د. فاروق أوهان : مراثي بني غامد وزهران (رواية بأسلوب التداعي والتخاطر) (7)

farooq ohan 612

ظلت عينا ابن عازب تبحث في الظـلام، ويداه تتلمسان الحافات، والجوانب، والأرض، والكماشات في يده. يحاول أن يضرب بها في شـتى الاتجاهات، ورغم صغر المساحة التي حوله، فإن الظلام، والفراغ جعلاه يشعر بلا جدوى البحث. لكن الشعور بعدم الفشل في المهمة لازمه. والخروج بلا نتيجة جعلاه يتشبث أكثر فأكثر. كأنه هو المسؤول عن وجود، أو عدم وجود الجثة. لأنه هو الوحيد الذي سوف يقرر الأمر، وعلى رأيه سوف يتم الاعتماد، والفتوى. وبه سوف يكون الاستشـهاد في كل مجريات القضية. لذلك ظل ابن عازب متشبثاً بالعزم أكثر فأكثر، بأن لا بد له أن يجد الجثة، أو ما يدل عليها، وإذا ما خرج دون دليل، فلن يثق به أحد، وسيصاب بالعار، فعليه إذن أن يجد مجرد شيء صغير، أو تافه، أو حتى مزيف لكي يقنع البلهاء من أمثال ابن سيحان بحجته، لذلك فإن التأني في النزول، والبقاء مدة أطول تحتkh farooq  4 للبحث، والتفتيش بكل ما لديه من جهد وطاقة. فكل ما بقي مدة أكثر يكون قد اعتاد على الجو، وارتاحت عيناه للظلمة. واستأنست كل الكائنات الحية حوله. وقد اعتادت على رائحته. كما اعتاد هو على رائحتها، أفراداً، أو بمجموعها. وفكر ابن عازب وهو لا يجد أي بصيص من الأمل لأي أثر للجثة، أو بقاياها. ولهذا فإن الأمر يختلف تماماً الآن. فلا صوت استغاثة يناديه، ولا هول كابوس يسكنه ولا رائحة تعفن، ولا تنافس زواحف، أو حشرات، أو أية دابة تستهويها فريسة قد هبت. وكلما أصاخ السمع، لم تنجده أذنه بأية إشارة، حتى إنه حاول في بعض المرات أن يمثل دور الأموات، فيقوم بقطع أنفـاس نفسه، عند ذاك كان يسمع حتى حركات مجسات الحشرات، تلك التي تتمنى وليمة نادرة لا تحدث كل يوم. وفكر ابن عازب من جديد بالرائحة، لكن لا أثر في الداخل لرائحة عفونة آدمية، فلو أن الرائحة موجودة، لاحتـاج ابن عازب إلى القناع الذي يستخدمه عادة في مثل هذه المناسبات. وحمد ربه بأنه لم يحتاجه حتى الآن، وإلا لتضايق كثيراً، وعجل بالخروج. ولكن أية عجلة لها مخاطرها هي الأخرى. لعل الجثة تعفنت على الجهة التي نامت عليها، فحبست انتشار رائحتها؛ فبمجرد رفعها سوف تنتشر الرائحة بسرعة، وسوف تخدره، وتشل حواسه. وفي الحال هربت ذاكرته إلى بئر البرية التي سقط فيها راعي في نهاية ربيع عام الأمطار النارية. وقد غشي على الراعي، فوق جديه الصغير الذي سقط في البئر قبل يومين، وعندما نزل قريب الراعي لإنقاذه سقط هو الآخر مغشياً عليه. وهكذا تلاه أكثر من سـبعة رعاة.
لم يستطع إلا ابن عازب الخبير المحنك في معرفة السبب. فعالج الأمر بدهاء ورثه عن والده عن جده، وأنقذ البقية  كان جده يحكي لهم القصص الكثيرة عن تلك الرائحة السوداء التي تنتشر كالنار في عيـون، وأذان، وأنف المُنقذ كسرعة انتشار النار في الهشيم . فإذا كـان غـير محصن، بكمامة سميكة من الصوف، أكلته الرائحة السوداء بلسعاتها وجاءت إليه كالدهماء لتفترسه دون رحمة. وخاطرت ابن عازب ذاكرته، كيف أنه لم يدع أحد يدنو من فوهة البئر، بل جعلهم ينتظرون بعيداً. ولم يدعهم يسحبون الحبل أبداً إلا بعد أن يخرج هو قبل كل جثة، يكون قبلها قد نزل ببطئ لكي لا يوقظ الرائحة من سباتها، وكأنها روح هائمة تنام تحت الجثة. ويقوم في آخر لحظة قبل أن يزيح الجثة الفوقانية، لكي يحيطها بالحبل من الوسـط، بوضع كمامة الصوف حول فمه ومنخريه. وحالما يتأكد من أنه استطاع توصيل نهايتي الحبل ببعضهما، ويعيد الجثـة إلى وضعها، بل إنه تعلم ألا يفسح أي مجال لفراغ كبير بين الجثتين حيث تعشـش الرائحة السوداء، ولكثرة حرصه كانت الرجفة تعتريه، بكل عنفوانها، وعظمة تأثيرها، هي خليط من التأزم والتأسي، والتأبين الأولي لأرواح هائمة بحاجة لمن يواريها التراب. لا أن تكون مرتعاً للديدان أمام البشر والمارة. ولا لكراهية تعتري بني جنسها، عندما يمرون من فوهة البئر فيسدون أنوفهم، بتأفف، وتضايق، ويصبون اللعنات على الضحايا مهما كانوا أبرياء. لذلك فإن التراب يستر ويقي، ويحفظ للإنسان شرفه، ويحفظ عزته.
إن ابن عازب حينذاك لا يمكنه إلا التفكير في مصيره هو الآخر. فلا يهز الحبل الخاص بالجثة خشية أن يتوهم أحد الغافلين أو المتحمسـين فيسحبه. وبذلك تنكشـف الجثة، وتهجم جنية الرائحة فتصعقه لتصطاده. إن ابن عازب مهما كان واثقاً، حتى من ابن أخيه النابه. لا يدع مجالاً لأي تردد في استباق الأمور، والانزلاق بسرعة إلى فوق كما نزل، لأن فيها حياته هو الآخر، وفيها خسارة للبئر، لندرة من يقومون بمهمته لو مات هو الآخر تحت، لهذا يستبق الخروج دون أن يشعر به أحد. حتى أن بعضهم يخرّ مغشـياً عليه لهول المفاجأة. لأنه تصور أن أحد الموتى قد خرج على قدميه. وبعد أن يستوي ابن عازب فوق الأرض يطلب من عمال السحب جر الحبل لإخراج الجثة، وتكون مجموعة أخرى قد هيأت حصيراً سميكاً للف الجثة حتى لا تنتشر الروائح حولهم. وفي المنطقة. بل أن أهالي الضحايا كانوا قد أحضروا عطور الطيوب، والبخور لتعطير الأعزاء. وبينما تتم العملية؛ يكون ابن عازب قد جلس يعب في غليونه أنفاساً متسارعة من التبغ. ولا يستعجل أمره، ولا يتأثر لطلبات أهل الضحايا، ولا لنواح نسوتهم، وإلحاحهم. لأنه يعرف جيداً أن للرائحة وقتها، ومجال هدوئها من ثورتها. فهي إذ تكون خرجت مع الجثة إلى فوق وانتشـرت لأميال. فهل تترك مرتعها خالياً، خصوصاً وإنها في الداخل مرتاحة لبقايا الجثث، سرعان ما تهتاج لمعرفتها بأنها سوف تتلاشى في المساحات الشاسعة وتفقد قوة تركيزها. أما تحت، وفي محيط ضيق فإذا ما انكشف ما فوقها لا يعني أنها سوف تتلاشى بسرعة، أو تهرب ببسـاطة. إن الممر الضيق بين أعلى الجثة الثانية، وسطح الأرض هو قناة لا تلعـب فيها الريح. وهذا ما يزيدها اشتداداً، وكثافة، وتراكم الرائحة على بعض. مما يزيدها بأساً وقوة، وسعيراً، ولذاعة. أما الريح فعلى الرغم من أنها تساعد الرائحة على الانتشار لأكبر مساحة، وأكثر مسافة. إلا أنها في هذه الحالة تساعد على إضعافها، بل وسهولة قتلها وتلاشيها.
إن ما تعلمه ابن عازب من والده وجده. قد صار يزاوله باختصاص أكبر، لذلك يفتعل عدم فهمه للسؤال، أو عدم سماعه، أو ضعف بصره، لكي يتخلص من الإلحاح، أو يقسو على النسوة بكـلام مؤذٍ، أو يدعي أن الجثث الأخرى غير موجودة حتى إذا ما مرّ، الوقت الكافي. ينهض بكل عزم وشدة؛ وأكثر همة وحماس من الأهل. ويمارس واجبه الإنساني حتى ينتهي من آخر ضحية. وهي الجدي الصغير سبب المصيبة. عند ذاك ينفي كل شائعة انتشرت  وكل أسطورة خرجت حول وجود أرواح شريرة في البئر. إن المشكلة إذن نشأت من هجوم الرائحة لا من قوى أخـرى. هذا ما عرفه بفطرته ابن عازب؛ وبهذا تذكر ما حدّثه عنه والده، عن قريـة شـمالية تدفن أهاليها في نواميس داخل كهوف مقفلة، لا يقترب حفار القبور الحريف من فوهة الفتحة، عند فتح القبر لإدخال ميت حديث، إلا بعد تنفيس القبر لمدة، ربما قبل مجيء المشيعين بفـترة لكي تتسرب الرائحة. رائحة التفسخ فإذا ما فتحت ودخل الشخص للتو سـرعان ما من تسممه الرائحة بقوتها. كما يحدث لسارقي قبور الآثار في قرية المصاومة. وقبور الفراعنة التي تدعى خطأ لعنة الفراعنة.
أما هنا في حالة عاثر الهامي هذه، فـلا آثار واضحة لدماء، أو لطخات، أو أشلاء ممزقة. فكم تمنى ابن عازب أن يجد من هذه الأشياء أي دليل لكي لا يخرج خالي الوفاض. ويكون عرضة لتعليقـات المتطفليـن، واتهامات المعنيين بالأمر. ومن ثم قد تطلب منه الشرطة النزول من جديد. وعاودته ذكرى فشله في اكتشاف حادثة كركريان القرش، وخيبة أمله فيها. فشدتآ عزمه على أن يجد شيئاً. وعليه التحلي بـالصبر ثم الصـبر، لعله يجد شيئاً يقنع به، ومن الجانب الآخر، صحيح أن القرش سلمه الخاتم الخاص به، لكنه لم يقل له أين، ومتى، وكيف سيغيب، ولم يبح له بكلمة السرً ولا بما وعده من أنه سيكون من يؤتمن على أسراره، لا يدري ابن عازب ما الذي جعل القرش كركريان يغير قراره في اللحظة الأخيرة، وإلا لكان قد وجد على الأقل أثر يدل عليه، وإذا ما احتاج الأمر، أو يبرز الخاتم الخاص بالقرش الذي يميزه كل من عرف القرش عن قرب.
في هذا السكون يعطف عاثر الآن على ابن عازب، ويتئس بسوء طالعه، وهو يراقبه من دهليزه الجانبي. فيقطع أنفاسه لمرات. لكي يقوم فيما بعد بالهرب. ومن المفيد أن يوحي بأنه قد مات هنا، فما بال عاثر لا يبدي أية حركة في الهروب إلى السهل في العالم الثاني، ما الذي يؤخره، لعله استغرق وقتاً طويلاً في دراسة الدهليز، وقد يمم صوب المخرج الأخير المطل على السهل، ربما حاول النزول، لكنه فضل أن ينهي الأمور هنا في قرار حاسم، وهو أن تستقر روح مريم في قبرها قبل أن يهاجر إلى الأبد، لهذا واصل عاثر اهتمامه بعمل ابن عازب، وظل متوارياً وراء المزغل المموه، لا تفصله عن ابن عازب غير حجرة الصيوان الحاجز المموهة، وكم فكّر عاثر في المفاجئة لو أن ابن عازب وجده صدفة، فماذا سيكون الموقف، ربما سوف يعقدان اتفاقاً ما، ولكن على ابن عازب أن يأخذ معه شيئاً ليثبت غياب عاثر عن هذه البئر مثلاً. في هذه الحظات حدّث ابن عازب نفسه: لو أنني فقط استطعت حل لغز كرابيت كريكوريان الذي اختفى، ولا أثر له في البلاد، كنت أنا من أقرب المقربين له، وبخاصة في جولاته، ولكنني لم أكن أفقه ما سر تجواله في البراري، تارة يدعي أنه يجمع أعشاب للأدوية، والعقاقير النباتية التي ينصح بها مرضاه، وبشكل شبه رسمي، لأن مديرية تعليم مدينة الساحة، وبأمر عال سمحت له بمعايدة طلاب، وتلاميذ بلدة الصدر، وضواحيها. ومرة يدعي أنه يستخلص من الأعشاب ألوان لوحاته الأصلية والثابتة. وعندما يتفحص الحجارة لا يدري ابن عازب ماذا كان القرش يدون في دفتر مذكراته، حتى وهو يقابل الرعاة، وبعض البدو ليكتب بلغتين أخريين، رغم معرفته بالعربية. وتصدر جملة بصوت عال لابن عازب يقول: أمره عجيب حيرني، وما يزال، كنا ليلتها سوية، وفي الصباح الباكر بحث المدير ومعاونه في كل مكان فلم يجدوه، ولم يجدوا كل متعلقاته، لعل غرفة المرسم تحوي بعضاً من أسراره، ولكن كيف لي أن أوحي للأستاذ براق بما يعتريني من هواجس لا أرتاح لها. ربما أوحي للمعاون بأن يستثير فضول الأستاذ بُراق للبحث، أوووه مالي أنا الآن ومال القرش، وأنا في خضم البحث عن عاثر، لعل قدري هو أن أبحث عن المفقودين، ولا أجد لهم من أثر، ولكن أتنسى يابن عازب ثقة القرش بك، وأمانته ما تزال لديك، وهو الذي أوصاك بأن تمنحه لمن يستحقه من المدرسين الوافدين.
أما عاثر نفسه، فقد غمرته الفرحة، لأنه وجد العديد من المتعلقات التي تحدثوا عنها، وما له علاقة بكركريان هنا في المزغل الأيمن، وربما قاد سوء حظ كركريان للمزغل الأيمن حيث الهوام، فنهبوا حاجياته، ولاقى مصيره الأخير هناك. وحدث عاثر نفسه: علي أن أجد الوقت الكافي للتأكد مما حدث لكركريان القرش، رغم أن قبعته وُجدت بعيداً في كهف منعزل، فهل هناك مزغل ما يقود لهذه البئر هنا، أو مسبر من هنا يقود لذلك الكهف، أو ربما لكي يموه كركريان أمر عبوره إلى العالم الثاني على الفضوليين، وأصحاب الشائعات. الأمر يحتاج إلى متابعة، وأنا عليّ تدبير أموري الآن، ربما ستسنح الفرصة لو استقريت في السهل السعيد أن أعود للبحث عن مصير القرش كركريان.
وفي الطرف الثاني من المزغل لنفس البئر تمنى ابن عازب أن يكون في مكانه الآن ابن سيحان في هذه الهوة العمياء الغارقة في الظلام. لكي يرى بأم عينيه أجداده. ويسمع همس أرواحهم، لو صح كون هذا الحصن فوق البئر، وحولها، هو لأجداد ابن سيحان بصدق، كما يدعي هو وأهله. إن حال ابن سيحان، كما تربى لا تسمح له لكي يخطو، خطوة دون حسابات لكل ما تدر عليه. وهو بالمقابل لا يجـازف في موقف خسارة واضحة. إلا إذا ما تورط مثل الآن. فلا يهمه أن يوصف بالبطولة، أو الشـهامة، أو الرجولة، أو يوصم بالجبن، والغدر، والخيانة فكل الصفات الحميدة قد استمدها من تأريخ أجداده، الذين يـدعي أنهم هم من صانوا هـذه البـلاد عنـد دفـاعهم عنهـا ببنـائهم الحـصون، والقلاع، شمالية كانت، أم غربية. جنوبية، أم شرقية. وكانوا يتفضلون عند اشتداد الأزمات، على الرعاة، والمزارعين ليحتموا بحصونهم هنا، أو في الجهات الثلاث الأخرى. عندما يحسون بالغارات الحربية. وهم بذلك قد ربحوا من جديد على مستويين: الأول فضلهـم على من التجأ من العامة إليهم للاحتماء. والثاني استخدام اللاجئين كمحاربين يغطون مزاغل الرماية على كافة أطراف الأبراج، وبخاصة البرج الرئيسي الذي تقع هذه البئر تحتها.
آآآآه يا ابن سيحان، لعنة الله عليك، وعلى أجدادك الحقيقيين. لأنهم لم يكونوا أصحاب هذه القلاع الفعليين، إنما هم من اغتصبوها من أهلها كما يبدو. وإلا لدافع ابن سيحان عنها في أوقات الشدة، ولعرف الباحثون من الأوراق المخطوطة، أو ما تتحدث به جداتهم عنها كل إشارة دقيقة فيها، أو على الأقل لكان أكثر شهامة، وأقوى بأساً، مما هو عليه. ربما رضـع الخيانة بالتوارث، وليس الوجاهة، والشرف، والنخوة فتلك كانت شيمة أهل الحصون الأصلية.
فرح ابن عازب لأول مرة عندما أحس بأن التفكير بابن سيحان قد أفاده لأول مرة. فقد ألهاه قليلاً، وأبطأ حركته التي لولا هذا التفكير لحار كيف يقضي الوقت متجملاً، ولا مجال هنا لتدخين غليونه، فلو فعل لأختنق هو، ومن يشك بكونه حياً تحت، لكن ابن عازب تأسى على أهل الفقيد وذويه، وفكر في وضعهم، والقلق الذي يعـتريهم، مشدوهين لا يعرفون ماذا يفعلون؟ يسمعون التعليقات، والتنكيت، والتهكم، والتعريض، ويسكتون. لأن لا مصير معروف لابنهم أمامهم. ولا بارقة أمل تحدد وضع ابنهم على الأقل. فالميتة انتهى أمرها.
أما عاثر فلم يجد لنفسه قرار. لقد صار وضعه مثل الروح الهائمة. فما بال وجود روحان هائمتان. وشعر ابن عازب بهبة ريح عليلة، لكنها مخيفة تمر من أطراف جسده، لمستها حواسه، فأحس بأن فراغاً كبيراً يحيطه، وأنه يعيش عزلة غريبة عن العالم. كأنما هو الآخر قد انتقل إلى العالم الآخر. وبفارق أنه يعيش بكامل حواسه في جسد. غير أن رعشة الخوف التي تسـكنه. ورغم كل تجلده، وحماسه، وشجاعته، وكبريائه، ومكابرته، فإنه مع هذا يحسد روحيّ عاثر، ومريم لأنهما متحررتان من هذه الخاصية. وهي الخوف. خوف من مجهول، وراءه ألم، وربما موت. أما هما فلا شيء يخسرانه بعد. وخفقت نغمة حزينة لأذن ابن عازب خالها صوت نـاي عاثر، وهو يقلد أصوات الطيور. إذ نادراً ما كان عاثر يتكلم حتى خاله الناس أصمّ، أو أبكم. ولعله هو ذلك السرّ الذي جذب مريم. آآآآآه يا مريم كم من العذاب تحملته وأنت تُقطعين، لكن ما أهون تقطيع السكين على قطع  الألسن.
وفجأة يأتي ابن عازب صوت مريم، وكأنها تهمس له بصوت يمامة هائمة لتخبره، بأنها لا تخشى على عاثر، ولكنها تخشى عليه من الأوهام التي يحيكها الناس حول قضيتهـم، وفجأة تخـتلط على ابن عازب الأصوات، وكأن اليمامة التي خاطرته باسم مريم قد أفزعها مفترس. ولعن ابن عازب تلك الهوام التي تخيف الأرواح الهائمة، وكم ود لو استمر التخاطر بينه وبين مريم أكثر. ولكنه بدأ الآن يسمع همساً قريباً، لعله تخاطر عاثر لم يفهم منه أي شيء، ولكنه أحس بما لا يقبل الشكّ أن عاثر قريب منه، وإن بينهما لا يعدو عن حاجز بسيط لو انقشع بفعل السحر لرآه، لعل ما يقوم بينه، وبين عاثر ليس إلا نوع من البحث بين الهارب، والمفتش.
وأحس بسخرية عاثر، وهو يرى إلى عيونه التي ترصده في ظلام البئر، فقد خبر عاثر معرفة المزاغل، ولكنه لم يكن ليعلن عما هو عارف الآن، أو عازم على فعله، لهذا احتوى ابن عازب الغم لكنونه صار ألعوبة بيد عاثر، وأن عاثر نفسه يسخر منه، أه لو يستطيع زحزحة تلك الصخرة في القعر لعرف أين، وكيف اختلى عاثر بعيداً عن أنظار الكل، وهاجسه هو أن يجد الفرصة للهرب بعيداً، خاصة وأنه يعرف المسالك الجبلية، وله خالة راعية في الشمال، وهتف ابن عازب في داخله يقول: ولكن لماذا يفعل عاثر كل هذا، أقصد لماذا فعل ما فعل، وهو لا يبدل ظفر من إصبع مريم بأي مخلوق كان، لعل في ذلك سر، أو لغز علي أن أصل إليه قبل الشرطة، التي لا تعلم غير الأمور السطحية كالعادة.
وعجب ابن عازب للمسالك التي أغلقها عاثر بينهما الآن، رغم أنهما كانا يتعاونا معاً كل ما اكتشف أحدهما شيء ليطلع الآخر عليه، وكانا يتباهيان في كيفية توصيل المعلومات من آن إلى آخر، والناس مبهوتون من هذه العلاقة السحرية بينهما.
إن ابن عازب يتخيل عاثر الآن يقوم بإخفاء نفسه، بل يحبس أنفاسه، فإذا كان قد مات ما له، وما للأنفاس من حبس وجزم ابن عازب بنفس قائلاً بصوت مسموع: نعم إنه حيّ . بديني إن عاثر الهامي حيّ يرزق، ولكن أين هو في هذه البئر؟ احرج يا عاثر من مكمنك، فأنت بأمان.
هكذا حدّث ابن عازب نفسه، متيقناً من أسلوب تخاطره معه، وأيدته في ذلك روح مريم، بل إنها ألحت عليه أن يساعد زوجها في محنته، لكنها لم تكن تستطيع أن تدله على الوسيلة. وظل ذلك يدور في خاطر ابن عازب. كيف يستطيع مساعدة عاثر؟ ذلك ما حيره. وتعجب كيف سمع صـوت مريم يجيبه بلحن منسجم. مع ناي عاثر: أن لا شيء يضير ما دامت قد تخلصت من عذابها. ودعته هو الآخر لكي يأتي إلى حيث تقيم، فهناك حيث تسكن، أو حيث تتوقف في محطة الانتظار بأمل واسع لاختراق الضيـاء، من خـلال ممرات مزهرة، بورود اللوز، ولقاح النخيل. وللحظة تورط ابن عازب في انسجام، خاله دهراً من السعادة لهذا الاكتشاف، لكن سرعان ما أسف لزوال كل شيء من حوله اللحن، والغناء، والأفكار التي سرت له من أفكار مريم. وارتعش من جديد. لكن تفكيره في عدم تحاوره مع عاثر هو الذي نبهه لنفسه وتبين متيقناً، بأنه لاشكّ أن في الأمر سرّ. فاللحن الذي سمعه لم يكن خيالاً، أو تخاطراً. أما أفكار مريم فلم تكن سوى تخاطر مرسل بوضوح، لذلك تيقن بأن عاثر ليس بميت، وإنه ليس هنا في هذه البئر بالذات، وإن وُجد فإنه يختفي بتعمد.
وتمنى ابن عازب لو كانت له قدرة الشباب لكان تبع ذلك الممر الضيق الذي يبدو في نهايته فراغ، لأن بصيصاً ضعيفاً من النور يتسلل إليه بعد أن فقد نور الفتحة من فوق لبعدها، لعله توهم كغيره بما لم يكتشفه عاثر بعد، فالممرات ليست أسفل البئر، وإنما قرب فتحة السطح وردد ابن عازب في نفسه بقوله: ربمـا يكون غاراً يؤدي إلى الخارج؟
فكثيراً ما سمع عن ادعاءات مثل هذه، ومنها بعض تعليقات عاثر الحذرة.. وسرد معلومات مغلفة بالرواية عن الغير، عما يمكن أن تخفيه هذه البئر من أسرار. ولم يخطر لابن عازب فيما مضى أن يأتي لكي يبحث، لكثرة انشغاله منذ أن رافق والده في عمليات الإنقاذ، والمنقذ ليس لاهياً مثل الراعي، أو السابل، عليه مهمة لإنجازها. وتمنى لو كان قد استمتع بمراهقته وشبابه على الأقل لكان دار في الفيافي ولامس الغدران وغار في الآبار على غير هدى .
استبعد ابن عازب كل ما فكر به، فعلى الرغم من أنه لم يُزر هذه البئر منذ ما لا يقل عـن عشـر سـنوات. إلا أنه، وبدراسته للمنطقة لم يتصادف أن عثر حتى على أية حفرة تؤدي إلـى درج يتوازى عمقاً، أو أقل مع عمق هذه البئر. مثل الآبار الأخرى، وبخاصة بئر بيت إسماعيل نازع القرشـي التي يحفظون فيها أشياءهم الهامة، وبخاصة كيفية حفظهم للطعام المطبوخ فيه، على أعماق مختلفة ليكتسب الطعام البرودة في الصيف، والدفء في الشتاء. وكثيراً ما تنزل الجدة محروسة لتضع الطعام تحت لكي لا يتعفن في الصيف، حـيث يكون النزول من حاشية لها درج، تصل ليس إلى العمق. ولكن ربما إلى ما قبل سطح الماء. بعدها سلالم عبارة عن أسافين حديدية مثبتـة في الحائط، وممرات جانبية ضيقة لا تسع لأكثر من قدم بالعرض. بنيت هناك صفوف من الدرجات. ووضعت كأنها عدة موائد، وقد حكت له الجدة محروسة كثير من الأقاويل، بعضها مبتكرة، وبعضها حقيقي، وبعضها سمعته من جدتها لأبيها. فمنها ما تبين أن هناك نوع من الألفة بين الأحياء الداخلية، وبين أهل البيت. فهناك في الداخل عربيد يحـرس الطعـام مـن الـدبيب. وهناك مارد يحرس من ينزل من السقوط، أو الإغمـاء مـن اخـتلاف الضغط ارتفاعاً، وانخفاضاً. وهناك أحياء تساعد على حفظ الطعام، بل أن بعضها تساعد بعض ما يراد له أن يختمر كاللبن والخل، وقد تَخصص زوجها في صناعة الخل المعتـق مـن التمـر. ولا أحد يقدّر معاني، ودرجات، وتلوينات ألحان الأزيز الذي يصدر عن تفاعل تلك الأحياء في أفعالها لتخمير اللبن، والخل، إلا الجدة محروسة التي ورثتها عن الجدة الكبيرة أحكام. وتضيف الجدة بأن ليس بكل بيت خل جيدة، وقد تنجح عملية التخليل بشكل مبهر، لكنها تأخذ معها الفأل الحسن، وربما الحظ أيضاً، أو المال، أو الأولاد، أو رب الأسرة. ولقد صارت الجدة محروسة، وبيتها مثالاً، بل مزار يأتيه الناس من شتى جهات قـارة بـلدان الجسـد الأكبر، فقد جاءتها امرأة من قلعة الدار الزرقاء بعدما علمت بوجود قدرات خاصة للجدة محروسة تشفي مختلف الأمراض، منها الصرع وداء القلب، وفعلاً قضت المرأة في رحاب دار الجدة محروسة ثلاثة أسابيع، وكانت نائمة عندما سمعت استغاثة من نسوة بأن المرأة التي أوشكت على الهلاك، قد شفيت، ولما سئلت الجدة محروسة عما فعلته لها، فلم تبالغ بل قالت: إنها سقت المرأة من ماء البئر، وقامت بتدليك بطنها باليد بطين خاص من البئر نفسه، ولكنها في الحقيقة كانت قد سقتها ماء ممزوجاً بلعابها.
وقالت خديجة التي جاءت هي الأخرى إلى الجدة محروسة من إقليم زازاوي: أنها كانت تعاني من مرض برأسها، لذلك جاءت منذ عيد الفطر، إلى هذا البيت بقصد التدواي. ولما دخلت الجدة، وطلبت منها الزائرات تناول شيء من الطعام، امتنعت بدعوى أنها لا تتناول الطعام المالح. وأخرجت لهن قناني من مياه البئر وقطع خبز، وبيض مسلوق فتقبلنه كدواء. إن من يفد إلى بيت الجدة محروسة يومياً مئات الأشخاص لدرجة تضيق معها رحاب البيت بهم فيبقون خارجه طوال النهار، وأثناء الليل. لا يكفـون عن القيام بشطحات، وإصدار أصوات مخيفـة. الشـيء الـذي يجـعل الجـيران، وأبناءهم يعيشون في كابوس مزعج علاوة على ما يعانوه من جراء مخلفـات قضاء هؤلاء حاجاتهم قرب منازلهم.
إن ابن عازب في تمهله الأخير، لم يكن ليبقى حـتى يكتشـف شـيئا جديداً فقد حسم أمره، بعد تخاطره مـع روح القتيلة الهائمة. وقرر الخروج لإخبار الجمع من فوق أن لا شيء هنا. ولأول مرة لم يشعر أن هذا نوع من الإخفاق. بل إنه نوع من الانتصار الباهر. على عكس ما حدث له عندما عاد من البرية. وقت البحث عن مالك بن كرثي، وبعد غياب أسبوع إنه الآن قد خمن. بل قد عرف سرّ ربما تكشفه الأيام له، وللآخرين سرّ سيكون أسعد لو حلت بعض رموزه. لربما ساعده أيضاً في سر اختفاء  كركريان القرش، فاختفاء عاثر بإرادته هو المفتاح لمعرفة سر اختفاء القرش، رغم اختلاف كلاهما عن بعض في الهدف، والتوجه، وحتى في المعرفة، الأول غريب يبحث في أمور يخشى الافصاح عنها، وقد استكشف المنطقة بالصدفة، أو بخرائط قديمة، مسروقة، أما عاثر فهو ابن المنطقة، وقد عرف أسرارها من أبيه، وأباه من جده، ولعل في مكنون عاثر أكثر مما يعرفه راع بسيط.
وهكذا عمد ابن عازب للتبـاطئ في الخروج، تماماً كما يفعل في الغالب، ليبدو أمره نوع آخر من التحدي. لا يهمه لا التهديد، ولا الوعيد. ولا فيما سيثأر أهـل القتيلة، أم لا، مهما رأى من شرر في عيونهم. ومهما ادعوا أن الدم يعود لأهلها مهما كانت. ومهما نسبت لزوجها فهي الآن في حِل منهم. وفكر ابن عازب من جانبه بأن كلا منهما في الواقع قد تحرر من عقد الزواج بينهما. وبهذا تكون عائدية جثة مريم إلى أهلها، أخوتها، وأولادهم، لكن لم يكن أحد ليعرف أي توحد يعيشه الاثنان في عالم الأرواح. فعاثر المتواري في البئر، قد أحزنته ثورة الغضب المباغتة التي صار إليها وقت الحادثة، وما زال مستغرباً من فعل القتل الذي حصل، فوقتها لم يكن عاثر لينوي على القتل، ولا هو الآن عارف، أو فاهم، أهو الجاني، أم القدر، كيف قُتلت محبوبته مريم، فهل قامت قوى خارقة بالتأثير عليهما لمنع هجرتهما، ولتفقده إرادته فيحدث فعل القتل الذي ما زال الكل يتصوره عمداً، أم أن عاثر نفسه قد كان أداة في يد من سيّره لقتل محبوبته، وزوجته مريم، من يدري ربما استخدم ابن قارن وسطاء من الجان، أو الآرواح الشريرة لتسلب عاثر إرادته، وتجعله اليد الفاعلة للانتقام، من مريم ومن نفسه بنفسه، ولماذا يحدث هذا قرب البئر، وفي عين الوقت الذي يقومان بفعل الهرب، فهل هناك إرادة أقوى لمنعهما من تنفيذ فعل الهجرة، ولماذا، ومن هو المستفيد الفعلي لذلك.
كل هذه الأمور حيرت عاثر، وجعلته يجن من الغيض، والكمد، والقهر، أيعقل أنه بعد أن أحب مريم ذلك الحب الجنوني لراعيان شاعريان، وفطريان بعين الوقت، حب تكلل بالزواج، وصارت ثمرة زواجهما آلية للنضوج رغم كل التقولات، والتخريصات التي بثت حولهما، فهل لهذا الحب والزواج الناجح أن يؤديان إلى القتل، وقتل من، مريم التي عوضته عن حبه الأول لابنة عمه رمانة، ، ولطالما تحسر عاثر، وصدرت عنه، أهة من الأعماق، لكل من مريم، وابنة عمه رمانة، فيقول في سرّه: إيه أيتها النقية الصابرة رمانة التي التهمتها أنياب المرض الفتّاك، من كبر معاناتها، وآلامها القاسية التي عانتها بزواجها من شخص لا تحبه، وقد أُجبرت على ترك حب ابن عمها عاثر الذي تربى معها. ويتحسر عاثر على الفرص التي أضاعها في خطف رمانة، والهروب بها، فلو أنه كان قد خبر الدخول إلى مزاغل هذه البئر لكان خطف رمانته وعبرا معاً إلى السهل السعيد، هذا الذي ذهبت خالته إليه، فكيف عنّتّ على باله تلك الفكرة النيرة، وتلك المغامرة لولا اهتمامه بتكوين عائلة سعيدة تعيش في وطن سعيد خال من الظلم، والاستغلال بكافة معانيهما. فلو سبق وحصل هذا لكانا استولدا، وكونا أسرة، ولكن من أين لعاثر أن ينتبه لأمر كهذا، كم عانى في وحدته، وكم فكّر وهو يستنجد بالقمر، والنجوم أن تدله على درب يبعده عن جور عمه، وقسوته، ومع هذا لم يكن ليلومه وقتها، ولا ليتشفى به بعد مصابه برمانة الوحيدة، كلاهما هو وعمه توحدا فيما بعد على الضيم، والألم المرير لعذابات رمانة.
أما رمانة نفسها، فقد ضاقت الويلات من المرض الذي أثرّ كثيراً على نفسية زوجها الذي عانى هو الآخر من الكمد، وهو يرى إلى زوجته رمانة تذوي أمامه، وفكّر عاثر بأن هذا ما جناه العم مما فعله من التفريق بين محبين، وأصرّ عليه، ربما كان عمه تحت ضغط نفسي، ومادي من قبل أهل زوج رمانة، أو زوجها نفسه، لا أحد يعلم بواطن الأمور، وخفايا النفوس، وها هو العم يحمل هم عاثر، ويلوم نفسه على ما اقترفت يديه، ليس لأنه فقد رمانة، وإنما منذ ذوت، وتلاشت كوردة رمان أصابتها آفة، بل إن العم كان يؤنبه ضميره على فقدان آخر من يمثل ذرية العائلة، ويحمل اسمها، وهو عاثر الهامي، لعله يأمل في أن يعيش الجنين الذي تحمله القتيلة.

13

عند فتحة البئر كان كل من هو فوق يتمنى صعود ابن عازب. مهما كان ما سيحمله معه. ومهما تكون النتيجة، قاسية، أم مخيبة للآمال، فهي أفضل من التعلق بأوهام، أو آمال لا يعرفون لها أي معاني. ولعل أكثر الناس كان تعلقاً بما يفعله ابن عازب، هما اثنان، أو ثلاثة : غير المختار، وابن سيحان. فهو بالدرجة الأولى جمعان عطية الهامي عم عاثر، وعمدة عائلتهم. لأن والد عاثر كان قد توفى عندما وُلد عاثر. فعادت أمه إلى بيت أهلها. وظل عاثر في رعاية أخواله حتى كبر وشبّ عن الطوق فعاد إلى أهل والده.
وفكر العم في هذه المشكلة التي حلت بعائلتهم. وجعلتهم مادة تلوكها كل القرى المجاورة. وفي لحظة، بين غضب جمعان الهامي على نفسه. وعطـفه على عاثر تذكر نظرات رمانة ابنته التي كان من المفترض أن تكون زوجة لعاثر. لكن هو والدها أصرّ على تزويجها من رشيدان عبـد الله الغبراني، ابن عمدة عائلة غبران. ولما علم عاثر جنّ جنونه، وهام في البرية لأسابيع. فقد فرق الأب بين محبين، صحيح أنهما لم ينشئا في بيت واحد منذ الصغر، ولكنهما كانا متحابان، لدرجة العشـق المجـنون. أما حجة الأب فقد كانت بأن لا أحد يصاهر عمدة إلا عمدة. وهكذا كان فتزوجت رمانة غير راغبة. بل منصاعة لقدر العمودية. لكن عاثر ونكاية، بما فعل عمه ناسب عائلة بعيدة عن أصلهم. غريبة عن وراثتهـم. وعرف بأنه إنما إذا طبق نظرية عمه فإنه لن يتزوج غير راعية.
وهكذا كان فقد تزوج عاثر من مريم التي كانت هي الأخرى راعية. وطـار عقـل العم. وأرغى، وأزبد وطالب من عاثر العدول عما فعل، ولسوف يزوجه من أحسن البنات. لكن عاثر ظل صامتاً كعادته. ولم يضف غير تعبير موجز يدل، على حكمة، وهي أنه حاول جاهداً أن يرضي عمه. فطبـق نظريته، وتزوج راعية تليق به فالعمدة للعمودية، والراعي للراعية. لكن ما جمع عاثر، بمريم لم يكن صدفة، بل نوعاً من الهوى. فبعد هوى المهنة المشتركة. والتوحد في البرية وفضائها الذي وحدهما على الحب. خاصة بعد أن ُسرقت من عاثر معشوقته الجميلة رمانة تحول هواه إلى مريم التي لم يكن يعتبرها إلا أختاً صغيرة، لذلك أسرع بالزواج منها عندما تأكد من حبها، خوفاً من فقدانها. ولما سأله أهلها عن صدق نواياه، وتأييد عمه للزواج. لم يبالِ بالتقـاليد، ولم يجد أهلها أحسن من عاثر رجولة، ونسباً لكي يمتنعوا قال العم في سره: ربما هذه “حوبة” حسرة ثأر، لرمانة لكي يزداد تعذيبي. رمانة التي جفت كعود الرمان الجاف، رفيعة شائكة، وقاسية، جعلها سهر الليالي هكذا مع الأيام.
ولطالما سمعها ابن الغبراني في الليالي الطويلة، تتنهد وتزفرالزفرات القوية تتردد أصدائها في البيت الكبير. تخرج من داخلها كأن جمرات نار حارقة تخرج من كبدها المشـتعل. ولقد أصبحت رمانة في طبعها. منطوية، كئيبة لا تتحدث كثيراً. ولا تقول أي شيء  دون أن تتبعه بزفرات من أعمق الأعماق، ويتبعهـا تأوه لعذاب أليم. أصبح ذلك ملازماً لشخصيتها. فما فائدة المال، والمجـوهرات، والمهر الغالي. مادامت رمانة لم تحقق حلم حياتها الجميل. حتى عندما تضع العلف لناقتها الوحيدة، فإنهما تتجاوران، فرمانة لا رديف يجاريها على ما بداخلها، إلا الناقة التي تشكو لها همومها، والتي أصبحت هي الأخرى سقيمة جافة الضرع مثل صاحبتها. ولطالما نسيت رمانة، نفسها مع الناقة التي أهداها لها أباها في زواجها. تخاطبها، وتكلمها أكثر عن أي مخلوق آخر. وكثيراً ما سمعها زوجها تنشد الأشعار الأليمة. وتقرفص أمام فم الناقة تناجي الواحدة فيهما الأخرى. كلاهما لم يلد لهما خلفة، هذه بلا ولد، وتلك بلا حوار بعد أن فقدت آخر واحد لم تستطع تعويضه. فقد جلبوا لها حواراً آخر سحبوه من أمه، لكن لا هو طاع ولا أمه. فبحثوا كثيراً عن حوار آخر لكن دون جدوى، حتى تفتق ذهن الزوج بأن يذبح إحدى الناقات العزيزة عليه، من حديثي الولادة دلالة على مدى حبه لرمانة، فإن ذبح مرضعة  هو من المحرمات. لكنه في سبيل تقديم حوار لخمرية ناقة رمانة، لم يتوان عن فعل أي شيء، ونجحت العملية عندما قدم حواراً لناقة رمانة التي تقبلته الناقة خمرية، لحدسها بما حصل لأمه لا لسبب آخر، وعطفاً على ثكيل لا غير.
وتحدق كل منهما في عيني الأخرى. بينما تضع رمانة كتلات العلف لا إرادياً في فم الناقة. وهذه باركة أمامها، تلوك علفها ساهمة، وعندما ترى حزن رمانة عنيفاً تذرف هذه دمعاً ساخناً ثم تجأر بحزن. كأنها تندب فقيداً. وكثيراً ما فكر زوج رمانة بالاقتراب منها لمواساتها. ولمعرفة ما يعتمل في خواطرها. وتمنى لو أنه يعوضها الحب الذي افتقدته. وكم حاول محاورتها ليلا، ونهاراً. وأراد أن يصل إلى فؤادهـا لكن لا مجال. وقد أعلمته أنه هو الآخر ضحية مثلها. ليس لها ضده أية ضغينة ولا موقف. ومع هذا فلو أن أم جمعان الهامي كانت على قيد الحياة لعرفت هي سرّ معاناتها. ولأسرت عن همومها، ولأفصحت هذه لها بمكنوناتها.
وفكر جمعان الهامي،  في السنين الماضية، بعد وفـاة أخيه مساعد عندما عرض على وردية مبارك الهوازني أم عاثر أن تتزوجه. ولمّح لها كثيراً، لكنها لم ترد عليه. لذلك ولخشيته من الرد السلبي، أحجم عن التقدم إليها، ليعوضها في أخيه، وليحتضن كل منهما الوليدان الصغيران: رمانة، وعاثر. فهو الآن لا يحمل اللوم إلا لزوجة أخيه. فمن وراء رفضها الزواج منه جعلته يقاضيها بمنع عاثر، الزواج من رمانة، وهكذا خسـر كلاهمـا الاثنان، ابنته ماتت بداء ذوبها، كما تذوب الشمعة تحت نارها الحارة، ولا يعرف حتى الآن مصيراً لابن أخيه. فهل هو في عداد الأموات، أم أنه يعاني سكرات الموت، كما عانت رمانة، من حبها وهي صامتة، عندما جافاها والدها، باصراره على زواجها من الغبراني، وتبريراته الواهية لهذه الزيجة، ورمانة لا جدال لها مع والدها غير لغة الصمت، وحوار العيون، ورفضها الطعام، حتى مربيتها عجزت عن فهم أبعاد إصرارها، وتعاطفت معها. وهذا ما جعل عاثر يأسى لأيام مرض الحبيبة الأخير. بعد أن طلبت نقلها لدار أبيها في أيامها الأخيرة، لتقضي نحبها فيه. وأمام أعين الوالد. ربما لتريه ما فعل بها، ولكي لا ينساها للحظـة. وليتصورها دائماً في صورتها الأخيرة. لا بالصورة التي خرجت بها من بيته عروساً. هاهي تتراء له كخيال مرّ منذ سنتين. وكان قد مر على حالها في بيت الزوجية أكثر من سنتين. عانت كثيراً من اخـتلاف تشـخيص مرضها، حتى وصلت أخيراً إلى عيادة الطبيب كرابيت كريكوريان، مدرس الرسم السوري، الذي مارس الطب إلى جانب الرسم، وأمور أخرى. وكانوا لولا سوء حالها غير قانعين بأن يكشف رجل على سيدة من بيت محترم، ربما لأن الأطباء كالمحامين، ولشرف المهنة لا يفوهون، أو يتكلمون بأية إشارة عن أسرار جسد رمانة الخفية.
وقد احتاج الأمر لموافقات عديدة من وزارة الصحة، ومديرية التعليم أيضاً، ولأن المرض غريب، وغير معروف، ووسائل العلاج فيه تكاد معدومة، في المنطقة، غير أن كرابيت كريكوريان نفسه لم يكن ليخفى عليه مرض خبيث مثل السرطان، ولكنه لم يكن يريد لا للمريضة، ولا لأهل المنطقة أن يعرفوا ما هو هذا المرض، ولا أسراره، بل إن كركريان أسّر للعم بمصطلح المرض الشعبي، وهو الآفة، أو الذي لا يسمى، لكون الكل غير مستعدين لسماع أمر كهذا، ولربما هو أمر لم يعرف في العالم بأسره على نطاق واسع، فقط في الدوائر المتخصصة حتى بأوروبا ذاتها، وكان كرابيت كريكوريان قد عقد العزم على إجراء تجارب بيولوجية، مع رمانة، خاصة وهو من بيئة جبلية ببلدة كسب الأرمنية شمال سورية، تربى على التعامل مع البيئة، ورث هواية جمع الأعشاب البرية من جدته سيرانوش، وبدراساته المتعمقة عرف أن التجارب الكيمياوية لم تكن قد وصلت أوج نجاحاتها، خصوصاً عندما ما يصيب النساء، في صدورهن، ومنه يتشعب إلى أجهزة أخرى وقتها، مثل اللمفاوي، والتنفسي، والدم.
كان العسل النقي من أعالي جبال الحجارة هو الأهم في أدوية مكارثي، مع المُرة، وحبة السوداء، والثوم، كلها معاً، أصر كريكوريان على خلطها حتى لو لم يتوخ فيها العلاج، فإن الخلطة تقوي جهاز المناعة لجعل المريض يقاوم، خصوصاً فيما لو فقد شهيته، كان كريكوريان يلح على رمانة، أن تتغذي بشكل جيد، وهي صامتة، وأن تتنزه في الهواء الطلق على ظهر ناقتها في البرية، وتنام بين الزهور البرية، لكن رمانة لم تكن لتطبق أياً من هذه الأمور، لفقدانها الرغبة في الحياة.
إن اسم كريكوريان، هو القرش كما يحلو لابن عازب تسميته، وهو اللقب الذي وهبه إياه، لأن كريكوريان، يختصر إلى كركور، وهو لفظ مشابه للفظ الكركور، أو اليريور، أي الكوسج، والقرش، فصار معروف به في بلدات، وقرى أقاليم سنجق الجسد من بلاد غامد وزهران، بالاسم السهل التداول، فلم يمانع كرابيت كريكوريان بلقبه، لأنه قريب من تداول الجميع، رغم أن طباعه بشكل عام لا تتناسب واللقب، أما كريكوريان نفسه فإن ما كان يشغله هو العديد من الأمور التي تستوجب الدرس والتمحيص، فعدا عن مهنتي الرسم، والتطبيب اللتين يهواهما، ويمارسهما باحتراف، فإنه باحث في علم الأجناس “الأنثروبولوجيا”، ويمارسه فعلياً باتقان لغات متعددة، عدا العربية، محلية مثل الأرمنية لغة الأم، والتركية، والكردية، والأرامية، وقليل من اليونانية،  وكثير من الإنجليزية، والفرنسية، والروسية لأنه تخرج في أكاديمية الطب بيرفان عاصمة أرمينية السوفيتية، ليتخصص بالطب الشعبي، وكلية الفنون من لندن، لهذا تقدم بشهادة الرسم، وليس الطب للعمل في جبال الحجارة من الجزيرة الكبرى. إن ما يعاني منه كريكوريان الآن هو طبيعة جمع الأعشاب، أما العسل فقد كان دائماً يفكر في كيفية الوصول إلى شانات بعيدة عن متناول عامة البشر، وعن الأماكن التي تكثر فيها الزهور الزكية النادرة، ربما وصل في إحدى مغامراته إلى مزاغل الآبار المهجورة حيث طاقات شانات العسل الحر، لنحل سهول البرية الآمنة، والنقية التي وجدها عاثر هو الآخر أثناء إحدى مغامرات جوسه للآبار، لعل هذه الهواية هي التي جمعت كريكوريان بعاثر الراعي، وربما كان على كريكوريان أن يجد له أحد الأدلاء المتمرسين في البرية، غير ابن عازب، فعاثر يقضي نهاره كله في البرية، ويبيت في بعض لياليها الدافئة، والمقمرة هناك، وهو بالإضافة إلى ذلك يحمل خامة المتأمل الفطرية بحكم طبيعة عمله، ويمارس الحديث مع ماعزه، وأجمل حوار يبنيه مع كلبه بعد حواره مع الذات، ولربما يكون حواره مع سطّاح الكلب ترجمة لحواراته مع الذات التي نادراً ما ينتبه إليها البشر، حتى وهم يمارسونها، فعندما ينبههم أحد العارفين من الممارسين المجربين، يستغربون، بل ينكرونة، على عكس ما فعله كريكوريان مع عاثر، وبلغة بسيطة تفهمها عاثر، واستوعب أبعادها بسهولة، وهذه ميزة كريكوريان التي حببت الناس هنا به، فاستطاعته التفاهم مع كل البشر، عمراً، ومتحداً. ميزته عن غيره فعاش أكثر من ثلاث سنين هنا لم يبارحها حتى غاب نهائياً.
إن جمعان الهامي يرى ابنته الآن، وقد خف شعر رأسـها بسبب تساقطه، وعيناها الواسعتان قد توسطتا وجهها. بينما ذوى من الأعضاء أهمها، وأجملها، فلا فم، ولا أنف، ولا وجنتان ورديتان. وكم فكر الأب وقتها، وحاول التجرؤ لكي يسأل ابنته، عن السبب . فقد خرجت من دار والدها زهرة يانعة، عـود رمان صلب، رطب، أخضر . فماذا فعل بها ابن الغبراني، وكم تردد في سؤال الزوج، أو سؤال والده، لكن ما يسقط من السماء لا بد أن تتلاقاه الأرض. وليس من الحق أن ترمى بلية المرأة على زوجها، أو أهله مهما كان، ويبكي جمعان الهامي بقلبه. فقد جفت دموع عينيه يوم ودع العزيزة، وإلى الأبد. ولم يعرف عن مرضها إلا كـلام غـير مفهوم من الطبيب القرش ابن كرثي “كما يحلو له هو أن يسميه”. ما يفيد بأنهم قد تأخروا كثيراً في جلبها إليه. وإلا لكان استطاع منذ المؤشرات الأولـى أن يبـتر أذرع الداء المتشعبة، أو يجتثه قبل أن تتكون له أطرافه العديدة، أو يقتلع العضو الذي ترعرع فيه بالكامل.
وعجب، ولا يزال جمعان الهامي من أفكار الطبيب الذي لا أحد يعرف حتى الآن مصيره. وضحكوا على تنبؤه. عندما أشار عليهم لأخذها إلى البيت، وإعطائها مسكنات حتى تستجيب لربها. ولكن ما أن انقضت ثلاثة أشهر حتى ودعت رمانة الدنيا كما قال. لعله ساحر هو الآخر. وكم حقد على العرافة مدلولة أحمد الجنوني التي حاولت ولمدة ثلاث سنوات، بكافة الوسائل أن تخرج ذلك الشيطان الذي تصورته متربعاً داخل رمانة الجميلة، وله أذرع تتشعب من بطنها إلى ثدييها، ورحمها. ولمجرد سماع العرافة تفتي بقولها هذا حتى عافتها حماتها، وسلفاتها، فصارت رمانة  في قطيعة تامة تماماً كما تعزل الناقة الجرباء لتموت وحدها.
أما في حالة رمانة فإن الوضع يتعدى ذلك إلى المكانة الاجتماعية التي تعاني من آثارها النفسية، لأنها مصدر تطير، وخوف، وشماتة، بل فزع من شياطينها التي تسكنها. الكل نبذها. وعندما لم تقو على تغيير ملابسها لم يجرؤ والدها على ذلك لخجله. فخاطت من دمائها ثياباً سوف تغلفها في القبر، وآلام عصبية تغرز الإبر في أقمشة جسدها ناصعة البياض ولم يقو الهامي في النهاية على تحمل إلحاح أهله حتى زوجها. فصارت كالمنبوذة، فوق آلامها المبرحة ولما جاءت إلى والدها كان الوقت قد تأخر كثيراً. ولما فحصها الطبيب القرش ابن كرثي، وجد جملة من العقـد قد تفرعت ليس بمنطقة الثديين، وإنما تحت الإبطين، وأمكنة أخرى يصعب شرحها حتى لوالدها. إضافة لما شرحه عنها والدها، فقد فقـدت الشـهية. وفي الليل لا ينقطع أنينها، وسعالها المتحشرج المستمر. أما اخـتلاف لون بشرتها وميله للون الداكن، ونحولها، وتكسر أظاهرها وسقوط شعرها، فقد جرّت منها الويل، إضافة إلى الشهقات، وضيق المريئ، وصعوبة البلع، بل إن جرعة ماء واحدة، تسبب لها غصات عصيبة، تقف معها لدقائق حتى يتيسر للماء أن يسرّب فيما يجيز للمريئ الجاف أن يسمح به للمرور إلى المعدة، وهو يعتصرها، ويضيق عليها تنفسها، فكم ضربت رأسها بالجدران الصخرية لتهدء عذاباتها، ولقد فعل كريكوريان حسنا حين نصح رمانة، فيما لوغصت، أن تحني رأسها إلى صدرها بأدنى انخفاض حتى يلتصق الحنك بالصدر، وتصدر على ضيق التنفس، وإلا فالاختناق سيأخذ دوره، ولا أحد يعرف النتيجة، وليس هذا فقط ما عانته رمانة فحتى أسنانها تسوست، واسودت، فصار ذات بسمة بشعة لو تصادف أن فتحت فمها. فصارت تمضغ الطعام بصعوبة، وعلى مضض منها لما لآلام التسوس من تأثيرات كبيرة، إضافة لفقدانها اللعاب الذي أحس به كريكوريان نفسه، فنصحها بتناول السوائل الكثيفة مثل شراب الرمان، أو روح السكاكر، ومع هذا صارت رمانة تحس أن بداخلها شيء ينمو كالإخطبوط، يتحرك مثل دابة خسيسة تلتهم حتى حليب النوق، الغذاء الرئيسي الذي تأخذه رمانة، وتحس في حالات السكون، أن جيشاً من الأفاعي تسكنها، كلها أفواه تعصر أحشاءها من الداخل لتمزقها، وتفتك بكل عنصر نقي، وفاعل بجوفها، وكأنها تمارس واجب لا تنفك عنه حتى تبيد مضيفها، ولا تدري أنها لو أفنت مضيفها فإنها بذلك تقضي على ذاتها في النهاية.
اضطر كرابيت كريكوريان بناء على الأعراض التي رافقت آلام رمانة. وبعد أن أوصى بـالمهدءات.  كانت رمانة تتمنـى المـوت عندما ينتهي مفعول المهـدئ. وتضـرب الجدران بيديها ورأسها، وكثيراً ما صار والدها يلاحظ جروح في يديها مـن شـدة الضرب على الجدران. ولو كانت هناك دماء فيها لاحمر صدرهـا مـن شـدة الضرب عليه. إن ذلك اللغز الذي سرقها من زوجها، ووالدها. لم يكن إلا سؤالاً محيراً ظل يشغل بال جمعـان الهامي. بينما لم يكن عاثر ليقوى عن كتمان التعبير عن شعوره. بل أن مريم نفسها كانت هي الأخرى تحـاول أن تجـمع لهـا أجـمل الزهـور مـن البريـة. وتحـتفظ بالكميات القليلة المتوفرة من لبن الماعز لتجلبه لها عندما تعـود من المرعى. بعد أن تقوم بعملية حلب عسيرة لأكثر من عشـر معـزات. وهن مسترخيات في الإسطبل.
أما ناقة رمانة التي عـادت هـي الأخـرى مـع عودة العروس إلى منزل أبيها. فقد ماتت هي الأخرى بعد شهر مـن وفاة رمانة. ولم يتوان والد رمانة من تنفيـذ مطلـب ابنته في دفن الناقة على الأقل في منطقة قريبة من المقبرة.
هاهو الأب الآن تجتاحه الذكريات لا يعرف ما السر الذي ابتلى ابنته الغالية رمانة في هذا المرض. وما هو هذا النوع الغريب من المرض الذي كان عليهم أن يبكروا في علاجه. وقد حاول كثيراً أن يحل لابنته اللغز. حتى في إعادة تزويجها من ابن عمها عاثر لكنها أبت أن تستجيب لأنها رفضت أن تبني سعادتها على شقاء محبها وزوجته الجميلة. ولم تكن تعلم أن الشقاء سوف يصيب ابن عمها، وزوجته معاً. وهاهم الناس مشغولين في أمـرهما، ولا يعرفـون مـا السّـر الـذي أفشـل زواجهما؟ وأوصله إلى الهاوية. لقد تقوّل البعض عندما كانت رمّانة تعالج عند العرافة مدلولة بأن كل شقاء مريم، من جراء لؤم، وخبث رمّانة، هذه المسكونة بالجن والشياطين! ولا بد أن تكون هذه قد عملت لهما عملاً. وأنها كانت قد عقدتهما كما يفعل العرافون حال إعـلان عقد زواج.
وفكر جمعان الهامي في الحال الذي مرّت به رمانة أثناء مرضها، وتلك الأقاويل البشعة حولها، ولكم ود مصارحة عاثر بالأمر، لكنه لم يجرؤ لأن عاثر ومريم كانا أكثر الأقارب الحريصين على القرب من رمانة ابنته، وتلبية طلباتها، بل والسهر بالتناوب بقربها، ورغم أن أية علاقة لم تنشأ بين مريم، ورمانة، بسرهما على الأقل، لاختلاف الطباع، ولوجود ذلك الحاجز النفسي، والوهمي بينهما، لكن لا رمانة وجدت في نفسها ضغينة لمريم، ولا مريم نفسها غارت من حب عاثر الدفين لابنة عمه، فلقد حرص كلا الجانبين على تفهم الأول، الأولى لعقليتها الوادعة الصابرة، والرصينة، والثانية ببراءتها الرعوية، وفطرتها الطفولية، ورغم أن الفارق العمري بين الحبيبتين لم يكن كبيراً، إلا أن علامات النضوج لدى مريم كانت كبيرة لا يستهان بأسئلتها، وتفهمها جلية الأمور، مما أكسبها حب، وإعجاب رمانة، واطمئنانها على سعادة حبيبها الأول عاثر. ومع هذا فالحسرة، والعجز على اختراق الحواجز الاجتماعية، والنفسية هي التي شملت الثلاثة، في حوارية بين كل منهم وذاته، وفي مفارقات، وتمنيات لا طائل وراءها، ما دام القدر قد رسم لهم الثلاثة هذا المصير المرير.
وكم تعذبت مريم من رؤية فاتنة الجمال رمانة، وهي تحترق مثل الهشيم بنيران صيف قائض، وبخاصة لما عجزت رمانة عن السير نتيجة لترقق عظامها، وهشاشتها، مما أعجزها عن المشي حتى لبيت الأدب، وكان عاثر وعمه يحيطانها من الجهتين، كل يخشى أن تنخلع الكتف بيديه، فيمارسان المشي بتوئدة، وكأنهما يسيران مع طفل نهض لتوه من حبوه، ولما يكل العم عن السير، تقوم مريم بالدور مكانه مع زوجها، ويتبادل ثلاثتهم النظرات المملوءة بالكلام الصامت، ويفهم الثلاثة رسائل بعضهما، هذا البرنامج مارسه الثلاثة حتى آخر لحظات حياة رمانة، وكم اشتاقت رمانة لأن تخرج إلى الخلاء بصحبتهما، لترى إلى أشجار اللوز، وشجرة الرمان التي غرزتها بنفسها، وأملها أن تتناول منها فاكهتها العذبة، ولكنها تأخرت هي الأخرى  لربما أصابتها عين، أو وصل إليها المرض اللعين هي أيضاً.

14

استغرب بُراق من وقفة ابن الكافي المعاون أمام إحدى لوحات غرفة مرسمه التي لم تكن لتجلب انتباهه لولا تعليق المعاون بقوله: أتدري يا أستاذ بُراق من رسم هذه اللوحة.
وتبادر لذهن بُراق أن المعاون سيدعي، أنه هو، أو ابن قارن المدير قد ابدعاها، ولكنه في قرارة نفسه، تصور أنها ربما من مقتنيات مدرس الرسم السابق من أحد المعارض العربية،  أو المحلية في العاصمة الديبلوماسية جدة على سبيل المثال. ولكن ابن الكافي كان قد بدأ مسترسلاً في تداعياته حول اللوحة، وصاحبها، واعترف لأول مرة منذ مجيء بُراق بسرّ مدرس الرسم السابق، والطبيب كركور ابن الكرثي، أو القرش، وأشار إلى أن القرش كما دعاه ابن عازب، وجرى لقبه فيما بعد على كل لسان حتى نسوا كركور، وكريكوريان، وحتى ابن الكرثي، وصار اسم القرش معروفاً لدى الجميع، بما فيهم صاحبه، وصار يعرف نفسه به، لذاته.
وعرف بُراق في الأيام التالية الكثير من الأمور عن كرابيت كريكوريان من غير جهد في سؤال، وكأن ابن الكافي قد سخر لهذه المهمة، وقد أسرّ لبُراق بأنه كان من المقربين للقرش ولكن من كان يرافقه في جولاته، ويعرف خصوصياته أكثر هو ابن عازب.
فابن عازب يا أستاذ بُراق كان مثل كاتم أسرار القرش، بل إن سراً خفياً كان يجمعهما، ربما لما لدى ابن عازب من مواهب لقيت قبولها لدى كركور القرش نفسه، ومن جانب آخر كان ابتهاج ابن عازب بصداقة، ومرافقة كركور عظيمة، وقد توطدت علاقتهما على مدى سنتين دراسيتين لم يترك القرش لا المدرسة، ولا البلدة صيفاً بل قضياها معاً في أعالي جبال الحجارة، وقمم الهامة نفسها.
أما ابن عازب فقد كان يتلو سرديات معرفته بكركور القرش بأسى، وألم على فقدان صاحبه، وخله، ومن بين الأمور التي عرفها بُراق من خلال توارد خواطر ابن عازب، أن القرش كانت لديه هواية تسجيل المذكرات، ولكنه كان حريصاً عليها، ولا مناص من وضعها في حقيبة مشدودة إلى رقبته طوال الوقت، ولم تكن غير دفاتر صغيرة كلما نفذت أوراق أحدها نزل القرش إلى مدينة الساحة ليشتري غيره، ولكن المصادفة كانت بتغير ألوان الأغلفة التي لاحظها ابن عازب مما جعله يخمن أنها أكثر من دفتر، أو ملف. عرف ابن عازب من خلال بعض تداعيات القرش أنها هامة للطب، وللرسم، ومسميات أخرى لم يحفظها ابن عازب كلها، لكنها تنتهي باللوجي، مثل أنثار لوجي.
كل هذا أثار فضول بُراق، مما جعله يفكر، ويأرق كثيراً، خصوصاً وأن غياب كرابيت كريكوريان كان غامضاً، ولم يكشفه أحد حتى الآن، فهل خُطف، أم قتل، أم راح ضحية مغامرة صيد، فاصطادته الوحوش، ومزقت أشلاؤه، ولم يبق له من أثر. فبدأ بُراق يشك في كل ما حوله، وبخاصة في المرسم، وكثيراً ما حاول اللعب بإطار لوحة كرابيت كريكوريان في المرسم لعلها تدله على شيء بداخلها، أو وراء الإطار.
ذات مرة عنّ على بال بُراق أن يعدل من مكان اللوحة، أو ينقلها إلى مكان آخر، وكان كثيراً ما يسمع خربشات تصدر من نفس الجدار، ولم يكن يخطر بباله أن هناك شيئاً وراء الصورة، حتى رفعها، فوجد شبه غار، رأى شاربان ليربوع تجاسر ووقف بباب الغار، أو ربما أنه وقف ليدافع عن عرينه، حالما رُفعت اللوحة، وتعرّى الجدار، وكانت مفاجأة لبُراق، أن يرى بين فكي اليربوع، وأظافره ورق أسمر.
ولم يتوان بُراق في أن يحاول مد يده، ولكنه حاول تنظيفها من زيت الألوان التي يلون بها اللوحات، ومع هذا اقترب اليربوع من أنامل بُراق لكي يلحسها، أو لنقل يحاول بأنيابه البارزة، وبفضوله الضاحك لكي يدغدغ أنامل بُراق، لعله اعتاد ذلك من أيدي كريكوريان نفسه، ولكن ما أن تمادى بُراق في مد يده إلى جوف الغار حتى جاءته لطمة من ذيل اليربوع، كانت مثل لسعة نار حارقة فسحب بُراق يده بخفة، ونوع من الفزع، ولكنه أعاد الكرة، وهذه المرة دهن يده بزيت اللوحة الأزرق اللون لعلها تغري اليربوع، فراح هذا يلطع من يد بُراق، لكنه يراوغ في سد الفتحة لكي لا يباغته بُراق بمد يده أعمق في الغار، ومن خلال محاولات في الترويض، وصلت يد بُراق للمس ورق، أحس أن بعضه مهترئ، والآخر خشن، فأجل الكرة لمناورة أخرى، لعله يحصل على رزمة من الورق، أو أحد تلك الدفاتر الصغيرة التي أشار إليه ابن عازب، وجاء من جديد إلى طاولته، ربما ليهدئ من روع اليربوع الفزع، ولكن بُراق كما يبدو هو المفزوع، فقد تجاسر اليربوع لإبراز شاربه، ثم رأسه، وتقدم من باب الغار إلى الخارج، وكأنه قد بدأ مرحلة عقد صداقة مع بُراق، أو ربما يتخيله كرابيت كريكوريان نفسه، فجلس مادا أطرافه العليا خارج باب الغار باتجاه الغرفة، بينما بسط ذيله في الداخل على طوله، لعله لفه على ملتوية في الداخل خشية أن يتم سحبه من الغار، ويفقد مؤنه، ومكانه، وربما صغاره، وزوجه.
وتكررت المحاولات، والمناورات حتى استطاع بُراق أن يلتقط مطوية صغيرة من الدفتر، ويسحبها إليه في الخارج، بين احتجاح، ومناورات اليربوع، ومن كان يقاوم بالداخل، بين هجمات ودية، ووصوصة مرعوبة، وبُراق يحاذر أن يأتيه أحد من الخارج بحجة ما، وبخاصة ابن الكافي، أو ابن قارن، كان أهم موقف احتراسي فعله بُراق، أنه أوهم المدير والمعاون بأنه قد أخذ طلبته إلى البستان، وهو معهم أثناء انعقاد الفصل، ودلف المرسم، وأقفله بعناية كأنما هو مقفل من الخارج، من خلال مد القفل من النافذة وربطه بالباب بشكل تمويهي.
وما أن حصل بُراق على مجموعة الوريقات، لم يحاذر في بسطها أمامه على الطاولة، مستعيناً بكشاف ضوئي من نوع التورجلايت، وما أن فتح بُراق الصفحة الأولى، المتوفرة أمامه، وهي جزء مجتزأ مما هو قبلها في الدفتر، وما يليها مما تبقى بداخل الغار، حتى وجدهـا تبـدأ بموضـوع المرض الخبيث، مرض رمّانة المعهود، ولم يستغرب لهذا جاس فيه بسـرعة. حيث قرأ ما يوضحه الطبيب كريكوريان، وبفقرات متقطعة هنا، وهناك، تارة بحروف لاتينية، ولغة إنجليزية، وأخر بحروف لاتينية، ولغة فرنسية تتخللها بعض المصطلحات اللاتينية فيشير كرابيت في البداية إلى أبعاد مرض السرطان قائلاً: إن هذا المرض الخبيث. يبدأ بخلية واحدة. ويكون كامناً في مراحله الأولى. وحالما يتمكن، يبدأ بالانتشار السريع، والفعّال في الوقت الذي يكون لا فائدة من  ملاحقته. بل انتظار انقضاء وقت يقضي فيه المرض على الجسد الذي يسكنه، وفي حـالات نادرة، يتغلب الجسد، بمعجزة على المرض، ولكن المرض في غالب الأحيـان يكون هو المنتصر، فيقضي على نفسه، بموت الجسد الذي يسكنه، لأنه ينتشر، ويطغي على كل ما كان، وبهذا ينتهي مفعوله، ويبدأ بالتآكل. ولكن بعد أن يكون الجسد قد سكن القبر. أما ما يميز هذا المرض. أنه غـير معدٍ،  ولا يظهر إلا فجأة.
وبعد عدة أوراق ممزقة يكون الموضوع قد انقطع فجأة، فيبدأ الطبيب بموضوع مختلف تماماً، فيقرأ بُراق ما يشبه الحوار هي محاورة ممتـدة .. ولكنها خفية، ومتقطعة، أو هي عبارة عن رسالة تخبر عن حالة اجتماعية خاصـة، أو دراسة أنثروبولوجية يقول الطبيب فيها: عندما وصلت إلى هدفي اجتزت باباً، فطالعني من الحائط أعلى من مستوى النظر، ظللت أسير بمحاذاته، ثم هبطت إلى ممر ضيق. ثم اجتزت باباً آخر، ثم باب ثالثة ولم أكد أن أسحب أنفاسي حتى واجهتني مفاجأة سارة، مدخل ضيق على ببوابته مسلة غرانيتية لم أر مثلها في حياتي، تحرسها شانات ضخمة من النحل البري الأسود.
فما أن نظرت حولي حتى رأيت وأنا في فتحة المزغل، أنني في غار مرتفع عشرين متراً عن سطح أرض السهل، ولولا كماشات صائدي ملكات النحل، وجامعي العسل، لما اطمأنت نفسي، فأنا ممن يغامر بحياته في سبيل معلومة، والتقطت منظاري لأرى إلى دوحة من بساتين قاتمة الاخضرار في مناخ صيف قائض، وبصعوبة ميزت بعض المباني، وكأنها مبان أسطورية، قلاع كالأهرامات المدرجة، وبنايات مثل ناطحات السحاب، وجنائن ملتوية مثل جنائن بابل المعروفة. وقباب مثل كاتدرائية أشمياتزين الأرمنية، ولم أجد نفسي إلا وأنا أسفل الجبل، في السهل اليانع، ولم أدر كيف تعلقت قدماي، وأكفي بخطاطيف اصطناعية لصائدي النحل مرة، وبالشجيرات العنيدة، النامية بين الصخور لمرات، وعلي الآن، وأنا في السهل تحت، أن أجد طريقي إلى المستوطنة، ولحسن الحظ أن بندقية ابن عازب معي، لعلني أحتاجها مع اليربوع الصغير في حالات خاصة، فلكل منهما دوره، وواجبه في الوقت المناسب  فهي للدفاع عن النفس، أو للادعاء بأنني صياد، لو تصادف أن فاجأني أحد من سكان المنطقة، واليربوع لشمشمة الروائح عن بعد، وترصد المفاجئات من خلال مجسات شواربه الصغير التي تبرز بين حين وآخر من جيب سترتي الكاكي الواقية، وعلي إذن أن أنتظر مرور العصر، واقتراب الشمس من غروبها، لكي استتر برداء الظلام، رغم أنني ألبس زي رعاة بلدة الصدر وقرية الرأس مثل عاثر الهيماني نفسه.
لم يستغرق كريكوريان وقتاً طويلاً حتى وصل إلى حي القصور، فتعجب لخلو الأزقة من المارة، فدلف في أول باب وجدها مفتوحة، وأخذ يسرد ما رأه: كما في حكايات ألف ليلة وليلة، ما أن تخطيت الحاجز الجانبي حتى تاه كل شيء عني. فدخلت باحة داخلية لطيفة المناخ، وكأنها لا تتأثر بمحيط الجو بالخارج، وكأنما ينتقل الفرد من فصل الصيف إلى فصل الربيع، هكذا في لحظـات. ففي الباحة بركة ماء  يدعونها “بحرة” يُسمع منها صوت الماء المنبثـق كينبوع سرمدي. بينما أشجار التين تصف مشهداً رائع الجمال، ومن طـرف السـور انسرقت أغصان أشجار ليمون من الباحة المحاذية للجيران، في جنة أرضية ثانية، أضافت جمالاً، وظلالاً. وثمة نباتات تتسلق على بعض الحيطان، وتعريشات تحمي الباحة من أشعة الشمس. إنه بيت قديم جميل، كبير كأنما نسيه التأريخ هنا، ومضى.  لكن كل هذا يبدو، وكأنه مغطى بغلالات نسج التاريخ حوله شباكه من حرير العناكب، وغبار الأيام، وكما دخلت مستغرباً، تفاجئت عند خروجي، بمدرسة تأريخية واجهتني بوابتها كأنها تحفة فنية نسقت بعناية مدروسة عرفت من مكانها القـديم، إن كافة الحجرات تنفتح عـلى الباحة، ولا توجد شبابيك، ولا أبواب للخروج إلى العالم الخارجي، لأن المدرسة، حالها حال كل البيوت هنا لا يمكن أن تنفتح على الخارج أبداً.
وينقطع الحديث عن المدرسة هنا، وكأنه نوع من التمويه للقارئ العادي، إذ يبدأ التعليق بحروف لاتينية عن عروق التبر الخام التي كان قد ذكرها كريكوريان فـي السـابق، ربما يقصد الرسالة السابقة، ويبدو أن الطبيب يريد هنا إخبار أحد بعدم جدوى البحث في تلك المنطقة التي لم ينوه عن جغرافيتها إلا ببعض الوصف الغامض.
وتنتهي الأوراق هنا، ولم يبق لدى بُراق شيء في يديه غير ما قرأه على عجالة، وعليه أن يذهب إلى غرفته ليدقق ما وراء الأسطر، فقد بدأ الشكك يساوره في كل شيء، ولربما يستعين بأحد ما لكي يعينه على قراءة الفقرات الفرنسية، وليس غير يوسف رزقالله يجيدها، ولكن ما أن يخرج السرّ، ويحتوي فردان اثنان، فإنه لسوف ينتشر لا محالة، ومن يعرف ما العواقب حينئذ، عليه الحيطة إذن.

15

لم تكن جلسة لعب الورق حماسية بالنسبة لبُراق، ولكنه حاول أن يكون طبيعياً، على الأقل بالنسبة لبشير المناكف في كل شيء حتى الورق، فكر في الانسحاب قبل الموعد، ولكنه سيثير تساؤلات بخاصة من المتفرجين مثل حسن زيدان، أو محمد فايد، لهذا صبر، وانتهى الأمر بتناول بنانات الموز على حساب الخاسرين، وهما مسعد، ومدني، ولم يصدق كيف احتوته الغرفة من جديد، فهرع للورقيات التي كان قد أقفل عليها صندوقه الخاص داخل حقيبته الكبيرة، فقام بالتأكد من إقفال النافذة الوحيدة المطلة على بستان اللوز، وتأكد من عدم تسرب الضوء، بوضع مناشف الحمام على ظلفتي النافذة من الداخل، وحاول ستر فتحة مفتاح باب الغرفة، والحافة السفلية بين العتبة والباب بخيشة المسح، وجلس في سريره على ضوء المصباح النفطي، أي اللمبة الصغيرة كما يسمونها، وقد أنعسه إلى أقصى حدوده، فراجع كل ما قرأه، وتهجى الحروف اللاتينية من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، وحاول قرأة الصفحة عمودياً، ولكن كثير من الغموض يلف وصف كرابيت كريكوريان للأماكن، غير الأشياء العامة، لعل بعض الصفات قد قام بتمويهها عن المدينة الهدف، اللّهم وصف المناخ، والأمور المشتركة للمدينة العربية، والبيوت من الداخل، فكلها لها بحرات، والباحات تنغلق على نفسها من الداخل، ولا نوافذ أرضية في الخارج.
وفكر بُراق في وسيلة يقوم بها للوصول إلى مرسمه في هذا الليل، بدلاً من النهار، والعيون المراقبة، طالما مفتاح باب المدرسة الخارجي لديه أبداً، وهو الذي يسلمه لابن عيطة كل صباح، ومهما تأخر في الليل، فإن لا أحد سيرصده في ليلة الجمعة، فالكل في رقاد بعد سهر طويل على أغاني أم كلثوم الشهرية، ورنّت في أذنه أغنية عودة عيني على رؤياك، فتمنى لو يحلم من خلالها بالمحبوب البعيد عن ناظريه وراء الحدود، ولا يتحمل جرح الخدود، وهكذا سحبته إغفاءة عاجلة، تهافتت على منامه مجموعة الأرانب، سرعان ما تحولت إلى رقصة تقوم بها عائلة اليرابيع أنفسهم، فشهق، رابطاُ بين حلم الأرانب، وبين وجود عائلة اليرابيع داخل المرسم، التي غالباً ما تسببت بأكل رسومه. واستيقظ ليتناول قدحاً من الماء، وهو يرنو إلى الأصوات في الخارج، فلم يتميز له غير عواء كلاب قرية الرأس الحزين، ربما يكون كلب عاثر هو الذي ينشد هذه السمفونية الحزينة.
حاول أن يشعل سيكارة كنت، لكنه تردد في أن تثير رائحة الدخان حساسية مدني في الغرفة المجاورة ، ويصاب بنوبات سعال من أثر ربو مزمن منذ الطفولة، ولا يدري لما قفز وجه عبد الله إليه ليسره بعبارة الشهيرة التي يريددها، وهو يفتح علبة سيكار الكرفن آي، ويقول: البس (علامة القط) أقوى من قلعة (كنت)، ويقوم بضرب صدره بجمع يده، وهو يداري نوبة سعال مفاجئة مع أول سحبة دخان، وقد تعجب بُراق كثيراً من أين لعبد الله أخو سيحان معلومة عن كون ما مرسوم على علبة الكنت هي قلعة أوروبية، لعل ولعه بالرسم هو الآخر أهلّه لهذه المقاربة.
نهض بُراق بخفة، وحذر، ولم يجد نفسه إلا في مخزن الأغذية المشترك، حيث يعلق المفاتيح كلها في مسمار كبير خلف الباب، وتناول مفتاح باب المدرسة بصمت قاتم، وبدأ يخطو خطواته نحو الباب الخارجي، وما أن أقفل ظلفة الباب الخضراء وراءه حتى وقف، وسحب نفساً عميقاً، وصارت عيناه مثل رادار تجوب في الآفاق لتمسح المكان، وترصد إن كان هناك أي متطفل، أو عابر بالصدفة، وكأنه عاثر يجوس في أعماق الآبار المظلمة، وفكر بُراق، وما الفرق ما دام الظلام واحد هنا، وهناك. وعجب لاستكانة أصوات الكلاب، ومنها كلب عاثر المميز، في رنين نباحه، ونظر إلى سماء آلذار من حوله، فبان القمر من خلف سحابات رمادية مستحية، وقد سمحت للقمر أن ينير الجوانب المواجهة لأشجار اللوز الآيلة للإزهار من جديد، وران صمت عظيم، شجع بُراق أن يخطو بهدوء لكي لا تثير حركته أي مخلوق حوله، ورغم هسهسة الحشائش الجديدة حوله، فإنه حرص على عدم احتكاك دشداشة النوم من حوله، وأن لا تتعلق بشيء يثير فضول الكلاب السائبة من حوله.
ما أن وصل إلى باب المرسم، بعد أن أوصد باب المدرسة بعناية، حتى تبادر إلى سمعه صوت وليمة، أو موجة  من الهستيريا لفعالية راقصة، خالها بُراق من بقايا حلمه، أو من تلك  الأفلام الأجنبية التي شاهدها في الوطن قبل رحيله، ولا يدري لما ترأت له نتالي وود، وهي ترقص رقصتها الشهيرة في فلم قصة الحي الغربي، (وست سايد ستوري)، لكن ما أن وضع المفتاح بقفل الباب حتى هدأ كل شيء، وران صمت عظيم، اعقبه وصوصات فراخ اليربوع صديقه، الذي تآلف معه بسرعة فائقة، وما أن أقفل الباب خلفه، وأقبل لإشعال مصباح البطارية الذي تركه في المرسم حتى وجد اليربوع في بوابة غاره، وقد أسند عكسه الأيمن على جانب الفتحة، يقوم بلحس أصابع كفه اليسرى، وهو يتلمظ مبتسماً، ومن حوله فراخه يبتسمون لبُراق، وقد علت شفاههم أصباغ الزيت بألوان عديدة، ويبدو أنها كانت تلحس جلد أبيها الذي علته مختلف الألوان، وما أن وضع بُراق يده على الطاولة، حتى التصقت بورقة ملونة، وضع المصباح بقربها، فوجدها لوحة فنية رائعة، وندة قهقهة من اليربوع الأب، وخرج يتمختر أمام بُراق، وهو يغمز بعينيه، وقفز إلى الطاولة، واعتلى ورقة الرسم، وجعل يتمايل على الجهتين، على طقطقات أكف، خالها بُراق أنها تصفيقة لحن المربع العراقية في مقهى عزاوي، لكن صغار اليربوع وأمهم هم الذين كانوا وراء هذه الطقطقة، كانوا يطقطقون بأسنانهم بين ضربة كف، وأخرى، والأم توقع لهم الإيقاع بكفيها، وكأن الجميع يعزفون سمفونية لخاتشادوريان، ربما سعى كريكوريان نفسه لتلقينهم إياها أيام العشرة الكبيرة بينه، وبين عائلة اليرابيع هذه، قبل اختطافه مع أحد صغار العائلة الذي تعلق بكريكوريان بشكل هائل، وانتبه بُراق إلى أن اليربوع الأب يقوم بمهمة ماهرة في الرسم من خلال أرجله، وذيله فيرسم خطوطاً ملونة على الورقة، مما أدهش بُراق، وطارت في فكره، ومخيلته تصورات كثيرة، أهمها لوحات كرابيت كريكوريان التجريدية، وألوانها التي عجز بُراق عن تصور الوسيلة التي استخدمها، سكين، أو فرشاة، أو ممسحة، وها هو يرى بأم عينيه وسيلة كرابيت كريكوريان الفنية، وهي ذيل اليربوع المكسوة بالفرو، ومخالب أقدامه المدببة، واليربوع فرح، مرح، يغمز بعينيه، وقد تلطخ ذيله، وقدميه بالألوان، أما أطرافه العليا، فبواسطتها، يناور، ويدور، ويعدل من وضعه على الورقة، والصغار من فوهة الغار ينغمون الألحان فرحين، متأهبين للحظة الحاسمة، وهي أوامر الأب للقيام بتنظيف فرو جلد والدهم، وعلى ظلال أضواء المصباح الفضية رقص اليربوع رقصته الرسمية، وانتهى، ووقف منتظراً الأوامر لدى بُراق، ففهم بُراق اللغز، وعرف ما هو أمر اليربوع، وفكر باستثمار هذا الوضع لرشوة اليربوع، بزيت أكثر وتدريبه على تقبل الزيت مقابل لفات من الورق المكتوب، والمسحوب في داخل الغار، ولم تمض سوى لحظات على تناول بُراق لأنابيب زيت الرسم، ليضع بعضه على الباليت، رافعاً اللوحة من تحت أقدام اليربوع، فيعلقها على الحائط مؤقتاً، حتى صار اليربوع وصغاره بقفزة واحدة فوق الباليت، اليربوع يمسك بالأنبوب المفتوح، والصغار، يلتفون حول الأب، وهم يلحسون فروه من كل جانب، وينشدون نغماً، لحالة التلذذ بدسامة الزيت، ولا تنتهي الرقصة إلا بنظافة تامة، والصعود بالتتابع إلى فوهة الغار.
ظل بُراق منغمساً بذهول للحالة، ولم يحس بما حوله أبداً، كل ما يشغله، اللغة التي سوف يتفاهم بها مع اليربوع الأب لتبادل سلعة بأخرى، وهكذا تذكر بابلوف، لعل كرابيت كريكوريان نفسه جربها مع اليربوع، في لغة خاصة تولدت بينهما، هي لغة إشارات، وتبادل المعلومات بالاقتران، حتى صارا مجتمع واحد، كريكوريان القائد والملك، واليربوع وأسرته التوابع، لكل جانب منهما مصلحته لدى الآخر، فناور معه في تدريبه على الرقص والتفاهم، وحركة الأنبوب، وبيده الأخرى بقايا ورق ممزق، سلمه لليربوع الذي بدأ العبث به، وأراد أن يدلف به في الغار، لكن سرعة مبادرة بُراق أثنته، لأن بُراق سلمه  الأنبوب بيد، وأمسك بالورق بيده الأخرى، وهكذا كرر المحاولة، مع اليربوع، وهذا يتبادل النظرات مع من في الداخل، لعلها زوجته المستحية، أو أنها منشغلة بترضيع بالداخل، فناولته يد يربوعة رقيقة قصيرة رزمة صغيرة من الورقة، وبلمحة بصر، تبادلا الورق بأنيوب الزيت، ورجع كل منهما إلى موقعه، والصغار في موجة فرح، وعرس يركضون أمام والدهم، وعلت أصواتهم في جلب، وصخب صدرا من الداخل.
أما بُراق فقد ارتعش من شدة الفرح، وهو لا يصدق ما حصل، وكأنه يشاهد، أو يحضر فلم كارتون، أو خيال علمي، أو يمثله بنفسه. وبدقائق ضمته غرفته بردائها، ولم يكن بُراق ليلاحظ، أو يحس بأن تباشير الصباح قد آلت إلى القدوم، ولكن ما يهم بُراق، وقد حصل على جزء مما قد يكون ثميناً، من ذلك الكنز المدون، والمحفوظ في غار اليرابيع.
وما أن أصبح تحت اللحاف، وكأن اللحاف حصنه، والسياج بينه وبين الآخرين حتى تراءى له وجه كريكوريان من خلال سطور الصفحة التي أمامه، فيعود من يدعوه العامة بالقرش من جديد ليتبع وصفه الغامض بعبارات عربية وبوصف دقيق لمرض رمانة، فيقـول: إن تطـور المرض ينشأ مبدئياً من تكاثر الخلايا السرطانية. فيكبر المكان الذي يبدأ فيه الورم، إذا ما تُرك، لينتقل من جهاز إلى آخر. فإذا أصاب الإنسان في الجهاز التناسـلي، وظل من دون عـلاج، انتقـل إلى الجهاز اللمفاوي، ثم إلى الدم، ومنه إلى كافة أعضـاء الجسـم، وجد بُراق أنها معلومات يحاول كريكوريان تكرارها بين الفقرات العامة لموضوعه الرئيسي.
وبعد صفحتين ينتقـل الطبيب إلى موضوع جديد، وقد قطع موضوع المرض، ليدخل في وصف منطقة جغرافية يبدو أنها ألّحت عليه. والملاحظ أن الطبيب يحاول دائماً أن تأتي فقراته الهامة التي يريدها مخبأة بين السطور، مسروقة بين ثنايا التعابير، ولو استطاع أن يخفيها ما بين السطور لفعل، فعمد لتوزيعها هنا، وهناك في ثنايا الصفحات، وليس في بداياتها، أو نهايتاها.
ويحس  بُراق وهو يقرأ أحد المواضيع الهامة اللاحقة، بأن كرابيت كريكوريان يتعمّد قلب الأسماء، أو إدخال حرف، أو أكثر عليها رغم كتابتها بالحروف اللاتينية، ففي هذه الصفحة يتحدث عن مقام التلول التي يبدأ هكذا: فبلدة أم الخريفين، هي الأخت التوأم لتلجقونيو البديلة لها، وإحدى المدن القديمة في العالم، ولها موقع استراتيجي مهم، فهي تقع على طريق يصل الشرق بالغرب. وقبـل أن تصلها يواجهك سورها، وقد كان السور على شكل مثلث محيطـه عشـرة آلاف مـتراً، وتتخلله عشرة أبواب. ولم يبق من هذا السور العملاق، إلا قطعة صغيرة في أعلى المدينة، تعرف اليوم بقلعة باب طياشة، وتشرف على نهر لجدة العظيم. شاركت هذه المدينة في صنع التاريخ، مدينة تلتقي جذور نشأتها مع ميلاد الحضارة. وجغرافيتها رائعة، فقد اخـتصت بموقع جميل على النهر. وفيها مراقد أنبياء يشت، والداني، ورجيسـج. ولها أسماء أخرى منها: تل السوداء، وتل العضباء، وتل الحيفاء. واشتهرت بصناعة التحف، والمنسوجات التي اشتهرت بها في أوروربا، والعالم باسم موسلين. وكذلك اشتهرت المدينة بتطعيم الزجاج، وترصيع الخشب، والزخارف. ونشأت في حصن صغير فوق تل القليعات، المقابل لتـلجقونيو. كمـا تصـدت لهجمات الأعداء. في حين سمي تلجقونيو الواقع على نهر الوصرخ، نسبة إلى القرية التي شيد عليها الملوك الشاريون عدة قصور في أزمنة مختلفة، واكتشف المنقبون بقاياها.
هنا يعلّق كريكوريان على المعلومات التي حفظها، ثم أعاد كتابتها في مرسمه، بعد عودته من العالم الثاني الذي زاره، ومقابلته للصبية العجوز فيقول: لولا المعلومات المثيرة التي نقلت إلى ذاكرتي، من خلال الخاتم الذي وُهبته، والذي سأتي على ذكره في وقته، لما استطعت تدوين هذه المعلومات بدقة متناهية، ها أنا أتذكر الوضع الذي كنت عليه، وأنا أسمع إلى الرواية من الصبية العجوز، في معبد العالم الثاني، فبعد أن درت الحارات، ولم أجد أحداً هناك، تبعت ما شمشمه يربوعي الصغير، وصرت أنا أميزه بعد خطوات، وهو رائحة بخور زكية عالقة في نسمات الليل المقمر، فتبعت اليربوع الصغير الذي أخذ يقفز على ساقيه، يشمشم الأمكنة، ويشير بيديه للاتجاه المناسب، يجري أمامي جذلاً بسرعة، يسبقني، ثم يعود ليستبطئني، ويشير بأصابعه إلى الاتجاه المناسب من جديد، حتى وصلنا بوابة المدخل الذي تصدر عنه رائحة البخور. فدلفنا وإذ بنا في باحة كبيرة تتوسطها نفس البحرة، ولكن بمقاسات أكبر، وزخارف أبدع، للباحة مدرجات تبدو لجلوس الناس مرقمة بأرقام ليست التي نعرفها، ولا تشبه حتى اللاتينية، المهم…
فقد سمعت صوتاً صادر من الداخل يدعوني باسمي، فاستغربت، كان الصوت رقيقاً كأنه صوت طفل لاه، أو طفلة جذلى أحسن تربيتها، وما أن تقدمت إلى الداخل حتى واجهتني مرآة كبيرة بحجم بوابة، رأيتني في حالتي قبل ثلاثة عقود، ووراءها صوري أنا متكررة لمرتين اثنتين، ولكن بقسمات عقدين متأخر أحدهما عن الآخر، وصار لي في المرآة ثلاث صور لثلاثة عقود، وأنا رابعهم في الخارج، قال لي الصوت أخيراً أن أدخل، فلم أجد مغلاق، أو مقبض لأفتح الباب بيدي، فقال الصوت، تقدم والمس بإصبعك يا كريكوريان سطح المرآة، لامس إصبعك البوابة المرآة، ففعلت، ووجدتني في فسحة قدسية، خفت أن أخطو لتحاشي الانزلاق، لكن قدماي ابتا الحركة، وجدتني بلا حذاء عاري القدمين، قدماي تلمعان كأنهما غسلاتا بماء الفضة، تقوداني إلى أمام من غير إرادتي، وأنا أرى إلى بهو عظيم في داخله محراب، أو مذبح يتلألأ كالماس. يبرز من خلال أبخرة، ودخان ملون وجه صبية فاتنة الجمال، لها شعر فضي. دعتني بأدب جم أن أقترب منها. وخرجت لتجلس معي على خوان متحرك، تاركة عرش القدسية التي احتلته خلفها، وكرسيين برزا للتو، والخوان يدور، فحيتني بابتسامة طفولية مثل صوتها، وسألتني عما أود  شربه بعد رحلتي الشاقة، فشعرت لأول مرة بأنني لم أذق طعم الماء منذ العصر، فقلت ماء، فاستفسرت عن أي طعم من أطعام الماء أود شربه من أكاسير القمر، أو نيبيرو، أو زحل، وعددت كواكب أخرى لم أسمع بها. فشعرت لأول مرة بأنني قد دخلت كوكب نيبيرو نفسه، أو زحل من غير مركبة نارية. فقلت لها: مثلما تشربين، وأنا متوجس، خصوصاً  وإن اليربوع لم يُسمح له بالدخول معي، إما لصبيانيته، ولهوه، وإما لأن صورته في باب المرآة  لم تظهر معي، لسبب لا علم لي به، ربما لصغر سنه، فاليربوع هو مجساتي، وأجهزة استشعاري الخارجية، يتذوق الفواكه على الأشجار، والمياه من البحيرات، والأنهار قبلي، فطمأنتني الحكيمة بأنها سوف تتناول الرشفة الأولى قبلي من نفس كأسي.
ودار الخوان، فظهر قدحان لازورديان كأنهما فارغان، ورشفت هي الرشفة الأولى من قدح كريكوريان، وتذّوق هو المشروب السحري، وقالت له: ها أنت إذن تصل إلى هدفك بالقدوم إلى هنا، فماذا تتوقع برأيك أن ترى، وتختبر أيها الباحث المؤرق في هموم الناس، والساعي لإيجاد حلول لمعضلات عالمكم العصيبة، التي تستحدث بعدما يقضى على مصلح، ومرسل، ونظام يجئ لسعادة العامة من البشر، أنت تفكر في كيفية تحجيم جشع المالكين، ومستغلي قوة الفرد، وقوت المجموع، وتخزينها في قوالب براقة من الذهب الذي لا يشبع بطن طفل، ولا يبني مدرسة، أو مشفى، أو يستحدث دواء لعليل، أو معاق، مال كثير لدى فئة، والامة تكدح، وتدفع ضرائب لمن تسلطوا على كراسي الحكم في عالمكم. وقبل أن أجيب وأسأل تبادرني الصبية العجوز بنفس ما بنفسي من استفسارات.. فتقول: أجل أنت هنا في محمية، نقول محمية، ولا نسميها بأي تسمية لنظام مما لديكم، مثل مملكة، جمهورية، ولاية، إمارة، إقطاعية، مشاعة، فهنا الكل حامي ومحمي، قائدة ومقود، وسيد ومتسيد.. حسب العمل، والموقع الذي يحتله وقتها، دونما تذمّر. الأمور كلها متبادلة ومتكافلة، متعاونة، ومتعارفة. مجتمعنا مصنّف حسب ما وضعه الأوائل الرواد؛؛ وهو ليس بنظام أبدي، فسنوياً نجتمع للتعديل، عدا عن اللقاءات الدورية للمجالس الفرعية، تصنيفاتنا، الأطفال. وسكتت؛؛ ثم أضافت: أه لست بطفلة كما تراني من مظهري الخارجي، وكما يبدو من صوتي، ولكنني مصغّرة العمر.. هذا ما ميزته أنت منذ الوهلة الأولى للقائنا، ولا بد أن تميّزه في شعري، لا بصوتي، رغم أن الصوت لا يهرم بعد البلوغ، ونضجه في مرحلة ما بعد الشباب، لكن التشبيب، هذا التعبير الغريب المبتكر لعملية إعادة الشباب، فأنا هنا أكبر معمرة في مجتمعنا، لهذا أسكن معبد الزواج المقدس، وهذا الذي رأيته الآن هو من ملحقات المعبد، المدرسة، والبيوت، يأتيها الشعب أيام العطل، وهي اليوم الأول من كل عشرة أيام.. وسوف أجعلك ترى من خلال المرآة جزر مجتمعنا الخمس المختلفة، ومنها البنايات الخاصة بالسكن، والمدارس، والملاعب والمزارع ومعامل التعليب والتجميع، وغيرها من أمور الحياة اليومية الاجتماعية. وتسحب الصبية العجوز مرآة كروية، وتضغط على أحد الأزرار، فتظهر إحدى المحميات على شكل جزيرة، والناس في حركة دائبة، وملابسهم موحدة بلون أزرق، إنهم متساوون في لبسهم، لكنهم مختلفون في الإكسسوارات التي تدل على مهنهم، ومراتبهم.
نحن أوجدنا جغرافية لبلادنا، لتشابه كف اليد، نظرنا لقدسية اليد لدينا، ولكف الإنسان الفاعلة، وأنت تعلم أن الإنسان قبل تحوّرت أطرافه الفاعلة إلى أصابع ماهرة، من مخالب، لم يكن ليرقى إلى مرتبة الإنسان العاقل من غير التخلي عن استعمال فكيهه للافتراس، وإناطة المهمة لليدين، لكي تتحرر الشفتين، واللسان للكلام، لأن اليد وأدواتها الفاعلة، الأصابع هي المحاورة الجدلية بين المادة، والطبيعة، بين الواقع ومستوى التفكير، وسبل تطوره. ومن خلال تبادلهما الجدلي نتجت الأدوات المادية وتطورت، وبدورها تفاعلت الآلة مع كل من العقل واليد فرفعتهما إلى مراتب متقدمة جيل بعد جيل، وبخاصة العمل الفكري، لهذا قدسنا الكف، لا تفكر بأننا دارونيين، فقد تجاوزناه في علومنا البايولوجية، إنما الفضل لا بد أن يرجع إليه، كما يرجع فضل نيوتن لكل النظريات الفيزيائية ما بعده، وبعد أينشتاين غير أن نظيراتهما صارتا مثل حكايات الأساطير في عالمنا. تصمت ثم تضيف: وكأنها مصادفة، أو معجزة أن وجدنا أراضي محمياتنا على شكل كف اليد، بأصابع خمسة، كأنها امتداد لجغرافية، وأراضي الجسد حيث الرأس، والعنق، والصدر، والأطراف، لديكم ومن يدري ربما هي امتدادات جيولوجية، تفعل فيها الجغرافية ما تريد، وتمحورها حسبما يؤثر المناخ الكوني فيها.
وتنبري الصبية العجوز للدخول في تفاصيل أقاليم المحميات، فتشير إلى أن المعابد، ومراكز الراحة والتعليم الروحي هنا في الوسط، وخمس شبه الجزر هي: شبه جزيرة الإبهام، وفيها ينمو اللبان بأنواعه، وشبه جزيرة السبابة فيها ينمو البن، وشبه الجزيرة الوسطى وفيها ينمو النارجيل، أي جوز الهند، وشبه جزيرة البنصر، وفيها ينمو بخور العود بأنواعه، وشبه جزيرة الخنصر وفيها تنمو أشجار الأصماغ بأنواعها، على أن للجزر أجمعها نباتات مشتركة مثل أشجار العضا ذو الجمر المستديم، وينزل على صخور الجزر، ونباتاتها الحرجية المن والسلوى، وترتع مختلف أنواع الطيور بين الخلجان التي تتوسط نهايات الأصابع من الداخل، وهناك الكهوف ذات الأجواء المعتدلة صيفاً وشتاء، كما لا تخلو جغرافيتنا من الموارد الطبيعية كالماس، والتبر، والبلاتين، وعناصر الذرة الأولية وضفناها كلها للأغراض التي تخدم الإنسان، وتسعده، وتحافظ على البيئة من الاهتراء، أو التصدي، أو التلف، فالإدامة البيئية واجب وطني مقدس، وفهم مبدأ الأخذ والعطاء المتبادلين بيننا وبين البيئة من أهم شروط المواطنة الصحيحة، والصحية. لهذا ترى في المرآة أن بناياتنا من زجاج فولاذي، أو كريستال بلاتيني مقاوم للعوارض الطبيعية، لعل الصين واليابان من أحوج البلدان لها، ولسوف يتوصولن إليها في القرن القادم لديكم.
هناك الكثير الذي تود التشبع به، وسأترك لك الحرية في تقليب أزرار المرآة المحورية، ونوافذها المعرفية، ففيها كل ما تريد، وتحصل عليه بثوان، بل وهناك مسماع خلوي يجعلك تستنسخ ما تراه، وتقرأه في ذاكرتك بلحظات، وعليك أن تتذكر دائماً، أننا نقرأ أفكار بعضنا، كما قرأت أفكارك، وأنت بحاجة شديدة للتمرس في هذا الباع، ما دمت تمارسه على نطاق محدود مع رديفيك لا مثيليك، ابن عازب، وعاثر الهيماني كما تدعوه أنت، كلاهما يتميز بصفات تؤهلهما للعيش في محيط علمنا بنجاح فيما بعد، ولكنني أجد في عاثر الراعي مميزات أقرب للتعامل مع عالمنا، فهو متأمل، ويعرف أهمية الانصات، والسكوت، لأنه راعي يستلهم ذكاءه من تأمله النجوم، وسكون الليل، وعلى نايه ألحان ملائكية تتناسب وعالمنا الفريد.
أما أنت فقد استوعبت طريقة لغة التخاطب التي مارستها معك، ولكننا في المحيط العام، نتخاطر لنوفر الوقت، فصارت لغتنا مختصة للروايات المدمجة بأختام سحرية، غير أن هناك أهمية للغة في الاجتماعات العامة، وفي المؤتمرات، سوف يطول الشرح لو جسنا مداخلها، لأنها سوف تنقلنا إلى الأدب، ومنها إلى الفلسفة، وغيرها من مجالات البحث، فابدأ التعرف على ما تريد ريثما أمسح أنا من عندي، ما هو صعب على مداركك، ويخلق نوع من الغموض لديك.
عندما انشغل كلاهما في الخوض غمار المعلومات، مضت ساعات عليهما، لا يحس كريكوريان بحاجة للراحة، ما دامت الكؤوس، والصحون على الخوان الدوّارة مستمرة في تقديم أشهى ما لم يذقه كريكوريان، تأتيه بملاقط ذوات أنامل توحي بأنها أنامل بشرية.
وتسترسل الجدة الصبية في القول: بعدها استعرضت مع كريكوريان ما شاهده، وسجله على المرآة الكروية عن جغرافية العالم الخفي في محيط أقاليم سنجق الجسد التي ندرسها من الناحية الآثارية، والأنثروبولوجية. وتعود الجدة الصبية لتستطرد للإشارة بقولها: إن هذا الذي ندرسه عما حدث في غابر الأزمنة قبل التصارع بين سائر أممنا واتفاقهم على معاهدات اختصت بالبحث عن صون الكائن البشري هنا، والسعي لاسعاده، والبحث في تطوير أمور الصحة، وإطالتة. بل تحديث، أو تشبيب الأعمال.
والفضل يعود لما تتميز به مدننا من مناخ وصحة هوائها، وعذوبة مائها .. ولم يكن فيها عيب، إلا قلة بساتينها وعدم جريـان الماء في رساتيقها، وشدة حرها في الصيف، وشدة بردها في الشتاء، قمنا بعلاجه أمور المناخ لجعله معتدل طوال السنة، فأما الأبنية فهي حسنة جيدة وبهية المنظر، لأنها كانت تبنى بالنورة، والرخام، وبيوت أجدادنا كلها أبراج، وسـراديب مبنية، ولا يكادون يستعملون الخشب في سقوفهم البتة. أما مدينة الخريفين فخريفيها يمتازان بكثرة الأمطار، غير عن فصل الصيف فليس فيه إلا منافع حامية، وعيون قليلة مالحة، وهي ترتكز في البرية بين تل سـنقارة، وتل كيرت، كان في القديم منازل كرب بن لواء،  كانت تقطن بعض مناطقهـا طـوائف مـن الأفراك، يقـال لهم الداسنية.
وفي النهاية يعلو صوت الصبية العجوز ليقول: ها أنت يا كريكوريان قد اطلعت على مختصرات لما تريد، دون عناء وبحث كبيرين، فقد سهلنا المنافذ، واسترجاع المصادر بشكل قياسي لما يختصر الزمن، والمعاناة معاً. فماذا أنت فاعل، كلا، كلا لا تفكر أن تبقى الآن، لديك فرصة واحدة لأن تعود إلى عالمكم، وهناك تقرر أولاً فيما لو أردت أن تعود، ولكنها عودة من غير رجعة هذه فرصة لك، ولنا. تقول كيف، أهه أن توصل رسالتنا إلى عالمك، وأن تكون البشير لتصف لهم مميزات عالمنا أولاً، وما رأيته دون مواربة، وزيف. وثانياً أن تنصح حكماء علماكم بأن لا يتمادوا فيما هم سائرون فيه، في افساد عقول الناس، واستغلال الأخ لأخيه، وإهمال نصائح المبشرين، وتعاليمهم، والاهتمام بأمنا الأرض والمحافظة عليها.
وانتهت في ختام الزيارة للقول: وأنت تخرج من هنا لن تسلك نفس الطريق، لأنك لن تراه في طريق عودتك، ربما تصورت أن الخطاطيف الوهمية هي التي أنزلتك أنت، ويربوعك إلى سهلنا، وأرض السلام دارنا، بل أننا نحن الذين سحبناك بأدوات شفافة، وبالمناسبة لو أردت ترك اليربوع هنا، فهو لك إذا ما قررت العودة، وأصريت عليها، وبالعكس فلسوف تجده بجانبك حال حسمك القرار بعدم العودة. لكنك يجب أن تحسم أمرك قبل الرجوع إلى عالمك، لأن اليربوع له مرور واحد إلى عالمنا، وقد فعله، فلن تستطيع الرجوع به معك إلينا في المرة القادمة، حسناً،،، ها أنت تصل بنا إلى قرارك الأخير يا كريكوريان، فكن بشيرنا في عالمكم، بشير أمين لا مدع، ولا مهوس، ولا درويش.
إن طريق عودتك سيكون أصعب لأن مزغل العودة فيه هوام تهجم على العائدين، ها أنت تتذكر المزغل الأيمن من الداخل قبل العبور، وكيف تراءت لك الهوام هناك، إنها ليست خيال كما اعتقدت، وإنما هي أرواح هائمة حقيقية، وعليك الانتباه منها.
وتقوم لتناوله  حاوية صغيرة، وتضيف: إنني أزودك بمصلين مخزنيين في أنبوبين في هذه الحاوية، من مادة جيلاتينية، خذهما لعلاج رمانة، فهي بحاجة إليها، الأول إكسير بايوكيمياوي من أواخر مستحضرات علاجات السرطانات،  والآخر إكسير ذري لو زاحمك الهوام في مزغل الرجعة، بخهم برشات من المحلول الذري هذا لكي تفلت بجلدك، ولا تفرّط بالإكسير البايوكيمياوي فرمانة بحاجة إليه، وبالفضلة يمكن أن تسمّد شجرة الرمان لترى النتائج المذهلة، فمن يذوق من ثمرها ستتولد لديه مناعة من أمراض شتى، ولعاثر الراعي أود أن تبلغه بأننا نستمع لمناجاته ليلاً، ونتخاطر معه، لكنك بكلامك له عنا سوف يفهم، ويقتنع بأن ما يفكر به ليلاً، وهو في وحدته هو ليس خيالاً، وإنما حوار متواصل بيننا، وبينه، أخبره أيضاً بأنه لن يطول الوقت حتى يعرف بأن مريم زوجه، ستحمل بجنين نرحب به كأحد أبناء الجيل القادم لو اقتنع من خلالك بالعبور إلى عالمنا، العالم الثاني هذا.
عليك الإسراع إذن الآن، كلا لا بد أن تتعرف على معطيات حضارتنا الأخرى، وتفاصيل كثيرة أخرى، من أهمها أن لنا توائم مما لديكم من مدن، وآثار قلبنا مسمياتها، مدن مثل أريدو، وسيبار، ولكش، وأشنونا، ونينوى، وبابل، وسلامونيك، وطيبة، والأقصر ستجد المعلومات هنا. وحالاً تقطع الصبية العجوز سردياتها، وتناول كريكوريان ملفاً مضغوطاً على شكل خاتم يلبسه في خنصره الأيمن لكي يستكمل معلوماته فيما بعد، إذا ما أراد فإن كبسة زر مموه في الخاتم، تحوّل المعلومات مباشرة إلى ذاكرته، ويمكن له أن يرسلها إلى أي شخص مؤهل لاستقبال معلومات مدمجة، وتقوم الذاكرة الإنسانية بتخزينها بناء على ما خّزن من ملفات في الخاتم نفسه، ويمكن للخاتم أن يسمح بملفات، ويمنع ملفات، حسب إرادة كريكوريان أو من ينوب عنه، ويمكن مسحها عن بعد لو أسيء استخدامها، أو حصل نوع من التعارض بين الذاكرة المستقبلة، وذاكرة ملفات الخاتم المضغوط، لهذا فعلى كريكوريان، أو غيره أن يبتكر للملفات المخزنة أبجدية في ذاكرته؛ بمفاتيح لمداخل الفقرات، والعناوين.
وتنبري الجدة الصبية لتعلم كريكوريان بأنه إذا أراد الرحيل الآن، فما عليه سوى أن يلمس البوابة المرآة بإصبعه من جديد ففعل، فوجد نفسه في فسحة المعبد الخارجية التي دلف منها، والتي تحوطها البحرة السحرية ومقاعد جمهور العالم الثاني، وهنا جرى توديع درامي بين اليربوع وكريكوريان، وما هي إلا ثوان حتى وجد نفسه أمام مزغل العودة الذي أشارت إليه الصبية العجوز، فسحبه تيار هوائي إلى الأعلى حيث مدخل المزغل، وكأن آلة شافطة جرته بانسيابية مهولة. وتكالبت الهوام عليه، كل يريد أن يسحب منه شيئاً من مقتنياته التي يحملها في سفره، فمنهم من تمسك بالبندقية، والآخر بالمنظار، والغترة والعقال اللذين وجد نفسه يعود لارتدائهما من غير علمه، وهناك بعض آخر من الهوام من يسحبه من يديه، والآخر يتشبث بأطراف دشداشته، وشعره، وليس سوى دقائق سيوشك الهوام على التمكن منه وطرحه أرضاً، سحب كريكوريان الأنبوب الذري، ورشه في مختلف الاتجاهات، وهو يدور عكس اتجاه البخاخ، فانبسط أمامه الطريق في ثوان، فأقبل باتجاه البقعة التي خمّن أنها مخرج المزغل من الداخل إلى حيث الفتحة السرية للبئر وراءه، يسمع كريكوريان ولولة، وهروب، وضرب أقدام، حتى وصل إلى حيث حجرة الصوان المموهة، ففتحها،،، وتنقطع بعدها سطور المذكرات.
نظر بُراق حوله وهو متعجب من الوقت الذي قضاه، وهو منغمس في القراءة، حتى ملّ المصباح النفطي فنعس هو الآخر، لأن تباشير الصباح قد حلت، واستولت على العالم بما فيهم بلدة الصدر، فماذا يا ترى حل بكريكوريان نفسه، هناك غموض ما، ولربما جهل بما حصل للقرش كما يلقبه ابن عازب، فهل نفذ كريكوريان وعده، ورحل عندما عجز عن إيصال رسالته، وملّ من إصلاح الدنيا، ولماذا أصر أن يبقى في هذا الإقليم من غير أن يجوس أصقاع الدنيا كلها ليحذر الناس من المخاطر، لعل في بقية مذكراته ما يفسر الغموض ويسبره، ويحل الألفاز، فلربما نبذه الناس بعد ذلك، ووصموه بالجنون، لأن الناس على رأي ابن العنقودي لا يفقهون إلا ما يصلهم من معلومات تطبعوا عليها في محيطهم، أو أنهم يتفهمون فقط المعلومات التي يريدونها والتي تنسجم مع متطلباتهم، وأهواءهم، إما المستويات العالية من العلوم، والثقافة فليس حتى لكريكوريان أن يبسطها لهم، لعل ابن العنقودي شاركه المعضلة، وهو خريج السوربون، ولا يعيش هنا، إنما في حقول النفط شرقاً، فهل يستعين بابن العنقودي، أم أن ابن العنقودي نفسه هو الذي سيستعين ببُراق.

شاهد أيضاً

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

د.عاطف الدرابسة: أعيدي الطَّريقَ إليَّ ..‎

قلتُ لها : لن أُصغيَ إلى دمعكِ بعدَ اليوم فنصفي صارَ في الماء .. لن …

شذرات
حمزة الشافعي
تودغة/المغرب

(1) ظل سحابة، استراحة نملة، إرهاق. (2) جدار أحجار، ألعاب ثقيلة، هروب طفلة. (3) ورقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *