د. فاروق أوهان : مراثي بني غامد وزهران (رواية بأسلوب التداعي والتخاطر)

farooq  68

كان بُراق قد تعود مع الأيام، مشـاهد المطـر السـريع، المتكررة خلال العام فكان كلما سمع صوت الرعد، وانهمار المطر الغزير يُسرع إلى نافذة غرفته، أو إلى بابها ليرى الماء يتجمع بسرعة تعلوه الفقاعات، المتكونة من انهمار المطر الغزير، ولا يقوى إلا أن يرتدي معطفه المطري، ويأخذ مظلته ليخرج إلى باحة الدار، ومنه ليشرف على منظر السهل، ومزارع أشجار اللوز أمامه التي تغرق بالمياه، فيعجب لتجمّع هذه المياه، بالسرعة الفائقة، لكنه يظل منتظراً اللحظة الساحرة التي تعقب انقطاع المطر، حيث تتلاشى المياه كأنها تذهب إلى مرازيب، أو بلاليع مصممة على أحـدث الطـرق الحضارية، وتعود الأرض كما كانت ساطعة براقة برمالها، ومجاريها البلورية . إن بُراق مغرم، بل هو مجنون بهذه اللحظات الفاصلة بين كل الأشياء، بين لحظة تحول وأخرى، فلم يكن يمنع نفسه من الصحو في صباحـات أيام الصيـف. وهو ينام على السطح في بلاده، ليقوم متأملاً دخول الفجر، ماسحاً كل ظلمة تغشى العيون، يتقدم كأنه آلة عجيبة تمسح اللون الأسود، بممسحة بيضاء، ذلك السواد الذي تسببه الظلمة، حثيثاً يتقدم النور، ولا يثنيه أي شيء، كما يأتي الظلام متقدماً على الضوء، وكثيراً ما كان يغريه الوقوف على حافة النهر وقت الغسق، والشمس تودع الطبيعة غائرة في الأفق القرمزي، وقد تركت وراءها حمرة تتلون بها حافات الغيوم، وسعف النخيل، ووجه الماء وقد حددت بخط ذهبي رفيع . إن بُراق لا يجد صعوبة كبيرة الآن في وصف، أو تذكر هذه الحالات التي لا يمكنkh farooq  4 لمجلدات كبيرة، أن تصف تلك اللذة الحسية، والمتعة الذهنية التي يزاولها، فهي لذة متنوعة غير مرصودة، لكنها متكررة غـير ملموسة، ليست ضبابية، تهويمية، ولكنها هلامية. مسح كل هذا التجلي في ذهنه تذكره لانزعاج الناس من المطر، في المدن العصرية الكبيرة، وخصوصاً مدن العالم الثالث المتضخمة، لأن المياه تبقى متجمعة في برك لمدد طويلة، يستحيل لون الماء فيها إلى اللون الأخضر، وتشم الأنوف رائحتها الآسنة عن بعد، وفي الشوارع يصبح الغبار وما يعلق بأحذية الناس أوحالاً، تسبب عدم الراحة لكثير من المتأنقين، من شباب وشابات “تطرطش” أحذيتهم فيها، فتتناثر على سيقانهم من الخلف كحبـات مزخرفة، لا منتظمة لرسام هاوٍ، أو سراويلهم “الشارلستون”. وهنا في هذا البلد ينزعج الناس من قلة المطـر، لأن أشـجار اللوز التي تُعرف بها المنطقة لا زالت تداري عجزها عن دفع براعمها إلى أعلى، كما بدت عاجزة أيضاً عن إعطاء اللوز الأخضر الطري، كثيراً ما اشتاق الأطفال إليه، واشتاقوا أيضاً الذهاب إلى البساتين، ليسرقوا من حافات الأسيجة، ما يمكن أن يُمنحوا به مما هو متبقي من رؤوس الأغصان المتدلية، والتي غالباً ما تطالها حتى أيدي المتطفلين من الكبار أيضاً. ولم يبق أي شيء يلهون به في سـاعات فراغهم، وسـاعات التنفيس عن الحركة الكامنة في دواخلهم، إلا الذهاب إلى القـلاع الحجرية المهجورة والتي تعتلي غالبية الربوات في المنطقة بناها الأجداد هنا بين حصن، إلى قلعة، تحرس الأطراف الجنوبية لمملكة غابرة، ليته يعرف سرها يوماً ما، ولا يتذكر الصغار ما يرويه ابن عازب، الرجل العجوز، والشاب بأفكاره ونشاطه، وحركته الذي يدعي بأنه عاصر اندحار الجيوش العثمانية الغازية، فقد روى في إحدى المرات بأن الريح بعد انقضاء أشهر على المعركة الفاصلة، كانت تغربل أظافر الضحايا، وتحركها بدلاً من الرمال، وهذا ما جعل ابن عازب يفخر على أنه من سلالة الأبطال الذين دحروا الغزاة في الجبال الجنوبية، وإن كل ما يقوله من مبالغات ليست بأساطير، ولا ملاحم خارقة كما في سيرة سيف بن ذي يزن، وإنما هي حقائق واقعية. وهاهو يقـف الآن مـع بُراق، مع من وقفوا ليلاحظوا عملية شطف البئر، من بقايا مائها التي طالت. وبدأ ابن عازب يروي لبُراق عجبه واستغرابه من هذه الحالة الغريبة قائلاً: إن شيئاً ما قد حدث في قرانا يا أستاذ بُراق،  لم أر سنة قحط كهذه، لا مطر، ولا غيمة تظلل هذا الجفـاف، لعل نفساً كافرة قد سكنت معنا هذه الأرض.
وفكر بُراق في حديث ابن عازب، هل اكتشف هو مع غـيره من ناس البلدة، أمر المدرس عكرمـة يحـيى زكريـا، مدرس اللغة الإنجليزية المعمذاني المندائي؟ لكن بُراق أراد هو نفسه أن لا ينبه إلى ذلك، وحتى الابتعاد عن مناقشـة ما له علاقة بالظواهر الطبيعية. وحاول أن ينبه ابن عازب على أن هذه الأمور ليست مرتبطة بالنوايا، ولا بأي نوع من أنواع السحر. لكنه مهما فعل لن يؤثر على اعتقاداته الراسخة، كأنها ثوابت لا بديل عنها، وإلا لما تردد هذا على لسان ابن عازب، الذي وصف في بعض المرًات بأن أحد الحساد، قد حبس عن منطقتهم المطر بفعل سحر ما. وكان ذلك قد جاء بناءً على مناظرة حامية بين ابن عـازب، وبين مجموعة من المجـتهدين في التفسيرات الكثيرة. ولم ينس بُراق أبداً ذلك اليوم الذي كان قد دُعي هو فيه، إلى وليمة أقامها مختار القرية عبـدالله عطية محمد مهراس احتفاءً بحضوره مع المدرسين الجدد، وكان هو أي بُراق، على خوان واحد مع ابن عازب عند بدأوا بالأكل، فرأى ابن عازب يعجن الرز بيده مع قطعة من دهن الإلية، أو دهن الأحشاء. وكان بُراق وقتها قد طلب ملعقة ليأكل بها الطعام مع المجموعة، فأصبح طلبه بعدها من النوادر التي لم يخجل من ذكرهم لها أبداً. وكان أن أكل ثـلاث ملاعق فقط، لأنه أصيب بنوبة الغثيان لسببين : الأول أن معدته كانت لا تتحمل طعاماً دسماً. والثاني لأن منظر فم ابن عازب الذي فتحه بدا كأنه كهف تساقطت أحجار مدخله إلا اثنان منها. وفي جوف الكهف تعلقت لهات الرجل كأنها إحدى بقايا الاسـتليك تايت التي رآها، وعرفها في كهوف بلاده، ودرس عنها الكثير. كان ابن عازب يلتهم الأكل كأفعوان، أو كآفة نهمة تقرض كل ما يمر أمامها، فاتحاً فمه الفارغة من الأسنان، كأنه غار عميق أظلم، تلمع اللهات في نهايته كعين زنجي بيضاء، في ليلة غاب قمرها. وكان ابن عازب في الجهة المقابلة لبُراق من الخوان، وقد أراد ابن عازب أن يكرم الضيف، فقدم له قطعة دهنية من بقايا الأحشاء، أو الشحوم التي تلتف حولها، لا يتذكر بالضبط مكونات الكتلة، لأن صورة اليد الممدودة باتجاهه جاءت إليه فجأة كأنها وحش ضاري يريد افتراسه، بل أنها تشبه بالضبط، يد ذلك المهندس الميكانيكي الذي فاجأ بُراق، عندما ألح عليه بأن يستعمل يده اليمنى في فك براغي علبة دهن السيارة، وعجب وقتها لطريقة تأخير المهندس لنفسه عمداً، وهو هناك تحت السيارة، بينما يلح بُراق عليه بفضول مكرر وهو يذهب ويأتي من أمامه، يسأل مساعده “صانعه”، ويعيد الكرة، وقد أصلته الشمس بحرارتها. بينما المهنـدس منهمك في عمله، ينظر إليه بكل برود من أسفل السيارة، فيرى بُراق متباهياً بقامته المديدة، مختالاً بما منح من سيماء خاصة في هيبته، زادها طولاً موقع عين المهندس تحت السـيارة. وما هي إلا لحظات، وبعد أن سال الزيت في الإناء المرصود تحت الفتحة،  سحب المهندس نفسه من تحت السيارة بزلاقة صنعها من بقايا أسطوانات داخلية لتسيير ماكينة السيارة، ونهض باتجاه بُراق بسرعة صعقته، ولينهي تذبذب بارد من عميل مهزوز، أو متعجل لا يعرف من أمور الدنيا غير ظواهرها. فأخرج المهندس يـده مـن جيبـه دون كـلام، ليقدمها إلى بُراق بشكلها الذي أرعبه. فقد كانت تماماً مثل زعنفة ذيل سمكة، تلاصقت فيها الأصابع الثلاثة من جهة الإصبع الوسطي إلى البنصر، وقد توحدت الإبهام مع والسبابة في الجهة الثانية. ولم يلي هذا المشهد أي تعليق، سوى أن بُراق أمسـك أحشـاءه، وهـرع إلى أقرب مقهى فيه حمام. أما المهندس وصانعه فقد انكفئا على ظهريهما من شدة الضحك، وقد أعاد المهندس ما يقوله لكل من يلح مثل بُراق: كفاك فضولاً، خذ هذه لتضعها في أمك.
أما بُراق، فلم يقو حتى على تذّكر الموقف الذي اعتراه، وهو يركض، وخلفه صغار المحلة، فقد أفرغ معدته في كفه، قبل أن يصل إلى المغاسل، ولما عاد لم يصدق كيف دفع الأجرة للصانع، وكيف ركب السيارة، وهرب خجلاً، أو ضجرًا من الحالة التي أحرجته خوفاً من وصفه بالجبان، والخائف، خصوصاً في نظر شـريحة اجتماعية من هذا النوع، وقد ارتبك في تبديل الغيارات للسيارة، وكاد أن يرتطم في جدار الدكان، خشية أن تسقط عجلات السيارة في حفرة بالوعة بجانب ورشة المهندس، وهو يرى المهندس، ومساعده، من وراء زجاج سيارته يضحكون، ويصفقون اليد بالأخرى، مع تجمهر جيرانه السمكرية. لكن بُراق اعتاد مع الأيام وضع غثيانه، وعرف من الأطبـاء أن هذه الحالة، لا علاقة لها، بالجبن، ولا بالشجاعة، لأنها حالة غريزية تصيب الكثيرين. ولم ينس وقتها أول مرة أصابه الغثيان من نفسه، عندما كان قد جرح هو نفسه هذه المرة، وبفضول أيضاً، عندما حاول إصـلاح أسلاك ماكينة الخياطة اليدوية التي رفعها إلى المرتبة الآلية بوصلها بسلك كهربائي، ولم يستخدم أدوات متخصصة لنزع  غطاء الماكينة، ولم يتأن لكي يترك اليد اليمنى تفعل ذلك، لأنه كان قد شغلها بمسك مقبض الماكينة، بل إنه أخذ مغرزأ حاداً بيده اليسرى، لم ينس حتى الآن منظر المخرز وهو يخترق مفصل ساعده، لكي ينغرس بين اللحم والعظم، ويسـيل الدم شاخباً، والمغرز في مكانه، لا يستطيع هو نزعه، لخوف من تدفق الدماء بسرعة أكبر، في حين أن بقاء المخرز يؤلمه بشكل ممض، خصوصاً عندما يلامس العظم، وما أن رأت عيناه الدم حتى اصفر لونه، وانقبض فؤاده . كأن آلة هرس تدوسه من الداخل، لكنه قاوم مع هذا، ولم يغب عن الوعي. إن الدوار هذا عاوده الآن هنا، أمام ابن عازب لأن مجرد تذكر تلك الحادثة، أو شـبائهها تثير لديه نفس مشاعر الغثيان، ونوازعها. فربما اخـتلطت عليه التداعيات، وتداخلت.
وهاهي صور الأشياء تتشوه أمامه، وكذلك الأصوات، فغابت كلها للحظة، قاوم بُراق فيها كيانه لأن وازعاً داخلياً لم يجعله يتيه مدة طويلة، وإلا لأصبحت قصته على كل لسان، ولاحتاج لعلاج من مطوع، أو ضرب بالسياط يفسرها الجمع هنا على أن نفساً شريرة قد سكنته، بحاجة لقوة مهيمنة أن تخرجها. يقود هـذا التفسـير، مدير المدرسة ابن قارن، واتباعه، لا لشيء إلا لينتقصوا من كيانه، ومصداقيته عندما يتكلم أمام الجمع، أو يتكلمون عنه، فهي سلاح ماضٍ يفيدهم عندما يعرفون نقطة ضعف أياً من المدرسين، هذا الهاجس هو ما أعاد بُراق بسرعة، ليبدو طبيعياً. حتى أن أحداً لم يلحظه، أو يشـك في وضعه ونوع معاناته لأن الكل كان منشـغلاً أولاً : بالبلع النهم، والتسابق على أدسم اللقم، وثانياً: في عملية أبعاد بُراق ليد ابن عازب الملحاحة، وقد سالت الدهون من بين أصابع الأخير، فوق الطعام في الخوان الكبير، بل إن بُراق الذي كان يكلم ابن عازب بكل أدب، ويعتذر منه بكل إصرار، لم يدع مجالاً للشك، في أنه قد غيب للحظة، وأن عينيه كستهما غمامة سوداء، لا يدري هل لأنه أقفلهما، لكي لا يرى مزيداً من المنظر المُقـرف مسبب التداعي؟ أم لأنها كانت فعلاً غمامة سحبها عقله الباطن سريعاً، كستارة لكي تمنع مزيداً من الصور؟ ومع هذا فلو أن بُراق تصور الطريقة البدائية للطبخ لاستفرغ ما في معدته على الخوان دون تردد، رغم أنها كانت خاوية، لكن الفرصة لم تفته فيما بعد لرؤية عملية الطبخ البدائية. فقد حصل عندما شارك في الرحلة المدرسية وقد قام ابن عويضة بذبح العجل وهو يمخط بين الآونة والأخرى، ولم يتعب نفسه إلا بسلخ الجلد، وفي القدر الكبير وضعت كافة أعضاء العجل، دون تعب حتى في غسل متأنِ للكروش، والأرجل، والأمعاء، مكتف بخضة بسيطة من مـاء الرحلة، المخزون في جليكان من الجينكو، فكل جسد الذبيحة صار في وعاء القِدر الكبير، ولم يعتن أحد حتى بأخذ الزفرة من على وجه القدر، بعد أن فار، بل خلطوه خوفاً من إهدار الدسم، على حد تعبير ابن قارن. وفكـر بُراق عـاذراً أهل المنطقة لندرة أكلهم للحم، إلا في المناسبات، أو بعد أن يمرض ثور الحرث، ويعيا من طول العمر، وثقل أيام الحرث الطويلة التي هرمت منها سنين عمره. لكن عذره لا يقبل له أي تبرير للطريقة القذرة في طبخ اللحوم، لعل نساءهم يعتنين أكثر بها، أما طبخ الولائم فللرجال. وهذا هو الأنكى، والأمّر، فما ضير هذا؟ وما علاقة النظافة في قلة الـثروة الحيوانية في المنطقة؟ صحـيح أن الأعشاب لا تنمو إلا هزيلة، ولفترة وجيزة. لأن الأرض معدنية، فحـتى أشجار اللوز التي يتغزل بها هو وكل شاعر هنا، هي من النوع الذي تتلوى سيقانها الضعيفة، متحايلة على وعورة الأرض، وصلابتها، وسـرعة هروب المياه منها، بل يبدو أن بعضها قد تكيف ساقها ليلتقي لأكثر من مرة بسطح التربة مشكلاً علاقة تبدو أنها قد أنتجت جذوراً لمرات في غير أماكنها . ولكن للضرورة أحكام على غير ما عهده في أشجار اللوز في بلاده، كذلك الحال مع أشجار الزيتون فإنها هي الأخرى ليست باسقة، أو غنية الخضرة، وعودها هش. لكن هذا كله لا يبرر عدم العناية بالنظافة، وبالتوعية الصحية، صحيح أن كثير من الحبوب، والغلال تستورد بالأكياس، أو العلب، ومع هذا على الطباخ أن يتخلص من شوائبها، أو أتربتها العالقة. وظل بُراق يسأل نفسه مرات، ومرات. ولكن دون جدوى، حتى تذكر يوم ذبح ثور الحاج محمود الذي هرم، وعجز حتى عن المشي، فصاح منادي – هو بالطبع، ابن عويظة فذلك من تخصصه أيضاً. وأمت كل الجموع مكان الذبح، وذهب بُراق ليشتري هو الآخر، بالنيابة عن دار الأساتذة العزاب، لأن ذلك اليوم كان دوره في المشتريات. ولما رأى المنظر، وخوار الثور العاجز، كأنه خوار من يطلب الرحمة، منادياً: أن خلصوني من عذاب الهرم والحرث، واذبحوني. خوار من هو مستأنس للموت، خوار من اشتاق للراحة، ومن جانب آخر فإن كثرة اشتياق الناس إلى اللحم الأحمر، كما يصفه محمد مسعد. هو الذي ساعد يد ابن عازب متخصص كافة الفعاليات، ومنها الذبح على إتمام العملية بنجاح، وعندما جاء دور بُراق في القسمة التي أشرف عليها ابن مهراس، مختار البلدة، كان من نصيبه قطعة لم يرتح لشكلها. لكنه وضع كمية اللحم في القدر بشكل احتفالي. أما أهل البيت من زملائه فلم يشتهوا أن يأكلوا منها ولا شريحة، رغم أنهم لم يشاهدوا منظر الذبح والتوزيع، فقط لأنهم عرفوا بأنه اللحم لثور عجوز، هو ثور الحاج محمود الوحيد، ولأن ما زاد التعقيد أيضاً أن اللحم ظل على النار الهادرة، ثلاثة أيام بلياليها، ولم يبد عليها بارقة أمل في النضوج، وضاعت كل المحاولات لجعل اللحم ليناً تحت الأسنان. ولم تنجح محاولات زملائه المناوبين في الأيام التي تلت يومه، حتى بعد إضافة كلوريد الصوديم، أو الخل وما شابه من ميكانيكيات الطبخ، والمساعدة على إنضاج الطعام لكن ما حصل أن كل منهم كان يطبخ في يومه نوع من أنواع الخضراوت، ويبقى اللحم محله، وهكذا حتى عندما رموا اللحم للكلاب، والقطط السائبة، أمام باب الدار، عافته هي الأخرى كأنها عرفت من رائحته أنه نفس اللحم الذي رُميت فضلاته أمام أكثر من دار من المدرسين المقاولين. وهكذا بقي بُراق طوال الفترة يفضل، وزملائه لحوم الدجاج “الكـداد” كما يلفظها المدرس بشير الفاتح، الذي قابله في باحة المنطقة التعليمية لأول مرة. أما اللحم المعلب فإنه كما يبدو هو البديل الوحيد الذي اعتاده المغتربون من العزاب، وغير العزاب. وعلى الرغم من كره بُراق الشديد لكل شيء مصنع، لكنه مضطر في الغالب أن يجامل الآخرين في هذه الحالة، بل إن غيظه وهو يتذكر حادثة طهي العجل في الرحلة المدرسية تنصب على كون العجل، عجلاً بتيللو بمعنـى الكلمة، كما يلفظها مسعد. لا ثور مسن، عجل حدث، صغير السن. نادراً ما يتصادف في السنة أن تقوم مناسبة كهذه، ولكن ما باليد حيلة فالنفس إذا ما عافت شيء، لا يمكن إجبارها على المكروه، وإلا لحدث ما لا يحسـن عقباه وعجب بُراق كيف تقاوم حتى الحيوان في هذه المنطقة؟ وتتكيف مع موجوداتها. إن القحط يبدو من العادات المتأصلة، حتى ولو كانت سنة أمطار غزيرة، فلم يستغرب حرص الإنسان هنا على سد حاجتـه بالقليل، القليل. ولكن ما بال الحيوانات هي الأخرى لا تأكل؟ إلا أشياء تعافها حيوانات بلده، فهنا يأكل الماعز أوراق أكياس الإسمنت، وكذلك تفعل القطط، والكلاب لعلها تلهو بها في البداية، وعندما تمل تبلعها هي وأوراق الجرائد.

9

ظل شطف الماء من البئر، وشفطه حتى ساعة متأخرة من الليل. وانفـض عقد المتحلقين حول البئر فرداً، فرداً، صاروا جميعاً ميالين إلى الملل، من عدم توفر جديد بعد كل هذه العملية، وطول الانتظار، فلا نتائج سريعة، أو مؤجلة لظهور أشياء، ولا آثار لآمال مؤجلة، أو ربما مسلية مشوقة، تلهيهم لفترة من الزمن، يتداولوها على كل لسان. ويقوم كل منهم بإضافة ما يحلو له من فقرات، عجز عن إضافتها في مكان آخر، لكي يضفي روح الدراما هنا وهناك. قد تكون هي الكلمات، أو الفقرات التي تعتبر نوعاً من العجز، أو الرغبة المكتومة في داخل كل منهم، أو في دواخل الآخرين غيرهم، ولعل هذا ما فكر به أحمد الكافي، معاون مدير المدرسة الذي يظل وجهه مصفراً على الدوام، ولا تنفرج همومه، ولا يتغير لون سجادة وجهه الصفراء وزخارفها، إلا عندما يلتقي باثنين، أو ثلاثة فقط من الناس، فسرعان ما يقوم بإمطارهم بوابل من الأسئلة السؤال تلو السـؤال، وبكلمات حذرة مما يعتمل بداخله، كأنه محقق عدلي، أو مخبر سري متبرع، غير موظف تخصص في فن طرح الأسئلة، وطهيها، غير المباشر ظاهرها يعطي انطباعاً سريعاً لشيء بعيد عما يرميه باطنها، وربما يكون جزء من مضمون أحد الأسئلة متعلق بجواب السؤال الذي قبله، أو الذي يليه، بل ليس بـالضرورة أن تكون الأجوبة التالية مجموعة بتسلسل الأسئلة تصاعدياً، أو تنازلياً. وليس بالضرورة أيضاً أن تتجمع معلومات الأجوبة لنفس الجلسة، ونفس اليوم، وإنما تدل خبرة الكافي، كيف يـوزع المعاني، وارتباط خيوط الموضوع بين الأسئلة للتو، أو للأيام المقبلة، وغالباً ما يحوّل الجواب إلى سؤال، لو استدع أحدهم الاستفسار منه عن شيء ما، أو عن سبب طرحه الأسئلة الملحاحة وماهيتها. ولكن الجانب الآخر، وبعد مرور تجربة، أو اثنتين مع الكافي يكتشف الأمر فيبدأ هذا بالتوجس، والتحدد، وإعطاء المطلوب حسب الجواب، ولكن بعد فوات الأوان، فقد قام الكافي بتكوين الصورة المطلوبة عن الشخص، ووثقها في ذاكرته ضمن ملفات خاصة، ولعل زوجته، هي الأخرى مبتـلات به قبل كل الناس، أو ربما هي السبب، فقد تكون هي التي خنقت أنفاسه في البيت، لا تفسح له مجالاً للكـلام، أو السؤال. فهي كما يبدو الوحيدة التي من حقها فقط أن تسأله، وهو الذي سيجيب، ويجـيب، وما عليه غير أن يجيب. وإذا لم يكن عنده جواب حاضر، فعليه أن يستجلب قصة يخترعها، وهذه القصة التي اخترعها سوف تلف البلدة. وعندما تعود إليه القصة في مجلس معاون إدارة المدرسة، لن يصدق ابن الكافي أن أصلها، كذبة اخترعها هو بنفسه. ولسوف يعود هو نفسه ليصدقها، بعد أن تكون قد وصلت لقمة التأصيل، بإضافة أسماء وأماكن، وأحداث واقعية، محلية عليها. وعندما يعود إلى الدار يكون مسروراً لكي يحكيها لزوجته ويرتاح منها، ومن إلحاحها بالأسئلة. فقد جمع كل ما هو متوقع منها. لكن هيهات له من قناعة محمودة لدى زوجته، ويل له لو أنها اكتشفت أن القصة من ابتكاره، أو أنها سبق أن سمعتها بنغمة مختلفة، إن هذا الجانب في الحقيقة لم يكن لبُراق أن يحسن تقديره منذ البداية، ولا الوصول إلى تفسير معين لسلوك الرجل، لأنه وعلى الرغم من كثرة كلام ابن الكافي وهذره الذي لا معنى له، فإنه يخشى أية إشارة، أو كلمة، أو حتى تعليق عن المحيط الأسري، ويخشى أيضاً من أية عبارة تتخطى عتبة بيته إلى الداخل بالطبع، كأنه يخشى غولاً مـترصداً له، لا غول التقاليد، والتحريم من تراكم التابوهات من اللا، والليس. ولكن غول البلوى التي تجلس متربعة في داره. تصورها بُراق في كثير من الأحيان عجوزاً شمطاء، أو آفة أكل كثيرة السمنة، تحار وهي واقفة كيف تنثني لتلبس سروالها، أو لترى حافة إبهام قدمها، إذا ما عنّ لها في السـنة أن تقلم أظافر قدميها، فإنها تنبطح على الأرض كالبرميل تلف على نفسها لعدة دورات، في محاولة لتوصيل أصابع اليد بزعنف القدم، تلو الأخرى. أما فراشها فبلا غطاء لا صيف، ولا شتاء. لأن طبقتها الشحمية، تعادل أغطية قبيلة بكاملها. ولكن بُراق تأسى لحال أبا شهاب، وهو ينام إلى جانب كتلة اللحم، والشحم المرصوص هذه. ربما تكون بعض الكدمات، وأوجاع الصدر التي تغالبه في بعض الأيام، ناجمة عن انقـلاب السـيدة حرمه على جنبها، لتدهسه مثل عربة شحن يجرها ثلاثة ثيران بقوة خمسة أحصنة، هكذا تخيل بُراق زوجة أحمد الكافي، لكنه أنكر على نفسه كل ذلك، فالنساء هنا جبليات، ويرعين الأغنام، ويعملن في الحقول، وهن مرضعات، وخبازات، و، و، إلى آخره. ولقد تصادف أن رأى عيون إحداهن، وهي تهرب أمام صف المدرسين السارحين عصر أحد الأيام في جولتهم الرياضية، فعجب لجمال عينيها، وصدًق قول الشاعر فيهن: ووصف أمرؤ القيس في صفات أجسادهن، لهذا تعلق قلبه ليس بإحداهن، وإنما بهن كلهن معاً، ويكون بهذا من حق الأهبل معاون المدير، إذا ما اضطر لذكر أي شيء عن بيته ألا يشير إلى زوجته، أو بناته كأن في الدار ليس فيها إلا هو وأولاده فقط. ولا يقول عن البقية سـوى: الأهـل، أو بالبيت، أو العيال، من بين بعض هفوات لسان الكافي عن العائلة، أو الأهل، وكأن زوجته مجموعة نساء في رزمة واحدة، أو باقة من الشمطاوات في جلباب عريض، وشيلة خشنة، أكثر من لحيته المتفارقة الشعر، لعل الزوجة تغطي هي الأخرى لحيتها بعد حف ونتف لم يُجد. ولأن الكافي نفسه ممنوع من القُبل، هذا ما عرفه بُراق من الكافي عن جهله بموضوع التقبيل بين الرجل والمرأة، فهو يعرفها، ويزاولها مع الرجال فقط بنوع من التحية الاجتماعية. وحتى الآن لم يعرف بُراق كم عدد البنات لدى أحمد الكافي ولا أقرانه في بلدة الصدر، حتى ولو تغاضى عن مطلب معرفة الأسماء، وقد تأكد الآن فقط لماذا لم يطالب الأهالي حتى الآن لبناء مدرسة للبنات، سواء هنا، أو في مجموع منطقة جبال الجسد برمتها.
ظل بُراق اليوم يدور في ساحة المدرسة، ويعد الدقائق لينتهي دوام الفصول، فينصرف الطلبة. لا يقوى عن كبح رغبتـه للاتجاه نحو البئر، وعلى وجبة الغذاء حرق شفتيه، ولسانه . عندما التهم الأكل الحار بسرعة بالغة، راكضاً، وهو يحرض من يتبعه إلى البئر. وقد ابتلعته هو الآخر عدوى الفضول. ربما هو نوع آخر من الفضول، برره مع نفسه على أنه فضول فني، يتعرف فيه الفنان على شواهد إبداعيه، تفيده لكي ينقلها ضمن لوحاته. وها قد أصيب بُراق الآن، وهو آخر من بقي من الناس حول البئر بخيبة أمل كبيرة. وأحس لأول مرة، بالتعب في رجليه وبدا عليه التململ وهو ينفث دخان سيجارته الكنت وفكر أثناءها بأن جهده، واصطباره هذا اليوم لم يأتيان بفائدة كبيرة، وضحك من نفسه متسائلاً، ناكراً حجم الفائدة كبيرة أكانت، أم صغيرة، فهو يتمنى أن يحصل الآن حتى على كلمتين تشكلان جملة مفيدة ليضيفها إلى القصة الأصلية، ولكنه بدأ يفكر الآن بجدية أكبر بإضافة شيء من مفكرته القاموسية، أو ربما يقوم بتركيب أحد أحلامه الغربية عليها، ليس كما يفعل الآخرين، حيث يضيفون على اعتقادات الآخرين اجتهادات تُرضي توقعاتهم، لا بمشاهد عيانية رأوها، وإنما يضيفون رواية سمعية على ما رُوي لهم هُم، تماماً كما تسري الإشاعة من فم، إلى أذن كسرعة انتشار النار في الهشيم. وتبدأ بشرارة، ولا تنتهي إلا بحرق ما حولها بأكمله. وهكذا تتضخم الحكاية، وتحبل الأحداث، ولا يفيد معها إلا البت، سواء بإطفاء حرائقها، وإغراق المكان بمياه غامرة، أو بـإجراء عملية قيصرية، يستخلص منها الجنين قبل وفاته، وتنقذ الأم من آلامها، واحتضارها. وفي كل الأحوال لا يصح، إلا الصحيح، ولا بد لإنقـاذ ما يمكن إنقاذه. أما الإشاعة فإن بترها في مراحلها الأولى، قد يثـير فضولاً اجتماعياً جديداً، لكن تأخيرها إلى ما لا حد. قد يؤدي بدوره إلى خراب عام يطال الجميع. وفكر بُراق في أصـل الإشاعة، ومنبتها، ولماذا لم تعالج على مدى العصور كإحدى الأمراض الاجتماعية، بغية اجتثاثها نهائياً منه. لكنه تذكر ما قرأه مرة في كتاب عن الحياة الاجتماعية الذي يفسر نزوع الأفراد للاجتهاد، مما قد يرضي مداخلهم، وهكذا استفادت كثـير من الحكومات من الإشاعة المردودة، فوظفتها لغايات تهدف إليها، فعلى حد قول نيتشه إن الحكومات ليسوا إلا أدوات تسلط، وسطو على مقدرات الناس.
وبدأت لدى بُراق فكرة عودته، مع الرعيل الأخير من جهة البئر توضح بعد أن تبين أن لا أثر لأية نتيجة لا سلباً، وإيجاباً. وكان ابن سيحان الداهية في أمور كهذه، يفكر في نفس الوقت، وهو يقوم بالإشراف على عملية شطف مياه البئر، بالمضخة التي يمتلكها وذلك بأن ما يختزنه البئر اليوم سيكون عدماً في صباح الغد، وستنتهي آخر قطرة منه بعد ليل وتحسر على الماء المُهدر، الذي ساح بلا طائل، غائراً في الأرض، دون أن يجري في ساقية، ولو لمسافة نصف متر بعيداً عن محيط البئر. ولم يخطر ببال ابن سيحان فداحة الخسارة الجماعية، لأن فكره تركز فقط على خسارته في أجور مضخة سحب الماء، التي تبرع بإعارتها لأهالي قرية الرأس، بعد أن لجأوا إليه لأنهم تصوروا أن عاثر الهامي قد التجأ إلى هذه البئر لكي يختبئ فيها، وقد جرى ذلك بعد مداولات، ومشاورات سريعة مع ابن سيحان الذي ماطلهم في البداية، لكن الوضع لم يسمح، ولم يتقبل التريث. ومع هذا فإن ابن سيحان لم تسنح له الفرصـة لحسـاب مدى التكلفة. ولربما كان كل صمته، منصباً حول كيفية استعادت أمواله. وكيفية المطالبة بها، لأنه لم يوفق في مساومة ناجحة، ولم يسمح له لا الوقت ولا الجاهة التي جاءت في المحاورة حول السعر، ولا لتحديده. كل ما جاء رداً على تحججه من أجوبة جماعياً أن: أفعل خيراً، ونحن السدادة.
والذي أزعج ابن سيحان، وأغرقه غماً، أن تلك التعهدات الضبابية. وغير الأكيدة لم تأت فقط من أهالي قرية الرأس وحدهم، وإنما جـاءت أيضاً من أبناء بلدته الصدر، وكل من هب، ودب، من أهالي قرية العنق، والذي اسكته هو طمعه، فلو أنه طالب بتحديد السعر الآن. فإن النخوة، والمنتخين، والفضوليين. والذين حملوا العصي بأيديهم لن يسمحوا له بأن يرفع السعر بل ربما لجادلوه، أو أجبروه، لهذا فكّر ابن سيحان بالجزية بعد ظهور نتيجة البحث عن ابن الهـامي تمناها ابن سيحان، أن تكون نتيجة إيجابية، عند ذاك سوف يختلي ابن سيحان بأعيان قرية الرأس ويطالبهم بحقه بعد أن يبرد حماسهم، ويكون له مجالاً كافياً وفسحة مناسبة لكي يجادلهم بين العدل، والحق، وبين الذي عليه، والذي عليهم. دار ذلك في مخيلته كحوار جدلي يتجاذبه فيقول لهم: إنني ساعدتكم في تقديم المضخة، لكن من يدفع أجور العمال؟ وأجور الوقود، وأجور استهلاك المضخة.
إن ما يضاعف الأجر في تفكيره المتفائل الظروف الاستثنائية، أو المناسبة الحرجة، أي سرعة تلبية الطلب، في تفكير تاجر محتكر وبخيل، وتمنى ابن سيحان لو أنه غريب عن أهالي البلدة، أو أنه من البلدة الكبيرة، لكان كفء لعملية تجارية رابحة، يبتز بها أهل قرية الرأس، كل هذه الحجج هيأها ابن سيحان في خاطره، لكن لا أمل بادي لنجاح مأربه، وقد فعل عبد الله أخوه حسناً، عندما طالب برهن أي شيء يضمن لهم حقهم المهدور، ليس في العمل. ولكن أيضاً لفعل سحب الماء. والنتـائج المترتبة على فقدان تلك الكمية منه، وحرمان المزارع، والحيوانات التي تستقي منه على فترات. طالما الصيف على الأبواب، إن ما طالب به عبد الله سيحان هو رهينة من الذهب. أو مجوهرات عرائس قرية الرأس لا يوازي ثمنها، كما صوره هو لهم، جهد ومبلـغ الإهدار، إضافة لعملية السحب، ناقض ابن سيحان أخاه الأكبر لكي يظهر في نظرهم من فاعلي الخير، لكنه تراجع بعد صمت، وأيد رأي أخيه عبد الله للضرورة، وتحسباً لما قد يجري مستقبلاً لكي يضمن من جهته المبلغ الذي سوف يطالب به، فيما بعد، وبعد أن تستخرج الجثة من البئر، وتشاءم ابن سيحان من ذكر كلمة الجثة مستنكراً أن يكون في بئر أجداده دم مفصود، بئر الحصن الشرقي، ولن يشجع هذا أحد على الاستقاء منه لفترة طويلة، حتى هو وعائلته، ولعل هذا الثمن هو الذي ظل في خاطره. لكنه لم يستطع وقتها الإفصاح عنه خوفاً من سوء التفسير أولاً، وثانياً، وصفه بالعجول، واستنتاج الحقائق بسرعة، فقد اعتاد عدم الاستعجال في تعريف الناس بما تكنه نفسه، وفكر ابن سيحان من جديد في موازنة سريعة بأمر رهنية الذهب الذي سيودع لديه على كثرته، لا يوازي في تقديـره ما سيخسره، وذلك لعوامل كثيرة، من أهمها: أن نفس هؤلاء العرائس وروحهم ستبقى فيها متحسرين على مال لم يهنئن به، ولهذا لن يستطيع أحد من أهله استعمال هذه المصوغات، أما بيعها فمن المعروف أن لا ثمن يوازي في البيع الثمن المدفـوع عند الشراء، خصوصاً في المشغولات الذهبية، لأن سعر “المصنعية” سيفوق في بعض المصوغات الصعبة التصاميم، سعر الذهب نفسه، وبخاصة لو كان المشتري مزنوقاً في مناسبة عزيـزة، لذلك حسم ابن سيحان أمره إلى نتيجة، فرفض مبدأ الرهنية من جديد، لكي يصور نفسه أولاً شهماً، وغيوراً. وثانياً لأن نتيجة واحدة في كلا الأمرين، وقبل أن يفصح عن تبرعه وسماحه، وزه شيطان المال من جديد، وتعثرت الكلمات على لسانه، وقال متأتأ: أرضى لما اقترحه أخي عبد الله بقبول رهن الذهب لدي لحين انجلاء الأمور، وتسديد الديون. وعندما انتهى من قراره بدا أكثر حيوية متقد الحماس ساعد كثيراً في ساعات الشطف الأولى، يتحرك بهمة ونشاط، لا يضيع فرصة في الإعلان عن أساه، المدفوع الثمن بـالطبع، لا يفعل مثل صالح أحمد زاحم الكبير مختار قرية الرأس، الذي يضع يده على خده، وقد جلس مقرفصاً يحسب ألف حساب، وحساب. ولكن ليس على شـكل حسابات ابن سيحان، لأن هذا قد تراكمت عليه، وعلى أهـل قريته البلايا، والمصائب والهموم. فجثة مريم مرمية هناك في الدار، مغطـاة الرأس، وجثة عاثر لا يُعرف لها أثر. ومجوهرات العرائس الثلاث مرهونة هنا عند ابن سيحان. وليت ثمنه مردود بشيء ملمـوس، فليس إلا ماء مهدر على هذه الأرض، دون سبب، كل هذا لا يوازي معاناة مجئ الشرطة للحساب والتدقيق، في التحقيق معاناة فيها مسؤوليات أكبر. فكل زلة لسان، وكل غلطة، أو تجاوز من أي فرد، تحسب عليه هو المختار لا غيره. هذا ما تعلمه من تجارب سابقة. فهو أول من سيكون معرّض للسؤال. وهو الذي سيكون الوسيط بين الشرطة، وأهله القرية، وسوف يمثل الحاجز، والمانع، والموفق بين السلطة وبين الناس. يأكل الإهانات من الشرطة، ويتوسل بالناس فيكرهه الطرفان. ويسبه هذا الجانب، ويلعنه الجانب الآخر. ولخبرته يعرف، ويقدر. بأن حالة كهذه لن تمر بسلام أبداً، لذلك فهو يطلب الستر لا أكثر، ودون فضائح. وهاهو يضع يـداً على الخد، وأخرى على التراب، فلا نتيجة ولا أمل يُرجيان. وفي الغد لا بد من نزول أحد العارفين بفنون غور أعماق الآبار، ينزل ليكتشف الوضع. ويتعرف على النتيجة، لربما عصت الجثة في غار قبل وصولها إلى القاع حيث الماء كما يُشاع عن هذه البئر، أو ربما تكون إحدى الآفات قد خطفتها قبل أن تتفسخ. وقبل أن يكون للناس فرصة الاقتراب من البئر. كل هذه الخواطر تمر به، تأخذه مرة كأنها غفوة مريض مصاب بحمى، بعد تعرضه لبرد قارص، وتعيده مرات كأنها مرجوحة سقط منها مرة فتجلطت أطرافه، ووجه. ويعود كأنه في دوامة هصور. فتخيل أنه كلما حاول الاقتراب من ساحل الأمان جرته إلى الأعماق، موجة تغوص به فتتقطع أنفاسه، ويستغيث بأي منجد، أو منقذ معين. عيناه إلى فوق، وفمه تبلع المياه، ومعدته تستردها، وهاجس في داخله يسحبه لطلب النجاة، والتعلق بالحياة. لكنه يخشى أن تقطعه أسنان آفة غادر، من تحت، دون علم منه، وفي حومة الغرق لا ينسى تحسس أطرافه من تحت، متذكراً أيام تجلطها من سقوط من المرجوحة. وهاهي يده تحك رجله لا إرادياً، فيحس بالوقت ثقيل كالحجر لا يتحرك، بينما بدا الوقت نفسه بالنسبة ابن سيحان يمر كالبرق الذي يخطف الأبصار. لذلك بدأ حماسه يخبو تدريجياً. عندما لم يحصل نتيجة تذكر، رغم نفاذ الوقت، والصبر، والوقود. وكان حكماء القرى الثلاث قد أجمعوا وقتها على الاستعانة بابن عازب ذو فم الكهف الفارغة الذي يبدو الآن كدودة أرض، يتلوى على سجادة الحصير التي افترشها على الأرض، وقد أخذ له إغفاءة بانتظار قدوم دوره في العمل التخصصي، كأنه فقمة خرجت لتوها من ماء جليدية، تتمرغ على الثلج بثوبها، وقد تسربلت بالمياه وطوقت كيانها، كما تطوق التيجان الرؤوس الباردة. ها قد بدا ابن عازب للعيان يمضغ في نومه، بل إن أصوات مص العظـام، أو أفعال الرضاعة تعلو على جلبت الحديث المتقطع من قبل الجمع المنتظر بلا طائل، بل لقد تعمد البعض الإنصات. لربما يصدر عن هذا الرجل كـلام يفضح أسراره، لأمور لا يعرفها أحد في دنيا الواقع، ولا يمكن أن يكشف عنها لأحد في الحقيقة، أو في حالة الاستيقاظ، لكن شيئاً من هذا لم يحصل. فبين الحين والآخر يتعمد ابن عازب رفع رأسه، ويحك قرعته من تحت الطاقية، ويرسل نظرة استطلاعية تتفرس في كل ما يحيط به من الوجوه التي داهمها الظلام. ثم يبدأ بتحريك فكيه في فعل لوك اللعاب، وإخراج أصوات يريد بها إغاظة من حوله عمداً، طالما هُم بحاجة إليه هنا. ويلف رأسه بالغترة فوق الطاقية التي تعرقت حوافيها، وتعلقت بعض الدماء الجافة من قمل مفروك. ويقوم ابن عازب من جديد بإرسال شخيره الأولي، وهو ما يزال يلوك لعابه، بل يتعمد المبالغة في فعله لإغاظة المتطفلين، والمندهشين. ذكر ذلك بُراق بجارهم زوج الحلاقـة الأعور الذي كان يتعمد التحديق في الناس بعينه العوراء، وقد غطى العين السليمة بالكوفية. وهو في الحقيقة لا ينظر إلا من العين السليمة تحت غطاء الرأس الشفاف، كأنه مخايل من ملعبي خيال الظل، ينظر إلى الناس من وراء الستارة، ويتلاعب بأعصابهم، بينما هم ينظرون إلى شيء آخر، وهو الدمية الصماء، وهنا عند زوج الحلاقة فالنظر يكون إلى عينه العوراء الجامدة التعابير. فيتعمّد لمرات الالتجاء إلى تنظيفها من القذى العالق وهو يتشـمس أمامهم، كأنه يريد أن يكشـف أسرار الناس، وهم يشمتون به، أو يعطفون عليه، مثله مثل دارس متخصص في رصد العلل الاجتماعية. لذلك تراه ينفجر بالضحك فجأة، وقد  بدا عليه الاستمتاع بمشاهدة ما يتخليه لوحده، ملثما ينظر طفل في صندوق الدنيا.
هاهو ابن عازب يمضغ، ويمص من جديد، ويبدو أنه لم يكتف بلقمة واحدة لا في منامه، ولا في الواقع، لأن اللقمة لا يستذوق طعمها، إذ سرعان تلقي كفه باللقمة إلى بلعومه مباشرة، لذلك يحرم من استطعام المذاق، والمضغ، والمص في الواقع، ربما تعود ذلك بعد أن خلعت أضراسه كلها، نتيجة لحمى طالت لأسبوع انقذه من الموت الدكتور كركريان القرش، ومن فعل الحمى سقطت أضراسه فداءً لعمره، كما يقول هو للناس فيما بعد، ويقوم بإعادتها في كل مرة. ومن يومها عاد إلى عادة المص، ربما كما يذكر صديقه اللدود، وجاره عبد الله ابن قارن: إن ابن عازب قد فطم على عجل، لأن أمه توفت، وعمره لم يتجاوز الستة أشهر. وخشيت النساء من إرضاعه لأنهن اعتقدن بأن ابن عازب قد امتص رحيق أمه، فغدت جلد على عظم. فأخذت البقرة الوحيدة دور أمه، وكان وقتها لا يستطيع الرضع إلا وهو مرفوع إلى الضرع، يشده إليه والده، فيعمد إلى وضعه تحتها عندما تنتهي إحدى وجباته المتكررة، وببكاء حارق. وعندما بدأ الزحف هانت العملية على والده، فقد كان ابن عازب يسرق نفسه ليلاً، ليواظب على دوامه في الإسطبل، راضعها ما شاء له حتى جفت البقرة، وماتت هي الأخرى. وقد نكصت عادات ابن عازب، إلى ما قبل الفطام. قام بتعويض هذا القصور أثناء النوم، ربما يصح هذا التعليل، فلعله يمص أشياء أخرى يحلم بها، لا يعرف أحد من الحاضرين مكنونها، والعلم عند الباري كما فكر بُراق.
إن بُراق وهو يرى ابن عازب هنا يحك رأسه بين فـترة وأخرى، ويفتح عينه ليتفرس في الآخرين، ثم يعود إلى النوم، والمص مباشرة، قد ساعدت بُراق تخيل منظر ابن عازب من جديد، وهو يضع اللقمة في فمه، وكأنه لا يرتضي لا باستيعاب اللقمة، ولا بكف اليد، وإنما يتمنى أن تنزل اليد كلها إلى الكوع داخل جوفه، تماماً كما تفتح صغار الطيور أشداقها بأوسع ما يمكنها، وهي تتناول وجبة من فم الأم تزقها فيهم، وقد انفتحوا لها إلى آخر حد، بحيث لا يُرى منها إلا الفم المفتوحة فقط، وداخلها ظلام واسع تلمع بوسطه لهات حمراء، ولا يتخيلها إلا بكونها فم النهم، ومعصرة دائمة الدوران، تهصر كل ما بداخلها دون توقف، ولا كلل.
إن ابن عازب يبرر دائماً تعريض نفسه للمهمات الصعبة ومخاطرها، لبطولات يحق له أن ينسبها لنفسه، وينسج حولها القصص التي لا يمكن أن يقوم بها أحد، ليس ممن بعمره فقط، وإنما أيضاً لهؤلاء الشـبان المزهوين بقوة سواعدهم، وطول قاماتهم، لأنه بذلك يريد أن يبرهن كيف يكون رجل الملمات حاضر دائماً، فكل مشكلة تحتاج إلى جرأة، وسرعة حركة تنتهي إلى براعة ابن عازب. وإذا لم يكلف هو بها، يقوم هو بالتبرع بالقيام بها، غير أن لا أحد يقدر الدافع الذاتي الذي يدفعه إلى مثل هذه المهام. وفي أوقات الفراغ يبدأ ابن عازب بتعداد الحوادث على مدى سبعين سنة من عمره. غير أنه يعمد لعدم تذكر متى ابتدأ المجازفة في حياته. لعل ذلك رضعه من ضرع البقرة الصفراء التي لم يستفد من حليبها، إلا هو، فهي كما يقول المثل أن البقرة الصفراء ضرعها كبير، وتحلب كثيراً. ولكن عندما ترى السطل قد قارب على الامتـلاء ترفسه برجلها، فيندلق على الأرض. ولا تكتفي بذلك، وإنما تمزجه ببولها الذي يتناثر كالنافورة على كل من حولها ممن حضروا عملية الحلب. ولعل ابن عازب هو الوحيد الذي لم ترفسه البقرة الصفراء يوماً، ربما لأنها لم تفرق بينه، وبين رضيعها، أو أنه كان نحيفاً، يتعلق ببطنها، ولا يدع حوافرها تدهسه، لو ركنت قوائمه إلى الأرض. أو أن ابن عازب سطل لم يمتـلئ أبداً، لهذا نشف الضرع، وماتت البقرة دون أن تتمكن من رفسه، ولا مرة، وهو ممتلئ شبع، فكل مرة يسحبوه من الضرع يصرخ بأعلى صوته، جوعان، جوعان، والله العظيم جوعان، لم اشبع بعد، ولأن ابن عازب على الأقل لا يشبه السطل أيضاً، ولأن أمه البقرة لا ترى إلى أين يندلق حليبها، ولا كمية تجمعه ولا أين، ولم تتمكن من رؤية حليبها ذي اللون البراق، والجذاب في السطل الذي يسطع كسماء مرعى صافية جداً، مرصعة بالنجوم، تريد أن تنزلها كلها إلى الأرض، وتدوسها برجليها، بعد أن تغسلها ببولها الذي تنزله كالمطر، فهي وابن عازب معلق بضرعها لا تستشف لون الحليب من بطن ابن عازب أبداً. ولهذا فليس من المعقول أن يكون ابن عازب قد بدأ عادة المص من بطن أمه، ولكن  بالتأكيد ليس بعد أن بلغ العشرين من عمره. ويؤكد ابن عازب نفسه، راوياً بعضها بكل فخر واعتزاز. فحادثة السطو التي حدثت لبيت المدرس الراحل أمين إبراهيم، كان ابن عازب من شم رائحتها، وعرف من المتروكات في الدار، هوية السارق، ونواياه، وبمن يشك على الأقل. وقد ساعد ذلك الشرطة في تشخيص ثلاثة مشبوهين ظهر من بينهم السارق الحقيقي وهو عتيقان جمعة، وقد أخذ جزاءه في مركز المنطقة في بلدة البطن. فقد جلد خمسين جلدة، لأن المدعي تنازل عن حقه، وإلا لكان مصيره أن تقطع كفه، أو يده من الرسغ. لكن بعد ذلك لم يعد أحد يراه أبداً. أما حادثة العدوان على قطيع أغنام قرية العنق التي وقعت في تل القلب، فقد استوجب من ابن عازب أن يبيت أسبوعاً كاملاً بين الرعاة لكي يعرف السّر، لأن ما أشيع كان لا يعدو عن إدعاء بأن الذئاب كانت قد هاجمت قطيع الراعي خميسان الكرتي، فمات منها ثلاثة، وهرب عشرين من أحسن الأغنام، وأسمنها. والحقيقـة أن مجموعة حاقدة كانت قد حاولت إشعال فتنة بين قريتي العنق، والكتف، لكي يتخاصما على مراعي تل القلب، لم تكتشـف الشرطة حتى الآن ممن كان هؤلاء مدفوعين ولا من هم، لكن ابن عازب أقنع الطرفين، بأن هناك خصم لكليهما تهمه الفرقة بينهما، فتجاوزا المحنة بعد التأكد من عـدم وجود آثار تدل على وجود أياً من الأغنام ضمن قطعان قرية الكـتف المتهمة. ولم ينس ابن عازب سرد حادثة العصيان التي وقعت في القلعة الجنوبية من قرية العنق لمجموعـة من المهربي، وكيف أصاب رئيس العصابة في رأسه، مما فرق المجموعة، وساعد الشرطة على تطويقها. وغالباً ما يُغفل ابن عازب عند حديثـه أمرين عن عمد: الأول هو الإشارة إلى منافسه سويلم فريخ الشهابي، مقتفي الأثر المشهور في هذه الأيام، والذي تجاوزه ابن عازب ليس في فعل نزوله الآبار، وأفعال غريبة أخرى، وإنما أيضاً في حوادث اقتفاء أثر الرعاة التي يرويها بإسهاب دون الإشارة لكل ما له علاقة بمنافس في المنطقة، لكن ابن فريخ الشهابي نفسه، يختلف عنه في كونه لم يتجاوز الستين من العمر، وفي كامل قواه البدينة. وشيء آخر لم يسجله ابن عازب حتى الآن، هو الدهاء والمكر الذي يتبعهما عندما يوقع بطرائده، وهذه الصفة لا يعتبرها ابن عازب مزية جيدة، وإنما هي على العكس تفتقد إلى مبادئ الشرف، والرجولة في المهنة. أما الأمر الثاني الذي يتناساه عمداً، فهو من نوع آخر، ربما لا يعرفه الكثيرون، وهو إخفاقه، وحتى الآن في معرفة سر اختفـاء الطبيب، ومدرس الرسم الأجنبي كرابيت كريكوريان الذي يدعـوه ابن عازب، وكل من في المنطقة باسم كركريان أو كركور أي القرش، رغم أنه كان في إحدى رحلات الصيد، الهواية التي كان يفضلها طوال مدة بقائه، ولم يكن وحده، وإنما كان من مرافقيه الدائمين عبد الله عبد الرحمن، ومحمد شايع. ومهما ادعى ابن الشايع من قصص فلم يصدقه أحد. لا قبل وفاة القرش، ولا فيما بعد، ومما أغاظ ابن عازب كثيراً أن أحد المدرسين، وبعد مرور أشهر على اختفاء القرش، قد وجد قبعة كركور القرش في أحد الكهوف. ولأن هذا المدرس كان من المستجدين، فقد لبس القبعة ظناً منه أنها لا تعود لأحد. وكم طار عقل الناس، وعقل عبد ربه عيده المدرس، عندما رأى الناس يفرون من أمامه، وهم خائفين، يتعوذون بالله من الشيطان الرجيم. فطار عقل ابن عازب هو الآخر. وحبس نفسه في الدار لعدة أيام حتى جاءت الشرطة من جديد، بعد أن كانت قد انتهت منذ مدة من قفل القضية. كلا إن ابن عازب الآن لا يريد تذكر تلك الحادثة، ولا ما تلاها من أمور تفاصيلها، ولا يريد أن يُعاب عليه قلة حدسه، وعجزه في مهارته. لذلك ينتقل فجأة إلى أمر آخر، وبلون، ونكهة جديدين فيقهقه، وقد بانت سنه الوحيدة أسفل حافة كهف فمه العليا. كأنها نتوء صخري يصلح لأن تعلق فيه مرجوحة لفتاة لاهية مع عشيقها، تتأرجح بين الداخل، والخارج بين برودة الكهف، وحرارة الشمس في الخارج من كل ذهاب وأياب. إن الحماس الذي ينتاب ابن عازب المرافق للوصف، يجعله متوقداً، كأنه يؤدي فعل الحادثة الآن، أو كأن الحادثة قد حصلت يوم أمس، ولا يكتفي في كل ما وصفه رواية، وإنما يتقمص مع كل حادثة يشرحها الحالة المناسبة لها، فينبطح في المساحة الممكنة بأرضية دكانه التي لا تعدو عن غرفة كبيرة، أو مجلس يستخدمه لكل شيء، ويقوم بتأبط بندقيته التي يعتز بها، ليس لأنها تذكره بجده، وإنها هي هدية منه إليه، عندما توفاه الأجل. ولكن أيضاً لأنها حارسه الأمين، والحبيبة التي يمكن له معها وحدها التعامل بحرية. فهي الوحيدة التي تنصاع له بكل راحة، وانسـيابية. وهاهو ابن عازب يتأبطها منبطحاً على الأرض، ولا ينسى في كل مرة من امتداحها. ولو أن لديه ملَكة الشعر، أو جنيته كما يقال، لكتب فيها معلقات. وكم توسل بالشاعر عبد الله الحيمي لكي يكتب له قصيدة ينسبها إليه. فاستنكر هذا المبدأ لسببين: الأول لأنه يستنكف قول الشعر في جماد حتى ولو كان آلة الدفاع عن النفس. والسبب الثاني أنه لا يخون نفسه وغيره، بأن يكتب شعره لشخص ينسبه هذا لنفسه  فهذا حرام، وفي كليهما مصيره إلى جهنم. فهل يفعل مثل بعض المأجورون من المدرسـين الذين يتـبرعون بكتابة الشعر لأي كان مقابل مبلغ بخس. ويقـوم هذا بالإدعاء بنسب الشعر لنفسه مقابل دريهمات قليلة. والأهم من كل شيء أن هذه البندقية إنجليزية، رغم أنها أصيلة، ومعروفة في مهاراتها. ويقوم ابن عازب لاستدراج سامعه، ومشاهده للبقاء مدة أطول في دكانه، فمن عطش فتح له قنينة كازوز، وإذا جاع آخر ناوله قُرصُ محلي، وجبن معلب كرافت، خصوصاً هؤلاء المدرسين الذين يغريهم بشكل غير مباشر، لكي لا يذهبوا إلى دكان ابن سبحان. ولقد كان تفكير ابن سيحان أكثر عمقاً من ابن عازب حين طلب أن يكون ابن عازب نفسه هو النازل إلى أعماق البئر، لا ابن الشهابي الأصغر سناً، فلكل تلك الصفات والأسباب لم يفكر ابن سيحان بغير ابن عازب. وعلى الرغم من أن ابن عازب لم يفكر في إحضار البندقية معه، لأن الحالة لا تستوجب اسـتعمالها. فالعملية لا تعدو أكثر عن فن نزول، وتسلق الآبار من جديد، فعلى العكس فإن البندقية سوف تعيقه، ولكل ماهر عارف في فنون القتال، أو النزول إلى الأعماق، فإن ما يميز سلاحه المناسب، هنا في الأعماق ليس البندفية، فلن يجديه إلا الخنجر القصير، لا الجنبية اليمانية المعقوفة، وإنما بعض الأدوات التي تحفظ أصابعه من التلف عند التسلق، وهي عبارة عن أقمعة معدنية مدببة تُلبس في نهايات الأصابع لكي تحفر في الجدران تارة، وتتمسك بأي شيء لتارة أخرى. وربما شيء من ما يعينه على التعلق بالجدران الصقيلة، كأنواع الخطاطيف، وقد خمن ابن عازب بوجـود مهابط معلومة، ومواقع للأرجل، لم يعد يتذكرها لكثرة نزوله وصعوده في أكثر من واحدة من الآبار المنتشرة في الديرة، غير أنه ما أن ينزل وتحتويه دائرة الحفرة. وتبدأ الظلمة بالهيمنة حتى تجد قدماه، وأصابع يديه مواطئها لا إرادياً. لذلك ولمعرفة ابن سيحان بأن لا أحد سـوف ينافس ابن عازب قوة ومهارة، لا في بلدتهم الصدر، ولا في قريتي العنق، والرأس، ولا في بلاد غامد وزهران كلها. لذلك لم يدع غير ابن عازب ليقوم بالمهمة، لأنه سوف يضع ذلك ضمن الحساب. وسيكون لموقفه لدى ابن عازب أثر جيد، وهو  ما أحس به كليهما معاً. وكأنه نوع من التواطؤ لجعل ابن عازب يكسب رزقه من أية فعالية مستعصية، ولو كانت مصيبة على أصحابها، رغم أن ابن عازب عزّ على خاطره أن يفتح ابن سيحان دكان ينافسه في رزقه، ولهذا كما يبدو يرد ابن سيحان له المعروف من جهة، ولكي يسكته لحين. وربما تأتي هذه الالتفاتة من ابن سيحان لكي ينقي الأجواء بينهما، ويبعد ما يمكن أن يكون ابن قارن قد زرعه في نية ابن عازب، وأوغر صدره على ابن سيحان. وسيكون من السهل قلع ما زرعه هذا بسرعة قبل أن تتجذر أكثر، وربما يرحم روح كل من مريم، وعاثر لهذه المناسبة التي جـاءت دون وسـاطة أو تنازل منه، هذا عدا عن النيات الداخلية التي لا يمكن لها أن تُفصح. فلربما نوى ابن عازب إلى أبعد. لكنه لا يبدو بعظمة خبث، لا ابن سيحان، ولا دهاء ابن قارن الماكر، لأنه ليس بحاجة للمواربة أو المداهنـة، وإخفاء الضغينة، وراء وجه باسم مصفر، لأن ما لديه من مواهب، ومهارات تغنيه عن كل الحقد على أجدب معلول، وأمي جاهل برتبة مدير مدرسة، فإن ابن عازب قد توارث المواهب أباً عن جد، وهو الابن الوحيد الحامل للمعارف والمهارات الباطنية للآبار. ولأن كل ما يريده ابن عازب يحققه، باليد، وبالقول، وبالمواقف. لهذا أقفل بهذا التنازل ما تبادر إلى ذهنه، أو لكل ما حاول ابن قارن وغره في صدره.
صاح ابن سيحان بالجماعة لينهضوا، ولأول مرة يبدو صوته جهورياً، غير متردد، لا يشبه صوت ماعز الجبل، ولا بصوت امرأة منفوسة، وجاء إلى مختار قرية الرأس ليعيد عليه النداء لأن هذا لم يسمعه . فقد قرر الجمع العودة إلى بيوتهم للنوم بعد أن انتصف الليل، وسوف يبقى اثنان من الحاضرين للتناوب على مراقبة استمرار سحب الماء، وتزويد المضخة بالوقود قبل أن تتوقف عن العمل، فأشار ابن سيحان بما عنّ له من ديباجة غير مرتبة، وممجوجـة ومشى فتبعه أصحـاب المسؤولية، ومَن تأخر حتى الآن من المتطفلين، كأن هذا النداء إيعاز لانتهاء الفرجة، أو الواجب، أو ميعاد آخر موقف. وهو عدم ظهور أية نتيجة حتى الآن. وبالنسـبة للبعض فقد تأسفوا على ضياع الوقت، لأن كل شيء قد فقد معناه، ولأنهم سوف يعودون خالين الوفاض، وبلا حكاية تذكر غير وصف سحب الماء، وأشياء جانبية أخرى. لا يهتم بها المنصت.
سار الجمع صامتاً، وكل يحمل بداخله حوار يفضيه إلى الفرد الآخر بذاته، وعلى الرغم من أن الجماعة توجهت في أكثر من اتجاه، فالبعض سار إلى بلدة الصدر، والآخر إلى قرية الرأس، وبعض المتطفلين ساروا إلى قرية القحف، وتحسر ابن عازب على نومته المريحة الهاجعة فوق حصيرته المفضلة، طالما تركها هناك ليعودها في اليوم التالي. وتناوبت ابن سيحان موجة من مجاميع الأرقام التي تاه فيها، ومن خلالها، لأنه لم يتوصل إلى معدل معقول لتسعيرة الذهب، وعليه أن يطمئن على الرهينة حال عودته إلى الدار، وأين عليه أن يخفيها، ويدسها في مكان لا يعلمه إلا الشيطان. أما مختار قرية الرأس فقد غشيت عيناه من ظلمة الطريق، ومن تزاحم الأفكار حول المصائب، والمصاعب التي سيواجهها أمام أعيان قريته، وأما الشرطة في مجالس التحقيق، وتمنى أن تهون، ويتم العثور على عاثر ابن أخيه مهما سيكون مصيره.
كان أحد الحارسين قد وصل قبل رحيل ابن سيحان، فاستلقى على حصيرة ابن عازب بانتظار رفيقه الذي تأخر لجلب زوادة للأكل حتى الصباح، بعدها يذهبان للفطور والنوم طوال النهار، فغالبه النوم وهو ينتظر، فرأى ابن عازب يصرخ فيه، وهو يثب عليه ليمنعه من سرقة أحلامه، ما دام يتوسد نفس الحجارة، ففزع، واستيقظ ليرى زميله أمامه وهو يناديه، وبيده الأكل. فضحك من هلعه، وقص حلمه المبتور على زميله، فضحكا معاً واستمرا في التهام الأكل.
في هذه الأثناء كان عاثر الهامي قد أحس بأن القوم فوق قد رحلوا، ولم يبق أحد غير هؤلاء المغفلين من عمال الجنوب، جاءوا من جيزان، ونجران ليرتزقا هنا.. خرج عاثر ليستطلع المكان، وفي الظلام هرع إلى كلبه قرب الدار، كما روى إبراهيم ليوسف والتلاميذ، وقاد الكلب، عاثر إلى  مكان قريب من جثة مريم ليغمرها بنظرات الحب ربما لآخر مرة قبل أن يهرب إلى العالم الآخر.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *