كتاب “سؤال الهوية الكردية” للباحث والناقد الكردي “عبد الكريم يحيى الزيباري”- عرض: نسرين اليوسفي

nesrinكتب المفكر والشاعر الكردي أحمدي خاني ملحمته الشهيرة ” مم وزين ” باللغة الكردية – لغته الأم – مع أنه يجيد بطلاقة وامكانية عالية الكتابة أيضا باللغتين الدارجتين حينها ، العربية والفارسية حيث دأب أئمة وشعراء عصره الكتابة بها ، ويؤكد الباحثون في هذا المجال أن ذلك دليلا قاطعا على تمسكه واعتزازه بهويته الكردية وإثباتا لوجودها .
أما الباحث والناقد الكردي عبد الكريم زيباري فقد كتب باللغة العربية التي يجيدها كتابه هذا من دون أن يلغي انتمائه لهويته الكردية التي يعتز بها والذي يبرز تأثيرها واضحا وجليا من خلال ابواب الكتاب  وفصوله التي انصب اهتمامه فيها على أن الهوية وأسئلتها ليست أحادية المنبع ، واننا يمكن أن نخدم هويتنا الأصلية بكل لغات العالم اذا توافر الاخلاص لذلك . والاخلاص كان حاضرا وبشدة في كل كلمة كتبها الزيباري هنا في بحثه المميز هذا بشروح وافية لا يمكن أن يدخل اليها أي شك أو التباس . يسرد وقائعا تجعلنا ندرك سر السؤال في الهوية . يتناول صراع الهويات دون أن يحفز الانتماء الى هذا او ذاك . يدخلنا في مركز تأثيرات على مجتمعات بدائية وأخرى حديثة غربية وغريبة كما يصفها ، يبرز لنا تأثير اللغة وتعدد اللهجات على الهوية وكذلك سبل استخدامها للحصول على العلم والمعرفة ،

في بحثه المثير  ” الهويات القاتلة ” كتب المؤلف اللبناني أمين معلوف ( أديب وصحافي لبناني معاصر نال جوائز عالمية عدة ) عن حالات شديدة الخصوصية لديها انتماءات لشكلين من الهويات : هوية البلد الأم وهوية الدولة التي انتقل اليها وعاش فيها لسنوات ربما أكثر من التي عاش فيها ببلده ، حيث يذكر فيabdulkarim yahia alzibari مقدمة الكتاب :
(منذ غادرت لبنان عام 1975 للاستقرار في فرنسا فكم من مرة سألني البعض عن طيب نية : إن كنت أشعر بنفسي فرنسيا أم لبنانيا . وكنت أجيب سائلي على الدوام ” هذا وذاك ! ” لا حرصا مني على التوازن والعدل بل لأنني سأكون كاذبا لو قلت غير ذلك فيما يحدد كياني وليس كيان شخص آخر، هو أنني أقف على مفترق بين بلدين ولغتين أو ثلاث لغات ، ومجموعة من التقاليد الثقافية . وهذا بالضبط ما يحدد هويتي . فهل أكون أكثر أصاله لو استأصلت جزءا من كياني ؟ ).
ربما قرأ البعض كلام معلوف هذا دليلا لتنصله من هويته الأولى التي تربطه جذريا بالبلد الأم ، وربما أعاد البعض الاخر أسباب ذلك بعدم جحوده وانكاره للدولة التي احتضنته ووفرت له الأمان والمستقبل حين كانت الحرب الأهلية اللبنانية تأكل شعبها بنيرانها ما بين عامي ( 1975- 1990 ) حين هاجر منها الى فرنسا . وربما أعاد البعض الاخر سبب ذلك الى رغبته بتحقيق توازن بين انتمائه المتجزئ الى قسمين لا يريد ان يجعل فاصلا بينهما لأنهما شكلتا هويته الحقيقية التي يعتز بها .
من هذا المنطلق ربط المؤلف عبد الكريم زيباري انتماء الفرد الكردي في كتابه هذا للدول التي تجزأت فيما بينها أمته الكردية حيث اختلطت فيها وامتزجت ثقافته الكردية بثلاث انواع من الثقافات ( العربية والتركية والفارسية ) . يتكلم عن الديمقراطية وحقوق الانسان في كردستان والدول العربية ودول العالم الغربي وامريكا ، يقارب بتنظير دقيق بين دول العالم الاول من حيث اكتسابها لهوية كونية عالمية ، وبين دول العالم الثالث التي لم تضع نفسها بغير المكان الذي تراوح فيه بتكاسل منذ عهود ويلتقط بهذا الشأن ومن بين مصادره المتعددة هذا الجزء من حوار بين نائب النظام السابق للعراق – كمثال لأحدى الدول النامية – ورئيسه :
( في لقاء تلفزيوني شهير قال السيد النائب لرئيسه القائد الضرورة : انت كالمحطة ، اذا لم نرك ، ينفدُ شحننا ، فلا نعرف الصواب من الخطأ … وبعد ذلك توالت أخطاؤه وتعاظمت حتى ابتلعت شعبا برمته ) ( كيف تنصهر هوية الفرد العراقي بهوية واحدة هي هوية القائد الضرورة ) صفـــ187ــــحة .وصـــــف157ـــــحة .
kh abdulkarim zebariيؤكد الباحث عبد الكريم بانه يملك القدرة والإمكانية على تحليل قضية الانتماء والهوية بكل جوانبها وعلى كافة الاتجاهات ، نفسيا وسياسيا ودينيا واقتصاديا واجتماعيا مع دعمه في كل هذا بأمثلة حية وادلة وشواهد معرفية تقرّب كثيرا من طرحه لوجهات نظره واستنتاجاته لدرجة كبيرة جدا وعلى مستوى عال من النقد والتحليل المثمر .حيث يذكر في نهاية الصـــــــــ200ـــــــــفحة عن انتقال بعض العادات والتقاليد الحديثة الى المجتمع الكردي ويقول :
(من جانب آخر اتـّـحدتْ الجهود المختلفة دونما ارادة مباشرة وانصبت في محاولات تذويب الهوية الكردية في بوتقة الحداثة ، لكنها حداثة سطحية ، تستهدف القشور فقط ، تروم تغيير الملبس والمأكل ، فانتشرت المأكولات الغربية ، والأزياء ، ومطاعم البيتزا ، وقصات الشعر ، ونالت المرأة جرعة من الحرية أكثر مما كانت تحتاجها فازدادت بالمقابل حالات الطلاق .. ) .
وكمثال على تناوله المتقن  للجانب الديني :
( وأباح مسؤول تنظيمات الشمال لحزب البعث أعمال السلب والنهب باعتبارها أنفالا ، ولم يقف عالم دين واحد ليعترض على هذا اللبس ، بأن المجتمع الكردي ليس كافرا ، لتصير ممتلكاته أنفالا ، وكلمة الأنفال تعني المغانم التي يغنمها المقاتلون في حربهم ضد الكفار، وهي لا تتفق والعمليات العسكرية التي وقعت تحت مظلتها عام 1988 ) صـــف158ــحة .
النقد ليس إساءة ، إنه علاقة واضحة المعالم بين ما يجب أن يكون عليه الأمر وما هو عليه في الواقع . هذا ما شعرت به وانا اقرأ كتاب الزيباري والذي حمل عنوانا بصيغة المفرد وكان الرد عليه بجملة من الأجوبة الجريئة والمحفزة للبحث والتقصي . يبدأهُ باعتراف علني ومواجه : ظل سؤال الهوية الكردية غير مطروق فكريا وبجدية على الأقل ، إهمال غير متعمد تكرر في انعطافات تاريخية لشعوب أخرى في فترات وظروف محددة . صـــ7ـــفحة .
وفي سبعة فصول حاشدة وشيـّـقة في السرد ينقلنا الكاتب بين الأزمة والصراع والتحدي والاستفهامية والتمييز والنظريات والاغتراب والتـّـهوّي ، وكل ما يخص الهوية واشكالياتها وبطريقة ذكية ونشيطة لا تتركك تتوه وانت تتلمس اجوبة بغاية الدقة مقرونة بأمثلة عن مجتمعات قديمة وحديثة ، اسلامية وغير اسلامية عن السؤال الشائك : ما هي هويتي الحقيقية ؟
عنوان الكتاب فخ ” معرفي ” ينم عن التخصيص ، بينما متنه تعميم . عن الهوية الكردية ، الهوية العراقية ، الهوية العربية ، الهوية الغربية والأجنبية ، وكل ذلك حديثا وقديما بانتقاله الخفيف والغير متعثر بأداة الزمن بين الماضي والحاضر دون اية صعوبة تذكر ودون استطالة مملة . أفكاره تصدم المتشددين في كل المجالات وبالأخص اصحاب الفكر القومي .والكلام فيه عن الهوية بصورة عامة أيضا ما عدا في ما يخص الهوية الكردية ، مثل : هوية الصحافة ، هوية القارئ ، هوية العصر ،الهوية المزدوجة ، الهوية المضمرة الى ان يصل الى الهوية الانسانية وعنها يقول :
(لماذا يشعر مواطنو العالم الثالث انهم يعيشون تحت اقدام حكامهم ؟ ولماذا خرج ” ديوجين ( 412- 323 ق . م ) حاملا مصباحه في الظهيرة ، ويجيب الكاتب على هذا بقوله : ( لأنها كانت ومازالت مضمرة او مفقودة ، وليس ثمة إلاّ صراعات ، وغالب ومغلوب ، ولا احد يفقه مقولة الامام علي ” الغالب بالشر مغلوب ” ، حيث يفرض الغالب على المغلوب شروطا وحياة تفقده هويته الاصل ، او يتخلى هو عنها بحثا عن فرص افضل للعيش ) صـــ154ـــفحة .
يكشف عن رأيه في ما يحدث للمجتمع الكردي اليوم ، كتب في الصفـــــ89ــــحة :
(اليوم المجتمع الكردي يعيش ازمة كبيرة ، غير مـُـفـَكـَّـرْ بها ورغم ذلك لا يبدو خائفا … الحياة في كردستان تبدو للجميع افضل من اي وقت سابق ، لم يعد الشعب الكردي يهتم او يفكر في حاجته الى هوية كما كان من قبل ، فقد صاروا يعرفون انفسهم ، يعرفون من هم والى اية جهة ينتمون ، ويعرفون الاخر ) ويستطرد بعدها لتبيان أسباب ذلك الاستنتاج ونتائجه المستقبلية .

واجتماعيا وعن العلاقة بين المجتمعين العربي والكردي يذكر لنا :
(صار المجتمعين الكردي والعربي ضحيتين لمشاعر انتجتها سلوكيات الاجهزة القمعية ، الكردي يرى العربي تنينا ، والعربي يراه كذلك ، تأثر المجتمع الكردي بمحيطه الخارجي وسلوكيات السلطة القمعية ، ومن اخطر هذه التأثيرات السلبية : المكابرة في إنكار العيوب والنواقص التي لم يخلُ منها نظام أو انسان أبد الدهر ) صفـــ88ــــحة .
الكتاب مُنجـَـزٌ قيــّـم سيخدم الوعي والفكر الكردي والعربي على حد السواء ، مصادره التي اعتمدها كثيرة ومتنوعة  حقق من حسن استخدامه لها كلا الفائدتين ( متعة زائدا المنفعة المعرفية ) وبتفاصيل تهم القضية الكردية ، وانفتاح آرائه القابلة للنقاش جدا على جميع محاورها ، وكذلك اذا حضي بترجمة لائقة به الى لغات اخرى ستنقل النظرة الضبابية للعالم الغربي الى القضية الكردية من قضية هامشية الى قضية في مصاف القضايا الأولى عالميا .

الكتاب :
في 278 صفحة ، طُبِعَ في دار الفارابي بيروت – لبنان / عام 2012 .
الكاتب :
عبد الكريم يحيى الزيباري
مواليد 1971
بكالوريوس قانون – جامعة الموصل
حاز على جائزة الشارقة للإبداع في دورتها الثانية عشرة / 2008 في مجال النقد الأدبي ، المركز الثاني .
وجائزة عزيز السيد جاسم في دورتها الثالثة  / 2007 في مجال النقد الأدبي / المركز الأول .
اضافة الى شهادة تقديرية من الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب  / 2008 .
له الكثير من الدراسات النقدية المنشورة في المجلات الكردية والعراقية والعربية .
شارك في عدد من المهرجانات الثقافية والأدبية .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. خالد بوزيان موساوي : مقدمتي لكتابي: قراءات نقدية في رحاب الأدب العربي الحديث (مقاربات تطبيقية).

الكتاب صدر عن دار البيروني للنشر والتوزيع عمان/ الأردن 2020     كيف نقارب نقديا …

| خالد علي العبيدي : ما بين السطور قراءة في رواية ” عرس الدنيا ” للروائي يونس علي الحمداني .

    أهداني صديقي الروائي يونس علي الحمداني رواية (عرس الدنيا) الصادرة عن دار فضاءات …

2 تعليقان

  1. سيبان علي

    شكرا على جهودك

  2. محمد عادل عسكر

    الناقد والأديب عبد الكريم الزيباري .. شخصية فريدة من نوعها وقد لا تتكرر فهو عاش وتعايش مع كلمة يكتبها لذا فهو يكتب بكل أحاسيسه ومشاعره كيف لا وقد عاصر أكثر من نظام وعانى أشد المعاناة ودفع ثمن هويته الكردية مع إخلاصه لوطنه وشعبه . قد لا يفهم ذلك الا من صاحب ورافق الأخ عبد الكريم .. فهو رجل صاحب مبدأ وموقف له نظرة معتدلة بعيدة عن التطرف بكل أشكاله ، كما له بعد نظر في تقدير الأمور وكانت معظم توقعاته تأتي بمحلها في كثير من الأمور السياسية .. وهذا غيض من فيض فلا يمكن ان أعطيه حقه بهذه السطور البسيطة ولكن هذا جزء يسير من شخصيته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.