتها فوافواجع) لم تمكتمل بعد) وفي الحلقة الأخيرة هناك خواتم، واجع أخرى؛؛؛؛ عذراً للتونيوه، فأنا أمر بو

  2. صحيح أخي الدكتور فاروق . حصل خطأ فني . وسوف ننشر الحلقة التاسعة والأخيرة مع تنويه بالخطأ غير المقصود الذي حصل

  3. عزيزي الدكتور حسين سرمك الموقر
    لم استمعت بالتواصل معك منذ أيام لوضع صحي خاص أّلم، ويلم بي منذ منذ أعوام، لعل الدكتور باسم الياسري لأكثر اطلاعا على وضعي الراهن.
    باختصار الجزء الثامن من رواية مراثي بنو غامد وزهران ليس هو خامتة، فالخاتمة هي بعد عودة البطل لبلده، وهو غمرة، فراجع أخرى مؤسية، وعذراً لهذ التنويه حرصاَ على الأمانة العلمي.
    محبكم د. فاروق أوهان الأبد.

  4. شكرا أخي الدكتور فاروق . أتمنى لك الشفاء العاجل والإبداع المتجدد . سوف ننشر تنويها واعتذارا عن الخطأ غير المقصود .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *