بلاسم الضاحي: وقــائـعيــة الحــدث.. وشرعية (الانفتاح الدلالي)
قراءة منتجةـ (ثغرُها على منديل) أنموذجا

مدخــــــــــل :blasim_aldahi
( أن نقرا يعني أن ننتج خطابا جديدا
وان نربطه بالنص المقروء ، يكشف
ـ داخل التكوين الداخلي للنص ذاته ـ قدرة
أصيلة على استعادة الخطاب لذاته بشكل
متجدد وهي التي تعطي خاصيته المفتوحة على الدوام ) 3
بهذه الحدود تظل قراءة النصوص الإبداعية على اختلاف أجناسها لا يمكنها أن تتحول من عالم الاحتمال إلى عالم اليقين بمعنى إنها تظل تشتغل بشرعية تعددية الاحتمالات التي ترجع إلى الأصل وتستند إلى مرجعية ممنطقة ، من هذا المعنى سننطلق لإنتاج خطابا ممنطقا جديدا لكنه يظل يدور في فلك الاحتمالات ولا يدعي اليقين مربوطا بالنص المقروء وداخل التكوين الداخلي للنص الموسوم …
( ثغرُها على منديل ) عنوان المجموعة القصصية الأولى والمأخوذ عن عنوان قصة تضمنتها هذه المجموعة للقاص تحسين كرمياني الصادرة عن دار نعمان للثقافة / 2009 / سبع قصص تقع في ستين صفحة من القطع المتوسط والحائزة على جائزة الإبداع 2007 إحدى جوائز ناجي نعمان الأدبية .

القــاص :
( تحسين كرمياني ) اسم طالعناه وتابعناه باهتمام جاد من على ثقافيات الصحف والمجلات العراقية والعربية ومواقع ألنت  قبل أن يطل علينا بمدونته الأولى التي سنحاول قراءتها قراءة منتجة بدءا من . . .
البسملة / العنوان  :
( ثغرُها على منديل ) العتبة التي تعد مفتاحا للدخول إلى عوالم المتون والمحتويات قبل اكتشاف عوالمها الفنية ، العنوان ، العتبة ، المنبه الأسلوبي ، الموجه الأسلوبي ، أو بنية التضمين الدلالي … الخ كما يحلو للنقاد أن يجد كل منهم توصيفا للعنوان الرئيس كونه نصا موازيا لم يعد كما كان يُنْظرُ إليه بل أصبح يٌسْتضافُ إلى مركز الاهتمام في قراءة النص ومدخلا مهما يدخل من خلاله القارئ إلى عوالم المدونات ودلالة موجهة وان تنوعت مسمياته على اعتباره ( يخلق لدى المتلقي توقعا معينا منذ البداية يمكنه أن يحتفظ به مع تقدم القراءة أو أن يتعرض للتكيف والتوجيه وان لا يمارس القارئ فعل القراءة من فراغ بل من خلال معطيات العنونة ، يفهم النصوص ويسعى إلى إيجاد تأويلاتها ) 4 ومن اشتراطات تدوين العنوان الرئيس افتراض أن يظل على علاقة بسلسلة العناوين الثانوية التي تنضوي تحت هيمنته بسيرورة متوالية ليثير عند القارئ أفق توقعات وقواعد اللعبة التي آنسته ليتدخل في التصحيح أو التعديل أو إعادة إنتاج النص ليتحول إلى قارئ منتج   productive reader، أو ينتهي إلى ( قراءة منتجة productive reading / تنجز من فرد معين هو القارئ الناقد ) 5 قبلها يتوقف عند قراءة الغلاف بكل علاماته على اعتبار ان نصّيّة النّصّ الأدبي الحديث عموما أصبحت تُبْنى انطلاقاً من عَتَباتِه الدّاخليّة كاسم المؤلّف أو الشّاعر، وتحديد الجنس الأدبي، وعنوان العمل الأدبي والعنوانين الفرعية ويدخُل في العتباتِ المُقدّمة وكلمة النّاشر والتّصدير والإهداء… الخ على انها علامات لها تأثيرها الدلالي في تقريب فهم النص على عكس ذلك تعد – العنونة – مطبات خطرة تساهم في إعاقة انسيابية مرور القارئ نحو المتون ، ومنها العنوان / الرئيس / و / الثانوي / الذي يعد معطى من معطيات التأويل والذي اسميه شخصيا ( بسملة النص ) والموجه الأول للقراءة .
إذن : نحن مع بسملة اسمية من ( ثغرها + على منديل ) والثغر  كما ورد في معجم الوسيط ج 1 ص 97 دار الدعوة / استانبول 1989 ( هو الفرجة في الجبل ونحوه او الموضع الذي يخاف هجوم العدو منه ، ومنه الفم والأسنان ، ومنه سميت المدينة على شاطئ البحر ثَغـْرَا ًوالجمع ثـُغـُور ) وجاء مبتدأ مضاف وضمير متصل مضاف إليه يحيلنا إلى واحدة أنثى والثغر تأويلا ربما يكون آلة من آلات النطق أو آلة إغراء وإثارة وبداية لحصول رغبة أو دال على فعل حركي كأن يكون مبتسم أو نحوه كما ورد في معلقة عنترة بن شداد ثغرها المتبسم ولم يقل فمها المتبسم ليبعده من كونه جزءا من آليات النطق نحو اشتغاله على انه رغبة لذيذة ، / على منديل / جار ومجرور في محل رفع خبر ، والمنديل كذلك آلة ترتبط مع الثغر بعلاقة نفعية متبادلة يفترض ان يخلقها القاص  وينثرها كقاسم مشترك بين العنوان الرئيس والنصوص ذات العناوين الثانوية الحاملة لهذا المعنى بغير ذلك نعده ـ العنوان ـ ترفا كتابيا أو نوعا من التماهي مع الشعر واستعارة آلياته وتوظيفها في ملئ فراغات النثر أو تلميحه استعراضية لا ترتبط بعلاقات سياقية توحد اختيار القاص لنخبة من نصوصه في مجموعة قصصية التي يفترض بها أن تحدث مقاربة بين العنوان الرئيسي والعنوانات الثانوية بعدما خرج النص من ملكية الناص نحو ملكية المتلقي واجد إن ( كرمياني ) قد اقترب من النجاح في بث بواعث العنوان الرئيس على عنوانات المتون وموضوعاتها باختياره لنصوص تتقارب أحداثها وحكاياتها وأبطالها من بعضها البعض بل تتقارب ـ النصوص ـ من حيث مستوى المعالجة الفنية والشكلية  .

لمن تنتمي نصوص :
( ثغرُها على منديل ) تنتمي نصوصها  إلى ما يسمى بالأدب ألوقائعي (nonfiction ) الذي يعني نوع من أنواع الكتابة النثرية التي ليس من إعمال الخيال ، او ( تصنيع الواقع ) المنعكس من ذهنية القاص وخياله ، بمعنى آخر هو نقل الوقائع التي عاشها أو عايشها الكاتب دون أن يعمل الخيال في خلقها أو إثرائها لتقترب من الفني بآلية المتخيل السردي ، وحده الاتكاء على خزين الذاكرة الحكائي أو إعادة قص المرويات السائبة غير كاف لإنتاج نص حكائي فني ممتع له القدرة على أن يتفاعل مع أوساط مختلفة من المستهلكين .
لا باس أن يمتص النص المكتوب من عناصر معلومة سابقة مثل القِـيـَم والمعايير ـ المثيولوجية والاوركولوجية والاجتماعية والتاريخية والسياق السوسيوثقافي ـ التي تحاصر إنتاج النص بالقوة شرط أن يعاد إنتاجها من جديد وبشكل فني خارج السياقات التي أوجدتها ولا يتم ذلك إلا بتفعيل الخيال الذي يتحمل مسؤولية الخلق الفني للنص ( لا يكاد يختلف احد من الباحثين في أن الفن العظيم كان دائما وعبر كل العصور، هو ذاك الذي يمثل خرقا للعادي اليومي من مألوف القيم والأشكال الجمالية المضمونية،أو اللغوية بل تكاد تنسب إلي الخرق للمألوف والمستقر من القيم،كل التطورات والإبداعات التي تشمل حقول الثقافة والأدب والفنون والعلوم)6 وهذا لا يتحقق بدون إشراك التقنية الخيالية بدرجة أعلى من التقنيات الأخر التي تساهم في ولادة النص السردي إضافة إلى تسخير الخيال كمحفز ومثير للمتلقي كي يمييز بين النص المثيولوجي المروي شفاها أو ألوقائعي الذي ينقل أحداث واقعة وبين النص المخلوق / المصنوع بآلية متخيلة ، يتفاوت نجاح النص بمقدار تفاوت قدرة القاص على إشراك الخيال في الصنعة وأقول الصنعة لان النص الحكائي سواء أكان قصة أم رواية يعتمد الصنعة والمهارة والمران في عملية خلقه على العكس تماما من الشعر ، وربّ سائل يسأل : وما الضير من ذلك ؟ أقول لا ضير شرط أن يعي القاص إن ما ينقله عن الواقع يخضع لاشتراطات ثلاث أزمنة هي :
1 ـ زمن حدوث الحدث / الفعل / الواقعة ( وهذا زمن محكوم بتاريخ معلوم يمكن معرفته ) .
2 ـ زمن كتابة الحدث أي زمن القاص وقت التدوين / نقل الواقعة ( وهذا زمن محكوم بتاريخ معلوم يمكن معرفته أيضا ) .
3 ـ زمن تلقي الحدث مدون في نص / إعادة الواقعة وهذا زمن مفتوح غير معلوم لا يمكن معرفته لكثرة المتلقين واختلاف أزمنة تلقيهم لهذا الحدث / الواقعة وفي هذا الزمن يتعرض الحدث لمحاكمة المتلقي ويخضع لشروط القبول أو الرفض تحدده أهمية الحدث بالنسبة للمتلقي في زمن التلقي ومن هنا نشأ سر خلود المدونات ذات الأحداث الوقائعية واستمرارها إلى خارج زمن حدوثها ، لذلك ما زلنا وربما سنظل نعيد باهتمام قراءة الملاحم الشعرية وأعمال يوربيدس وسوفكلس واسخيلوس أو المعلقات أو الأعمال الروائية العالمية مثل الحرب والسلم او الشيخ والبحر وهملت وعطيل وأخرى رغم مضي زمن حدثها وما زلنا نقرا المتنبي دون غيره في الزمن الثالث رغم وجود كثير من الشعراء ممن جايله فظل المتنبي وانتهى غيره من مجايليه والسبب يعود إلى أهمية الحدث المنقول عن الزمن الأول في الزمن الثاني للزمن الثالث في قوة آلية الفعل المنتج للواقعة الشخصية لا الشخص نفسه وبإبداع استوفى شروط العبقرية التي سما بها المتنبي وضعفت عند غيره من مجايليه ، ومن مستلزمات خلود الأثر الإبداعي الأخرى عدم وجود زمن أوّل ليحل محله الزمن الثاني زمن الفعل الشخصي للشاعر / زمن ابتكار الفعل/ زمن إنتاج الأثر الإبداعي كما شخصه النقاد والباحثون بقولهم ( إن المتنبي كان يمتدح شخصه بشخصية الآخرين ) أقول إذا ما أحكم الناص بقدرته وعبقريته الزمن الثالث كبديل أو إعادة للزمن الأول أو عَبَـرَ الزمن الأول وحلّ بدله الزمن الثاني بقيت أعماله ذات زمن مفتوح للتلقي باستحسان بشروط الإبداع طبعا ، أما بالنسبة للأحداث المخلقة المتخيلة أو المصنوعة بقوة الخيال حتى لو كانت وقائعية أيضا لكنها غير محكومة بزمن حدوث / وقائعية متخيلة / والتي تستغني بالقوة عن الزمن الأول وتظل محكومة بزمن خلقها بالتالي تحصل على فرص أفضل للبقاء والامتداد إلى الزمن الثالث زمن التلقي المفتوح .
الذي نجده في أحداث ( ثغرها على منديل ) تندرج تحت عنوان الأحداث الوقائعية الغير مصنوعة من فعل التخيل لذلك تظل رغم ما توفره من متعة محكومة بزمن حدوثها / الزمن الأول / غير مكتفية بذاتها وقد لا تشكل أهمية في زمن التلقي الزمن الثالث .

ما تقوله النصوص وما نقوله نحن :
( الأوراق لا تأتي في خريف الرغبات ) قصة وقائعية يتحدث لنا فيها الراوي العليم واصفا شخصية البطلة التي تعد محور القص ببضع سطور تغنينا عن متابعة أحداث القصة وتجبرنا بان نكتفي بهذا المقطع ولا نجد حاجة للتواصل إلى نهاية القص بعد مفتتح إنشائي أراد فيه القاص أن يستعرض قدرته الفنية في استضافة الشعر إلى مواطن النثر هذه المقدمة لم تنجح في إدخال المتلقي إلى أجواء الحدث ولم تمهد له ـ كما يفترض لها ان تكون ـ بل بقيت تصف وتحاول كسر مغاليق صلدة لم ينجح النص في الانزلاق منها نحو ما يريد أن يقوله وهذا خلل تكنيكي / ترتيبي كان يتوجب على القاص أن ينتبه له كي لا يفقد عنصر التشويق الذي يعد لازمة مهمة تغري المتلقي للتواصل مع مفاجآت النص حيث يقول : ( و ( بنت ) رأت مالا وجاها حين وعت ومشت ، لا تأكل إلا بدلال لا تنام إلا على أغنيات ويوم شبت على الطوق صلابة تطبعتها غرور سربلها بلباس تمرد ونفور لا ليلها ليل ولا نهارها نهار كبرت على عجل من غير أمل وأهل ) ص 8 كان يمكن للقاص ان يستغني عن إقحام العبارات التي أراد لها أن تتماها مع الشعر لإغراء المتلقي في مفتتح النص وان يستبدلها بهذا الوصف كمقدمة لمدخل ناجح للنص ، نعم العبارات الشعرية التي نثرتها المقدمة جميلة لكن ليس كل ما هو جميل ينفع النص خاصة في الأعمال السردية التي تعتمد القص الحكائي والتي تحتاج في كل مقام لمقال مناسب .
أما في قصة ( أنا كاتب تلك القصة ) والتي يحيلنا عنوانها إلى التغريب في المسرح الملحمي الذي يؤكد على كسر الإيهام ـ حين يقف الممثل ليخبر المتفرج انه فلان الفلاني سيقوم بتمثيل الشخصية الفلانية على العكس من التقمص الذي يقول بوجوب تلاشي شخصية الممثل بالشخصية التي يمثلها ، هنا وقف القاص ليخبرنا بأنه كاتب او ناقل لهذه القصة وليس فاعل لأفعالها  وبذلك كسر الإيهام  لدى المتلقي الرائي ، أقول الرائي لأنْ فعلا العمل الروائي أو القصصي يفترض به أن يتحول من مكتوب بكلمات إلى مرئي ومجسد بصور ذهنية وكأنها شريط سينمائي يمر عبر تمثل القارئ لهذه الكلمات الموظفة في جمل لها القدرة على أن تحول الحدث الموصوف بكلمات إلى حدث مصور ، حدث مرئي وهذه استعارة استفاد منها كرمياني من اشتغاله في كتابة النصوص المسرحية التي تعتمد المدرسة البرشتية في كتابة النص المسرحي هذه المزاوجة التجنيسية جاءت لتخرج النص القصصي من مأزق الرتابة في هذه المجموعة المتشابهة في وحدة الموضوع التي اشّرها العنوان الرئيس / الأنثوي وتشظى على العناوين الثانوية ليجعل منها عناوين / أنثوية تحاكي أحداثا وقائعية لأبطال إناث وهذا ما يؤكد مذهبنا الذي اشرنا اليه في بداية هذا المبحث حين قلنا بضرورة تعالق العنوان الرئيس مع والوحدات الموضوعية لمتون المعنونات الثانوية كونه عتبة الدخول كما ذكرنا سلفا وهذا نجاح فني واعي يحسب لصالح الناص الذي نجح في اختيار ناجح لعنونة جاءت من داخل المجموعة ولم تأت من خارجها ، كذلك نجد الناص مستفيدا في هذا النص من معطيات الكولاج الصحفي كما أشّرته مقدمة النص ( جاء تحت عنوان ( جريمة الأسبوع ) في صفحة ( مجرمون وجرائم ) بإحدى المجلات ) ص25 ليظل الراوي مجرد ناقل ومعلق على الحدث دون أن يوجه مسار الحدث لصالح النص فنيا فـلجأ إلى تغيير نمطية الشكل ألتسطيري للنص وتقسيم النص إلى تفرعات سماها أوراق ، الورقة الأولى والثانية و………. العاشرة التي عندها يبدأ بحل الاشتباكات أو العقد حسب البنية الأرسطية للحكاية التي تعتمد التمهيد ثم العقدة ـ التي لم تظهر بوضوح في هذا النص ـ  ثم الحل على اعتبار أن القص إنما يهدف إلى تصوير حدث متكامل له بداية ووسط ونهاية، يدخل هذا النص وغيره في المجموعة في دائرة لعبة تكنيكية اختارها القاص والتي تحررت من القوننة الأرسطية وهيمنة الفعل الحكائي المركزي واستعاضته بفعل التحفيز على اعتباره مفهوم يرتبط بعملية مواصلة الحكي / السرد ، والانفعال بها ، وإنتاج الدلالات التي تثير في الملتقى دلالات متوازية  وذهبت إلى اجتراح قوانينها بذاتها أفادت النص وخلقت فيه عنصر التشويق والمواصلة بتكرار الأوراق والبحث عن الجديد في كل ورقة ليخلق نصا ناجحا مستفيدا أيضا من المونتاج السينمي في ربط الأحداث بوحدات زمنية مضغوطة أو مستفيدا من آلية السيناريو ومهارة وخبرة كرمياني الشخصية في تصنيف وتتابع الأحداث التي تشوق وترسم وعي القاص المنقول إلى التلقي  ومثل هذا القول ينسحب على نصوص أخرى مثل ( في حدثين منفصلين ) حيث نجد القاص يقسّم مساحة النص إلى إيقونات أو يوزعه إلى أجزاء تقسم الحدث وترسم خارطة تتابعه بالقطع المونتاجي الذي اعتمده الناص لتسهيل انسيابية الحدث وتتابعه حيث يأتي على الشكل التالي ( ( حدث أول ) والذي يقسمه إلى فقرات رقمية 1  ، 2 مع ملحق مع ملخص ما جرى لها في الحدث رقم واحد والحدث الثاني المتبوع بـ 1 ، 2 وملحق ذو صلة وملخص ما جرى وما تناثر من حكايات وما روته خادمتها وما هو نهاية وأخيرا ملحق آخر )  هذا الأسلوب التكنيكي في عملية الروي لا أجد له مبررا فنيا يضيف قيمة مهمة إبداعية قد تثري أو تساهم في إثراء النص لا يعدو أن يكون أكثر من ( مناورة ) أو( لعبة ) أراد لها الناص أن تشير إلى قدرة ابتكارية في عملية القص تتكرر في أكثر من نص في المجموعة ولم تؤشر ذات أهمية بدليل يمكن الاستغناء عنها  دون أن تؤثر بشيء على السياق العام أو السياقات الأخرى .
وفي ( في حدثين منفصلين ) نجد …
استهلالا تعريفيا يحيطنا علما مسبقا بأحوال الشخصية التي سنسمع قصتها الوقائعية المنقولة عَبـْرَ الراوي وهذا ما اعتاد القاص ان يهتم به في معظم حكاياته ،
( قتل أبوها في الحرب وهي في الثانية من العمر !!
تزوجت أمها من عسكري وهي في الخامسة من العمر !!
قتل زوج الأم في الحرب وهي في السابعة من العمر !!
تزوجت الأم من شاب وهي في التاسعة من العمر !!
لعب الشاب لعبته وتزوج فتاة أحبها وهي في الحادية عشرة من العمر !!
ويوم ماتت الأم تحت عجلة مركبة كانت هي في التاسعة عشرة من العمر !! ) ص14
ليستمر القص المروي لهذه الوقائعية التي تنفرد بها الفتاة لوحدها وهي تمر بـ ( حدث أول ) 1 ـ  تقع في علاقة حب مع شاب يذهب لإكمال دراسته في بلد آخر 2 ـ يعود مقترنا بزوجة أجنبية ( الحدث الثاني ) 1 ـ تحاول الانتحار ( حلقت عاليا وهبطت في دنيا جديدة ) ص 17 ، 2 ـ ( رأته من كثب ولم تعد تحتمل منظره ، كان يرقص ، ورغبت أن تشاطره الرقص !! .. ) ص 17 ليأتينا القاص بملاحق توضيحية اعتمدها كتكنيك سردي رغب أن يكون شكله هكذا دون أن يضيف أهمية لفاعلية النص وفنيته مثل : ( ملحق ذو صلة ، ملخص ما جرى ، ما تناثر من حكايات ، ما روته الخادمة ) ليصل بنا إلى نهايتين الأولى ( ماهو نهاية ) فقدت توازنها وألقت بنفسها إلى اللجة الثائرة ،و ( نهاية أخرى ) جاءت تحت عنوان ( ملحق آخر ) لتقول ( لِمَ يرفضني البشر والقدر ؟؟ .. ) ص 18 بدأت القصة كإدانة واضحة وشديدة للحرب وما تتركه من ويلات اجتماعية يورثها الآباء لأبنائهم لتستمر نتائجها تربك حياتهم وتشوهها هذه الإدانة الغير مباشرة إنما تأتي كنتيجة نكتشفها من سير حياة البطلة ومعاناتها لتحول القص إلى سيرة ذاتية شخصية تكتسب شموليتها من قوة تكرار فعلها على اكثر من شخصية خارج المروي وبذلك أخذت النص لضفة النجاح معتمدا على الحكاية فقط من غير مشاركة آليات القص الفنية الأخرى .
ونجد في قصة ( سراب ) حوارية بين فتاة ورجل تقترب من حوارية مشهد مسرحي تكمن أهمية هذا النص في ترميز ومزاوجة بين ( سراب ) اسم هذه الفتاة و( سراب ) المفردة التي تحمل دلالتها المعجمية التي تعني الإيهام بوجود ماء وهي ظاهرة طبيعية معروفة استقرت في السلوك الجمعي وذهبت مثلا للتوهم والإيهام وهذا يؤشر إن العلاقة الحوارية التي تشكلت منها هذه القصة تنضوي تحت مفهومة السراب / الوهم ، مشهد مسرحي بحاجة إلى ما يسبقه وما يليه ليكتمل الموضوع / الفكرة / الحتوتة فقط اشتغل النص على استعراضية الجملة بإطناب لفظي لتنتهي ( تشابكت أناملنا واشتد نبض القلبين ، هكذا صرخت العيون ، كأن العالم يتحرك ، يغمره دفء الأصيل ، ومضينا لنستكمل الحوار في ظل شجرة داخل حديقة الزوراء !! .. ) ص 24

( صندوق الوجدان ) قصة أدت فعلها من خلل تداعيات الفلاش باك حيث تبدأ من حيث تنتهي على لسان راوي عليم يروي وقائعية حصلت له مع صديق متمرد على قوانين بالية من وجهة نظره يفاجئ الراوي بوجوده بعد مرور سنين طويلة حين يقص لنا حكاياته ونوادره حينما كانا على مقاعد الدراسة سوية ، تدين هذه القصة كل القوانين الحياتية المجحفة والتي تمنع التطور والابتكار الجديد بكل مستويات الحياة حتى على مستوى الإبداع الفني لتبقي الإنسان رهين لهذه المقولات القديمة مثل إبقاء الشعر رهينا بما سجنه به احمد بن خليل الفراهيدي ولا تسمح لمن يفكر بالتمرد عليه والخروج من سطوة قضبانه نحو حرية الابتكار فيقول ( يا صاحبي لا تستغرب إن قلت لك أن ( الفراهيدي ) قرر الانتقام من الاثنين حين شعر بفشله الذريع أن يغدو شاعرا ، ولمكره تمكن أن يبتكر سجنا لوقف زمن الشعر ) ص 39 ليفاجئنا الراوي بان صديقه المتمرد لم ينجح ببسط تخيلاته على ارض الواقع وإنما صار يشتغل في البناء بعد أن اشترى صندوقا كأداة يستخدمها في نثر الاسمنت على جدران البيوت التي يعمل بها وبذلك فشل في نثر ابتكارا جديدا واستعاضه بنثر الاسمنت على الجدران .

ما على القاص :

تحسين كرمياني يخالف توصيفات القصة القصيرة التي تعتمد قصر الحجم والجملة القصيرة والإيحاء المكثف والتلميح والاقتضاب فيعمد إلى الإطالة والإسهاب ، ويهتم  بالوصف لا على اعتباره كما تذهب القاعدة ـ في العمل السردي نوصف لأجل أن نحوّل المسموع / المقروء إلى مرئي / بصري بتقشف وإنما يسهب للإحاطة بكل أفعال وسلوك الشخصيات وعلامات القص الأخرى دون الحاجة لها وكأنه يشتغل على مساحة عمل روائي   .
لا شك إن العمل السردي قوامه الوصف على اعتبار إن الوصف ( إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات ) 7 على اعتباره أداة مهمة لتقديم هيئة وأشكال وأحوال المكان المنقول والشخصيات ( فيزيقيا ) بكلمات لها القدرة على تحويل المقروء إلى مرئي متطابق مع المنقول منه وهذا من مسلمات العمل القصصي ومن صلب واجب القاص كي يحوّل ذهنيا المتخيّل إلى حقيقة مصورة تجري بالذهن مجراها في العين الرائية بأدوات غير أدوات التصوير وكلما اقترب النقل ذهنيا من الواقع تكون مهارة القاص سجلت درجة نجاحها أو إخفاقها كلما ابتعد عن ذلك ومن هنا أشـّر النقاد مستويات الإبداع انتهاء بالعبقرية التي تعد أعلى مستويات القدرة في الخلق وتحقيق الإيهام بالواقع لكن بشروط الوصف التي يجب أن لا تعطّل سير الأحداث بل عليه أن يعي مهمته بدقة وحذر وان يتمم نقل الأفعال بنقل الأحوال ولا يقتصر الوصف على خارج الأشياء وإنما يمتد للكشف عن خفايا وبواطن الأشياء والشخوص غير المرئية وسبر أغوار نفسيتها وعلاقتها المعنوية بالأشياء الأخرى .
كرمياني يبتعد عن الخوض في كشف بواطن شخوصه ويكتفي بمحاكاة ظواهرها البينة وان كانت هذه الملاحظة غير مطلوبة كثيرا في القصة أو القصة القصيرة مثلما مطلوبة في العمل الروائي لكنها تظل على أهمية حيث تقدم اللامرئي وتكشف أسرارا وعلامات قد يحتاجها القص ليكتمل خلال البحث عن الذات وفي استقصائها لدواخل النفوس ، وأغوارها ، وتصرفاتها وردود أفعالها ، واختياراتها .
كما يتعمد ( كرمياني ) إلى مط الحدث ، ويتخلى عن الجملة الموسومة بالحركية والتوتر وتأزم الموقف والحدث ، مما يحدث ترهلا ومللا خاصة في تقنية القصة القصيرة يباح ذلك في تقنية العمل الروائي الذي يتمدد نحو مساحات أوسع .
كذلك لا يولي كرمياني اهتماما بنهايات قصصه التي يفترض بها أن تحدث الدهشة أو الصدمة أو المفاجأة غير المتوقعة في سياق الحدث ليفاجئ القارئ بما لا يتوقعه بل يتركها تنساب كما تشتهي أو يؤشرها أثناء سياقات الحدث فيكتشفها القارئ بسهولة وهذا خلل يحرم من متعة النهايات الصادمة التي تشتغل القصة والقصة القصيرة عليها  ولا يقتصر هذا الرأي على قصص هذه المجموعة فحسب بل يمتد إلى عموم منجزه القصي المنشور في أماكن أخرى  .
لقد أثقل القاص بدايات نصوصه بمقدمات عتباتية ، عبارة عن نص استهلالي محدث أو مستعار يصاحب النص ، اختار القاص مقولات مأثورة لكتـّاب معروفين مثل توماس هاردي وجيمس جويس وبيشنك وغيرهم هذه الاستعارات يفترض أن توجه النصوص التي تندرج تحتها وتنتقل من هامشيتها إلى مركزية النص على اعتبارها جزءا من جسد النص الذي استعان بقدراتها لأداء مهمته وعلامة مهمة في توجيه اهتمام النص وتوجيه اهتمام القارئ ، تشكل معضلة كبيرة إذا لم تُحسن استضافتها إلى النص إذ ربما منها يعيد القارئ أسئلة النص ، ولنأخذ أنموذجا تطبيقيا جاء عتبة مقدمة في القصة الموسومة  ( يوم اغتالوا الجسر ) والتي تقول : ( أنتِ ستمشين تحت الشمس ، وأما أنا فسأوارى تحت التراب ) رامبو لشقيقته لحظة احتضاره    .
ما تقوله عتبة المقدمة :
1 ـ الحدث / بين شخص يحتضر وشقيقته .
2 ـ بنية حكاية العتبة / مأساوية .
3 ـ ثيمة الحكاية /  معروفة .
4 ـ مباشرة / غايتها الإخبار .
5 ـ رسالة العتبة / لا توجد رسالة .
6 ـ جزء من نص .
ما يقوله النص :
1ـ الحدث / بين شخص عاشق معافى وحبيبته .
2 ـ  بنية حكاية النص / رومانسية حالمة .
3 ـ ثيمة الحكاية / عشيقان يعيشان بمرح ويمارسان حياتهما قبل ان تحل الحرب التي تؤدي إلى موت العشيقة لحظة موت الجسر الذي ارتبطت علاقتهما به  .
4 ـ مروية / مصنوعة / غايتها القص والإمتاع .
5 ـ رسالة النص / إدانة الحرب .
6 ـ نص جديد .
نستنتج :
مما تقدم فجوة كبيرة بين عتبة المقدمة ومتن النص هذا الاختلاف يؤدي إلى اختلال سير النص واضطرابه وتوزيع ذهنية التلقي بين أهداف وغايات عتبة المقدمة وأهداف وغايات النص مما أدى إلى إبقاء هذه العتبات المقدماتية على هامشيتها ولم تتدخل بإثراء النص كما كان يتوقع لها بل أثقلته وغيرت من استقامته وبعثرت هيبته.
ومــا لــه :
وأخيرا أقول : إن ( ثغرها على منديل ) مجموعة قصصية أشرتْ أهميتها كفاتحة تعريفية بالقاص كونها مدونة أولى ومن خلال متابعتنا لمنتج تحسين كرمياني القصصي أجد غرابة في اختياره غير الدقيق لقصص هذه المجموعة إذ كان له أن يختار ما هو أفضل ليدخل بقوة بنصوص أخرى من احتياطه المكتوب والمنشور في أماكن أخرى لو حصل ذلك لكان أدق وأقوى للدخول وأمتع للمتلقي .

المصادر :

1 ـ الانفتاح الدلالي قراءة أسلوبية منتجة نابعة من رحم النص وجوهره تمتد في فضاء النص وتنتهي الى احتمال لا يرتقي إلى مصاف اليقين .
2 ـ  ثغرُها على منديل / قصص / تحسين كرمياني / دار نعمان للثقافة / بيروت / 2009
3 ـ بول ريكور ، النص والتأويل ، ترجمة منصف عبد الحق ، مجلة العرب والفكر العالمي بيروت ع 3 سنة 1988 ص 48
4 ـ ( نظرية التلقي ، مقدمة نقدية ) ترجمة عز الدين إسماعيل ص 155
5 ـ نقد النقد أو ميتا النقد د باقر جاسم محمد مجلة عالم الفكر مجلد 37 العدد 3 مارس 2009 ص 116
6 ـ  طراد الكبيسي، النقطة والدائرة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1987 ص 83
7 ـ قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق كمال مصطفى، مكتبة الخانجي، ط3، القاهرة1979 ص- 118-119   ـ انترنت ـ
بلاسم الضاحي
balasim_althahy@yahoo .com

شاهد أيضاً

قيس كاظم الجنابي: مقالة السيرة والموضوع.. قراءة في كتاب (مقالات في الأدب والثقافة)

-1- المقالة الأدبية فن نثري ، محدود الطول والموضوع ، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية …

شوقي كريم حسن: ولام العطار.. السرد المقهور؟

*منذ صباها، وجدت مدرسة فكرية تغذيها، وتجيب عن اسئلة الصبا التي كانت تحيرها، يمنحها المعلم …

العربي الحميدي: ما موقع شعر د. محمد حلمي الريشة وسط الحداثة الشعرية؟

صفة التفرد يقول الدكتور قاسم البرسيم عن التفرد في الصورة الصوتية في شعر السياب؛ يعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *