د. فاروق أوهان : مراثي بني غامد وزهران (رواية بأسلوب التداعي والتخاطر)

10farooq aohan 7

في صباح اليوم التالي نزل ابن عازب إلى البئر متعلقاً بكماشـة حديدية، مثل مرساة النجاة، ثُبتت طرفها الأول بجذع شجرة لوز، وقد لُفت حبالها المنسوجة من ليف النخيل، عدة مرات حول شجرة اللوز، وطرفها الآخر، حول جذع ابن عازب، فتقاطعت الحبال في الوسط، وعند الصدر حتى تدلت أطـراف الحبـال من الجهة الثانية، كأنشوطة متعددة الرؤوس، تحمل كل منها كماشات مختلفة الأحجام، والأغراض، والأفعال أهمها ما هو لغرض ربط الغريق، وبين شجرة اللوز وابن عازب حبل مزدوج، غليظ طويل يمر حول بكرة معلقة، بصقالة ثبتت فوق فتحة البئر كانت تستعمل في بعض الأحيان في اليازرة “الجازرة” في مناطق غير مأهولة الآن، جدباء إلا من آبار كهذه، يستقي منها البدو، والعبارة، ويترحمون على حافريها، أما الآن فقد امتلكوا آباراً من نوع آخر، سوف تفيض بسائل محترق، يُغني المستثمر الغاصب، يشعل بناره قلـوب الأخوة فيصبحون أعداء ألداء. يضحك منهم القريب، والمعتدي فيركعون له بعد طول انتظار، ويركعون وراء عظام رفضوا لحمها أيام كانوا أخوان تحت سقف واحد، هذا الدرس سرّبه العنقودي في أذن يوسف رزقالله.
وعندما بدأ الأشـخاص بإشـراف ابن سيحان، تحريك عتلات الصقالة فوق البئر، هبط ابن عازب دون مساعدة أحد. فقام بسند قدميه بكل ثقة، إلى حافات الحجارة البارزة من إطار البئر المسيج بهذه الحجارة. هذا ما رآه الجمع عند أول حركة نزول له، وتيقنوا أي حريف متمرس يرون، لكن ابن عازب يعرف تماماً ما سيلاقيه من تنوع عتبات البئر المهترئة داخله، ومن هواجس تذيب الفؤاد، عندما تبحث إحدى قدميه في العتمة عن موطئها، معلقة تدور في الفراغ كأنها مجس كائن حي لا حواس أخرى له، والقدم الثانية تعيا من ثقل الجسد، وتوتر العضل، وخوف في صدر ابن عازب من تشنج يحصل فجأة، فيسقط هاوياً بلا سابق إنذار، بينما يُسحب الحبل سريعاً فوق بكرة الصقالة، كأنه شلال من الطين الأحمر، وسيكون ابن عازب محظوظاً، لو أن أحد المتمرسين النابهين فوق، أسرع للامساك بالحبل، وإلا لارتطم جسده في الهوة، ولا أحد يدري ما المصير، أما وقد وجدت قدم ابن عازب التي تبحث كالمجس موطناً لها،  فإنها تتشبث حتى بما هو عالق بالحفر، أو نابت عليها. ورغم أن وضع القدم بحذاء يكون أسلم. لكن القدم الحافية تكون أكثر مهارة، وحرفية لا يقيها غـير أنابيب صوفية تحمي الأصابع من الداخل، وجوارب مفتوحة الطرفين للسيقان. ومع أن الحجارة البارزة على السطح قريبة من الفتحة العليا، لكن ملمسها يبدو لقدم ابن عازب جافاً تناثرت الأتربة حولها من الحرارة، والتعرض للريح. أما الملمس في غور الأعمـاق، فيعكس رطوبة، وأكثر تماسكاً. وبالتدريج كانت أصابع قدمي ابن عازب تتلمس تدرج الحجارة لا إرادياً، بالتناوب، وبتوجس العارف كان على ابن عازب التمسك بحبل الألياف القوية. بينما تحس أصابه قدميه رطوبة الجو شيئاً، فشيئاً، فبرزت هنا طحالب، ونباتات فاجأها انزلاق أقدام بشرية لم تمر عليها منذ زمن وهربت أكثر من حشرة، أو حيوان زاحف من الجلبة التي أحدثها هذا النزول المباغت، بعد أن بدأت تعتاد صوت المضخة التي أفزعتها منذ ليلة أمس، فهربت من الآفات مَن اسـتطاع وظل العاجز، والمقاتل المشاكس. ومع هذا التفكير هجمت فجأة على ابن عازب تلك الحادثة التي لم تزل عالقة بذهنه. حاول ابن عازب فيها المستحيل عندما سحب الجثة من البئر المهجورة، لأحد المنقذين، واسمه عائض معضد القحطاني. وقد عرف ابن عازب بتفاصيل الموضوع فيما بعد، من رواة عدة قام هو بتلخيصها بصيغة استمر يرويها لسنين عديدة، يبدأها بتمهيدات تتعلق بشحة الأمطار إذا ما تأخر المطر لذلك العام، أو بكثرته، ومخاطر النزول إلى الآبار، بعد جفاف الأمطار، فالمياه آسنة والأفاعي كثيرة، إذا ما زاد الخير لذلك العام، ثم يدخل للموضوع دون مقدمات بقوله: توقع معضد صياد الحمام، أنه في منطقة الثمامة، حمام كثير في تلك البئر، وكان متوقع أن عمق البئر خمسين متراً إلا أن تقديره لم يكن صحيحاً، يقال أن تلك البئر قد تكونت بفعل نجم سقط من السماء فأحدث هذه البئر العميقة التي نمت بمرور الزمن فيها الشجيرات العشبية العنيدة، وأعشـاش الطيـور، والحمام وفي الوقت نفسه مرتعاً للأفاعي، والثعابين. تطوع معضد بالنزول لتطفيش الحمام، بينما غطى فتحة البئر أصدقاءه بشبكة من أعلى لحصر سرب الحمام. وعندما وقف معضد فوق أول حجر، ومع طيران أول حمامة فوجئ الأصدقاء بارتباك في حاله الذي بدا كأنه يصارع شيئاً فتاكاً. تبين أنه ثعبان ضخم طوله أكثر من أربعة أمتار، هجم على معضد من جحره، فنط في وجهه مما أربكه وأرعبه، فزلقت قدماه ليسقط في البئر، متهاوياً إلى القاع، وهناك في القاع تلتقط جسده الثعابين، والأفاعي، والحيات التي يبدو أنها في اشتياق طال للدماء البشرية، لتطعم كل صل قفز من حولها، ولم تنفع معضد صرخات الاستغاثة التي دوّت في أعماق البئر. مما أجفل أصحابه فهربوا على الفور إلى القرية، ومباشرة إلى حيث دكاني، ورغم محاولاتي للإسراع في لمّ حاجاتي، لكن الوقت طـال تحت، والأصدقاء في حيرة موزعين بينه، وبين موقع البئر. وعندما نزلت لم أستطع التعمق كثيراً لضيق المسافة تحت، ومن الحركة هاجت الأفاعي كثيراً فهرب الأصدقاء، ومنهم المتطفلين، وعافوا الحبال معلقة، لأنهم تصوروا أن الأفاعي خرجت لتلحق بهم هم أصحاب المصيبة. وكان من مهماتي في حالات كهذه أن أرتدي ملابس خاصة، ولأن البئر بعيدة، وغير مأهولة، وحصل كل ذلك على عجل فإن أحداً لم ينتبه إلى ضرورة إحضار رافعة خاصة تعمل لإنزالي، وتصعيدي أنا والجثة. لذلك لم يكن لدي من خيار غير الحبال التي لجأت إليها فقط.
ويصف ابن عازب الموقف الرهيب التي واجهه ببشاعة، حيث كانت الرأس قد فُصلت عن الجسد، والدماء تصبغ بألوانها قاع البئر، والثعابين بأحجام متنوعة الحجم، والخطورة، تتصارع فيما بينها على الوليمة، لكي يفوز كل منها بأكبر حجم من الغنيمة. فقد تمزقت الأحشاء، وتناثرت أشلاء الجثة هنا، وهناك. ولم يستطع ابن عازب تمالك نفسه، فصرخ من هول المنظر الذي انتابه بشعور مخيف، يجمع بين القلق على حياته من خطورة هذه الثعابين، والشـفقة على معضد. فتكررت لأول مرة صرخته للاستجاد، ولكن دون جدوى، لأن لا أحد يسمع. وقد قرر ابن عازب أن لا يخرج إلا بجثة معضد معه، لتواريه أمه الثكلى، فقد اجـتمعت كافة المشاعر الإنسانية في قلبه، وكان ابن عازب يتمنى إنقاذ حياة معضد منذ البداية، لكن وصوله للبئر كان متأخراً. وفي الصمت لم يكن يسمع سوى فحـيح الأفاعي، وهذا معناه الموت كيف لا ورائحة الموت تنتشر من جثة معضد. ولأول مرة صار ابن عازب يصارع الأفاعي المستفزة. وهنا بدأت معركته مع الثعابين التي التفت حوله، فقد هاجمه الثعبان الأول، ولكن ابن عازب قتله بشجاعة، وجرأة، ونوع من التحايل الموصوف بالمنطقة بالدغيلة. وما إن انتهى من الأول حتى هاجمه الثاني الذي يبدو ذكر الحية التي قتلها. ومن خوفه على حياته قتل ابن عازب الثعبان الثاني. وبسرعة البرق احتضن الباقي من جثة معضد ليخرج رأسه الذي تهشم. وقام بتربيطه بالحبال، والأفاعي تحيطه بفحيحها، وتحفزها. ويبدو أيضاً أنها هي الأخرى بعد قتل الزوج بدأت تحافظ على ثنائياتها. فاستقر الوضع على ذلك الحال.
ولا يدري ابن عازب كيف خرجا معاً، هو وجثة معضد. وعند فوهة البئر كان الثعبان الكبـير مسبب الحادث ينتظر صيده، فاستقبلهما بهجمة قسمت الجثة إلى شطرين، وبدأ صراع ابن عازب من جديد، وهو بين الأرض والسماء، فالثعبان متشبث بجزء من الجثة، وابن عازب يجرها منه بيد، ويهز الحبل بيده الأخرى، يتعلق بعناده، بعد أن تمكن من غرز أكثر من أنشوطة في شجيرة متينة. وبقدرة قادر خرج، ولا يدري مصير الثعبان الذي تراجع إلى جحره بعد أن لملم جراحه، وأخذ له نصيب.
سرح ابن عازب في تخيلاته التي تساعده على الهدوء، واستقرار النفس من الهلع، فتبعده عن هواجس الخوف والقلق، إذا ما سيطرت عليه انتهى، فيقوم بأفعاله المهنية لا إرادياً، بينما ينشغل ذهنه بأمور جمالية أحياناً، وروحانية تتفاعل ذاته مع ذات كركريان في تخاطر عال التوقد، وخيالية لمرات. ويفكر ابن عازب بينه، وبين نفسه وهو متخيلاً جمعه لأشلاء جسد معضد، قطعة تلو الأخرى، بتلك القوى السحرية التي تمتلكها تلك الأجزاء روعة، وروحاً جمالية، كأنها إحدى مكونات الطبيعة الساحرة التي يجدها في البرية، وقد تشكلت من جراء فعل الرياح، والأمطار. ذلك التكيف في النباتات حسب بيئتها، جعلتها منحوتات رائعة، ويتذكر مقولات كركريان التي يشير فيها إلى أن لا أحد يتقنها حتى أمهر النحاتين، لكنها تبقى إحدى منجزات البيئة، لا يبالي بها المرء لكثرتها حوله، أما إذا ما فُصلت كل لحالها، ووضعت في إطار يحددها، ويفصلها عن غيرها، حينذاك تبرز جمالياتها.. هذا ما سحب ابن عازب للتفكير بأعضاء جسد الإنسان كل على انفراد فهذه الكف التي يراها مدمية  الآن هي شكل ناطق، يسحر من يراه حتى بهذا الانفصال، إن مجرد النظر إليها على انفراد، يجعل ابن عازب ينظر لقطعة رائعة الجمال بعيداً عن تلك المأسـاوية التي وزعت في أشلاء، خصوصاً انفراد السبابة، وكأنها سبابة في لوحة دافينشي بين آدم، وربه، هكذا سمع كركوريان القرش يحدثه عن الفنون العالمية. وهذه الرأس كم تخيلها كرأس النبي يحيى ابن زكريا، موضوعة على طبق فضي، بينما تألقت هالة نورانية من حوله تركته حرارة الدماء، وطيف الروح التي فاضت. ورغم أن كل هذا الذي يتداعى إليه ابن عازب، يثير في نفسه فزع كبير في داخله، لكن نفسه والوازع في داخله، بتأثير تخاطره مع كركريان القرش لا يتركانه من الانجراف وراء تخيلاته ومتابعته للوصف الجمالي، لأجزاء الجسد قطعة تلو الأخرى. يخشى أن يبوح بما داخله، لكي لا يوصف بالجنون، أو العبث بأرواح الموتى الهائمة، وغالباً إذا ما ألحت عليه الحاجة في التفكير، وهو من الحريصين على نقل كل ما يفكر به على لسانه، فقد تعود في حالات كهذه أن يغمغم بينه، وبين نفسه، ولا يجيب حتى ولو سئل عما يخاطره. بل ويبتكر قصة مغايرة على لسان رواة يبتكر لهم أسماءهم مثل هذه القصة التي يقول ابن عازب، في قرية العصاصة التي عرفت قبل قرنين من الزمن، يروي الشيخ أحمد جابر الزهراني أحد مشايخ القرية فيقول: لقد روى لنا أجدادنا إن أهل القرية كانوا ينعمون برغد العيش. وفي أحد الأيام أقام الأهالي زواجاً، وختاناً جماعيين كان من أحد تعابير الفرح، والابتهاج بهاتين المناسبتين أن قاموا بعمل حفرة طويلة كمجرى كبير شبيه بالمجرى المائي، أو كخندق فملأوه بحطب الغضا الدفين الحرارة، وعميقها وحرقوه حتى انتهى اللهب، وبقي الجمر، فقاموا بتغطيته بطبقات من سعف النخيل، ثم جمعوا أكوام من القمح كانوا قد عجنوه على هيئة أكلة شعبية معروفة آنذاك هي أكل القمح بالسمن، وماء الورد، والخل. وقاموا بصب السمن، والعسل في هذا المجرى، والذي يسمى بالفلج. لكنهم عندما شبعوا وبطروا. وبقي الكثير من الزاد، فعبث الأطفال به. وكان إلى هذا الحد معقول أن يقوم الأهل بنهرهم، لكن الكبار ابتكروا لعبة جديدة هي تصويب الأعـيرة النارية على الأكل الذي التمت عليه القطط، والطيور غاية الرماة قتل الحيوانات السابلة، وامتزجت الدماء من كل لون، حتى أصيب صبي من الصغار الذين كانوا يلهون بقرب الأكل، ويتبرزون فيه، فخر صريعاً، ولم يقم أحد بسحبه،  وإنقاذه ربما لأنه كان أحد أبناء الخدم. وفجأة هبت عاصفة زوبعة الدنيا هصور هزت، وأرعدت، وأمطرت، فطغت الفوضى، وغطت البساتين بمياه الأكل، والدماء. وفي الصباح كانت الآفات قد نشطت ليسري مرض معدي لم يعرفوا كنهه، ومات الجميع، إلا عجوزاً كانت تلك الليلة ترعى الماعز في الجبال، وفي طريقها إلى  القرية، عطلتها ناقتها، ربما لأنها شمت رائحة الكارثة، فحاولت تجنيب راكبتها الهول، وهو الشيء الذي عطّل العجوز إضافة لرائحة العفونة القاتلة، فوصلت بعد الفاجعة، فأفزعتها مناظر أسراب العقبان المتجمعة، وقد أعلمتها بأن كارثة قد حصلت فهربت من جديد إلى الجبل، وقضت هناك مدة شهرين تنتابها الهواجس، خصوصاً وإن أحداً لم يعاودها، فرجعت مع قطيعها فلم تجد من أهلها إلا هياكل عظمية، والريح تصفر بها، غُطي بعضها بالرمال. فهربت إلى المدينة، وقد صادف أحد الأيام أن ذهب أحد الجمالين لسوق المدينة،  وفجأة وجد المرأة العجوز، وكان يبيع القمح. سرعان ما عرفته ففزعت، واستفسرت من أين له هذا القمح. فعرفت أنه قادم من قرية محاذية لقرية العصاصة، وكان الرجل قد حصل عليه صدفة. وتساءل الجمال كيف عرفته العجوز فأخبرته بأن عليه أن يعود للقرية، فسوف يجد كنوزاً مخبأة في أرض تسمى الحطب، ويملكها حالياً أبناء قرية قرن التيس فقالت له: سوف تتعرف على مكان الكنز من خلال ثلاث مروات.
والمروات هي حصوات صغار بيضاء اللون موجودة بجانبه الكنز، وعندما عاد الجمال وجد الكنز واحتفظ به لنفسه، وعشيرته، أما في القرية نفسها فإنه يوجد تحت أنقاضها الكثير من المجوهرات. لكن من يستطيع الوصول إليه. إذ أن هناك حارس عبارة عن أفعوان طويل أسود، يزيد طوله على ثلاثة كيلو مترات يقع الكنز تحت وسطه، ويقـع رأس هذا الكنز في القرية الثانية، وتبعد القرية حوالي كيلومترً واحدً. وذيل الثعبان في جبل يسمى الطوطن، ويبعد عن قرية العصاصة حوالي كيلو مترين. ولا يستطيع أحد الاقتراب بغرض استخراج هذا الكنز، ويروى أن عبد لعائلة الجدار كان يعرف موقع الكنز فجاءه أحد المارة، وسأله عن موقع الكنز فأجابه العبد قائلاً: إن مكانه هناك.
وأشار العبد إلى المكان بواسطة حجر صغير رماه باتجاه موقع الكنز. بعدها وقع العبد صريعاً، بعد نوبة صرع أصابته. وهنا فر الرجل السائل بعد أن علم بسر الكنز. وأن هناك جناً يقومون على حراسته.
ويضيف الشيخ أحمد جابر الزهراني قائلاً: حدث ذات يوم أن قام أحد أبناء قرية التيس، بحرث أرضه، الواقعة بالقرب من حدود هذه القرية، وفجأة خطى أحد الثيران حدود الأرض، ودخل الأرض الحرام فغاصت طرفان الخلفيتان في الأرض. وقد بذل صاحبه جهوداً مضنية من أجل تخليص ثوره. وبعد جهد تمكن من تخليصه. وقد فسر ذلك بأن الثور حرث في موقع الكنز فكانت تلك عاقبته، وهي إنذار لغيره من سوء  العاقبة، نقض ابن عازب تداعياته هذه وهمّ في النزول، وهو يتابع تحديقه بكل ما حوله، ويتفرس في الموجودات لعله يرى إلى ما يمكن أن يكون مزغل نفذ منه عاثر.
وعلى سطح الأرض، فوق كان الأصحاب يغذون البئر بأمتار الحبال التي تبتلعها فم البئر، كأنها قد استحالت إلى فم ابن عازب الفارغة، لا تشبع من اللقمة إلا إذا دخلت اليد حتى إلى كـوعه، ولا يمكن للناظر تصديق أن هذه الفوهة الضيقة تأكل كل هذه الكمية من الحبال. ولم يقدر الناظر أيضاً. كيف تمكن حافروا هذه البئر، والآبار الأخرى من صنع هذا الأثر. كأنهم يثقبون نفقاً في جبل صخرية. فمن أين لهم بذلك الصبر، وتلك الأناة للحفر، وحمل الأتربة إلى الخارج، في كل مرة، وبنفس مقياس العمق الذي نزلوا إليه لعله العطش. وفكر بُراق كم أدى العطش إلى مواقف شريرة، وأخرى إلى خير البشر، فلولا العطش لما حفرت القنوات، والآبار، والأفـلاج، وكم من العداوات نشأت.
إن بُراق الذي لم يفطن إلى كل هذه الأمور وقتها، ولأنه ليس بحاضر الآن. لاضطراره إعطاء حصصه المدرسية. فقد استوقفته التداعيات، ربما لأن لها علاقة بنوع من أنواع التخاطر، ولكن بمن؟ ربما بفعل وعقل ابن عازب الذي يتفاعل الآن مع الحياة والموت بحس مرهف. ونفس تواقة للتعلق بأية نأمة تشغله عما هو فيه. إن بُراق، ربما هو الوحيد الذي استجاب لنداءت الاستغاثة الحسية عند ابن عازب غير منتبه ولامتقصد، ولكن بذلك الهاجس الداخلي، والفضول الفطري في التعرف على الأشـياء، بالتداعي غير الواعي، وربما لم يحصل هذا أيضاً لدى ابن عازب في الأوضاع العادية، لكن اشتراك الكل بالتفكير في النزول إلى البئر ومشاهدة الجثة، وما آلت إليه. ولعل غايته من تمني مشاهدة الجثة، أو عزمه على التركيز في إنهاء مشكلة الجثة. هذه الحالة يمكن أن تخلّف حالة تفكير مشتركة عامة، تساعد على سرعة التخاطر، وتشابه التفكير إلى حد التطابق، وهما الأمـران اللذين جعلا ابن عازب يستغيث بمن يرسل له هذا التخاطر البريء من غير الحصول على مردود فيما بعد. ويرجع الأمر أيضاً إلى الليلة السابقة لنزوله، وحتى إلى تلك الساعات التي تناوم فيها، أمام البئر لكي يتابع أحلامه المزعجة، فقـد حلم ليلتها بكوابيس مزعجة، ومريرة امتزجت بمادة من الواقع المعاش، وبما سمعه عن عالم الأعماق، وما فيه من آفات. إن ابن عازب كان يعيد في ساعات ضيقه، وقبل اهتدائه إلى  بُراق، أن يطير إلى أفئدة الصغار، والنساء الضعيفات في أحـلامهم ففي هشاشتها ما يساعده على التناغم، وهذه الأحياء التي لا يتعرف عليها بالضبط، وإنما تساعده لكي تكون مراسلته لما يريد ترحيل رسائله، أو حملها. ففي إحدى المرات يستنتج ابن عازب من حلم فتاة صغيرة كانت تعاني من خوف شديد في صحوها من أي ثقب تراه، وخاصة عند غروب الشمس.
حلم ابن عازب ساعتها بالفتاة، التي حدثته عن ذكرياتها، وبخاصة حادثة سقوطها في هوة في البستان، وكانت الهوة عميقة لا تستطيع إيصال صوتها إلى أختها التي كانت تستقي من البئر، ولولا الفتيات الأخريات لما استطاعت الخروج منها بسرعة. ولم يكن خوفها من ألم السقوط بقدر ما كان من الظلام الذي سيحل قريباً مع هبوط الليل، ومن تصور هجوم آفة في أية لحظة.
ويدخل ابن عازب مرة في حلم يقظة، وهو عن جدة تتذكر حادثة المرأة التي عاد بها أهلها من المقبرة بعد أن ذهبوا بها ميتة ليدفنوها. وكان ذلك من جراء لدغة عقرب، فقد علقـت العقـرب بثوبها ولدغتها وراء العنق، ولم تشعر وقتها لكن ازدياد سوء حالتها لعدم توفر العلاج ولبعد بيتها عن جيران لها فلم تشـعر إلا، والخدر يأكلها. ونامت نومة الموتى، وعندما حضر الأب من البستان، وجد الأولاد يبكون حول جثة الأم، ويشتكون له، لأن أمهم لم تقم من نومها على نداءاتهم. وأيقن الزوج بأن زوجته قد ماتت، وعندما جاءت الجدة لتعزيهم أصرت على رؤية المرأة، فعرفت من ألوان الوجه أنها ملدوغة فرفعت قدمي الضحية، ليصيرا بمستوى الصدر، والرأس في موضع منحدر يساعدها على انسياب الدم. وقامت الجدة بضرب الجسم في مواضع معينة لتنشـيط الدورة الدموية، وفركت مكان اللدغة بالملح، ودهنت الجسم بماء الملح. ثم مصت السمّ من مكان اللدغة، ولم يشعر أحد بأن الميتة قد عادت لتتنفس، إلا الجدة، فلم يصدقوها فرفعوها على النعش، وإلى المقبرة مباشرة لكن المرأة صاحت عندما أرادوا إنزالها إلى القبر فجفل الكل، فرموا النعش وهربوا. وكانت الجدة قريبة منها فساعدتها. وقد طلبت المرأة جرعة ماء كان على الجدة أن تهرع لتأخذها من دلو بئر قريبة، لكنها لم تنس أن أعطتها سويق، وهو خلطة من طحين محمص مع مسحوق ثمرة الخشخاش، المسمى بالبجنجل وسكر نبات، وحرمل، ومرّة. مما تحمله من خلطة للاستفراغ، ففرغت المرأة ما في معدتها، وشيئاً، فشيئاً عاد الناس، واحتضنت الأم أولادها، وعادوا سوية كأنهم كانوا في نزهة، عبر آفاق متعددة الأبعاد، والألوان، لا يفصل بينها، سوى خيوط دقيقة من إشعاعات الأمل، بين النجاة والهروب، بين الهلع والقنوط، بين الولع والوجد، إنها رحلة هام بها الأولاد والأب قبل الآخرين، ومنهم الجدة، والأم على محور تعّلق كل منهم بجانب الجدة التي بدأت بمعالجة الجسد لتحميه من غياهب ظلام السموم التي فرضتها على دماء، وأعصاب الأم، فتتمسك بزعانف روحها التي تنزع للهروب بلزوجة سمكة، فتتمسك الأم بزعانف روحها، بأظافر معنوياتها التي لا تسمح لنفسها أن تهرب عن روحها الهائمة، وتلمح الأم بين رمشة وأخرى عيون أولادها الباكية بشفاه تهتف بأن عودي أيتها الأم الرؤوم، فتتوثق أخيراً بخيوط الإرادة، لتعيد روحها الهاربة إليها، لكي تتوحد بجسدها الذي بدأ أكثر صحوة بعد عملية الاستفراغ، وشرب حليب النوق، والماء، وما أن علت الابتسامة على وجه الأم حتى سارع الأولاد والأب لاحتضان أمهم، وقام الأب يدعوا للجدة بطول العمر، ويؤنب نفسه لأنه لم يستمع لما قالته، ولولا حرصها لكانت أم أولاده قد دفنت حية. وبدأت الأم  تحكي لهم ما جرى لها منذ أن لدغتها العقرب، وحتى عودتها، بدأت برواية ما مرّ بها من حالة، ثم انتقلت لرحلة يومين مع سموم العقرب، فسردت معاناتها ليومين عندما ابتدأت أنامل يديها، ورجليها تخدر، ودب كسل مخدر في جسدها، مما جعلها غير مبالية بما حولها، ومن ثمة وجدت نفسها في وليمة يدعوها صاحب الارض للعشاء الأخير، هذا العشاء فيه كل الأطايب مما لم تذقه في حياتها، أكاسير من رحيق زهور فردوسية، لكن نفسها أبت أن تتناول أي شيء، فترى نفسها هاربة من جسدها، وروحها تلحق بها في دوامة لا يصل أحدهم إلى الآخر، وغام كل شيء، وذهبت في سديم مظلم عميق، غارت بجُل كيانها فيه، وصار ما حولها من أصوات، وأضواء ليس أكثر من خيلات، حتى بدأ مفعول خلطة الجدة يسري في دمائها، وتنتهي الجدة من سرد روايتها، فتطلب جرعة حليب نوق لخشيتها من أن يكون عقرباً قد مرّ بقربها.
اجتمعت كل هذه الأحلام على خيط واحد مربوط بابن عازب، كل منهم يتصور نفسه مكان ابن عازب، أو مكانه بنفسه. لكن بُراق قاوم كل ذلك عمداً، لكي يستثمر حلمه المهم إلى حلم يقظة يوظفه في فنه، وقد تذكر فقط إن ما حصل يستحق كل من تشغله الحادثة. أن يتقصى مدى ما وصلت إليه الأمور وهذا ما حصل الآن مع بُراق فها هو الآن يفكر وهو أمام طلابه، بأنه من الممكن أن يكون ابن عازب نفسه قد انزلق إلى جوف البئر، كما تنزلق الأفعى داخل جحرها مهما كان ملتوياً، أو كما تنزلق القطارات في أنفاق تحت الأرض، ولعل حسن التشبيه الذي توصل إليه بُراق إلى أن الانزلاق في البئر كان كالانزلاق في الحلم، بكل محاذيره، وهفواته. وتذكر بُراق أكثر من شكل لهذه الانزلاقات الحلمية . لكن ذكرياته عجلت بمقارنات لآبار خطفتها مخيلته الآن، كأنها مفـاتيح جاهزة لتحفيز الذاكرة، لم تتقيد بوقت، أو مكان، وترتيب إنه يتذكر من خلالها مغزى أن يستحم الناس بالبيض بدلاً من الصابون. فهل هي حكمة أدت فعلاً لاكتشاف الصـابون، والشامبو فيما بعد؟ أم أن الصابون الاعتيادي، لا يمكن أن يرغي بماء مرّ؟ أم أن بياض البيض، نفسه يحوي على مواد تتفاعل مع الماء المر لكي ينتج رغوة مناسبة. وفجأة تراءت لناظر بُراق صورة البئر العريضة الفوهة في قرية تل الفيل، لعله سمي بالفيل لأن كل الحبال تدخل وتخرج منه مثل الخراطيم. وأراد بُراق أن يوحي لطلابه بأن يكون درس الرسم لهذا اليوم عن الآبار. غير أن ذلك كان قد حصل في بداية السنة، ولم تكن التجربة ناجحة بالنسبة للطـلاب، لعدم تقديم ما هو موجب لتسويغ أهمية رسم الآبار كأية حالة ممكن أن تجذب مدرس لتحبيبها للطلاب، وجلب أمثلة فاعلة، ولكن من أين له في ذلك الوقت من أن يقوم بتخيل أمور قد يفسرها الطلاب وقتها بسوء، أو بتشاؤم. لهذا لم تستحثه تلك الآبار إلى هذه التداعيات وقتها على الرغم من إنه كان سيوحي لطلابه بخيال أرحب في الرسم، خصوصاً إذا ما وصـف لهم نساء بلاده وهن يستقين من البئر الكبيرة في قرية تل الفيل، على أنها إحدى الصور الواقعية الموصوفة لآبار هذه البلدة. لكن من كان يضمن السلامة، وحسن التفسير، لو تجاسر أحد الطلاب وروى لأهله ما درسهم إياه مدرس الرسم، لكن هيهات له، فقد كان وقتها لا يستطيع التملص، لأنه ببساطة لا يعرف حتى نوع الأحجار التي تسور بها حافات الآبار هنا، ولا كيف حزت الحبال صخورها. كما فعلت في المرمر على حافات البئر الكبيرة في قرية تل الفيل في بلاده. أما مشاعر الخوف من التطلع إلى أسفل، ورؤية الحمائم الفزعة من صوت طرطشة المياه المسكوبة من الدلاء المطاطية الصاعدة، وقد خرجت محاذرة من أعشاش على حوافِ البئر. فإن ذلك كله يدعوه للتفكير في حادثة الأفاعي لنفس ما تذكره ابن عازب، ولكن بلون، ومذاق، وخيال آخر.
وفي المدرسة أيضاً كان أحمد الكافي معاون المدير، عاجزاً عن ضبط نفسه. وهو يحاول ضبط نظام الحصص، والفرص، لأنه مشغول البال حاضر بجسده، محاصر بين جدران المدرسة. غائب يتصور الأحداث هناك بعيداً عند البئر. ويرتب صور الأحداث كل مرة بتسلسـل لا يرضاه. فيعيد الكرة ناسياً أنه قد ابتكر رواية هذا اليوم التي بدأ بسـردها على نفسه كتجربة لكنه عندما حاول إلقاءها على الأشخاص. لم يجد من يستمع إليه، ففكر في طلاب المدرسة لعله يجد فيهم ضالته، وتخيل منظر نفسه وهو يعتلي منبر تحية العلم ليسرد ما حلى له على هواه لكن الكلمات لم تترتب كما أرادها. ومعاني الموضوع تاهت إلى موضوع عن الجغرافياً. إن سعي أحمد الكافي كان جاهداً لرواية ما جرى ليلة أمس عند البئر. لكن يبدو أن الطلاب أنفسهم قد سمعوا كل ما حدث. حتى قبل أن يناموا ليلتهم. وفجأة قفزت إلى مخيلته، خيوط حلمه المقيت مع ابن عازب في البئر. وتشاءم من مسألة سرده، وهرع إلى بيت الأدب لكي يروي ما رآه، وليعيد الخيوط المتقطعة من ذلك الحلم. كل ما يذكره هو منظر الأشلاء، وبقع الدم هنا وهناك ملطخة في كل مكان، وبخاصة جدران البئر كأنها لوحات الأستاذ كركريان التي لا يفقه منها شيء، يفاجئ الكافي بُراق برؤيتها، أما لوحات بُراق فهي أقرب إليه، تلك اللوحات التي يفاجئه بها، قبل أن يسرع إلى إخفائها عن ناظر المتلصصيـن. لوحات كلها ألوان تختلط فيها المساحات كأنها مكان مرت عليه معارك قبلية، ولم تبق وراءها غير الحريق، والدماء، وبقايا دخان ورماد، وحطام لبيوت كانت، والريح لا تعبأ بشيء، لا تتوقف عن مزاحها الساخر حتى في هذه اللحظات. وحسد ابن الكافي، ابن سيحان على مهنته التي يقوم بها الآن، لأنه أول من تخلص من دوام المدرسة. وثانياً فإنه يحضر كل الفعاليات عند البئر. يرى ما يجري أمامه مشـخصاً. وفكر ابن الكافي للحظة في مصير أتعاب ابن سيحان، وأتعاب ابن عازب. فهما الاثنان قد تورطا معاً في مجهود لا  ثمن مدفوع وراءه. وضحك في سرّه متشفياً بهما.
كان ابن عازب، رغم كل شيء، مستأنساً بعمله، يحصي في كل دفعة قدم إلى أسفل في مهمته الجديدة. وما يدور حوله في العتمة. وكأنه يجوس عوالم أخرى، أو كأنه انتقل بكله إلى سموات العوالم السبعة التي ظل يسمع عنها كلما اشتدت العتمة. وأصبح مصدر الضوء لديه لا يعدو أكثر من دائرة صغيرة، تبدو كوجه القمر البعيد. وضعفت ضوضاء الأصوات من فوق، حتى بدت تتلاشى. بينما بدأ يحس أصوات العالم الباطني لجوف الأرض، أُم الحياة هذه. كم خاف من صوت قرقرت معدته الذي تردد صداه حوله في البداية. وتخيل أن هذا الصوت، قد أقلق راحة الكثير من الأحياء هنا في القعر، أحياء. أو لا إنس فكر بها بسرعة، ثم بسمل بسره على عجل، وهو يهبط فارتفعت في داخله قوة جديدة دفعته إلى أسفل بعزم أكبر. لكن الأحياء اللا إنسية هنا قد ضحكت كثيراً مما جال بخاطر ابن عازب. وحرصت ألا تؤذيه، لأنها تعرفه، وتحترم قواه، وتعرف والده بكونهما أصحاب مهنة شريفة لا يتعدون لا على الأنس، ولا على محرمات الجان، خصوصاً وإن عناصرها من الخيرين الذين تغلبوا بالاقتراع العلني البرلماني السريع على عناصر مجتمع البئر اللا إنسي من الشريرين. فقرروا أن يمارسوا فعالياتهم المعتـادة، دون أن يشعر بها ابن عازب، هذا الذي جاء ليخترق فجأة مراسيم زواج الميرة ابنة المير الكبير، على حبيبها القادم من بئر، منطقة الأقدام الجنوبية اليمنى. وبعد مسيرة أشهر بئرية على ظهور قوافل النمل الأخضر. هو، وجهاز العروس، بأربعين ألف دابة من النمل الأخضر، كل منها تحمل رأس دبوس من مجوهرات لم يتعرف عليها بنو البشر الإنسي حتى الآن. وبعد ليلة الحناء في حمام السراي الكبيرة سوف يرحل العريس، وعروسه إلى بئر منطقة جبال الخاصرة اليمنى، لإكمال مراسـيم الزواج هناك عند أهل العريس. أما شهر العسل فسوف يكون بعد الوصول، وإكمال شهر من الدق على النقارة الموصلية، والدفوف، والزرنا الأيزيدية السنجارية. بينما على المحتفلين من الراقصين، والمتفرجين أن يشربوا من حليب السباع الأبيض، عرق التمر الزحـلاوي. ولكي يكتمل شهر العسل في حينه، فإن على العروسين أن يطيرا على جنـاح ملكة النحل إلى إمارة النجوع، حيث معبد مراسيم طقوس الزفاف لكل عروسين جدد من العامة، تبرع بدفع تكاليفها أهل العريس الأمير، وهذا ما رتبه أعضاء لجنة التشـريفات، ومتعهد حفلات الزفاف للعشيرة الجنية. لهذا لم يبالوا بهذا الصديق الدخيل، الذي لن يطول زمن مكوثه أكثر من ليلة إنسية، في الوقت الذي يكون موكب النمـل الأخضر في بداية مسيرته، لهذا لا ضير أبداً، وإذا ما احتاج الأمر، فإن تدابير تغليف مكان ابن العازب، وتغليف أفعاله ستكون واحدة من الزينات المناسبة لعرس أهالي الشمال. ربما سوف يستغربون من أعجوبة التعامل مع إنسي ليقوم بإحياء فعالية في عرس لا إنسي.
إن الدليل الذي يستعين به ابن عازب في مساره الآن هو تلك البقعة الضيقة من الضوء، والتي كثيراً ما تحجبها ظـلال أيديه المعلقة فوق رأسه. وأيضاً تلك التلقائية في تصرفه. فحاول جاهداً أن لا يفكر بما سيلي، ولا بما حوله، لأن رعشة مخيفة سوف تعتريه، خصوصاً عندما يتخيل أن أصواتاً لغناء شجي الألحان، وإيقاعات لرقص تتناهى إليه. وضحكات مرحة تدور في هذا الفراغ المظلم الذي يصعب على ابن عازب تخيل مداه البعيد الآن. فقد يكون أقرب من أذنه إلى أنفه، أو أبعد من حاجبه عن عينه، أو يبعد بآلاف الفراسخ. لكنه يتوه، فيبرر عمداً بأن ذلك ربما هو من رعشة الشـيخوخة، وطول مدة البطالة. فقد مضى زمن طويل على ابن عازب، لم يقم بمجازفة مثل هذه،  لهذا ركز ابن عازب انتباهه على الصدى الذي يعود إليه عن كل سقوط حجرة صغيرة إلى تحت، وحركة الرمال المتساقطة.
وتحاشى ابن عازب أن يصدر أصواتاً لسعاله، أو غنائه الخفي. وهما فعلان من أدوات الفرد المتوحد لقياس قوته النفسية الداخلية. وهل يمكن له أن يصمد وحيداً؟ إن صوته المتردد في الخارج، والصدى الراجع، يعيدان إليه ذلك الحس الجماعي في الشجاعة. لكن ابن عازب لا يبغي الآن أكثر من سماع اخـتلاف أصوات أحجام، وأوزان الحجارة الساقطة. وذلك من أجل قياس المسافة أولاً. ولقياس نغمات التردد بين الحجم والمسافة من جهة، والكتلة والمسافة ثانياً. لم تكن تفهم كتعبير معلوم، إنما حدسه بفطرته. ولم يستطع ابن عازب التعبير عن وصفها مرة، لمدرس الفيزياء محمد مسعد لكن هذا أعادها بمفردات هندسية على المجموعة المنصتة.
وتذكر ابن عازب في هذا الخضم كلمات مسعد المنمقة، غير أنه لم يكن ليحفظها، إنما تذكر ما يترادف مع المفردات العامية فقط، الصدى، والعمق، والصوت. أما غيرها فلا تبدو له مهمة، بقدر ما يهمه حس البعد آنياً. وتذكر ابن عازب أيضاً إحدى المرات التي نزل فيها بئر، كانت تستقي منها امرأة ابن سارح قبل عشر سنوات. فسقطت لتهاونها في مد الحبل وإرخائه، لأنها كانت تدعي بأنها أمهر النسوة في الاستسقاء، لا لشيء إلا لأن البئر كائنة في حوشـهم الكبـيرة، والنسوة الأخريات يأتين إليها من الخارج. وكم أغمضت عينيها وهي تتناول الدلو، لترسله بعيداً في أغوار البئر. وتتناول الدلو الطافحة بلا مبالاة. وهي متلهية في إرضاع الصغير، أو حلب ناقة، أو تحريك قدر، وغالباً ما يفلت الحبل من يدها لاختلاف بعدها عن البئر فلا تغضـب، ولا ترتعب، وإنما تعيد الكرة لأن لا أحد ينتظرها من النسوة في الدور على الاستقاء. ولا هي مضطرة لأخذ الماء بعيداً إلى بيتها. وكم غالبها النعاس في بعض المرات، لكنها تصر أن تجهّز لها شيء لتأكله قبل الذهاب للنوم، رغم نداءات ابن سارح المتكررة. ولسوء حظها في ذلك اليوم الذي سقطت فيه، أن ابن سارح كان قد غط في شخير طويل. ربما لملله من دعوتها. وربما لتعوده على ما تقوم به. ومن جهة أخرى فإن سقوط زوجته لم يكن له ردة فعل قوية منها، على الأقل من فوق، لأنها كانت نصف نائمة. ولم تحس بالكارثة إلا عندما استقرت تحت. فداهمها الهلع، وملت من الصراخ، والاستنجاد حتى غفت ثانية تحت. ولم تدرِ كيف؟ وأين هي مستقرة؟ ولا ما هو حولها؟ فقد جمدت كل حواسها، لأنها تخشى تصديق ما هي عليه. لعلها تتمناه حلماً، فيا لها من سمعة ستتفشى بين النساء اللواتي كانت تتباهى بينهن. وبقيت هكذا لا تعرف مستقر لها، ولما عجزت أيديها من التعلق بشيء، انتبهت إلى أقدامها. وحمدت ربها بأنها غير مبتلة، لكن حركة الماء حولها أشعرتها بأنها في القعر، ولكن أين؟ لا تدري، إنما الذي يعزيها، أن نسمات من الهواء الباردة تهب عليها، غير أنها نسمات ليست آمنة. هذا ما قصته وأعادته مسرورة زوجة ابن سارح. بعد أن أخرجها ابن عازب. وكان قد فوجئ بابن سارح، يوقظه قبل صلاة الفجر ويستعجله. ولم يدر كيف وجد نفسه تحت في قاع البئر، لعل صوت مسـرورة هو الذي كان يأتيه كالسحر. كذلك تلك الهمة التي تعتريه في إنقاذ غريق يستنجد، هما الدافعين اللذين عجلا في نزوله السريع. وربما الضوء الذي بدأ ينتشر عند الفجر. والهدوء الذي شمل الدنيا، إنسها، وجانها. ورغم أنها كانت عملية شاقة، ليس مجهوداً. ولكن بالفاجعة المتصورة. فتحته إنسان فقد كل الثقة فيما حوله. فالظلام الذي ظلت تعاني مسرورة منه حولها، أشعرها بأن ما حولها لا يعدو، إلا آفات قاتلة. ظلت تحك جسدها على أثره، وتتلفت مذعورة مهوسة. لا يستقر لها قرار، حتى لامست يداها قدمي ابن عازب، ويبدو أن الإلهام النقي قد تجاوز كل حدود الطبيعة، فرفت في الظـلام الدامس روحيهما، تغلي حواسـهما، هذه روح مسرورة تبحث عن منقذ، وتلك روح ابن عازب تبحث عن الُمنقَذ. فعاد لمسرورة ومنذ اللحظات الأولى استقرارها النفسي، والهدوء. رغم عدم تصديقها الأولي. لكن وكما يبدو أن الغريق تكفيه قشة لكـي يتعلق بها. ومن يومها لم تقترب مسرورة من البئر. لا صاحية، ولا غافية. لا نائمة، ولا حالمة. كلا، كلا. أما حالمة فكثيراً ما ترى الأعماق رهيبة. ومن يومها صار ابن سارح المستسقي بدلاً عن زوجته. ولكن قبل حلول الفجر لكي لا يراه أحد ويعيب عليه حاله، فليس من شيمة الرجال هنا الاستقاء من بئر حتى ولو كانت في داره.
بدا ابن عازب، وهو على حالة من البحث والتقصي عن عاثر الهامي، أو الهيمان، يعتيره التوجس على كل من هو فوق. بما فيهم مختار قرية الرأس. قد بدوا جميعاً متوحدين في الظاهر. لكن شيئاً ما قد عصـف بهم من الداخل. وكل على سجيته. فمختار قرية الرأس، ابن زاحم الكبـير حن لأيامه الخوالي، فقد كان متخلي عن المسؤولية. يسترخي تحت شجرة لوز، ويغفو إغفاءة القيلولة، لا شيء يهمه من أمور الدنيا ما دام أباه هو المختار، ولا شاغل يشغله إلا تصيد الغافلات من البنات الحسان، أو الفائرات، أو الطامعات  ممن يذهبن إلى البئر، أو المزارع، وهن ينظرن إليه على أنه المختار القادم، وإن من تناله ستكون زوجة المختار المقبل. ومختارة المجتمع النسوي. وابن زاحم الكبير يحاول من جانبه أن يضع بالميزان من منهن أجمل . ومن منهن تكون خليلته الآن. ومن منهن زوجة المستقبل، لذلك جعل جهده المبدئي في الغزل، واللهو العام وترك القـرار لوالده. ولم يكن ليختار المختارية أبداً، لولا تقاليد الوراثة في المختارية. ولولا الوجاهة وقليل من المال، لكان عمل المختار أسوأ عمل يجمد الإنسان، فكل حركة محسوبة عليه. لذلك ضاعت فرص اللهو، والغزل، وأكل اللحم الني بالحرام. ولم تصمد أمامه، إلا الزوج المصـون التي شبهها بعد مرور خمسة أعوام، وأربع بنات، بالعومة اليومية مع العيش الرز. وحنّ كثيراً للخيانة، ولكن لا أحد من العازبات يرضين به الآن، بل هن يركضن وراء ابن أخيه الشاب الذي اتخذ من شجرة اللوز مقراً لجلساته اليومية. ما دام عمه ليس له إلا أربع بنات، ويخاف من ولادة خامسة تفقده أم البنات معها بالطلاق. وأبغض الشر في الشرع هو الطلاق. أما بنات الهوى من جيله فهن الآن زوجات، وأمهات، وربما حموات. خاط الشيب سوالفهن، وكم حنّ لغمزة من زهرة، وهو يراها تعجن الُقـرص. لكنه يراها في قوام ابنتها وردية عندما تستقي من البئر. كل ذلك تبخر ومعه أشياء جميلة أخرى كثيرة فحتى حقوله لم تعد تفيد. ويستغله ليس الفلاح الغريب، وإنما أيضاً الأخ الذي رضع من ثدي أمه. ما أحلاها من حياة حرة تتناسب فيها الرغبات مع الطموحات، ومقدرات الحياة، ومتطلباتها. هاهو الآن يقع في تجربة لا يمكنه أن يعرف لها نهاية.
أما ابن سيحان فلولا قصة حساباته مع المضخة لكان حاله الآن أحسن، بل لبدت عليه السعادة الكاملة، فبعد أيام يحضر دعوة ختـان ابن المختار حيث سيتم ختان الوليد في حضنه. ورغم الخسارة الظاهرة في تقديم الهدايا، فإن العطايا والمواقف المترتبة إيجابياً عليها. هي نوع آخر بعيد المدى على صعيد حساب الخسارة من الربح. ومن جانب آخر، فإن مجرد الحضور في ذلك الجمع للعشيرة سواء من بلدة الصدر، أو ممن اغتربوا في أطراف الدنيا، وممن توزعوا على خريطة أقاليم بلاد جبال الجسد في غامد وزهران. فإنه بالإضافة لذلك هناك اللحم بكافة أنواعه. وهكذا فإن ربطه هو ابن سيحان، بمعادلة حسابية تتعلق بأجور المضخة فيه نوع من ضياع الوقت، وخسارة غير متوقعة، وأذى جسدي وعقلي، لا نوم ولا راحة، ولا تفرّغ لرؤية الأولاد والزوجات.
ويبدو أن عمال المضخة الذين بدأوا الآن بالعمل على صقالة الحبال قد أحسوا من هذا الصمت القائم، والوجوم المستديم، وكأنها سمة النحس في ساعات الشـدة. فقد جرت كل منهم للتفكير بعمق معاناته هو الآخر. فمنهم من فكر في النقود، حاله حال ابن سيحان، ومنهم من فكر بأحوال الساهمين، من أمثال ابن زاحم الكبير وبعضهم ظل منشـغلاً بالتصنت لهمس أقدام ابن عازب. ومنهم من رحل مع نواياه، وأحاسيس قلبه. وبعضهم من توجس سوءً، وخاف أن تظهر فجأة جثة عاثر الهامي، فيصعق الجميع لمنظرها. وقد شوهتها آثار السقطة، ولوثتها المياه والأوحال. والبعض الآخر لم يشك بأن غولاً قد افترسه ومصّ دمه، أو جنية قد تزوجته، أو مارداً قد أسره.

11

أما عاثر الهامي نفسه، فإنه من تحليلات الساعين وراءه في الآبار، والفيافي، ومن افتراضاتهم، وتكهناتهم لما يجري. “وربما كان قريباً جداً منهم، ويسمع ما يدور، ويسخر. وينصت إلى ما في أعماق كل منهم، ويتأسى على أحوالهم”. إنه يعرف نوايا كل منهم، ويقيس الآن مدى استغلال البعض للآخر حينما تحل محنة في الأول، فينقاد صاغراً، ومن دون إرادته. وفكّر عاثر لو أنه بستطيع تنبيه عمه، لما انصاع إليه، وتوعيته للاستغلال الذي يجري حوله من ابن سيحان، أما مأمور المركز، فهو صياد الفرص، ومغتنمها،  سيأتي ليبتز الكل، وأولهم مختار قرية الرأس عم عاثر، فيمارس ساديته على الكل. وفكر عاثر في مبدأ التحذير بذاته، فتراجع عن نيته، لأنه لو فعل ذلك لأفسد كل شيء قبل رحيله النهائي عن عالم الغش، والرياء، وصمم أن يتدبر الأمر بالإيحاء لإبراهيم بما ينويه بحذر، وتكتم مناسبان، ولسوف يحسم الأمر قبل صعوده الجبل، والعبور إلى العالم الثاني، وهو الآخر سرُّ لا بد أن يُخفى على الكل.
إن عاثر الهامي عندما اختار هذا البئر بالذات كان يعرف بالضبط أية بئر هي، وما مواصفات اللجوء إليها فمنذ أن وعى إلى الدنيا سمع من عمه أسرار لا يعرفها أحد عن هذه البئر، جرب لمرات أن يختبرها لأوقات المحن، وكان عمه متحفظ هو الآخر في شرحه، ولكنه ينقـل ما سمعه عن وجود مخارج للبئر لجهات متعددة، قبل الوصول إلى القعر، وهي مبنية للتمويه عن الأعداء أيام المصائب، تبدأ بمداخل غير هامة، ولا ينتبه إليها حتى النابه، والمتمرس مثل ابن عازب لأنها مموهة بتقنية خاصة، تبدو كثغور، أو أبواب أوكار طيور، أو مثاوي الآفات. وكان لعاثر الحظ أن ينزل يوماً لرؤيتها، وتاه فعلاً، وفزع من الخوف عندما وصل قرب النهاية، ولم يجد أي شيء، خصوصاً وإن البئر تضيق لمرات، وتتسع فجأة مما يخيل لقليل التجربة أنها هي المداخل الموصوفة فيتيه. بينما المداخل قريبة من السطح لم تكن سوى مهاجع للزواحف التي تسرح على الأرض في النهار، وتبيت في مهاجع البئر في الليل. ولم يكن لعاثر أن يجدهـا بسهولة. من دون عمه، فعمه ليس من النوع المجازف، ولا هو بمجرب، أو من النازلين إلى أعماق الآبار، كان عمه يسمع من والده الذي هو جد عاثر نفسه عن عوالم الآبار السحرية، ومكامنها الخاصة بالتوحد، والتأمل، وعم عاثر ليس إلا شاباً يعرف أنه سيرث المختارية، فكان جلّ اهتمامه أن يلهو، لهو الشباب، ويعبث مع الفتيات، بغزل يتراوح بين البراءة مرة، والإيغال بالوصال لمرات، فلا أحد منهن سيجرؤ للنيل من سمعته ما دمن يتأملن بزواج  المختار المقبل، فأية فائدة سوف يجنيها عمه، لو نزل إلى أعماق بئر، أو حصل على طيور الحمائم، وهي سوف تأتيه هدية من صياديها، فهو طالما يلهو مع الزغاليل التي بين يديه، ويعبث معهن، ويداري الرمان الذي تحملنه على صدورهن، ليدع الآبار، والحمام الطائر لأهله من الصيادين، ويترك فن سبر أغوار الأعماق لغيره، فهي ليست إلا مهنة الخائبين من أمثال ابن عازب، وأأأه، ها هو عاثر ابن أخيه الأكبر مولع هو الآخر، ومهوس بالنزل إلى أعماق الآبار، وبخاصة تلك التي لم يطرقها أحد من قبل غير ابن عازب، وكأن بين الاثنين حلف على أمر لا يعرفه غيرهما.
إن عاثر قد فضل أن يكتشف البئر ذاتها بنفسه، فقد حصل ذلك مصادفة عندما عثرت قدمه بالفتحة التي أدخلها فيها ليصعد خائباً بما تخيله حصاة مصقولة نزعتها أصابع القدم، فاندفعت إلى داخل الغار، مما شجعه أن ينحني لينظر بحذر فيرى مزغل بحجم صدره، يتسع إلى ممر، يليه درجات، ثم بقايا حبال مرمية، ولما جاهد في النفوذ من المزغل، وجد أن الحبال مثبتة بمتانة على حافة هوة، فعرف أنها للنزول، ولم ير شيئاً إلا عندما اعتادت عيناه على الظلمة الجديدة. ومن شدة المفاجأة تراجع ليخرج بعد أن تأكد من إعادة التمويه من جديد، لأنه وجد أدوات عديدة للاستعمال والأكل، ومنها مخازن للغلال، ومذاود للدواب والماعز.
ولم تمض أيام حتى عاد لعاثر هاجسه من جديد، فكرر التجربة هذه المرة بكل جسارة، وقام لينزل مستعيناً بالحبال بعد أن تسلح بما يفيد لإبعاد المفاجئات. فوجد بقايا قديمة لما يؤكد له بأن هذه المزاغل لم يدخلها أحد منذ زمن بعيد، فـالأدوات المتروكة قد علتها طبقة سميكة من الأتربة، جرار من فخار، وسعف نخيل، وشعر ماعز، ورماد، وقود عتاد مستخدم، وذخيرة مهملة. ولم يحاول عاثر إضاعة الوقت فقد يستبطئه أهله، وقد يسرح قطيعه بعيداً، رغم أنه كان قد ترك علامة لكلابه قرب البئر فيها رائحته، لا يمكن لهم أن يغادروها بسـهولة، وسيقوم أحدهم بالحراسة هنا عند فوهة البئر، ويحاوط بقية الكلاب القطيع من جهاته الأربع. ومع هذا حاول عاثر استباق الزمن، فوجد درج جيد البناء، فنزله على مهل، ولم يتعثر رغم الظلمة. وفي أسفل وجد نفسه في مهب ريح رقيقة تنتابه من جهات ثـلاث، وكأنه يقـف في بؤرة تتلاقى فيها التيارات الثلاثة. وحالما استقرت به الحالة انتبه إلى بصيص ما تخيله نجمة في سماء معتمة، على يمينه. ولما أمعن النظر، خمن أنه نهاية مخرج، وما أن نظر للجهة المتوسطة المقابلـة له، فوجد نجمة أخرى تتلألأ في نهاية بعيدة تبدو كالنجمة المذنبة، ففرك عاثر عينيه، وعاد لينظر، فوجدها لا تختلف عن المخرج الأول الذي تخيله ومن ناحيته اليمنى، وما اختلافها سوى في الشكل، لهذا بادر الالتفـات إلى جهة نسمة التيار الثالثة من الجهة اليسرى فوجدها نجمة خماسية لم يطل عاثر الهـامي الوقوف فاتجه إليها مباشرة، يحث الخطى، ولكنه ما أن سار لعدة أمتار حتى اصطدمت رأسه بحافة الممر، وضاقت المسافة فاضطر إلى الانحناء. وبعدها للزحف، وبدأت أنفاسه تضيق، فصبر. لعله يحاول اختبار مقاومته، ولم يفكر في التراجع حتى ولو اختنق. ولكن المسافة تطول بينما تكبر النجمة لتبدو فتحة مزغل فينعشه الهواء النقي، هواء دافئ طمئن عاثر بأنها ستؤول إلى نهاية قريبة. وما كان لعاثر عندما وصل إلى نهايات الممر أن يرى إلا أعشاش صقور، وبواشق لم يشأ أن يزعجها، وقدر أن نهاية هذا الممر لا بد أن تكون على علو، وليست قريبة من السطح، فقفل راجعاً على عقبيه، وحينها تمكن أن يستدير لينظر إلى  المسافة التي كان في البداية يتصورها ألف ميل، لا تعدو سوى عشرات الأمتار. وفي ملتقى التيارات الثلاثة قرر أن يخرج لكي يعود فيما بعد لاختبار المزغلين الباقيين في الأيام المقبلة، وقد كان عاثر قبل نزوله بأيام قد استدرج ابن عازب إلى الحديث عن أسرار هذه الآبار، ولماذا يخشاها الناس، ويتحاشون الحديث عنها علنية وبحرية، بخاصة تلك التي نزلاها هو وابن عازب، وعرفا بعضاً من أسرارها، فقد أفاد ابن عازب نقلاً عن والده، أن هذه الآبار عدا عن كونها مصادر للمياه العذبة، إلا أنها كانت طرقاً سرية للآباء الأوائل متى ما اشتدت عليهم الأمور ضيقاً من حرب، أو حصار، فهذه الآبار ساعدتهم في أن يغيب مجموعة من الشبان من خلالها، وربما عوائل بأكملها، ونوه ابن عازب إلى غياب خالة عاثر الفجائي مع زوجها وأولادها، وكناتها، وأحفادها عندما حصل نزاع بين زوجها وأخوانه، أما أهمية هذه الآبار الكبرى فهي أن الأعداء كلما هجموا، وكادوا أن ينتصروا على مجموع بلدات، وقرى سنجق الجسد، كانت هذه الأبار ومزاغلها، مخابئ سرية لأهالينا، تخفيهم عن أعين المهاجمين، حتى يطمئن العدو، وفي الليل يباغته رجالنا، وينتصرون عليه. ويقال أن هناك العديد من هذه المزاغل السرية ترتبط بشبكة سرية من المواصلات التحتية، مما يسهل السفر الباطني بين عدة أقاليم بوقت أقصر في الأعماق المتصلة مع بعض.
بعد أسبوع من محاولة عاثر الثانية، أو أقل لم يصطبر على ما اكتشفه، ربما لم يكن هدفه السعي لمعرفة المنافذ بالقدر الذي أثاره الفضـول في معرفة ما يجري في العالم الباطن، وما يمكن أن يجده من كنوز قد تغنيه عن مهنة الرعي. هذا الفضول شجعه حتى على الغور في عوالم الجان، غير آبهاً فيما لو أصبح أسيراً لهم كما يسمع في القصص التي تشبعت بها ذهنيته، ولأنه يتعامل مع عالم الوحدانية، سماء وأرض، وخلوة طيلة الليل والنهار، لا رفيق غير الدواب من شتى الأنواع، فقـد اعتـاد هذه الحيـاة دون أن تثـيره، وتفزعه حتى ولو وجد عـوالم أخرى. تلك العوالم السرية لأهل هذه المنطقة القدامى، ليس بالضرورة أن يكون العالم الذي يسلكه ويعيشه الجان أنفسهم، وإنما لعالم الأفلاج مثلاً. ربما يجد مدن، بعد هذه الدهاليز، وقد تقود الدهاليز نفسها إلى بلدان لم يمر بها بشر غـيره من منطقته، لعل هذا ما كان كريكوريان يبعث عنه هو الآخر.
لهذا عزم عاثر في صبيحة اليوم الرابع بأن يتفرغ لمهمة نهائية قد تكون آلأخيرة له، غير أنها ستكون أول تغير في حياته، وحينها سوف تكون مريم من نصيبه، مهما تنافس عليها أصحاب الجاه والطامعين، وربما لو وجد في العالم المسحور هذا ما يغري، سيأخذها، ويهرب بها، ويعيشان معاً بعيداً عن قرية الرأس، وبلدة الصدر التي يسيطر أعيانها على كل مقدرات ما حولهم من الناس. وما أن احتوته الردهة ثلاثية التيار، وقد اعتاد عليها. بل واشتاق لنسائمها، اختار الدهليز الوسطي هذه المرة، وتقدم بحرص لكي لا تصطدم رأسه بأعلى الدهليز كما حصل معه في الدهليز الأيسر، وهتفت له نفسه بوازع لم يأسف لأنها فاتته، ولكنه لام نفسه لنكوصه قبل الوصول إلى النهاية، فلربما كانت الأكوام التي تصورها أعشاش صقور، هي الأكداس المكدسة من الكنوز، فهل يفوته أمر كهذا، وحدثه الآخر فيه، معزياً بالقول: فهل رأى بعمره كنزاً؟ فكل ما يعرفه عن الكنوز ليس أكثر من روايات، ولا يعتقد أن حلي أهالي قريته الفضية ترقى لما يصفه الشيوخ في قصصهم، وأحاديثهم عن الزمرد، والمرجان، والبريسـم، والأحجار الكريمة. وابتسم عاثر وهو يجوس انحدار الدهليز الوسطي الذي كانت سترعبه شدة انحداره لولا تداعيه الزُمردي، وعجب من الأمر، خاصة وإن هذا الدهليز، ليس على عرض واحد، فتارة يضيـق، وأخرى يتسع ليبدو كردهة استراحة، وهناك بقايا رماد في المواقد، وعظام طيور، فهللت نفسه لقرب وصوله إلى الكنز، قبل النهاية التي صارت فتحتها واضحة، وقد انتشر نور متدرج الظلال. وسحب عاثر أنفاس رجل مطمئن، وقرفص حول الموقد. وبدأ يعبث في بقايا الرماد بعود وجده جانباً، يبدو من نهايته المحروقة أنه اُستخدم في تقليب النار، ولكنه لم يتعرف بخبرته لا على مدة ولا عمر الرماد، ولا على مكونات الحطب المشتعل، لهذا لم يشغل نفسه كثيراً في ممارسة قص الأثر التي لم يميل إليها كثيراً، وإنه يستسخفها، ويعتبرها نوع من المجون، والسحر، والأكاذيب التي لم تصدق مرة . كما كان يفعل زوج خالته. وقام ليلتفت باتجاه الفتحة، ففزع فجأة من رسم عملاق على الجدار، ووجل للحظة قبل أن يكتشف خياله المتضخم عليه، فعبس، وسخر، وكره نفسه لهذه الصبيانية في التصرف، وأنبه الآخر بقـوله: أتخاف، وأنت تحسب نفسك رجلاً.
فأجاب نفسه: أنا واثق أنها ردة فعل، ولو أنني أخاف لما جست في هذا العمق، حتى زلو طالعني عفريت،
وصرخ بأعلى صوته: عفريت، يا عفريت أين أنت، أين أنتم يا عفاريت فأنا أتوق لحضوركم .. . تعال فخذني، وخلصني من مهنة الرعي التي تأخذ كل أيامي، وتبلع سنين سعادتي، تعال واعتبرني خادماً لك، أو سيداً، أو ملكاً، أو على الأقل رجلاً غنياً.
لكن الصوت لم يُرجع غير بقايا صدى كلماته، وقد تكسرت على الجدران فضحك عاثر من جنونه وتقدم ليصل إلى النهاية لعل الفتحة التي ستبشره أخيراً بعالم آخر غير عالمه. وهناك على الرغم من كبر الفتحة واستطالتها، لم يجرؤ عاثر على عبورها لتراكم خلايا النحل التي وصلتها كما يبدو رسائل عن القادم، فحركت له مراسلات استخبارية تستعلم كيان الغازي. ولخبرته الحريقة في البرية لم يتحرك، ولم تثره كثيراً تلك العبارات الرمزية للمراسلات. تصرف بهدوء ولكنه ظل يتقدم حتى أشرف على مدخل الفتحة، بموقع يساعده على رؤية المكان، فرأى ما تعجب منه، سهل أخضر، يمر فيه نهر عريض، تهادى فراته كأنه وجه مرآة صقيلة، وقد انعكست على سطحه أشعة الشمس بألوانها الطيفية، وسمع أصوات غناء لعذارى، مرحات، ولكنه لم يستطع رؤيتهن، بل كان يحس بحركة مجاميع في المروج اليانعة عبر النهر، ورغم حدة بصره لم يميز أكثر من هذا، ففتن بالمشهد الحي، وتمنى أن يغفو هنا إلى الأبد، لكنه خشي من أن تغطيه أسراب النحل الفضولية، ويصير لها مستقر جديد، وتخيل لحظتها أن كل ما يراه، ليس إلا عالماً مسحوراً، هو هذا الذي اقترب منه، لعل خالته وأولادها قد صاروا اصحاب جاه هناك، فكيف له أن يتعرف عليها، ولربما تكون قد فارقت الحياة، فقد هاجرت قبل أن يكون هو قد ولد، لا بد له أن يستعين بشواهد يأخذها معه لكي يذكرها، أو أولادها من خلال نيشان، أو دليل من أمه، أختها حتى ولو بحكاية، أو حادثة مشتركة بينهما لا يعرفها أحد سواهن، وأخذ عاثر يستجمع أفكاره ليجد ذلك الدليل، فليس له غير أخته الكبرى ليسألها، ولكن كيف له أن يسألها من غير أن يثير الشكوك، ولما انتهى من تداعياته، فقد حرص في ألا يفسد ما وجده، وقرر أن يتراجع، فلعل في الدهليز الأيمن. ما هو أهم، وأكثر سهولة.
وسرعان ما وجد نفسه يدخل الدهليز الأيمن، وكأنه يدخـل بوابة سجن عثماني، وبمجرد أن اجتاز الفتحة الضيقة في البداية قام ليسير على قامته، ولم يجد معاناة في التقدم باتجاه المخرج حتى استوقفته الهيـاكل الغريبة التي وجدها، وهي هياكل بشرية بأوضاع مختلفة، فشجع نفسه، واعتبر ما يراه ليس أكثر من خيال، ولكن زمجرة عميقة الصدى هزت كيانه بعنف، وتبعتها حركة بطيئة لكنها ذكية جاءت من اتجاهات ثلاثة. ولحسن حظه أنه كان قريب من الفتحة، وإلا كان سيحاصر من الجهات الأربع، فهرع بشجاعة المدافع عن نفسه لتسلق الفتحة، وحالما نفذ منها عائداً إلى الفتحة الأولى التي دخل منها، واستقرت قواه النفسية، وأحس بالأمان حتى رأى ما سبب وجود تلك الهياكل، واستغرب من الزواحف التي بدأت تتكالب للوصول إلى الفتحة، ولكن ولا أية منها تصل أطرافها إلى الفتحة، واستغرب من زاحف بهلوان يقوم بحركات مضحكة، لو أنه لـم يكـن قـد مـر بتجربـة الهـروب لأغرته حركاته، ومسكنته، ونزل عاثر باطمئنان إليه. ولما زالت دهشـته حـقد على الدنيا، ولام نفسه، وأنبها على سوء حظه، فكل ما كان يبغيه هو الوصول إلى كنز يحقق آماله. وهاهو الآن يخسر كل شيء كأنه كـان فـي حـلم وصحا، لهذا أسرع بالخروج، وأعاد كل شيء على وضعه الذي كان، ومن يومها لم يخطر بباله أن يعود للدخول حتى يوم الحادث.
جمّع عاثر خلال أيام عديدة شواهد تفيد بتعريفه لأولاد خالته به، فيما لو اضطر للرحيل تحت هاجس ما، أو نتيجة لظرف قاس، وكان في كل ليلة وهو يسهر مع قطيع ماعزه، وكلابه خطوة، فخطوة لتجريبه في النزول إلى الأعماق، فصارت تلك المغامرة هاجس قوي لإعادتها، كيف لا وقد مارس ذلك بالفعل، لكنه تأسف على تركه بوابة النحل التي تطل على سهل العالم الثاني دون اكتشاف طريق النزول منها. صحيح أنه وجد بعض الكماشات معلقة عن الفتحة، لكنها ربما هي كماشات غير متينة تركها جامعوا عسل النحل البري النقي. وتخيّل عاثر لمرات عديدة طريقة نزوله من ذلك المزغل العالي، وما سيشاهده هناك وقت النزول، بل ماذا سيستقبله تحت، أهم ناس مثلنا كما عرف، أما ناس من عالم آخر. وفكر عاثر بأن الاتجاه البئري تحت المزغل الرئيسي يتجه جنوباً، ولكنه لم يقدّر ما المسافة العرضية المناسبة، فهنا قرب بلدته لا وجود لجبل قريب يخترقه نفق ما، لهذا خمن عاثر أن المسافة تحت، وبتقدير علمه من كركريان القرش، أنها مختصرة لعشرات المرات عن شبيهتها فوق على سطح الأرض، وهذا ما طمأنه بأن السهل الذي أشرف عليه من فتحة المزغل ليس إلا سهلاً يقع على الحدود الجنوبية لجبال الجسد. وفكر عاثر فإذا كان الجنوب سهلاً، فماذا عن الغرب، هل هي صحراء، أم بحر، أم هي حافة الدنيا الأخيرة، كل من يصلها يسقط في سديمها الذي يرفعه إلى النهايات العظمى من الكون، وإلى نهايته هو بذاته، فيتلاشى مع الضوء، والصدى.. فأفزعه هذا التصور، وخشي أن تكون مغامرته هذه هي نهايته الفعلية، وربما كانت نهاية خالته، وأولادها، لا كما يُشاع عنها، فما بال عمه، وابن عازب يصران على قدوم طارش منها في كل سنة، محمل بالهدايا التي لم ير مثلها من قبل.
وتذكر عاثر آخر مرة نزل فيها القرش كركريان بعد أن ودعه، فترك له مهلة لكي يغور في الأعماق، وجاء إلى فوهة البئر يتصنت كيفية عبوره، ولما تأكد من ذلك، نزل بخفة وراءه، واستقر وراء الصخرة الصماء المموهة ليصنت إلى ما يجري وراء الصخرة، فسمع كركريان يناجي نفسه، بقوله: ستكون هذه الرحلة هي الثانية والأخيرة لي، فعلي أن استرد أنفاسي، وأجلس للتأمل، والاستخارة، بمراجعة النفس قبل الخروج إلى الطرف الآخر من العالم. وأول ما تبادر إلى ذهن كركيان، أنه لم ينس توكيل ابن عازب بخاتم المعلومات، لإيقانه بأن ابن عازب موهوب بالفطرة بتزكية الأفراد ذوي المواهب الخاصة، والفراسة وجمعهم لمعارف كثيرة، وهم بالإضافة لأمانتهم، وحملهم رسالة تأخي بني البشر. لكنه انثنى عن عزمه، في منح ان عازب التوكيل، وفكر بأن يجد ما هو خير لهذه المهمة من المدرسين الوافدين.
ها هو كريكوريان يجلس ليتأمل نفسه، ويحاورها طويلاً، ولم يدر لما خطر بباله غريغوريوس المنور الذي حارب الوثنية في بلاده الأم، فنفاه الملك إلى بئر لمدة اثنتي عشر سنة، رغم أنه كان مستشاراً له، وطبيبه الجسدي والروحي، قرأ كريكوريان عن غريغوريوس فيما سبق الكثير، عن سيرته، وعذاباته، وعرف عن طريق والده، حينما استفسر عن سر منحه الاسم، وما معناه، وإلى ماذا يرمز، ولم يكن للوالد من تفسير إلا اعجابه بسيرة غريغوريوس نفسه، لذا كناه بالشفيع، فبدأ منذئذ يستكشف صفات مطابقة بينه وبين من سمي على اسمه، وربما بواعز نفسي، كان كرابيت كريكوريان يحاول التشبه بغريغوريوس إلى حد ما، وبخاصة من حيث العلم والمعرفة، ولكثرة ما قرأ من معلومات وجد نفسه محاوراً له في العديد من تأملاته، وها هو يتوحد من جديد مع شفيعه، الذي استطاع أن يقضي فترة طويلة هي اثنتي عشر سنة، يبدو أن الفترة التي قضاها غريغوريوس في سجنه بالبئر، أوصلته لمعاني كثيرة في العلم، والمعرفة والفلسفة، ولم يكن طوال تلك الفترة ليرى غير حارس يدلي له بوجبة الطعام الوحيدة، وما كان ليرى من الدنيا إلا ما تسمح به فتحة البئر العميقة، لعله في تأملاته انتهى لما توصل إليه كرابيت كريكوريان حالياً.
إن حال غريغوريوس في البئر وقتها لم تسمح له لتسجيل مذكراته، ولو على ورق خفيف يمكن حفظه بشكل أكيد فاعتمد على حافظته، فخزن في ذاكرته، ولما خرج بمرسوم ملكي لعلاج الملك نفسه من نوبات الخبل، قام بتسجيل كل المعلومات التي خزنها في ذاكرته، وكأنه تلقاها البارحة فصارت إلى كتب كثيرة. أما ممارسته الطب التي افتقدتها المملكة، وبخاصة الملكة زوجة وارطان الذي اختبل، وتاه في البراري. كانت وقتها قد انتشرت إشاعات حكيت كأساطير عن اختباله، ومنها بأنه صار يرعى مثل الدواب، واستطالت أذنيه حتى شبهوه بالحمار البري، فبادرت الملكة بإخراج غريغوريوس من البئر ليعالج الملك، وشفي هذا وأيقن بأن غريغوريوس كان على حق.
سحب هذا التداعي كرابيت كريكوريان إلى حكاية احيقار الحكيم، وابن أخته الذي تآمر عليه لسجنه في بئر غيلة هو الآخر، فبعد أن شاخ احيقار؛ تداول مع الملك الذي كان هو مستشاره؛ أن ينيب عنه ابن أخته الذي رباه، وعلمه، وطبعه بطباع الحكماء، فقبل الملك مشورة احيقار، وما أن تمكن ابن أخت احيقار من موقعه، والتقرب من الملك، وابنه حتى بدأ يوغر صدريهما ضد خاله، مما أوقعه في شرك نصب له دون معرفة من هو، وحُبس احيقار في بئر لسنين، ولما كُشفت أوراق ابن الأخت، واحتاجت المملكة لنصيحة حكيم، قامت الملكة باخراجه من حبسه، لكن احيقار لم ينتقم من ابن اخته، وعفا عنه لإيمانه بأنه سيتلقى مصيره يوماً ما. ومن هذا الموقف تداعي كريكوريان إلى حكاية لقمان الحكيم المشابهة لحكاية احيقار، وصار يستذكرها في كل خلوة تأمل، ويعيدها للتعرف على تفاصيل الحكمة لدى هؤلاء الثلاثة.
هؤلاء الثلاثة الذين استعرض حياتهم بتفاصيلها، لم يدر ما الوقت الذي قضاه في تأملاته، واستخاراته، فهل يعود إلى العالم القديم، والأرض التي ولد فيها من جديد، ويعاني كغيره من النبذ، وربما تقود وشاية به إلى الموت، أو السجن لبقية حياته، فمن من ملوك، وحكام الدنيا يستحق أن يُنصح في هذا العالم، والعصر، فكلهم في نظره فاسدون، وواحدهم يؤثر على الآخر، ولا أحد فيهم ينصت إلا للمديح والاطناب، والوشايات. أما النقد والنصح والدعوة لفعل الخير فهي في قوائم الممنوعات، فيا كريكوريان إن طريقك هو إلى العالم الآخر كما فعل حي بن يقظان في أوبته عن البلد الذي أخذه زميله لينشر دعوى الصلاح فيها، ولم يسمعه أحد، لأنه اكتشف أن لا صلاح سيتم، ولا خير سيعم من الجيل الذي عاصره هناك في تلك البلدة. لهذا عاد ابن يقظان خائباً إلى جزيرته التي وعي على الدنيا فيها، ليكمل ما اختطه لنفسه، وللعالم الذي بناه، وإلى تأملاته في عالم الخيال، وكما أخبر توماس مور في رسائله من أعالي الجبل عن عالمه غير المصنّف، ومجتمعه المثالي، أخبر نبي جبران قومه بأنه راكب سفينة ستبحر به بعيداً، ولسوف يعود ليولد من جديد من أم غير أمه، كذلك كانت تأملات نيتشه.
أما كريكوريان نفسه، فبعد هذه التأملات، والمراجعات، فقد وصل إلى خاتمة استخارته فعقد العزم على ألا يدير ظهر ليعود عما قرره، وما وعد به الجدة الصبية وتعهد به، فها هو يُقبل بتصميم لدخول العالم الثاني باصرار وعزم، ومن دون تردد، وبثقة أكبر، يعبر إلى العالم الذي زاره هو ويربوعه الصغير، وهو العالم الذي يستطيع أن يتعايش معه، ويطور علومه ومعارفه فيه، لعله سيُسعد لو أن عاثر الهيمان يلتحق به قريباً، هو وزوجته، ويلد لهم مولود فيكونان عائلة في مجتمع  جديد، ولم يدر كريكوريان ما سيحصل لعاثر من مصائب قبل أن يعبر إليه، ولو أن ابن عازب بنفس الوعي الفطري، والتجاوب الذاتي الذي لدى عاثر المتأمل، لكان ابن عازب خير حكيم من البلاد السفلى، إلى البلاد العليا، لأن مصيبة ابن عازب الكلام الكثير، وهدره لمعارفه مع كل من كان، وفي كل مناسبة ومقام، وكأنه يسفح الماء في أرض غير أرضه، أرض مالحة، فيفقد هو ما اكتنزه من معارف، وتجارب، ويضيّع الكنوز التي استخلصها من تجاربه عندما يضعها في غير موضعها.
استفاق كريكوريان من تأملاته، وقام ليعبر إلى العالم الثاني في لحظة، وسمع عاثر رنين بصدى غريب، حدث من قفزة القرش كركريان، فعرف أن الرجل قد حقق ما أراد، وقام هو الآخر ليخرج إلى قطيع ماعزه، ومنها سيدرس أمكانية اللحاق بملهمه.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

تعليق واحد

  1. إبراهيم الزهراني

    الرواية ممتعة جداً
    عازب متوغل في ميثيولوجيا القرية ويحمل المباديء والنخوة وعروقة تنبض بثقافة مستمدة من النظام العشائري
    وعاثر يدفعه جائزة الأمل في محبوبته ويتخلص من القيود الميتافيزيقية ويكتشف اللعبة فيتمرد وينسلخ لدرجة التحرر والتحليق عن كل القيود .. التنقل من هنا وهناك والوصف بمثابة الاستراحة .
    هذه الرواية من المستوى الراقي ومن العيار الثقيل تحتاج إلى قراءة سيميولجية متعمقة ..
    وشكرا للعملاق الدكتور فاروق أوهان على هذه التحفة الثمينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.